الأربعاء، 05 ربيع الثاني 1440هـ| 2018/12/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • 1 تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

هل نشأ الكون صدفة؟

 

لماذا نعتقد أن الخلق هو التفسير الصحيح لوجودنا، وليس التطور، ثمة تفسيران لا ثالث لهما لتفسير وجودنا: إما أن نكون نتاج تصميم ذكي، وبالتالي الإيمان بالخالق، أو أن نكون نتاج صدفة عمياء، ولا ثالث لهذين الخيارين، أما الصدفة العمياء فيتصور بعض علماء البيولوجيا أو الأحياء، أن الخلية الحية الأولى نتجت نتيجة قوى بيولوجية تفاعلت مع بعضها بشكل عشوائي تلقائي صدفة، نتجت عنها الحياة، فإذا كان الخيار هو الثاني أي أننا وجدنا صدفة بلا خالق، فإن هذا يعني أنه لا يوجد هدف من الحياة، فتستطيع أن تعيش كما تشاء، وتفعل ما تشاء، ولا مساءلة على أفعالك في الدنيا، ولا ميزان يضبط الصواب من الخطأ، ولا العدل من الظلم!

 

وللإجابة على هذه الأسئلة سنطرح مقالات تتناول الموضوع من زوايا مختلفة، أولى هذه الزوايا التعريف بمعنى الصدفة، ودراسة مدى إمكانية نشوء نظام بشكل تلقائي من مادة صماء بكماء خرساء لا عقل لها، ولا إرادة ولا تصميم ولا قوة! وهذا ما سنتناوله في هذه المقالة:

 

إذا ما أنعمنا النظر فيما حولنا، نرى أنه يحيط بنا كم هائل من أدلة التصميم الذكي، ومن المعلوم أن الدارونية تؤمن بالتصميم الذاتي التلقائي spontaneous، خليةٌ حيةٌ بالغة البساطة simple cell بدأت بنفسها من غير تصميم ذكي، إنه مما لا شك فيه أن تَخيُّل الخلية الحية الأولى بأنها بالغة البساطة هو تخيُّلٌ خطأ، وقد ينسجم مع نوع الميكروسكوبات التي كانت موجودة أيام دارون وباستور، لكن اليوم مع وجود الميكروسكوبات المعقدة، وبالنظر في تركيب الخلية الحية في أبسط أشكالها وأعقده، حتى خلايا البكتيريا أو الكائنات أحادية الخلية، وجدنا بمقارنة ما يجري فيها من عمليات حيوية بالغة التعقيد أن كل ما يجري في نيويورك من حركات سيارات تمخر عباب الشوارع، وإشارات ضوئية تنظم السير، وقطارات ومحطات، وسكك حديدية، ومطارات وطائرات تهبط وتقلع، وحركة المصاعد في ناطحات السحاب، وحركة الناس جيئة وذهابا، وتعقيد تصميم شبكة الهواتف والصرف الصحي، والمياه والكهرباء، وسائر أشكال الحياة في ساعة الذروة في هذه المدينة العملاقة المكتظة بالسكان، هذه العمليات كلها أبسط من تعقيد العمليات التي تجري في أبسط خلية حية بملايين المرات!

 

تخيل أن يقال لك إن هذا التعقيد الهائل كله نتج عن انفجار (البيج بانج)، سنتطرق في مقالة أخرى إلى أن البيج بانج أضحى ثابتا علميا وبشكل قاطع مع بعض الاختلاف البسيط في تصور التفاصيل، لكن العلماء شاهدوا بالمسابر التي أرسلوها للفضاء "الأمواج المجهرية الصادرة عن الإشعاعات الخلفية الكونية" التي هي إشعاعات حرارية تملأ الكون، تقريبا على وتيرة واحدة متجانسة، وبكميات متماثلة الخواص الاتجاهية في الفضاء، تشاهد بالتليسكوب الراديوي الحساس، هذه الإشعاعات هي بقايا ما تبقى من طور سابق قديم في تشكل الكون، وقد شكَّلَ اكتشافُها دليلا آخر على أن أدق النماذج المفسرة لبدء الكون إلى الآن هو نموذج البيج بانج، فهذه الأمواج القادمة من جميع الاتجاهات، قطعت الشك باليقين، إزاء معدلات اتساع الكون، وفي العام 2001 أطلقت وكالة ناسا الأمريكية المسبار الفضائي WMAP فاستطاع أن يجلب للعالم معلومات تمكنهم من حساب ثابت التوسع الكوني، وعمر الكون بغض النظر عن المسافات بين المجرات، فانتفت مصادر الأخطاء الحسابية التقديرية.

 

اعتمد العلماء الفيزيائيون والفلكيون نظرية الانفجار الكبير لتفسير بدء الكون، وقاموا بحساب عمر الكون، والذي يقدر اليوم بحوالي 13.75 ± 0.17 مليار سنة، والمليار هو رقم واحد أمامه تسعة أصفار = 910 وهو ألف مليون، ويسمى أيضا: بالبليون، فهما نفس الرقم[1]، فعمر الكون إذن يقل قليلا عن 14 مليار سنة.

 

وأدق الحسابات تقدر نسبة الخطأ في هذا الحساب بحوالي 110 مليون سنة زيادة أو نقصاناً.

 

فإذا تبين لنا أن بداية الكون نشأت عن انفجار (أو انفتاق عظيم تحررت فيه المادة والطاقة من روابط الجاذبية الضخمة التي جمعت كل مادة الكون وطاقته في بوتقة صغيرة أدق من رأس الدبوس)، وهذا التحرر أقوى بكثير من أي انفجار يمكن تخيله، هذا الانفجار كان محسوبا للغاية لينتج عنه أدق وأعظم نظام انتظم هذا الكون، لقد شاءت إرادة الله تعالى أن ينتج هذا النظام العظيم الذي نشاهده في الكون عن انفجار! ليكون أبلغ في الدلالة على عظيم قدرته، وحتى نتخيل هذه العظمة لنأت بالمثال التالي:

 

لو أردت بناء بيت واخترت قطعة الأرض، وذهبت إلى مكتب هندسي فصمم لك البيت بدقة متناهية، وحسب لك كمية الأخشاب والمسامير والطوب والإسمنت والحديد والأنابيب، وكمية أسلاك الكهرباء وأنواعها، والطلاء والسجاد، والأثاث والخزانات والمطبخ وأدواته، وسائر ما يحتاجه البيت، ووضع التصميم وتقطيع الغرف، وموضع الحمامات والجدران والأساسات والسقف والدرج على الخرائط، وتم إجراء كل حسابات الثقل والأحمال، ثم بعد الفراغ من التصميم، طلب منك المكتبُ الهندسيُّ أن تشتري تلك المواد كلها، ثم طلب منك تفريغ الحمولة الكاملة من هذا كله في قطعة الأرض التي تريد بناء البيت عليها، ثم وضع مجموعة من القنابل المشبوكة بأدق أجهزة الكمبيوتر كي تنظم الانفجار تنظيما بالغ الدقة، بحيث ينتج عن ذلك الانفجار أن تحفر الأساسات وَيُصب فيها الإسمنت والحديد، في المكان المناسب بالضبط وبالكميات المطلوبة بدقة، ومن ثم تُبنى كل طوبة في المكان المناسب لها بالضبط، ثم توضع بين كل طوبة والثانية كمية مناسبة من الإسمنت المخلوط بالمواد اللازمة والماء، ومن ثم يقوم كل عمود من أعمدة البيت التي تلزم لتحمل الأحمال وبناء البيت عليها مكانه بدقة متناهية، ويُبنى السقف فوق ذلك كله، ومن ثم تُكسا هذه الجدران بطبقات مناسبة من الإسمنت ويتم حف الإسمنت حتى يصبح ناعم الملمس، ويتطاير الدهان في الهواء ليغطي الجدران بالطبقة اللازمة منه بشكل دقيق فلا يخلط دهان الجدران مع دهان السقف، وتمتد أنابيب التدفئة والمياه والمجاري كل منها في موضعه الدقيق، ويثبت مع غيره من الأنابيب، وتمتد أسلاك الكهرباء مكانها في الجدران بدقة وتوصل مع مفاتيح الإشعال والإطفاء مع الدارة الكهربائية الرئيسية في المنزل مع الأدوات الكهربائية، وهكذا حتى تجد أمامك منزلا يوافق التصميم الهندسي الدقيق! لا شك أن هذا الأمر مستحيل الحدوث، ولو كانت أجهزة الكمبيوتر التي تتحكم بهذا الانفجار بالغة الدقة والقدرات!

 

إن النظام الكوني الذي نشأ عن الانفجار الكوني العظيم/ البيج بانج أشد دقة من أي بيت، وتحكمه مجموعة ضخمة من القوانين والثوابت الكونية المعيرة تعييرا دقيقا محكما بالغ الدقة، أصعب ملايين المرات من مجرد بيت مبني وفقا لمخطط هندسي دقيق! وسنلقي الضوء بعد قليل على بعض تلك الأرقام إن شاء الله!

 

ما هي احتماليات أن يُبنى ذلك البيت صدفة من خلال ذلك التفجير؟ إن احتمالية ذلك تشبه احتمالية أن تعطي قردا آلة طباعة فيكتب لك الموسوعة البريطانية كاملة بمجلداتها الـ32، بحروفها وكلماتها وعلامات الترقيم التي فيها بدون أخطاء.

 

سنختار في هذا البحث موضوع إنتاج خلية حية من خلال الصدفة، ذلك الموضوع الذي أرَّق علماء الأحياء والطبيعة أرقاً شديدا، وحاروا فيه، وفسروه تفسيرات صبيانية بالغة التفاهة كما سترى بعد قليل!

 

لمحة عن تركيب الخلية الحية:

 

تقول الموسوعة البريطانية: تتكون الخلايا بشكل كبير من مركبات تحتوي على الكربون، ولأن ذرات الكربون يمكن أن تشكل روابط ثابتة بأربع ذرات أخرى، فهي ملائمة بشكل فريد لبناء الجزيئات المعقدة. تتكون هذه الجزيئات المعقدة عادة من سلاسل وحلقات تحتوي على هيدروجين، وأكسجين، وذرات نيتروجين، وكربون. ويتم بناء معظم الجزيئات المحتوية على الكربون في الخلايا، وليس كلها، من أعضاء واحدة من أربع عائلات مختلفة من الجزيئات العضوية الصغيرة: السكريات، والأحماض الأمينية، والنيوكليوتيدات، والأحماض الدهنية sugars, amino acids, nucleotides, and fatty acids. كل من هذه العائلات يحتوي على مجموعة من الجزيئات التي تشبه بعضها البعض في كل من الهيكل والوظيفة. بالإضافة إلى وظائف أخرى مهمة، يتم استخدام هذه الجزيئات لبناء جزيئات كبيرة. على سبيل المثال، يمكن ربط السكريات لتشكيل polysaccharides السكريات المتعددة مثل النشا والجليكوجين، ويمكن ربط الأحماض الأمينية لتشكيل البروتينات، ويمكن ربط النيوكليوتيدات لتشكيل الحمض النووي الدي أن إيه DNA (حمض ديوكسي ريبونوكلييك) وRNA (حمض ريبونوكلييك) من الكروموسومات، ويمكن ربط الأحماض الدهنية لتشكيل الدهون lipids من جميع أغشية الخلايا cell membranes.

 

سبعون بالمائة من تركيب الخلية ماء، وأهم باقي مكوناتها هي الجزيئات الكبيرة macromolecules، وأكبرها البروتينات[2]، وتتكون البروتينات من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية[3]. والحمض الأميني هو مركب عضوي مكون من عناصر.

 

بناء الخلية يتكون من السيتوبلازم، مع نواة لها جدار حي بداخله ما يسمى بالأحماض النووية، هذه الأحماض النووية تشكل الشفرة الوراثية للكائن الحي، والبروتينات هي من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية، فإذا كانت الخلية الحية لا تقوم إلا بالبروتينات، فلنستعرض إمكانية نشوء البروتين بشكل عشوائي جراء الصدفة!

 

 

cell

 

الخلية الحية

 

فإذا كانوا يدعون أن الخلية الحية الأولى نشأت صدفة فلنا أن نسألهم:

 

لماذا لا يستطيع أي عالم أن ينتج خلية في المختبر مع العلم الدقيق بالتركيب العضوي لكل خلية، وتوفر المواد الأولية اللازمة لصنع الخلية، وتوفر العقل الجبار للإنسان الذي يقوم بتلك المحاولات منذ حوالي مائة سنة منذ بدأت محاولات العالم البيولوجي الروسي ألكسندر أوبارين إلى اليوم؟!

 

في العام 1953 قام العالم الكيميائي ستانلي ميلير بعمل تجربة لتوضيح كيف بدأت الحياة على الأرض، فوضع الغازات التي كان يعتقد أنها تشكل الغلاف الجوي البدائي في الأرض وقت نشأتها، أو وقت نشوء الحياة عليها، فوضع غازات الميثان، والأمونيا (النشادر) والهيدروجين، وبخار الماء بكميات قليلة، وضعها في أنابيب وأوعية تجارب، وقام بإنتاج ما يشبه البرق باستعمال الكهرباء، وبعد خمسة أيام وجد ضالته، فقد وجد ترسب بعض الأحماض الأمينية البسيطة في قاع الأنبوب، وهي المركبات الأساسية للحياة فكان ذلك دليلا على إمكانية تشكل الأحماض الأمينية بشكل طبيعي في قاع المحيطات وبالتالي تفاعلها لإنتاج الخلية الحية، وقد طار العالم الإلحادي فرحا بنتائج تجربته، لكن المشكلة أن تجربته كانت خطأ، لأن علماء البيولوجيا الحيوية راجعوا النظريات تلك، ووجدوها خطأ، فالعلم بعد تقدمه كشف أن مكونات الغلاف الجوي البدائي لم تكن لتحوي الهيدروجين لأن الجاذبية الأرضية في ذلك الوقت كانت ضعيفة لكي تحبس الهيدروجين وهو الغاز الخفيف، فكان ليخرج إلى الفضاء الخارجي من الغلاف الجوي الأرضي، كما يقول عالم الأحياء الشهير جوناثان ويلز Jonathan Wells [4] "ما يعتقد أنه كان يشكل الغلاف الجوي الأرضي هو ما تخلفه البراكين من منتجاتٍ أي: ثاني أكسيد الكربون، والنيتروجين (الآزوت)، وبخار الماء"، وبإعادة تجربة ميلير مع وجود تلك الغازات لم تنجح التجربة في إيجاد أي من الأحماض الأمينية، لكن، المشكلة أعقد من أن تنتج جزيئات فيها أحماض أمينية، حيث إن الأكاديمي الروسي إيريك غاليموف - المدير العلمي لمعهد الجيوكيمياء بأكاديمية العلوم الروسية، يقفز متهللا بعثوره على نيازك وأجسام فضائية وجد فيها بعض الأحماض الأمينية، فكان عنوان اللقاء معه في برنامج التلفزيون: كشف اللغز الأكبر. عالم روسي شهير يشرح آلية تشكل العضوي من اللاعضوي وظهور الحياة على الأرض! رغم أنه في البرنامج لا يدعي كشف اللغز، ولا يحاول تفسير نشأة الحياة، لأنها أعقد من أن تفسر بالعثور على أحماض أمينية أتت من الفضاء! لكن الإعلام دائما يبحث عن العناوين البراقة!

 

فمهما استطعت من إنتاج جزيئات، بالشروط الأولية المعينة، فإنك لن تستطيع إنتاج خلية حية في المختبر أبدا، فما بالك بإنتاجها صدفة! بل فوق ذلك، لو أتيت بأنبوبة اختبار للتجارب، ووضعت فيها القليل من السوائل بكميات صحيحة مضبوطة من الأملاح، وكميات متوازنة من الأحماض والقواعد، وبالحرارة المعتدلة الصحيحة وكل الظروف المعيارية الدقيقة لإنتاج الخلية الحية، ثم جئت بخلية حية حقيقية ووضعتها في المحلول الذي يسمح لها باستمرار الحياة وهي فيه، ولكن إذا أتيت بإبرة وفجرت الخلية في ذلك المحلول، فتدفقت مكونات الخلية داخل ذلك المحلول، في الأنبوب الصغير، فأنت بذلك تكون قد وضعت في المحلول كل المكونات الدقيقة الصحيحة للخلية الحية، كل الجزيئات التي نحتاجها للخلية الحية، بل الجزيئات التي كانت تتشكل منها تلك الخلية الحية نفسها، ليس نظيرا لها ولا شبيها لها، بل هي هي، بنفس النسب والتركيب العضوي فإنك لن تستطيع أن تعيد هذه المكونات لتعود خلية حية مرة أخرى! لذلك من المستحيل أن تتم تلك العملية في ظروف عمياء صماء بكماء لا عقل ولا إرادة فيها، نتاج الصدفة!

 

لقد بدأت محاولات إنتاج الخلية الحية على يد الكيميائي الروسي ألكسندر أوبارن في العشرينات من القرن العشرين، كل التجارب إلى اليوم مع عقل الإنسان الواعي، كلها تجارب فاشلة، كل التفسيرات التي يقدمها العلماء حول تشكل الحياة، من تدخل خارجي، أو صواعق وبروق ومواد أولية اجتمعت صدفة، كل هذه التفسيرات مضللة وسيئة للغاية، ولا تقدم أي تفسير علمي لنشأة الحياة!

 

تقول الدكتورة جين مارتان دكتوراة في الأبحاث الخلوية لجامعة جورج واشنطن:

 

في البروتين البسيط حوالي 100 حمض أميني، يوجد 20 نوعاً من الحمض الأميني اليساري الترتيب L-amino acids in proteins في البروتينات، وكل منها يمكن استعماله بشكل متكرر في سلسلة من 100 حمض أميني، لذلك فإنه بحسبة بسيطة نجد أن هذه الأحماض الأمينية يمكن أن تترتب بطرق مختلفة عددها 10020 أو ما يساوي: 13010 طريقة، إن احتمالية أن يتكون الترتيب المطلوب الصحيح لأي من هذه الأحماض الأمينية المائة اللازمة لتشكل البروتين، حتى يتشكل ذلك البروتين بعينه هو واحد من 11310. أي أن احتمالية أن ينشأ جزيء بروتين واحد بالصدفة هو فرصة واحدة على 11310 فرصة، ولأجل المقارنة، نجد أن السير آرثر إدنجتون Sir Arthur Eddington قام بتقدير عدد الذرات أو الحُبيبات التي في الكون كله بحوالي (3.145 x 7910) أي حوالي 8010 حُبَيبَةً (particles).

 

عمر الكون كله يقدر اليوم بحوالي 13.75 ± 0.17 مليار سنة على أدق التقديرات، فلو افترضنا أنه 30 مليار سنة أي حوالي 1810 ثانية[5]، وأن كل حُبيبة من هذه الحبيبات يمكنها أن تتفاعل بمعدل فلكي هو واحد تريليون مرة في الثانية (1210) فإن عدد التفاعلات التي يمكنها الحدوث بناء على عدد الحبيبات الموجودة في الكون بمعدل تريليون مرة في الثانية بعدد الثواني التي توجد في ثلاثين مليار سنة هو: 8010 x 1210 x 1810 = 11010.

 

وبالتالي فإننا بحاجة إلى أكثر من 2.5 مرة من عمر الكون، وبهذا العدد الضخم من التفاعلات من كل حبيبة من كل الحبيبات لننتج جزيء بروتين بسيط بشكل عشوائي صدفة! لا مادة الكون تكفي، ولا الزمن يكفي! علاوة على القول بأن العناصر التي تشكل البروتين من هيدروجين وكربون وغيره من العناصر ليست هي فقط التي في مادة الكون، فما في الكون من هذه العناصر أقل بكثير من مادة الكون الكلية، وبالتالي فمن باب أولى أنه أشد استحالة أن يحدث!

 

يعتبر الرياضيون[6] أن احتمالاً واحداً مقسوما على 5010 غير محتمل، بمعنى آخر، إن احتمالية حدوث هذا الاحتمال بالغة الصغر لدرجة لا يتصور حدوث مثل هذا الحدث أبدا، يقال إن احتمالية حصولها هو صفر، ويمكن القول إنه مستحيل الحدوث! وذلك لانعدام المادة في الكون التي يمكن أن يتطلب وجودها لحصول هذه الصدفة، ولعدم وجود الزمان الكافي لحصول مثل هذا الاحتمال بشكل عشوائي!

 

يقول آينشتاين: الله لا يلعب النرد!

 

قال مايكل بيهي الاختصاصي الشهير في الكيمياء الحيوية: إن احتمال الوصول إلى ترتيب مناسب في بروتين مكون من 100 حمض أميني أقل من احتمال أن يصل شخص معصوب العينين إلى حبة رمل ملونة في صحراء مساحتها تصل إلى 8600000 كيلومترا مربعا.[7] تبلغ مساحة البرازيل 8.514.876، أي أن تجد حبة رمل معينة في كل رمال البرازيل وأنت معصوب العينين!

 

إن احتمالية إنشاء أبسط إنزيم - بروتين يملك مائة حمض أميني هو 11310، إن احتمالية أن تنشأ 25000 أنزيم بطريق الصدفة هو واحد من 2.825.00010، وهو عدد الأنزيمات الموجودة في جسم الإنسان!

 

فكم بروتينا تحتاج لتشكل إنساناً؟ الرقم مرعب! يتألف جسم الإنسان من حوالي 10 تريليون خلية حية، أي 10 مليون مليون خلية، أكبر هذه الجزيئات البروتينية يعرف بالتيتن،[8] ويتألف من سلسلة تربط 34350 حمضا أمينيا معا[9]!! والبروتين العادي يتألف عادة من سلسلة من 200-300 حمض أميني مرتبطة معا. والأحماض الأمينية ثلاثية الأبعاد.

 

يقدر العلماء أن كل خلية حية تحوي 10 بليون جزيء بروتين، بتنوعات مختلفة تفوق العشرة آلاف نوع[10]!!!! فإذا ضربت في المتوسط كل بروتين بـ250 حمضاً أمينياً يتكون منه، (في الواقع الرقم الاعتيادي المتوسط هو 445) ففي كل خلية حوالي 2500 بليون - 4450 بليون حمضا أمينيا!!! والبليون ألف مليون: 1000.000.000.

 

البروتين العادي يتكون من سلسلة من 445 حمضا أمينيا مرتبة ترتيبا يساريا[11]،

 

ألم أقل لك بأن الخلية الحية أعقد تركيبا من مدينة نيويورك ملايين المرات!

 

السير فريد هويل قال: عن احتمالية أن تنشأ الكائنات الحية عن طريق التطور إنه "يشبه أن يضرب إعصارٌ مدمرٌ مجمعاً للخردةِ، وينتج عن هذا الإعصار إنشاء طائرة بوينج 747 قابلة للطيران" في العدد 294 من مجلة الطبيعة في العام 1981[12].

 

لنتعرف على "الصدفة" ما هي؟

 

حسنا، قد لا تحب الرياضيات، ولغة الأرقام، ولكن جسمك مكون من خلايا حية، والبنية الأساسية للخلايا الحية تقوم على جزيئات البروتينات، وقد قامت الدكتورة جين مارتان - دكتوراة في الأبحاث الخلوية لجامعة جورج واشنطن[13] - بحساب احتمالية أن ينشأ جزيء بروتين بسيط واحد بالصدفة، فوجدت رقما مرعبا: 11310!

 

لنتوقف قليلا، ونتذكر قصة مخترع الشطرنج والحنطة (أو القمح أو الرز)، تقول تلك القصة: إن الملك (يقال بأنه ملك هندي) الذي أعجب جداً بالشطرنج قال لمخترعها أن يطلب أية مكافأة يريد. طلب مخترع الشطرنج من مليكه الحصول على حبة قمح واحدة في أول خانة من رقعة الشطرنج، وحبتين في الثانية و4 حبات في الثالثة، ثم ثماني ثم 16 ثم 32 وهكذا بمضاعفة الحبات في كل خانة تالية من خانات رقعة الشطرنج حتى الخانة 64.

 

ضحك الملك وحاشيته من تواضع المخترع، وطلبوا منه أن يحسب لهم الرقم الذي عليهم أن يعطوه إياه من حبوب القمح، فقال لهم: ليس بمقدورك يا سيدي الملك تحقيق مثل هذا الطلب، ولا يوجد في كافة عنابرك مثل هذا العدد الذي طلبته، ولا وجود له في كافة مخازن الحبوب في المملكة برمتها، لو أراد الملك أن يمنح هذه المكافأة فليأمر بتحويل الأرض بأسرها إلى حقول مزروعة بالقمح، وليأمر بتجفيف البحار والمحيطات لتزرع مكانها القمح، ثم تعطى كل محاصيل هذه المساحات إلي مرتين متتاليتين.

 

اندهش الملك وطلب من العالم أن يخبره بهذا العدد الهائل.

 

فأجابه العالم بأنه: 18446744073709551615 حبة قمح. أي 1.8 x 1910 أي أكثر من 18 كوينتيليون! (18 مليون تريليون)، حتى تقارن الرقم تذكر بأن ديون أمريكا تبلغ 21 تريليون دولار!

 

ches

 

الحقيقة أنك حتى تحصل على هذه الكمية من القمح فإن عليك أن تجفف محيطات وبحار العالم وتحوله ليابسة كله وتزرع كوكب الأرض مرتين بالقمح، وسيكون الناتج قمحا يغطي كل مساحة الهند بارتفاع متر كامل من القمح بمعدل عشر حبات من القمح لكل إنش مربع،

 

dom

 

ملحمة الإنيادة، واحتمال كتابتها صدفة

 

الشاعر الروماني فيرجيل كتب ملحمة الإنيادة، Virgil's Aeneid باللاتينية في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، وبعد كتابتها بحوالي ألفي سنة، قام الدكتور الروسي العالم في البيولوجيا الحيوية ألكسندر أوبارين Dr. A.I. Oparin 1894- 1980بأبحاث حول نشأة الحياة وقد آمن بأن المواد اللاعضوية inorganic substances يمكنها أن تجتمع وتشكل خلية حية، ولم يكن يؤمن بالخالق أبدا، ومولت الدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي أبحاثه، لكنه في النهاية أقر بالهزيمة وبأن تعقيد البروتينات تجعل نشوءها العشوائي التلقائي غير محتمل للغاية highly improbable، قال العبارة التالية:

 

"إلى طلاب تركيب البروتين، إن التكوين التلقائي لمثل هذا الترتيب الذري لجزيء البروتين يبدو غير محتمل للغاية، تماما كصعوبة احتمال أن تكون الإنيادة التي كتبها فيرجيل قد كتبت صدفة من تجمع حروف تطبع بشكل عشوائي".

 

"To the student of protein structure the spontaneous formation of such an atomic arrangement in the protein molecule would seem as improbable as would the accidental origin of the text of Virgil's "Aeneid" from scattered letter type.''[14]

ومع هذه العبارة القوية، فإن أوبارن لم يغير معتقده!

 

لا يوجد ولا أي دليل مادي أو تجربة تثبت إمكانية قيام الخلية الحية ذاتيا! ولا تنتج الحياة إلا عن كائنات حية أصلا!

 

وقد استعمل العلماء الدي أن إيه والأنزيمات والبروتينات في محاولات عقيمة futile لإنتاج الخلية الحية، لكنهم فشلوا أيما فشل!

 

حتى تصنع أي جزيء بروتين، فإنك لا بد أن تُشَفِّرَ الأحماضَ الأمينيةَ إلى قالب دي أن إيه، فإذا ما جارينا علماء الدارونية في نتوج الخلية الحية عن العشوائية والصدفة، فإن الشرط أن يتم تشكُّل هذا التشفير عشوائيا، بلا تدخل من تصميم سابق، ولا عقل ولا إدراك ولا وعي يتدخل في عملية الإنتاج حتى يصدق عليه أنه نتاج الصدفة وحدها! وذلك بالاعتماد فقط على قوانين الفيزياء والكيمياء الطبيعية، كي ينشأ "تلقائيا"، ولا بد بالتالي أن يتوزع توزعا عشوائيا، أي أن يحصل انتقال المادة من حالة اللاعضوية التي يكون الترتيب فيها غير منتظم، إلى حالة عضوية منظمة بشدة، لتشكل شفرة الدي أن إيه بشكل لا تدخل فيه للوعي ولا للعقل ولا للتفكير ولا للتصميم المسبق بأي شكل من الأشكال!

النسخة الإنجليزية من ملحمة الإنيادة للشاعر الروماني فيرجيل تتكون من حوالي 83000 كلمة، فلو افترضنا متوسط 5 حروف في كل كلمة، سيكون مجموع الحروف الكلي حوالي 415000 حرف، وحتى ندرس احتمال تشكل البروتين بنفس الطريقة العشوائية سنقارن هذا العدد من الحروف بحوالي 3000 نوع مختلف من البروتينات فيما يسمى البكتيريا وحيدة الخلية الإشريكية القولونية Escherichia coli.[15] لقد اخترنا البكتيريا ولم نختر الخلايا الأشد تعقيدا كخلايا الإنسان مثلا!

 

لو افترضنا أن كل بروتين فيه متوسط 100 حمض أميني، وفي كل حمض أميني في المتوسط 15 ذرة، فإن مجموع ذرات تلك البكتيريا هي 3000 x 100 x 15 = 4500000 (أربعة ملايين ونصف المليون تقريبا).

 

أكثر قليلا من 10.8 أضعاف عدد الحروف في ملحمة فيرجيل!

 

وهذا التقدير بالغ المحافظة والصغر، وفي الواقع عدد الذرات أعلى من هذا بكثير، لأن الهيموجلوبين وحده كبروتين فيه 9512 ذرة[16]ـ وعليه، فالحسبة التالية سنكتشف من خلالها استحالة كتابة ملحمة فيرجيل عن طريق الصدفة.

 

لو افترضنا أن هناك مائة مليار من البشر، أي 1110 من البشر، وهو عدد يفوق كثيرا أي تقديرات لكل البشر الذين كانوا على وجه الأرض منذ آدم عليه السلام إلى اليوم، فلنفترض أنه هذا العدد وأنهم كلهم أحياء، وأن كل واحد منهم لديه طابعة يطبع عليها ويقرأ ما يطبع، وكل طابعة عليها 26 حرفا من أحرف الهجائية الإنجليزية، ولدى كل منهم صندوق مغلق فيه الـ26 حرفا من حروف الهجائية أيضا، وبشكل عشوائي حين تهز الصندوق الذي يحوي الأحرف الـ26 الهجائية ليخرج لك حرف، وتنقر ذلك الحرف على الطابعة، وكل حرف من الحروف الـ26 لديه الفرصة نفسها في أن يظهر حين هز الصندوق، ثم بعد طباعة الحرف تعيده للصندوق وتهز الصندوق من جديد لتكرر العملية. فور تشكل الحروف يقوم شخص بتهجئة الحروف ليرى الكلمة الناتجة عن ذلك كل خمس محاولات ليرى هل تشكلت الكلمة المطلوبة في ملحمة فيرجيل في مكانها من القصيدة ثم تتشكل الكلمة الثانية بعدها في مكانها بعد تشكل الكلمة الأولى بالضبط وهكذا؟

 

ولنفترض أن كل شخص من البشر الذين عددهم مائة مليار يقوم في كل ثانية باستخراج 1210 حرفا كل ثانية، أي مليون مليون حرف كل ثانية، أي تريليون حرف كل ثانية يستخرجها ويطبعها ويتهجاها كل ثانية على مدار الساعة، وتخيل أن تستمر هذه العملية ليل نهار على مدار الساعة لمدة 30 مليار سنة، أي تقريبا 1810 ثانية، ومن مجموع البشر الذين يقومون بهذه العملية معا في اللحظة نفسها، كم يا ترى من المحاولات ومن الوقت يلزم كي ينتج لدينا لنقل فقط أول ستة كلمات من ملحمة فيرجيل بترتيبها نفسه في القصيدة؟

 

حتى نتهجأ الكلمات الست الأولى من ملحمة فيرجيل بالترتيب، وهي عبارة عن 30 حرفا، كم محاولة نحتاج؟

 

كل البشر الذين لدينا 1110 x عدد الحروف التي يخرجها كل واحد منهم من الصناديق ويطبعها ويتهجاها كل ثانية 1210 x عدد الثواني التي تشكل 30 مليار سنة 1810 = 4110 مجموع عدد الحروف التي تم هجاؤها في 30 مليار سنة من كل البشر في كل ثانية من هذه السنوات.

 

كم عدد المحاولات التي يجب أن يقوموا بها عشوائيا لتهجئة الحروف الـ29 الأولى من القصيدة؟

 

كل حرف من الحروف الـ26 حين يضاف للحرف الثاني من الحروف الـ26 لدينا كم احتمال؟ واضح أنه 26 x 26 = 226.

 

رقم 26 = 1.41510 نحوله لهذه الصيغة حتى نسهل مقارنته بالنظام العشري، وبالتالي فإن المحاولات التي نحتاجها كي نحصل على الحروف الـ29 الأولى من القصيدة هي 2926 أي أن هذا يساوي 2926 = (1.41510)29 = ~41.03510 = ~4110 تقريبا احتجنا لعدد من المحاولات يقارب ما قام به كل البشر على مدار كل ثانية من العمل لمدة 30 مليار سنة متواصلة حتى نتهجأ بشكل عشوائي الحروف التسعة والعشرين الأولى من الملحمة!

 

قلنا: النسخة الإنجليزية من الإنيادة للشاعر الروماني فيرجيل تتكون من حوالي 83000 كلمة، فلو افترضنا متوسط 5 حروف في كل كلمة، سيكون مجموع الحروف الكلي حوالي 415000 حرفا.

 

احتجنا مائة مليار من البشر يقوم كل واحد منهم كل ثانية بهز الصندوق تريليون مرة ليخرج تريليون حرف بشكل عشوائي ويتهجاه، أي معدل تريليون حرف كل ثانية، ويضمه للحرف التالي فالثالث فالرابع فالخامس لنرى متى تتشكل الكلمة الأولى بشكل صحيح في مكانها الصحيح من القصيدة، فاحتجنا 30 مليار سنة حتى استطعنا إنتاج 29 حرفا بشكل صحيح، فكم نحتاج حتى ننجز 415000 حرفا هي عدد حروف الإنيادة، كم نحتاج حتى نحصل على 4500000 أربعة ملايين ونصف المليون ذرة هي التي تشكل خلية البكتيريا وحيدة الخلية الإشريكية القولونية Escherichia coli؟

 

عمر الكون كله يقدر اليوم بحوالي 13.75 ± 0.17 مليار سنة على أدق التقديرات، فاحتجنا إذن لتهجئة 29 حرفا من الإنيادة 2.18 مرة عمر الكون كله! فكم نحتاج من زمن لحصول بكتيريا وحيدة الخلية الإشريكية القولونية بشكل عشوائي؟

 

المشكلة أن السطر الأول من القصيدة يحوي بالإضافة إلى 30 حرفا، يحوي علامات ترقيم في مواضع معينة! وتعقيدات البروتين أشد بكثير من مجرد اصطفاف حروف إلى جانب بعضها!

 

السطور الثلاثة الأولى من القصيدة تحوي 93 حرفا، فكل حرف له 9326 فرصة عشوائية، وبالتالي

 

9326 = (1.41510)93 = 1.41510 x 93 = 131.59510 = ~13210

أي أن هناك ما لا يكفي من ذرات في الكون المحسوس لاستعمالها في هذه التجربة لإنتاج السطور الثلاثة الأولى من الملحمة بشكل عشوائي، فلا الزمان يكفي، ولا المادة التي في الكون تكفي لإنتاج ثلاثة سطور من الملحمة!

 

هل فهمنا الآن معنى أن الصدفة مستحيلة!

 

كتب الملحد ريتشارد دوكنز كتابا اسمه "صانع الساعات الأعمى" افترض فيه فرصة أو احتمال قفز بقرة للوصول للقمر بأنه ممكن ومحتمل مهما كان ضئيلا! فقط لأن هناك "رقما رياضيا" مهما كان ضئيلا تافها بالغ الصغر أشد صغرا من كل هذه الأرقام الخارقة التي وجدناها يمثل احتمال حصول هذه الصدفة، فإنه قرر أن ذاك الأمر ممكن!

 

نذكر دوكنز أن مجرد تصوره إمكانية أن تقوم بقرة بخرق كل قوانين الطبيعة وأنظمتها فتقفز قفزة عشواء تتغلب فيها على كل تلك القوانين وهي لا تملك الطاقة الكافية ولا السرعة الكافية للتغلب على مجال الجاذبية الأرضية، فإنه يعني أنه من الممكن أن لا يكون هناك جاذبية، رغم أنها محسوسة، ولكننا سنقول بما يخص: متى نقول إن الصدفة مستحيلة أو إن الاحتمال صفر وأنه غير محتمل! متى يكون صدفة ومتى يكون مستحيلا حتى نقول بملء الفم: لا يمكن أن يحدث صدفة؟

 

خذ مثال اليانصيب، يشتري الناس تذاكر عليها أرقامٌ معينةٌ بترتيبٍ معينٍ، ومن ثم تقومُ جِهةٌ راعيةٌ لهذا البرنامج بالسحب عبر اختيار عشوائي لكرات عليها أرقام أحادية أو ثنائية أو ثلاثية بحسب نوع اليانصيب، ومن ثم تخرج الكرة من صندوق ما وتخرج كرة أخرى بعدها برقم ما، وهكذا حتى تجتمع مجموعة كرات تمثل الأرقام التي تشبه تلك التي على التذاكر التي اشتراها لاعبو اليانصيب! وبالطبع لقد تم تصميم اللعبة بحيث تتشابه الأرقام التي على الكرات مع الأرقام التي على التذاكر بنفس التراتيب لتصبح إمكانية الفوز وتطابق الأرقام هنا وهناك ممكنا، أي تدخل العقل في تصميم الحظ ليزيد بشكل كبير فرصة الفوز، وإلا لو كان الأمر عشوائيا في السحب، عشوائيا في تنظيم الأرقام ما تطابقت أرقام ولا قامت لعبة!

 

ومع ذلك سنسأل: ماذا لو قرر شخص ما يعيش على كوكب المريخ وحده أن يشتري بطاقة يانصيب، ولا توجد جهة أخرى هناك تسحب كرات اللعب وتعلن عن فائز ما، هل من الممكن أو المحتمل أن يفوز هذا الشخص بيانصيب لا وجود له؟ قطعا لا، ولا يمكن وضع احتمال مهما كان تافها بالغ الصغر بأنه يمكن أن يفوز، ببساطة لأنه لا يوجد طرف آخر ينظم اللعبة ويجري عملية السحب! (تماما كاحتمال أن تقفز بقرة فوق كل قوانين الفيزياء وتصل القمر)، فإذا كان احتمال أمر ما يحتاج كمية من المادة أكثر من مادة الكون، ويحتاج زمانا أطول من عمر الكون، فإننا نقول له إن هذا يشبه أن تلعب اليانصيب وحدك دون وجود جهة منظمة للعب وتنتظر الفوز بالمليارات الكثيرة من دولارات غير مطبوعة ولا موجودة على ذلك الكوكب!

 

إن مشكلة القائلين بالصدفة في تفسير الكون والإنسان والحياة ليست في رقم واحد يفترض أنه حصل بشكل عشوائي صدفة، أو بشكل تلقائي عن طريق الصدفة، وبضربة حظ! وإنما مشكلتهم مع مجموعة ضخمة من الأرقام المضبوطة بدقة، التي احتاجت لمنظم ومصمم يحكم صنعته، من ذلك مثلا أن ثابت التوسع الكوني المسمى مضاد الجاذبية Anti-Gravitational cosmological Constant مضبوط ومعير تعييرا دقيقا بنسبة 1: 12010 بحيث لو اختلف الرقم الذي بعد الخانة العشرية 120 على يمين الصفر تغيرا بسيطا لاضمحل الكون. ونسبة الإلكترون للبروتون معيرة بنسبة 1: 3710 والنسبة بين القوة الكهرومغناطيسية إلى الجاذبية معيرة بنسبة 1: 4010، وتوسع الكون معير بنسبة 1: 5510، والكثافة الكتلية للكون معيرة بنسبة 1: 5910، والثابت الكوني معير بنسبة 1: 12010، فهذه الأرقام المذهلة وغيرها الكثير يتم تجاوزها باللجوء للصدفة في تفسير نشأة الكون، وهي أكبر عملية نصب واحتيال على العقل البشري في التاريخ وقادتها هم أساطين العلم الغربيون الذين تسلطوا على نتائج العلم بسفسطائيتهم التي نتجت عن كراهيتهم للدين!

 

فكيف إذا ما ضممنا لها الأرقام المذهلة المتعلقة بنشوء الحياة، وقد تقدم أن احتمالية أن ينشأ جزيء بروتين واحد بالصدفة هو فرصة واحدة على 11310 وغيرها الأرقام الكثيرة المذهلة التي تنفي الصدفة تماما!

 

فمثال حالهم هذا وهم يعزون نشوء الكون إلى الصدفة كحال من يريد أن يقنعك بإمكانية أن يقوم مجموعة من الأشخاص بشراء تذكرة يانصيب كل أسبوع للسحب الأسبوعي في كل ولاية أو مدينة في العالم تجري اليانصيب أسبوعيا،

 

ويستمرون بشراء هذه التذاكر أسبوعا بعد أسبوع ملايين السنين ولا يخسرون ولا مرة واحدة! ليست مشكلتنا مع رقم واحد لنفترض قيامه صدفة، بل المشكلة مع مجموعة ضخمة من الأعداد المعيرة تعييرا دقيقا ومجموعة ضخمة من الأعداد التي تمثل استحالة تشكل الأشياء صدفة سواء البروتينات أم الخلية الحية أم الأنزيمات أم غيرها مما يوجد الحياة ويغذي تنوعها باختلاف أشكالها وتركيبها في كل كائن حي وفي كل مرة!

 

لقد شاهدت بعينك مدى استحالة أن تقوم الصدفة بإنتاج جملة من ست كلمات تتكون من 29 حرفا بشكل مرتب منظم متتابع، أي أن نشوء النظام عن العشوائية في أبسط أنواع النظام أمر مستحيل، لا يمكن أن ينشأ بشكل عشوائي إلا الخراب والدمار، أما النظام مهما كان بسيطا، فإنه لا يمكن أن ينتج صدفة، وهذا ما يتوافق تماما مع قانون الديناميكا الحرارية الثانية القائل أن الإنتروبيا، أي الاعتلاج، أو العشوائية، أي تغير يحدث تلقائيا في نظام فيزيائي لا بد وأن يصحبه ازدياد في مقدار العشوائية أو الإنتروبي أو الاعتلاج.

 

فلا يمكن أن ينشأ النظام إلا بتدخل خارجي وببذل شغل، وإلا فإن الأشياء التي في الكون دائما تميل إلى الاتجاه نحو العشوائية، وها نحن قد برهنا على صحة هذا القانون وأبطلنا احتمال أن ينتج أي نظام مهما كان صغيرا، على مستوى كتابة خمسة كلمات متتابعة من قصيدة عن طريق الصدفة والعشوائية!

 

إنك بحاجة لوضع عقلك في ثلاجة بالغة البرودة ليتجمد تماما كي تقبل بهرطقة الصدفة كتفسير محتمل لأي ظاهرة من الظواهر الكونية الخارقة، علاوة على تفسيرها مجتمعة بالصدف المتراكبة بعضها فوق بعض!

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ثائر سلامة أبو مالك

 

 


[1] (المليار هو حسب التعبير الانجليزي ووسط أوروبا، والبليون هو حسب التعبير الأمريكي وشرق أوروبا وأستراليا)،

[2] الموسوعة البريطانية The structure of biological molecules

[3] http://en.wikipedia.org/wiki/Protein

[4] (الدقيقة التاسعة من الفيديو https://youtu.be/_UtLigBvyA0 حتى الدقيقة 11:48)،

[5] السنة الشمسية فيها 365.242199 يوما، وفي الدقيقة 60 ثانية، وفي الساعة 60 دقيقة، وفي اليوم حوالي 24 ساعة، فيكون في السنة 31446925.9936 ثانية، يعني تقريبا 31446926 ثانية في السنة الواحدة، نضربها في 30 مليار، أي 30 * 109، فينتج 943407780 * 109، أي تقريبا 9.4 * 1017، أي تقريبا 1018 ثانية في الثلاثين مليار سنة.

[6] “Mathematicians usually consider 1 chance in 1050 as negligible.3 In other words, when the exponent is larger than 50, the chances are so slim for such an event ever occurring, that it is considered impossible” Jean Sloat Morton, Ph.D.  Ph.D. George Washington University in Cellular Studies

[7] Mere Creation Edited by William A Dembski, Intervarsity Press, Illinois, 1998. S 125-126

[8] titin a protein found in skeletal and cardiac muscle

[9] http://users.rcn.com/jkimball.ma.ultranet/BiologyPages/P/Proteins.html

[10] Scientists estimate that each of your cells contains about 10 billion protein molecules of approximately 10،000 different varieties.

http://publications.nigms.nih.gov/insidethecell/chapter2.html

[11] A typical protein is made up of a chain of 445 left-handed amino acids. No protein found in nature contains right handed amino acids.

http://www.rae.org/revev6.html

[12] He would go on to compare the random emergence of even the simplest cell without panspermia to the likelihood that "a tornado sweeping through a junk-yard might assemble a Boeing 747 from the materials therein"

[13] Jean Morton is a biochemist, as well as science writer and teacher. She received her Ph.D. from George Washington University in 1969

[14] Oparin, All. The Origin of Life. New York: Dover Publications 1965 p. 133.

[15] Lehninger, Albert L. Biochemistry. New York: Worth Publications, ;975, p. 6

[16] Moore, John A., et. al. Biological Science, An Inquiry Into Life. New York: Harcourt, Brace and World, Inc., 1963, p. 106.

1 تعليق

  • Mouna belhaj
    Mouna belhaj الإثنين، 03 كانون الأول/ديسمبر 2018م 18:44 تعليق

    ما شاء الله ، مجهود طيب ومقالات مميزة بارك الله فيكم وزاد في علمكم ونفع بكم

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد الإسلامية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع