الجمعة، 19 صَفر 1441هـ| 2019/10/18م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مفهوم المبدئية عند الفرد والجماعة والدولة

الجزء الثاني

ثانياً: المبدئية عند الحزب

 

أما المبدئية في الأحزاب فهي عظيمة وتعد حجر زاوية بل أساساً ولبنة في تغيير الواقع، وهذا ما دأب عليه رسول الله ﷺ حينما غير واقعه من واقع الكفر إلى واقع الإسلام؛ فقد أنشأ كتلة بعد البعثة ليبلغ جوهر هذه البعثة وهي رسالة الإسلام ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ فَشَرَّبَ ﷺ هذه الرسالة لعقول وأفئدة صحابته فقوى عقيدتهم عقيدة الرزق والأجل والقضاء والقدر، وثقفها بفكر الإسلام، وقوى نفسيتها بالطاعات والصلاة والاستغفار والتفكر في مخلوقات الله في السماوات والأرض، وعَمِدَ على تقوية رابطها بالإسلام والثبات على مبدئه دون خوف ومجاملة ونفاق ومداهنة ومداجنة ومواربة ومحاباة ومحايدة.

 

فحينما بعث الله نبيه ﷺ برسالة الإسلام وبدأ يهاجم أفكار ومعتقدات قريش الباطلة ويسفه أحلامهم ويعيب آلهتهم ويضرب بأفكار الإسلام المنبثقة من القرآن والسنة عقائدَ الكفر ويهز فكرهم ومشاعرهم بدأوا يكيلون له كل عداء وكل حقد ومكر باتهامه تارة بأنه شاعر وتارة بأنه كاهن وتارة بأنه ساحر وتارة بأنه مجنون، ثم بالإشاعات والتشويه والدعايات الكاذبة، ثم بالترغيب بالمال والملك والجاه والنساء، والترهيب بالقتل وتدبير محاولات لذلك، فلم يفلح ذلك كله أمام حصنه وسده المنيع ألا هو مبدأ الإسلام الذي كان في دمه هو وصحابته، فهكذا كانت كتلة رسول الله ﷺ بنياناً مرصوصاً وجسداً واحداً.

 

لذلك كان حزب رسول الله ﷺ حزبا مبدئيا فكان قدوة خير الاقتداء وكان صحابته خير الأتباع لا الابتداع كما تفعل أحزاب اليوم والتي تفتقد في أفكارها للصفاء والنقاء والوضوح والغشاوة في الفكرة والارتجال في الطريقة، لتسلك طريقا مخالفا لطريقة الرسول ﷺ في التغيير، وهذا ما أدى إلى تبنيها فكرا مخالفا لفكر الإسلام كالتدرج والوسطية الرأسمالية التي تميع بين الحق والباطل وتتلون وتتشكل حسب الواقع، والرضىا بالأفكار الرأسمالية في الاقتصاد كالبنوك التي تسمى إسلامية والجمعيات التعاونية والشركات المساهمة، وفي الحكم الجمهورية ومنها الديمقراطية ومجلس النواب، وفي القضاء محاكم التمييز والاستئناف، وفي النظام الاجتماعي الزواج المدني والعادات المحرمة... فهذا كله مخالف لفكر الإسلام، فتسلكه الجماعات بحجج الظروف والضغوط والاضطرار والتوفيق بين الإسلام والرأسمالية وأنه يوافق الإسلام بفتاوى لا دليل عليها، فأين المبدئية في هذا كله؟!

 

وأين المبدئية حينما يتحالف حزب مع آخر يدين بأفكار تخالف الإسلام بحجة المصلحة وبحجة الحصول على مقاعد في البرلمان الباطل شرعا؟!

 

وأين المبدئية في قبول هذه الأحزاب بهذه الدول التي وضعتها سايكس بيكو بعد تقطيع أوصال الخلافة العثمانية إلى مزق والتي تحكم واقعنا اليوم بنظام علماني رأسمالي بدول جمهورية وأخرى ملكية؟! ويزيد البلاء بلاء إضفاء شرعية على هذه الدول ودستورها أنه إسلامي من هذه الأحزاب وهو لا شك بأنه علماني مستورد من فرنسا لبلاد المسلمين...

 

وأين المبدئية في هذه الأحزاب التي تجري مقابلات وحوارات ونقاشات مع سفراء ورؤساء ومسؤولي الدول الكافرة المحاربة كروسيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا لتملي على هذه الأحزاب شروطها واقتراحاتها وضغوطاتها وإملاءاتها لتسير في مخططاته؟!

 

وأين المبدئية في عدم محاسبتها للحاكم وللدولة وكلمة الحق على عدم تطبيق الإسلام وأحكامه في كل مناحي الحياة ومن تبعية الدول للغرب؟! وأين محاسبة الأحزاب للدولة في الفقر والظلم والفساد؟ فهل كان رسول الله ﷺ كذلك؟! ألم ينتقد ﷺ قريش على فكرها ومعتقدها الكافر وعاداتها واقتصادها ونظام اجتماعها ونظام حكمها وظلمها للفقراء؟ ثم ألم يتأذَّ عمر بن الخطاب من بلال بن رباح ويقول مقولته "اللهم اكفني بلالاً وصحبه" من كثرة محاسبة بلال لأمير المؤمنين عمر؟

 

ثم أين أحزاب اليوم من كشف المؤامرات التي تحاك ضد الأمة من حكامها وحكام الغرب كما كان يفعل ذلك رسول الله ﷺ عندما كشف مؤامرات قريش عليه وعلى صحابته (حزبه)؟ مثلا كشفه لعددهم في غزوة بدر عندما ذبحوا ما بين 9 إلى 10 من النوق فعلم بعددهم أنهم ما بين التسعمائة إلى الألف، ثم إن القرآن كشف له واقع حكام قريش أنهم ليسوا أبناء أصل ففضح الوليد بن المغيرة ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وذلك بعد إعراضهم عن دين الله و﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾...

 

ثم أين المبدئية في اشتراك هذه الأحزاب في الحكم غير الإسلامي وتقسيم المناصب عليها؟! فهل اشترك رسول الله ﷺ عندما كان حزبا هو وصحابته بحكم قريش رغم إغراءاتها له ولصحابته من مال وجاه وسلطان ونساء مقابل تخليه عن مبدئه في الوقت الذي تتخلى فيه أحزاب اليوم عن مبدأ الإسلام وعدم الحكم به مقابل حفنة من الدولارات وفتات الدنيا والمال القذر؟

 

ثم أين المبدئية فيمن يجزئ الأمة على أساس مذهبي وطائفي بدعوى أن هؤلاء آل رسول الله ﷺ وهؤلاء ليسوا من آله؟! فهل ميز الإسلام آل رسول الله ﷺ عن الأمة وجعلهم ميزان الأفضلية أم كان ميزان الأفضلية هو التقوى؟ رغم أن هذه الفكرة لو كانت صحيحة تضرب الإسلام وتجعله عنصريا تمييزيا يفضل جماعة على جماعة رغم أن رسول الله ﷺ ذاته الذي يدعي هؤلاء أنهم من بيته وآله قال مقالته «وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» فلم يقل رسول الله ﷺ أنها معذورة بل جعلها كباقي الأمة ولم يخصها وهذا هو عدل الإسلام الذي تَعْبُرْ له المُقَلْ وتخشع له القلوب وتبهت له العقول. وأين هذه الأحزاب من قول الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وقول الرسول ﷺ: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»؟

 

وأين المبدئية في الأحزاب التي تقر وتذعن وتطيع من يحكم بغير ما أنزل الله وتجعله وليا للأمر وما هو بذلك؟ فأين تطبيقه للإسلام؟ وأين بيعته على ذلك؟ ولم تقم هذه الأحزاب بنصحه بل تجامله وتنافق له ولم توجهه لمشروع الإسلام وقانونه ودستوره في الحياة... وأين المبدئية في الأحزاب اليوم عندما يكون هدفها الوصول للسلطة على حساب الدين حيث لم تنشر فكر الإسلام الصحيح ولم تكوّن له رأيا عاما حوله؟ وأين هي من وصولها للسلطة هل تصل عبر الديمقراطية، رغم وصولها، وهو غير صحيح وغير مجد ولا نافع، لأنها لم تتسلم زمام الأمر ورأس الحكم إلا بصورة شكلية... فالحكم للنظام السابق لأن القوة ليست بيد الضيف الجديد بل للدولة العميقة فلن تتمكن من استلام الحكم إلا بأمرين أولهما: الوصول للرأي العام المنبثق عن وعي عام حول الفكرة التي يروج لها الحزب، وثانيا: أهل القوة تكون في يد الحزب لا بشرائه بل بقناعته لأن من تشتريه اليوم حتما غدا يبيعك، وهذان الشرطان هما من طريقة الرسول في وصوله للحكم.

 

إن المبدئية عند الحزب ليست شعارا أو كلمة بل سلوك وفعل وعمل وموقف يَقِرُّ في القلب ويُصدَّق بالعمل، فهل سلكت هذه الأحزاب درب المبدئية بحق في تثقيف أفرادها بثقافة الإسلام الصحيحة وليس الرأسمالية؟ وهل رسمت لها طريقة التغيير الصحيحة طريقة الرسول ﷺ وليس طريقة الديمقراطية الرأسمالية؟ وهل دعت لأحكام الإسلام ولأفكاره والعمل لإقامة دولته دولة الخلافة الراشدة بطريقة الإسلام وهي إيجاد الكتلة وتثقيفها بثقاقة الإسلام ثم التفاعل ونشر الفكرة وخوضها الصراع الفكري والكفاح السياسي بدون أي عمل مادي ثم استلام الحكم عبر أهل النصرة والقوة والمنعة من الجيش والقبائل والأمة؟

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن العامري – ولاية اليمن

 

لقراءة الجزء :

 

الجزء الأول

 

الجزء الثالث

 

 

 

وسائط

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع