الإثنين، 19 ربيع الثاني 1441هـ| 2019/12/16م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في الإيمان بالله وطاعته حلاوة

من يفرّطُ فيها يعيش حياة ضنك وشقاوة

 

يقول سبحانه تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 125-127].

 

هي من أكبر النّعم وأفضلها! هي نعمة لا تضاهيها أيّ نعمة أخرى! إنّها نعمة الإيمان بالله ربّا وبمحمّد e نبيّا ورسولا! بها يعيش الإنسان في الحياة منشرحاً صدرُه يضرب في الأرض ويسير فيها وفق أحكام ربّه عاملا ساعيا ليفوز برضا ربّه وجنّته. هي نعمة لا يعرفها أولئك الذين حرموا أنفسهم وتكبّروا عن عبادة الخالق!

 

لا يستشعر حلاوة الإيمان إلّا من ذاق طعمه وسلك طريقه وقد اهتدى لوجود خالق يسيّر حياته وينظّمها... يحيا وقد بنى قاعدة فكريّة صحيحة متينة ثابتة يرتكز عليها فتقوده لتكون له نبراسا مضيئا ينير دربه ويخرجه من الظّلمات إلى النّور. فبدون الاهتداء إلى الإسلام يكون الإنسان ميّتا يتجرّع مرارة الكفر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وقد جاء في تفسير القرطبي: "ما يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحّدوه".

 

حلاوة الإيمان نعمة أدركها الصّحابة فعاشوها وتذوّقوها وكانوا نجوما تهتدي بها الأمّة وتتعلّم منهم الطّاعة وتعرف منهم لذّتها ولو كلّفها ذلك ما كلّفها.

 

ها هو سيّدنا بلال بن رباح يردّ حين سئل كيف صبرت يا بلال؟ قال: مُزجت حلاوةُ الإيمان بمرارة العذاب فطغت حلاوة الإيمان على مرارة العذاب فصبرت. نعم لقد طُبع في قلبه الإيمانُ فاستشعر حلاوته وذاق مرارة العذاب لمّا عذّبته قريش وفعلت به ما يعجز اللّسان عن وصفه كانت الغلبة للحلاوة على المرارة: تغلّبت حلاوة إيمانه على مرارة تعذيبه. ذاك هو السّبيل الذي يسلكه كلّ من رزقه الله الإيمان. نسأل الله أن يثبّت قلوبنا على الإيمان وأن لا يحرمنا حلاوته.

 

يقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه "العبوديّة": "فإنّ المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديّته لله ما يمنعه من عبوديّته لغيره، إذ ليس في القلب السّليم أحلى ولا أطيب ولا ألذّ ولا أسرّ ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمّن عبوديّته لله ومحبّته له وإخلاص الدّين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه راغباً راهباً". إنّ للإيمان بالله ربّا وبمحمّد e نبيّا حلاوة لا مثيل لها لا يحسّها إلّا من عاشها، وقد أعلمنا بذلك عليه أفضل الصلاة وأزكى التّسليم... فعنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِي بِاللَّهِ رَبّاً وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً». أخرجه أحمد ومسلم.

 

ولهذه الحلاوة شروط لا بدّ أن تتوفّر لتتحقّق ويستشعرها المسلم ويعيشها، فعن أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ e: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يَكْرَهَ الْعَبْدُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الإِسْلاَمِ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ، وَأَنْ يُحِبَّ الْعَبْدُ الْعَبْدَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، عَزَّ وَجَلَّ». أخرجه أحمد ومسلم.

 

فعلى المسلم أن يدرك أنّ نعمة الإيمان وحلاوته لا يمكن أن تضاهيها نعمة أخرى وأنّها أكبر وأفضل نعم الله وبها يعيش في جنّة الدّنيا: "إنّ في الدّنيا جنّة من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة" وجنّة الدّنيا ليست سوى حلاوة الإيمان بالله ولذّة طاعته! فـ"ليس للقلوب سرور ولا لذَّة تامّة إلّا في محبّة الله والتقرُّب إليه بما يحبّه، ولا يمكن محبَّة إلاّ بالإعراض عن كلِّ محبوبٍ سواه" (ابن تيمية)

 

فللّه الحمد على نعمة الإيمان...

 

دروس وعبر نتعلّمها من صحابة رسول الله e، فقد نهلوا من النبع الصّافي وتشرّبوا مفاهيم الإسلام وتعلّموها منه فأدركوا معنى أن يؤمنوا بالله. يقول خالد بن الوليد رضي الله عنه حين ذاق طعم الإيمان بربّه وعاش حلاوة الطّاعة: "والله ما ليلة تهدى إليَّ فيها عروس، أنا لها محبّ، أبشَّر فيها بغلام، بأحبّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد، في سريّة في المهاجرين أنتظر فيها الصّبح لأغير على أعداء الله". فسبحان الله الذي جعل للإيمان حلاوة تمنح صاحبها قوّة وعزّة وأنفة وتجعله صلبا قويّا تهون عليه الدّنيا وما فيها. كلّ عسير يتحوّل يسيرا وتصبح الحياة جميلة برضا العبد عن ربّه ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

 

وها هو سيّدنا عمر رضي الله عنه يقول: "ما أصبت بمصيبة إلّا كان لله عليّ فيها أربع نعم: أنّها لم تكن في ديني، وأنّها لم تكن أكبر منها، وأنّني لم أحرم الرّضا عند نزولها، وأنّني أرجو ثواب الله عليها".

 

لئن كانت هذه الحلاوة متفاوتة ولئن كانت هذه اللّذّة مختلفة من شخص لآخر بحسب قوّة إيمانه وضعفه وبحسب ربط صلته بخالقه وغفلته عنها فإنّ المسلم يسعى ليرقى بنفسه ويجتهد ليحصّل حلاوة الإيمان ولذّة العبادة ليغنم بجنّة الدّنيا ويفوز بجنّة الآخرة. وإنّما الدّين النّصيحة! لذلك أنصح نفسي وكلّ من تربطني به أقوى وأسمى رابطة "الإسلام" أن نجاهد النّفس ونطوّعها لتتعوّد الطّاعة والعبادة ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. علينا أن نعمل لما بعد الموت، وأن نطيع الله ولا نأتي ما يغضبه ثمّ نقول إنّه غفور رحيم! فعجبا لامرئ يستحضر رحمة ربّه وغفرانه ويغفل عن غضبه وعقابه فيقوم بالمعاصي ويترك نفسه لهواها فتهوي به في الزّلّات والظّلمات! فعليه أن يتدارك أمره ويتحسّس طريقه ولا يحيد عنه قيد أنملة فـ«الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعُ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى الله». أخرجه أحمد وابن ماجه والتِّرْمِذِيّ. فلنعمل بجدّ على كبح جماح النّفس التي تركض وراء الشّهوات والملذّات وترويضها لتعتاد على العبادة وتتغلّب على الصّعوبات ولنجعل بيننا وبين مغريات الدّنيا حاجزا منيعا. عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ؛ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ الرَّازِيُّ: "إِنْ سَرَّكَ أَنْ تَجِدَ حَلاوَةَ الْعِبَادَةِ وَتَبْلُغَ ذُرْوَةَ سَنَامِهَا؛ فَاجْعَلْ بَيْنَكَ وَبْيَنَ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا حَائِطاً مِنْ حَدِيدٍ".

 

قد يواجه المرء صعوبات ويجد عراقيل تحول دون ما يسعى إليه ولكنّ التّوكّل على الله وسؤاله الثّبات والهدى وتعويد النّفس على القيام بما كلّفه الله، ولو في ذلك مشقّة، كلّها عوامل تعينه على المضيّ في طريق الحقّ ليجد حلاوته ويسعد بتذوّقها فـ"السّالك في أوّل الأمر يجد تعب التّكاليف ومشقّة العمل لعدم أنس قلبه بمعبوده، فإذا حصل للقلب روح الأنس زالت عنه تلك التّكاليف والمشاقّ فصارت قرّة عين له وقوّة ولذّة". (ابن القيم). وكم من نفس تساق إلى الله وهي تبكي، فما زالت تساق حتى تنساق إلى خالقها وهي تضحك.

 

واليوم ومنذ أن أسقطت دولة الإسلام وفي ظلّ تحكّم النّظام الرّأسماليّ، يعيش المسلم ضنكا فأحكام ربّه مغيّبة عن حياته، وتحكمه قوانين وضعيّة بشريّة ناقصة تتغيّر وتتلوّن حسب المصالح والرؤى. لقد حلّت به وبالأمّة وبالعالم بعد إقصاء حكم الله عن الحياة نقمة كبيرة وتحوّل العيش نكدا، فقد المسلم حلاوة العيش في ظلّ أحكام خالقه وضاعت لذّة طاعته له، في ظلّ عالم يسير به نحو التّوهان والضّلال وقطع الصّلة بالله، صار يلهث وراء متطلّبات الحياة التي لا تحصى ولا تعدّ والتي فرضتها عليه هذه القوانين الوضعيّة، سيّرت حياته فأربكتها وعقّدتها وطغت على مفاهيمه فغيّرتها وأفسدتها.

 

لو يعلم المسلم أنّ من أعظم العقوبات التي يمكن أن تحلّ به هو حرمانه من لذّة الطّاعات بسبب غفلته وقلّة بصيرته وضعف إيمانه لما ترك لنفسه المجال لتقوده لغير ما يرضي ربّه، لجاهدها جهادا أكبر حتّى يصلح قلبُه ويقوى إيمانُه، قال ابن الجوزي: "قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا ربّ كم أعصيك ولا تعاقبني؟ فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟" فكيف للمسلم أن يترك هذا الخير ويعيش دونه وقد لمس حلاوته وأدرك رفعته؟! فعجبا لمن لمس هذا الطّريق وعاش لذّة طاعة الله ثمّ يتخلّى عنها ويحيا دونها! كيف لأمّة الإسلام أن تحيا بدون أحكام الله وقد ذاقت حلاوتها قرونا وعاشت في ظلّها عزيزة منيعة رفيعة تقود العالم وتسوده؟!

 

منذ أن أقصي الإسلام عن الحياة وحكمها النّظام الرّأسماليّ الفاسد حرمت أمّة الإسلام، وكذا النّاس كافّة، لذّة طاعة الله والعيش في ظلّ أحكام شرعه وفقدت حلاوة الإيمان وعزّه وصارت تتجرّع مرارة المعصية وشؤماً لا يعادله شؤم وهو شؤم الذّنب بالابتعاد عن أحكام الله.

 

فيا أمّة الإسلام! إلى متى ستبقين بعيدة عن شرع الله وعن حلاوة العيش فيه؟! إلى متى تتجرّعين مرارة حياة يحكمك فيها أعداء دينك ويسلّطون على أبنائك أحكاما جاهليّة ترمي بهم في ظلمات الجهل؟! هلّا استعدت سلطانك المسلوب وناديت بأحكام ربّك لتسيّر حياتك فتَسعدين وتُسعدين النّاس كافّة بالخير والرّحمة والنّور الذي يهديهم؟

 

نسأل الله أن يعجّل بقيام دولة الإسلام لترعى الأحكام وترضي ربّ الأنام فيسعد النّاس بحلاوة الإيمان!

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينة الصّامت

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع