الأربعاء، 05 ربيع الثاني 1440هـ| 2018/12/12م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية
  •   الموافق  
  • 1 تعليق

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مكر أو انهيار في تركيا!

 

بقلم: أبو مصعب نبيل

 

 هل ما حدث في الآونة الأخيرة من أحداث متسارعة في تركيا هو عبارة عن حرب وانتقام من شخص الرئيس أردوغان كما يعلن عنه؟ أم يراد به المساس بالشخصية التركية المسلمة؟ أم هو غضب أميركي لأجل القس برونسون؟ أم هي نتاج كذبة تفنن الإعلام الخبيث في تزويقها ورميها بأجمل صورة ممكنة حتى تبهر الناظر قصير النظر وعديم البصر أنه إنجاز خارق لرجل لم تنجب مثله الأمهات؟ لنتبين ذلك سنقوم باستعراض سريع لحال تركيا الاقتصادي بعد هدم الخلافة العثمانية وتقاسم ثرواتها.

 

 يلاحظ أنه من فترة استلام مصطفى كمال وتشكيله حزب الشعب الجمهوري 1923م حتى عام 1929م تركَّز الاقتصاد التركي على تراكم الثروات الخاصة فقط. وبين عام 1929م أزمة الكساد العالمي إلى 1945م، والتي خلف بها عصمت إينونو مصطفى كمال تركَّز الاقتصاد على تراكم الدولة للثروة في الأزمات العالمية. ومن عام 1950م إلى 1960م تعاقب على الحكم كل من عدنان مندريس، وانقلاب الجنرال جمال جورسل 1960م، وعودة حكومة الائتلاف برئاسة عصمت إينونو، وبعدها فوز حزب العدالة بزعامة سليمان ديميريل، ثم فترة الفوضى العسكرية، يتبعها فوز حكومة أجاويد، حتى الانقلاب العسكري لصالح كنعان إيفرين... فقد تميزت هذه الفترة بإنتاج التجارة الليبرالية في السلع والخدمات وتعاملات أسواق المال، ولكن الاقتصاد كان متخلفًا يبحث عن التطوير والإصلاح معتمدًا على الاستدانة الخارجية؛ حيث وصل الدين عام 1980م حوالى 16.2 مليار دولار، أي أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي، وتزايد الدين بعد ذلك. وبعد الانقلاب، أي عام 1983م، فاز تورغوت أوزال بأغلبية، وخلفه بعد وفاته سليمان ديميريل، ثم فاز نجم الدين أربكان بأغلبية عام 1995م مع حزب الرفاه، ثم انقلاب 1997م وسقوط حكومته، فتولى أحمد نجدت سيزر... فقد تميزت هذه المرحلة بتأثر الاقتصاد التركي من حرب الخليج؛ حيث أوقفت خط كركوك؛ وبذلك خسرت تركيا من 300 إلى 500 مليون دولار بدل رسوم عبور النفط، مع خسارة 3 مليارات دولار كتبادل تجاري مع العراق عام 1992م، فاستخدمت الحكومة تصنيفات وكالات التصنيف الائتماني لتركيا في الثمانينيات لجذب أموال لتغطية العجز، فبلغت صادرات السندات الدولية في تلك الفترة 7.5 مليار دولار، وفتح باب الاقتراض، ونتيجة لذلك ارتفعت الديون الأجنبية قصيرة المدى بشكل حاد، وعدمت الثقة في قدرة الحكومة على إدارة الديون، وفي عام (1993-1994)م خفض تصنيف تركيا في الوكالة لانعدام الثقة؛ مما أدى إلى هروب رؤوس الأموال معلنة انهيار العملة، ثم تلاها تعويم العملة عام 1999م حتى أصبحت الليرة التركية مقابل الدولار حوالي 1650000، وذلك في عهد نجم الدين أربكان وأحمد نجدت سيزر؛ حيث تميزت هذه المرحلة بالركود الحاد وارتفاع معدلات التضخم، وحدثت أزمة 21 شباط 2001م، والتي عرفت بأزمة الأربعاء الأسود؛ حيث اتهم أحمد نجدت سيزر حكومة أجاويد بالتقصير، فانسحب مع بعض الوزراء مخلفًا وراءه انهيارًا للعملة التركية؛ مما زاد الديون من صندوق النقد الدولي، وارتفع الدين الذي كان 38% في عام 2000م إلى 74% عام 2001م، وارتفع معدل البطالة من 65% عام 1999م إلى 10.4% عام 2001م. وفي عام 2002م، فاز حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، فلم يستطع التولي لأنه كان ممنوعًا من ممارسة السياسة، فاستلم عبد الله غل، وعدل الدستور ليسمح بتولي أردوغان منصب رئيس الحكومة. وفي عام 2004م حذف ستة أصفار لتصبح العملة الجديدة اسمها الليرة التركية الجديدة التي تساوي مليون ليرة تركية، وهنا بدأ تزاوج القرار السياسي مع الثقافة الدينية متمثلة في حكم رجب طيب أردوغان. وفي عام 2007م، اختار حزب العدالة والتنمية عبد الله غل ليكون مرشحها الرئاسي، ولكن تم مقاطعة الانتخابات لتلغى الجولة الأولى بعدم حضور أغلبية الثلثين ليستلم بعدها رجب طيب أردوغان، وهو يعتبر أول رئيس يتم انتخابه من الشعب مباشرة، وفاز بنسبة 52% لتبدأ مرحلة جديدة في الاقتصاد التركي الوهمي؛ حيث إن للإعلام قوة جبارة في طمس الحقائق، وتزيين من تريد إظهاره، وهنا سوف نعرض بعضها بالأرقام.

 

في نهاية عام 2013م، بلغت المديونية الخارجية التركية حوالي 388 مليار دولار، في الوقت الذي تداول فيه تخلص تركيا من الدين الخارجي، فهل يعقل أن تنتج دولة مثل تركيا، والتي مرت في عدم استقرار سياسي طيلة هذه الفترة وكانت تعيش أوضاع سياسية متقلبة بحرب خفية بين عمالة أوروبا وخاصة بريطانيا وعمالة الولايات المتحدة الأميركية حتى جاء رجب طيب أردوغان، وببضع سنين استطاع على حد زعمه أن يوفي صندوق النقد الدولي وكل ديون تركيا، فكيف نفسر ذلك؟

 

 والحقيقة أنه نعم، إن تصريح أردوغان كان صحيحًا من حيث اللفظ، أي أنه تم تسديد آخر قسط من الديون المستحقة على تركيا لصالح صندوق النقد الدولي، ولا يشمل هذا الكلام ديون تركيا المستحقة عليها لصالح الحكومات الأجنبية والبنوك والمؤسسات المالية وغير المالية، كما لا يشمل السندات العالمية. وهكذا تم التلاعب بعقول الكثيرين. وطبعًا، هذا التصرف غير مقبول في الحالة العادية من قبل صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية إلا برضى وضغط أميركي، وطبعًا تم مضاعفة الفائدة لهذه الديون بشكل كبير جدًا، وساعدت أميركا بإلغاء الرسوم الجمركية على تركيا لصادراتها إلى الولايات المتحدة والدول التي تتبع لها؛ لذلك نجد صادرات تركيا في عام 2014م تعدَّت 152 مليار دولار، وهذا ليس دون مقابل؛ بل لوصول أميركا إلى غايتها في السيطرة على تركيا كاملة، وقرارها، وتغيُّر نظامها من برلماني إلى جمهوري، ولن يحقق لها هذا إلا بشعبية أردوغان الماكر، ناهيك عن استخدام تركيا وأراضيها للمخططات الأميركية، ورسم شخصية أردوغان لتكون منارة يهتدى بها لتطبيق العلمانية الحديثة التي تكلم عنها، على أنها تجربة ناجحة ووصفة سحرية؛ وبذلك تربعت تركيا في المرتبة 17 عالميًا، وبهذه الخلطة الماكرة، وما تبعها بالانقلاب إلا لتنظيف تركيا من كل ما لا يتبع سياسة أميركا بشكل نهائي، وهذا يدخل في خطة أميركا (تنظيف الشرق الأوسط من كل العمالات الأوروبية والبريطانية خاصة) وبعدها قبل أردوغان بتقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهذا التقديم لم يكن محض صدفة، بل مخطط له قبل أن تتقلص شعبيته وتدخل تركيا في محن اقتصادية كبيرة كما يحدث اليوم.

 

وفي أواخر عام 2016م، أعلن البنك المركزي التركي أن ديون الشركات التركية بالعملة الأجنبية بلغ نحو 210 مليار دولار، بينما بلغ معدل التداول أكثر من 160%، وهي نسبة تجبر جميع الشركات على مزيد من الاقتراض أو الإفلاس؛ لأن معدل التدوير يعني كل 100 دولار مستحقة على تلك الشركات تم اقتراض 100 دولار آخر، إضافة إلى 60 دولار أخرى إضافية؛ ولذلك نجد أن أكبر الشركات التركية لتصنيع الغذائيات (يلديز القابضة) التي يملكها أغنى رجل في تركيا (مراد أولكر) تعلن عن اتفاق لإعادة تمويل مبلغ وصل إلى 7 مليارات دولار مع مقرضيه.

 

وفي نهاية آذار 2018م أعلنت وزارة الخزينة التركية عن إجمالي الدين الخارجي لتركيا 553.2 مليار دولار، وهذا الرقم يتجاوز نصف الناتج المحلي الإجمالي، ونجد أن الحكومة هي التي تقود الشركات إلى مزيد من الاقتراض؛ مما أدى إلى انزلاق الاقتصاد التركي وعجز الميزان التجاري.

 

ولذلك نجد أن اعتماد الاقتصاد التركي على الأموال الساخنة (هي استثمار أجنبي غير مباشر، ويتضمن شراء غير المقيمين للأوراق المالية والمشتقات المالية القابلة للتجارة والتبادل في البورصات) تعد سياسة غير فعَّالة في مؤشرات الحساب الجاري والقطاع العقاري، ويجب على صانعي السياسة الاقتصادية أن لا يثقوا في حركة الأموال الساخنة ذات التمويل القصير، ناهيك عن أضرارها التي لا تحصى؛ لذلك نجد أن انهيار العملة التركية هو أمر عادي بعد بداية رفع الوصاية الأميركية. إذا كانت هذه كذلك، فقد لا تكون أصلًا رفع وصاية، بل خداع كما عهدناهم.  

 

- قد تكون ضد الاتحاد الأوروبي وعملته؛ لأن الليرة التركية لها تعلق بمنطقة اليورو؛ حيت لها قروض تزيد عن 150 مليار دولار في تركيا، وبذلك نلاحظ تعرض بنوك كل من إسبانيا وفرنسا وإيطالية لأزمة. وهذا لوحظ حيث انخفضت أسهم uncredit الإيطالية 5.6%، و BBVA  الإسبانية 5.5%، ومؤشر BNP Paribas %4.3، وDEVTSHE BANK %5.3، والجميع يعلم عدم قدرة تركيا على جلب النقود خلال الأوقات الصعبة لسداد ذلك الدين؛ وذلك أدى إلى انخفاض غير مسبوق لليورو أمام الدولار. وهنا يخطر سؤال: لماذا يتمسك أردوغان بعدم رفع الفائدة، ويمنع البنك المركزي التركي من ذلك، وهو الذي خفض الفائدة قبل الأزمة بأسبوع، فهل هي مفتاح انهيار اليورو؟ أو لإظهار عداء أميركا الجديد لتركيا لتنخرط مع أحد أطراف الحرب التجارية المنعقدة الرحى؛ لتكون عين وأذن الولايات المتحدة. وهذه التحالفات التي سوف تظهر قريبًا على الساحة الدولية سوف تحاول أميركا جرها عنوة إلى حرب عسكرية؛ وبذلك تخرج هي من الأزمة المالية ولم تنهك؛ لتعيد هيكلة النظام المالي الدولي من جديد بصيغة أخرى؛ ولذلك نلاحظ من تصريحات أردوغان أنه يتوجه إلى التحالف الروسي الصيني. 

 

وفي جميع الحالات، لا يخفى علينا ولا على العالم مكر الولايات المتحدة وخبثها. وإن العالم سوف يشهد تساقطًا لهيكل النظام المالي العالمي بدفع أميركي، وتحاول أيضًا افتعال قلاقل على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حتى تغرق العالم بحرب لا قبل لهم بها، وهذا كله من مفرزات هذا المبدأ العقيم الذي قام على الربا والاستغلال وفرض العبودية.

 

لذلك ليس هناك حل أمام العالم سوى الانصياع لما تخطط له الولايات المتحدة لأنهم ليس لديهم رؤية واضحة خارج هذا المبدأ المقيت؛ ولكن الإسلام قادم، ونسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بظهور هذا المبدأ الرباني الذي يخرج العالم أجمع من هذا المأزق الكبير ويعيد الحقوق إلى أهلها، ويسير بالعالم إلى ما يحب الله ويرضى، ويخرج العباد من الظلم الواقع (منذ سقوط دولة الخلافة التي رآها العالم الغربي أنها عقبة أمام تقدم الجشع وسرقة أقوات العالم. وما نرى من رفاهية ومدنية في الغرب، ما هو إلا بسبب سرقة أرزاق العالم) إلى عدل الإسلام.

 

إن السعادة لا تتحقق بمزيد من الظلم والنهب وقلة الأخلاق، وإن الإنسان هو نفسه في كل العصور، وهو بحاجة إلى منهج رباني يحكم مفاصل الحياة فيه. فالله أعلم بنا من أنفسنا؛ لذلك نناشد كل المخلصين في هذا العالم أن يقفوا ويكبحوا تمرد هذا الظالم وليس المسلمين فقط، فإن وجود دولة كدولة الخلافة تضمن العدل وتحارب الاستغلال والظلم والجشع على العالمين.

 

ونقول لهذه الأمة غذي السير مع حزب التحرير، فهو الوحيد القادر على دك معاقل الظلم بمنهجه القويم، وحماية رجال هذا الحزب العظيم من بطش العملاء الخونة الذين باعوا الدين بالدنيا، وغرَّهم بالله الغرور. قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ124.

 

المصدر: مجلة الوعي – العدد 386 – ربيع الأول 1440هـ / تشرين الثاني 2018م

1 تعليق

  • Mouna belhaj
    Mouna belhaj الأحد، 02 كانون الأول/ديسمبر 2018م 20:20 تعليق

    نسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بظهور المبدأ الرباني الذي يخرج العالم أجمع من هذا المأزق الكبير ويعيد الحقوق إلى أهلها، ويسير بالعالم إلى ما يحب الله ويرضى

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد الإسلامية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع