 |
|
 |
| |
|
أجوبة أسئلة فكرية وفقهية منوعة
|
|
|
السؤال الأول: ورد في الشخصية ج 1 ص 336 س 8 (مِن أسفل) في مبحث تعريف الحديث الصحيح: (فقوله (الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله) احترز بذلك عن المرسل والمنقطع والمعضل، فلا يكون من أنواع الصحيح. لأن المرسل ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي. والمنقطع ما سقط منه واحد من الرواة في موضع أو مواضع. والمعضل ما سقط منه اثنان فأكثر في موضع أو مواضع. فهي كلها أي المرسل والمنقطع والمعضل لم يتصل إسنادها فخرجت من الصحيح) مخالف لما استقر من الأخذ بالمرسل في 342-343 من نفس الكتاب، فما تفسير ذلك؟ ولكم الشكر.
الجواب: لا تناقض بين عدم إدخال "المرسل" في تعريف الصحيح حسب علم مصطلح الحديث، وبين العمل بالمرسل.
إن أهل كل علم يضعون اصطلاحات لعلمهم، أي حقيقة عرفية خاصة، وهذه الاصطلاحات تطبق في حدود ما وضعوه ولا تتعداه.
فإذا سئلنا: ما هو تعريف "الحديث الصحيح" في مصطلح الحديث فالجواب هو كما ذكرناه في الشخصية الجزء الأول باب أقسام خبر الآحاد بند "1":
" الصحيح: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً. أي هو المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى منتهاه من صحابي أو من دونه. فقوله (الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله) احترز بذلك عن المرسل والمنقطع والمعضل، فلا يكون من أنواع الصحيح. لأن المرسل ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي. والمنقطع ما سقط منه واحد من الرواة في موضع, أو مواضع. والمعضل ما سقط منه اثنان فأكثر في موضع أو مواضع. فهي كلها أي المرسل والمنقطع والمعضل لم يتصل إسنادها فخرجت من الصحيح..."
ومنه يتبيّن أن "المرسل" ليس من "الصحيح" وفق مصطلح علم الحديث،
لكن إذا سئلنا: ما هو الحديث الذي يؤخذ به ويعمل به قلنا:
- الصحيح والحسن وفق مصطلح علم الحديث
- والمرسل، أي الحديث الذي يسقط من سنده الصحابي، فهو حجة ويستدل به لأنه مستوف شروط المتن والسند والراوي، والمحذوف من سنده صحابي لا يضر جهله، ما دام عرف أنه صحابي، فهو ثقة.
- وما ورد من أحاديث في كتب الأئمة وتلاميذهم وغيرهم من العلماء والفقهاء يعتبر من الحديث الحسن، ويحتج به؛ لأنهم أوردوه دليلاً على حكم، أو استنبطوا منه حكماً، فهو حديث حسن، سواء ورد في كتب أصول الفقه أم الفقه، على شرط أن تكون كتباً معتبرة كالمبسوط، والأم، والمدونة الكبرى، وأمثالها...
- وهناك من يأخذ بالضعيف إذا تقوى بأحاديث ضعاف أخرى... "ونحن لا نأخذ بهذا".
وهكذا، فليس هناك تناقض، لأن مصطلح الحديث علم، والعمل بالحديث علم، وقد لا يلتقيان بالضرورة في حالات معينة، ولا حجة في علمٍ على آخر إلا بدليل معتبر.
وحتى تتضح المسألة أكثر، فإن هذا الأمر ليس في هذا العلم فحسب، بل هو في علوم أخرى.
خذ مثلاً مصطلحات علماء المباني في اللغة "النحو..."، فهم اصطلحوا على تسمية الفاعل والمفعول به، ونائب الفاعل... ولكن علماء المعاني "فقه اللغة" لا يوافقونهم أحياناً في أمور من مصطلحاتهم... فعلماء النحو يقولون "أكل زيدٌ التفاحةَ"، ويكون زيد فاعلاً مرفوعاً، وأُسنِد أكل التفاحة إليه. ويتفق علماء المعاني معهم بذلك، فالمعنى متفق مع المبنى.
ولكن علماء النحو "المباني" يقولون كذلك: "أُكِلت التفاحةُ" ويسمون التفاحة نائب فاعل، وعلماء "المعاني" لا يوافقونهم، فالتفاحة لا علاقة لها بالفعل! فهي ليست نائب فاعل، فلم تنب عنه بشيء، بل هي لازالت من حيث المعنى مأكولة!
وهكذا في كثير من العلوم، فلكل طرقه ومسالكه، واصطلاحاته، وكما يقال فلا مشاحَّة في الاصطلاح.
وهكذا هنا، فمصطلح الحديث علم، والعمل بالحديث علم، فإذا اختلفا في أمر فلا يعني تناقضاً.
12 جمادى الأولى 1431هـ
26/4/2010م
================
السؤال الثاني: ورد في الشخصية ج 1 ص 342 س 4 (مِن أسفل): (ما دام عرف أنه صحابي): كيف يعرف أنه صحابي وقد سقط من السند؟ وكيف نعدّ كل مرسل أن الساقط من سنده هو الصحابي؟ وكيف نقبل مرويات جميع التابعين عن الصحابة بدعوى أنهم يروون عن عدول بالرغم من غلبة الظن (في حالة بعضهم على الأقل) بانتفاء سماعهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منهم؟ ثم إن مقولة (المشهور التسوية بين صغار التابعين وكبارهم) صحيحة عند من رد جميع مراسيلهم (لوجود الانقطاع أو الإعضال في السند)، فكيف يمكن أن تكون صحيحةً عندنا وحال صغار التابعين أو بعضهم على الأقل كما رأينا؟
الجواب:
إن المرسل الذي نعمل به هو فقط الذي سقط منه الصحابي، وهذا يحتاج إلى دراسة في معرفة رجال السند ومتعلقاته، فإن كان الساقط من السند هو صحابي قُبل الحديث وعُمل به على وجهه، سواء أكان التابعي الذي أرسله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كبيراً أم صغيراً، فالمهم أن يكون الساقط من السند هو الصحابي، أما إذا تبيّن بالدرس والتمحيص أن الساقط من السند تابعي آخر وصحابي فهذا لا يؤخذ ولا يُعمل به عندنا، لأننا ذكرنا لماذا نعمل بالمرسل، فقلنا:
(الحديث المرسل هو ما سقط منه الصحابي، كأن يقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا أو فعل بحضرته كذا. وصورته حديث التابعي الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما إذا قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين. أي هو ما رواه التابعي عن النبي بدون ذكر الصحابة، ولا فرق بين التابعي الصغير والكبير لأن المشهور التسوية بين التابعين... وبما أنه مستوف شروط المتن والسند والراوي، والمحذوف من سنده صحابي لا يضر جهله، ما دام عرف أنه صحابي، فهو ثقة، فذلك يدل على أن الحديث المرسل حجة يُستدل به. قد يُقال إن العلّة هي احتمال رواية التابعي عن تابعي مثله عن الصحابي، فسقوط الصحابي لا يعني سقوط راوٍ واحد، بل هو انقطاع يحتمل سقوط راويين تتحقق في أحدهما العدالة وهو صحابي، ويشك في أمر الآخر وهو التابعي. فيوجد في الحديث احتمال الجرح أو عدم الضبط ولذلك يُردّ. قد يقال هذا الكلام، والجواب عليه هو أن تعريف الحديث المرسل هو "ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر الصحابي" فلا يدخل فيه رواية التابعي عن التابعي غير المذكور...)
وعليه فالأمر واضح لا لبس فيه.
12 جمادى الأولى 1431هـ
26/4/2010م
================
السؤال الثالث: لماذا أسقطنا جميع مرويات المبتدع الداعية؟ فالمدار في اعتماد الراوي أو إسقاطه هو العدالة والضبط، فما مدخل الدعوة إلى الفرقة أو الطائفة فيهما؟ ثم إن الكتاب (الشخصية ج 1 ص 330 س 3 (مِن أسفل)) يقول: (ثم إن الدعوة للفرقة والمذهب لا تجوز. وأما إن كان داعياً للإسلام ويشرح الأفكار التي يتبناها بأدلتها، فإنه تقبل روايته لأنه يكون حينئذ داعياً إلى الإسلام وهذا لا يطعن بروايته) ، مما يورد الأسئلة التالية:
- ما الفرق بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى الفرقة أو الطائفة؟ أليس ما لدى الفرق الإسلامية جزء من الثقافة الإسلامية؟
- أليس من يدعون إلى آرائهم (سواءً أكانوا شيعةً أم خوارجاً أم معتزلةً) مقتنعين بأنها تمثل الفهم الصحيح للإسلام؟
- ما المقصود بالمذهب؟
الجواب:
يبدو أن هناك التباساً لديك بالنسبة لبعض الأمور:
1- إن ما شهده التاريخ الإسلامي في تكوين الفرق الإسلامية هو أنها كانت تقوم على فكرة فرعية أو أكثر - لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم - تقتنع بها وتدعوا إليها، وتبذل الوسع في جمع أدلة أو أمارات أو شبهات... وتجعل ذلك أدلة لدعم تلك الفكرة.
فمثلاً عند قضية التحكيم، ثار الخوارج وعدّوا هذا كفراً، ووصلوا إلى تكفير مرتكب الكبيرة، وأصبحت هي القضية لديهم... ويدعون إليها.
ومثلاً المعتزلة، ترجموا الفلسفات، ووصلوا إلى أن الإنسان يخلق أفعاله، ثم أضافوا لها فكرة خلق القرآن، وأصبحت قضيتهم... ويدعون إليها.
وهكذا.
والوقائع تثبت أنهم كانوا خلال دعوتهم لأفكارهم الفرعية يؤولون... ولا يتورعون عن سوق الحجج لإثبات فكرتهم التي أصبحت قضيتهم، حتى وإن كان التأويل لا وجه له، وعدم الورع في الاحتجاج ظاهراً...
ولهذا كان الشك في صحة رواياتهم، وهذه ليست أموراً نظرية، بل الوقائع أكدتها، وما نقل عن بعض من تركوا تلك الفرق أيدتها... قال ابن حجر في لسان الميزان " إن المبتدع، إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يشدّ به بدعته". وقد حُكي عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعد ما تاب "إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثا...".
ولذلك قلنا في الشخصية الجزء الأول صفحة 342 -343 ما يلي: "وقد حدثت بعد الفتنة فرق إسلامية اعتنقت آراء جديدة... وكان بعضهم تحمله الدعوة إلى فرقته والترغيب فيها، أو الدعوة إلى آرائه والترغيب فيها على وضع ما يحسنها من الأحاديث..."
ومع ذلك فأفكار هذه الفرق تعد من الثقافة الإسلامية، حتى وإن لم يؤخذ برواياتهم لأن الثقافة شيء والرواية شيء آخر.
2- أما الدعوة إلى الإسلام:
فهي تكون لتطبيقه في الدولة والحياة والمجتمع، ويُدعى إليه بفكرته وطريقته بناء على الأدلة الشرعية...
والإسلام هو القضية في الدعوة، وليس فكرة فرعية لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الفرق والدعوة إليها...
والتكتل في الدعوة إلى الإسلام يكون حول الإسلام، وليس حول فكرة فرعية تبرز دون سواها.
وحملة الدعوة إلى الإسلام بهذا المعنى، حتى لو اختلف اجتهادهم، فإن اختلافهم لا يمنع رواياتهم إذا تحقق فيها العدالة على وجهها...
3- أما المقصود بالمذهب، فإن من المجتهدين من يجتهد في الأحكام الشرعية ويجتهد في طريقة استنباطه للأحكام الشرعية، سواء أجعل له طريقة خاصة كما هي الحال في بعض المذاهب، أم لم يجعل له طريقة خاصة، ولكنه يسير طبيعياً في طريقة معينة من الفهم لاستنباط الأحكام، كما هي حال المجتهدين في عصر الصحابة، وسواء أكان هو واضع طريقة الاجتهاد أو يقلد مجتهداً من المجتهدين في طريقة الاجتهاد ولكنه يجتهد في الأحكام ولا يقلد واضع طريقة الاجتهاد ...
مثل هؤلاء المجتهدين الذين يجتهدون وفق تلك الطريقة في الأحكام الشرعية المختلفة، يشتهرون باجتهاداتهم ويقلدهم من يطمئنون باجتهاداتهم، ويتكون بذلك مذهب...
والأمر كما أراه واضح لا يحتاج إلى سؤال عن المذهب...
12 جمادى الأولى 1431هـ
26/4/2010م
================
السؤال الرابع: أرجو توضيح ما ورد في النظام الاقتصادي ص(112-113) حول القيمة والثمن:
لقد عرّف القيمة بالعبارة: «قيمة أية سلعة هي مقدار ما فيها من منفعة، مع ملاحظة عامل الندرة». ويضيف بعد عدة أسطر: «وهي القيمة الحقيقية للسلعة» ويتابع: «أما القيمة الفعلية للسلعة، فإنها تقدّر بمقدار بدلها بشيء آخر من سلعة أو نقد» ومقدار البدل هو الثمن وليس القيمة. وهنا هو يفرّق بين القيمة الحقيقية والقيمة الفعلية للسلعة.
ولكنه يقول بعد ذكره القيمة الفعلية: «وتبقى قيمتها هذه على هذا الوجه ثابتةً مهما تغـيّر الزمان، والمكان، والظروف».
وكأنه هنا لا يفرق بين القيمة الحقيقية والقيمة الفعلية للسلعة، فما تفسير ذلك؟
هذا جانب من السؤال، أما الجانب الآخر فإن المثال المضروب هو: «خزانة معينة موصوفة» ... «قيمتها خمسون ديناراً»
فهل هذه الدنانير هنا هي الدنانير الشرعية لتكون القيمة ثابتة أم دنانير ورقية وفي هذه الحالة، فكيف تكون القيمة ثابتة؟ ثم أرجو توضيح هذا المثال بشكل أكبر، وبخاصة عندما يذكر قيمة الخزانة في العقد أو ثمنها؟
الجواب:
1- إن القيمة الحقيقية للسلعة هي مقدار ما فيها من منفعة...، وهي ثابتة لا تتغير، لأن منفعتها موجودة في السلعة ذاتها.
فإذا أردنا أن نقدر القيمة في معاملة من المعاملات، فهذا يسمى القيمة الفعلية، أي التي يُرجع إليها عند التقاضي، فإننا نقدرها بسلعة معروفة للطرفين عند التقدير، أو بنقد محترم عند الطرفين وقت التقدير له قيمة في ذاته كالذهب أو الفضة، فنقول هي تساوي كذا كغم من القمح مثلاً، أو تساوي كذا غم من الذهب، أو كذا درهم فضة، أي أن تقدير القيمة يكون بمادة لها منفعة في ذاتها، فلا تقدر القيمة بما ليس له منفعة في ذاته كالنقد الورقي مثلاً ...
ويتم هذا التقدير وفق مقارنة منفعة السلعة قيد البحث مع منفعة الأمور التي قدرناها بها وقت التقدير.
وسواء أكانت القيمةُ الحقيقية أم القيمةُ الفعلية هي قيد البحث، فإنها ثابتة لا تتغير عن وقت التقدير فيما بعد، لأنها قيمة...
2- وهذا التقدير عندما نسجله في المعاملة بلفظ "القيمة" فهو يبقى ثابتاً، ويجب أن يَعرِف الطرفان مدلول هذا اللفظ اصطلاحاً، أي أنه تقدير للمنفعة، وأنه لا يتغير مع تغير الأزمان...، بل قيمة السلعة المذكورة هي ما سجلناه أمامها في المعاملة، وتُقضى وقت السداد ولو بعد سنة بالقيمة نفسها المسجلة لا زيادة ولا نقصان، لأن القيمة عند التقدير تبقى ثابتة، ما دامت سجِّلت "قيمة"، وما دام الطرفان يفهمان مدلول هذا الاصطلاح.
3- لكن لو سجِّلت السلعة في المعاملة بلفظ الثمن، فإنّ للثمن مدلولاً آخر، وهو أنه ليس بالضرورة أن يبقى ثابتاً، بل عند السداد بعد سنة مثلاً، فإنه يجوز أن يعطي صاحبُ الحق السلعةَ نفسَها، أو الثمَنَ المسجل، أو يُشترى له سلعة بالثمن نفسه، حتى ولو كانت السلعة التي اشتُريت بهذا الثمن تنقص أو تزيد في جودتها عن السلعة الأصلية، وهكذا فإن التسجيل بالثمن لا يعني الثبات، وعليه فإنه يجوز عند التقدير بالثمن أن نذكر النقد ذهباً أو فضة أو نقداً ورقياً ونسجله.
4- وكل ذلك لأن قيمة السلعة المقدرة والمسجلة بهذا اللفظ تبقى ثابتة، فعند قضاء السلعة لصاحبها يجب أن يُعطى السلعة هي هي، أو قيمتها المسجلة نقداً عند التقدير إذا تلفت السلعة، ولكن لا يجوز أن يشترى له سلعة بالقيمة المذكورة عند التقدير، لأن هذا يجعل القيمة ثمناً ما دامت تتغير مع الوقت، لأن السلعة عند القضاء بعد سنة مثلاً سيختلف ثمنها عن قبل سنة أي وقت التقدير، ولهذا إن سُجلت قيمة وقت التقدير، فيجب أن تُقضى إما السلعة نفسها إن وجدت، وإن تلفت فقيمتها المسجلة وقت التقدير، ولا ثالث لهما.
وأما ثمن السلعة المسجل فليس بالضرورة أن يبقى ثابتاً، فعند قضاء السلعة لصاحبها، يجوز إعطاؤه السلعة هي هي، وإذا تلفت يُعطى الثمن المسجل، أو يُشترى له سلعة بهذا الثمن.
5- وهكذا يقال في الخزانة المسجلة مهراً للمرأة، فإن سجلت خزانة قيمتها "خمسون" وبطبيعة الحال خمسون ديناراً ذهباً، فإن هذا التقدير يبقى ثابتاً ما دام قد سُجل قيمةً، أي عند القضاء تُعطى المرأة الخزانة نفسها، وإن تلفت فتُعطى قيمتها المسجلة "50" دون تغيير عما سُجِّل في التقدير ابتداء.
وإذا سجلت خزانة ثمنها خمسون، وهنا يجوز أن يكون الثمن ديناراً ذهباً أو ديناراً نقداً ورقياً... لأنه ثمن، وهو يصدق على النقد الذي له قيمة في ذاته وعلى النقد الذي يتغير بالعرض والطلب "بالسوق الاقتصادي"، لأن الثمن يتغير بتغير السوق...
ولذلك فعند القضاء تُعطى الخزانة الموصوفة، وإذا تلفت فيجوز أن تعطى المرأة الثمن المسجل "50"، ويجوز أن يُشترى لها خزانة بخمسين، سواء أكان هذا الثمن يشتري خزانة مثل الموصوفة أم يشتري خزانة أحسن أم أسوأ...
ولكن كل هذا إذا كان الطرفان يدركان مدلول هذا الاصطلاح أي الفرق بين مدلول القيمة ومدلول الثمن، وإلا كان في المسألة حكومة أي قضاء.
آمل أن تكون هذه المسألة قد أصبحت واضحةً لديك.
13 جمادى الأولى 1431هـ
27/4/2010
================
|
السؤال الخامس: ورد في كتاب النظام الاقتصادي صفحة 79 روى أبو يوسف في كتاب الخراج عن سعيد بن المسيب قال عمر بن الخطاب ( ... وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين )
فعلق المشرف على الحلقة بأن قول عمر هذا دليل شرعي لأنه حصل عليه إجماع الصحابة وأنه يستفاد منه بأن من ملك أرضا سواء بالشراء أو بالإرث أو بالهبة أو بأي سبب مشروع آخر ولم يستغلها ثلاث سنين تؤخذ الأرض منه.
وهنا سأل أحد الشباب:
1- هل يعامل قول عمر من حيث الدلالة كما يعامل الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث الدلالة ؟
2- هل يعتبر قول عمر دليل شرعي لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة؟ بمعنى حصل إجماع الصحابة على قول عمر ؟
ولم يكن هناك جواب شافٍ حول الموضوع، فنرجو الجواب حول ذلك ولكم الشكر والتقدير.
الجواب:
- أما أن قول عمر هو دليل فغير صحيح، بل إن الدليل هو إجماع الصحابة على الحكم المستفاد من قول عمر .
- وأما معاملة قول عمر من حيث الدلالة كما يعامل الحديث من حيث الدلالة فهو صحيح.
أما الأول أي أن قول عمر ليس دليلاً بل الإجماع هو الدليل، فليس فيه لبس، فهو واضح، فإجماع الصحابة يكشف عن دليل لم يرووه، بل ذكروا الحكم دون الدليل، فالدليل كان مشهوراً عندهم، واضحاً لديهم وضوحاً جلياً، أي كأنه كان معروفاً لهم بديهياً، فاكتفوا بذكر الحكم.
وأما الثاني أي أن يعامل قول عمر معاملة الحديث من حيث الدلالة فهو صحيح، ولا بد، وذلك لأن عمر ذكر الحكم بنص، وعمر من أهل اللغة، وحتى يُفهم الحكم المستفاد من قوله لا بد من دراسته حسب دلالات الألفاظ في اللغة كما يدرس الحديث، وإلا فكيف يفهم الحكم المستفاد من قول عمر إن لم يدرس هذا القول دراسة لغوية كالحديث، وبخاصة وأن عمر من أهل اللغة؟
وحتى أوضح الأمر أكثر فانظر إلى قول عمر جيداً:
يقول "من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين" فهو يذكر الملكية للمحيي، ولم يذكر الملكية للمحتجر فإنه قال: "من أحيا أرضاً فهي له"، ولم يقل "من احتجر أرضاً فهي له"، فهل الميتة تملك بالإحياء فحسب، أي بعمارتها بالزرع ونحوه، ولا تملك بوضع الحجارة حولها؟ أي أن الملكية للمحيي وليست للمحتجر؟ ثم هل نزع الملكية عند إحياء الأرض ثلاث سنين هي من المحتجر وليس من المحيي بمعنى أن من احتجر الأرض ثم أهملها ثلاث سنين تؤخذ منه ولا ينطبق هذا على محيي الأرض لأن عمر يقول "وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين"؟ ولم يقل "وليس للمحي حق بعد ثلاث سنين"؟
أي هل الملكية للمحيي "من أحيا"، ونزعها من المحتجر "وليس لمحتجر حق"، هل الأمر كذلك؟ وإن كان الحكم يشمل المحيي والمحتجر في الملكية وفي نزعها، فكيف؟ وحتى يفهم ذلك لا يمكن إلا بدراسة دلالة قول عمر اللغوية كما ندرس أي حديث من حيث دلالات الألفاظ في اللغة.
وبدراسة ذلك نقول إن قول عمر هذا يقع في باب الإيجاز بالحذف، وهو معروف في فقه اللغة، فكأنَّ عمر قال: "من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس له حق بعد ثلاث سنين، ومن احتجر أرضاً ميتة فهي له وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين"، ثم أثبت شطر الحكم الأول "من أحيا..." وحذف العجز "وليس له حق بعد ثلاث سنين..."، ثم حذف شطر الحكم الثاني "ومن احتجر أرضاً..."، وأثبت العجز "وليس لمحتجر حق..."، وهكذا يفهم الحكم بأن الإحياء والاحتجار هما سواء في حق الملكية، وكذلك هما سواء في نزع الملكية بعد الإهمال، إن كان في حق المحيي أو في حق المحتجر.
هذه واحدة.
وأما الثانية فإنه إذا لم تدرس دلالة قول عمر دلالة لغوية فكيف سنفهم أن الإحياء هو علة ملكية الأرض دلالة؟ أما إذا دُرست دراسة لغوية فإنه يتبيَّن أن ترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب والتسبيب تفيد العلة دلالة، سواء أدخلت الفاء على الحكم أم دخلت على الوصف، هذا إذا تحققت شروط دلالة الفاء على وجهها، أي الشروط الثلاثة التي تجعل الفاء تفيد العلة دلالة، وهي هنا في قول عمر "من أحيا..."متحققة، أنظر "تفسير الوصول إلى الأصول"، وهكذا يكون الإحياء علة الملكية فمن قام بالإحياء، أي إحياء أنّى كان، فقد ملك الأرض...
وهكذا.
والخلاصة:
1- إن قول عمر ليس هو الدليل، بل إجماع الصحابة، على الحكم المستفاد من قول عمر، هو الدليل.
ولأن عمر عبّر عن الحكم المستفاد بنص عربي، وعمر من أهل اللغة، فلا يمكن معرفة الحكم المستفاد من قول عمر إلا بدارسة لغوية لدلالات الألفاظ في قول عمر كأي دراسة لغوية لألفاظ الحديث من حيث المنطوق والمفهوم، وأساليب اللغة.
21/ جمادى الأولى 1431هـ
5/5/2010
================
السؤال السادس:
في الشخصية الجزء الثالث:
- ورد في ص (448) السطر (7): [... يتضمن معنى بمثابة العلة].
- " " (453) السطر (6): [... فكأن ثبوته فيها معنى بمثابة العلة].
- " " (459) " (9): [... فكأنه كان علة].
- " " (460) " (9): [... فكأنه كان علة، فهو بمثابة العلة].
نحن نعرف أن أدلة العلة أربعة: (صريحة، دلالة، استنباط وقياساً)، فهل المعنى الذي هو بمثابة علة غير هذه الأربعة، أم أن العلة هي الصريحة فقط، وأن ما عداها هو بمثابة علة؟ أرجو توضيح عبارة (بمثابة علة)، وبارك الله فيكم وبكم.
الجواب:
العلة هي الباعث على التشريع، فهي محل قياس، فإذا وجدت العلة "صراحة، دلالة، استنباطية، قياسية" فإنه يقاس على حكم الأصل حكم فرعي آخر بجامع العلة.
فمثلاً:
{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}، فهنا تستنبط علة عدم البيع عند النداء وهي الإلهاء عن الصلاة. ويكون الحكم الوارد في النص "ترك البيع" محل قياس لحكم آخر بجامع العلة وهو مثلاً ترك إجراء عقد الإجارة عند النداء... وأحكام أخرى بجامع علة الإلهاء.
وهكذا...
وقد بُحثت أنواع العلة وفق الأدلة، فكانت الأنواع الأربعة "صراحة، دلالة، استنباطية، قياسية"، وغير هذه الأنواع ليس علة بمعنى الباعث على التشريع، وبمعنى وجود القياس بجامع هذه العلة.
وقد وُضّحت استعمالات اللغة في النصوص التي تفيد وجود العلة، وهي مُفصَّلة في الشخصية الثالث في بابها.
غير أن هناك استعمالات في اللغة يستنبط منها رابط بين الحكم الوارد في النص وبين أمر آخر يتعلق به، ولكنه لا يقاس عليه، وليس هو من أنواع العلة، فيقال عن هذا الاستعمال اللغوي إنه بمثابة علة، أو كأنه علة، أي فيه معنى الربط بين الحكم وشيء آخر في النص، ولكنه ليس علة لا صريحة ولا دلالة ولا استنباطاً ولا قياساً.
ولمزيد من التوضيح أقول:
«إذا زالت الشمس فصلوا»، فهنا الفاء سببيه ولكن لا رابط بين زوال الشمس والصلاة، فهنا سبب وحسب.
ولكن {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ} هنا الفاء سببية ولكن هناك رابط بين الحكم "ولا تسبوا" وبين "فيسبوا" فإن النهي عن سب آلهة الكفار هو خشية سبهم الله سبحانه، ولكن لا يقاس عليه، فلا يقال مثلاً لا تنكر ظلم الحاكم خشية أن يعتقلك... بل هو فقط الحالة المذكورة في النص، لكن الترابط بين الحكم وسببه يمكِّن المجتهد من أن يصوغ حكماً كلياً يشمل حالات تندرج تحته، فيقال سب آلهة الكفار مباح، وقد منع هذا المباح لأنه يقود إلى الحرام وهو سب الله سبحانه، ولذلك يصاغ الحكم الكلي "الوسيلة إلى الحرام حرام".
أي أن هذا الربط يُمكِّن من صياغة حكم كلي يندرج تحته جزئيات... فتمنع بموجبه كل وسيلة تؤدي إلى الحرام.
ولاحظ الفرق هنا فأنني استنبطت من ترابط السبب حكماً شرعياً كلياً تندرج تحته جزئيات، ولكنني لم أقس حكماً فرعياً على الحكم الأصلي.
ومثلاً: سافِرْ إلى الخرطوم، فهنا غاية باستعمال "إلى"، ولكن لا ترابط بين السفر والغاية أي الخرطوم.
ولكن {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فهنا غاية باستعمال "إلى"، ولكن فيها ترابط بين الصيام ودخول الليل، أي لا يصح الصيام إذا لم يدخل شيء من الليل، ومنه أستطيع استنباط حكم كلي بان الصيام الواجب لا يصح حتى يمتد إلى غاية معينة، وأن الامتداد إلى هذه الغاية يصبح واجباً ما دام لا يصح الحكم الواجب الوارد في نص الآية إلا به، وهكذا نتوصل إلى حكم كلي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فيكون إيجاد الخليفة واجباً لأن إقامة الحدود الواجبة لا تتم إلا بالخليفة، ولاحظ الفرق، فنحن لم نقس بيعة الخليفة على الصيام، لأنه لا توجد علة تجمع الصيام مع بيعة الخليفة... وإنما وجد حكم كلي اندرج تحته وجوب بيعة الخليفة لصحة إقامة الحدود الواجبة.
ومثل هذا يقال في استنباط الاستصحاب، فقد عرفه علماء الأصول بأنه عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول، أي هو ثبوت أمر في الزمن الحاضر بناء على ثبوته فيما مضى. فكل أمر ثبت وجوده ثم طرأ الشك في عدمه فالأصل بقاؤه، والأمر الذي علم عدمه ثم طرأ الشك على وجوده فالأصل استمراره في حال العدم، أي أن هناك رابط بين ثبوت الحكم في أصله واستمراره بعد ذلك، فكأن ثبوته فيما مضى بمثابة العلة في ثبوته في الزمن الحاضر، وهذا يقود إلى صياغة حكم كلي "الاستصحاب" أي ثبوت أمر في الزمن الحاضر بناءً على ثبوته فيما مضى.
ومثلاً لقد روي «أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أقامَ بِتَبُوك بِضْعَ عَشْرَةَ ليلةً لَمْ يُجاوِزْها، ثـُمَّ انصرَفَ قافِلاً إلى المدينة، وكانَ في الطريق ماءٌ يَخْرُجُ من وَشَلٍ، ما يُروي الراكبَ والراكبين والثلاثة، بِوادٍ يُقالُ له وادي الْمُشَقَّقِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَبَقَنا إلى ذلكَ الوادي فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئاً حتى نَأْتِيَهُ، قالَ: فَسَبَقَهُ إليه نَفَرٌ من المنافقين، فَاسْتَقَوْا ما فيه، فلمّا أتاهُ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ عليه، فَلَمْ يَرَ فيه شيئاً، فقالَ: مَنْ سَبَقَنا إلى هذا الماء؟ فَقِيلَ له: يا رسولَ اللَّهِ، فُلانٌ وفُلان، فقالَ: أَوَلَمْ أَنْهَهُمْ أنْ يَسْتَقُوا منه شيئاً حتى آتِيَهُ، ثـُمَّ لَعَنَهُمْ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ودَعا عليهم» رواه ابن هشام في سيرته. ففي هذا الحديث حرَّم الرسول صلى الله عليه وسلم شرب ذلك الماء القليل؛ لأنه يؤدي إلى ظمأ الجيش، فإنه قال: «مَنْ سَبَقَنا إلى ذلكَ الوادي فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئاً حتى نَأْتِيَهُ»، ولعن الذين استقيا منه... مع أن الاستقاء من ذلك الماء في ذلك الوادي في حالات أخرى جائز، ولكن الاستقاء منه قبل حضور الرسول صلى الله عليه وسلم وتقسيمه بين الجيش يؤدي إلى حرمان الجيش، أي يؤدي إلى ضرر، فحرم الاستقاء من ذلك الوادي حتى يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان هناك ربطٌ بين الاستقاء قبل وصول الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ظمأ الجيش الذي يلحق به ضرراً، فكأنَّه كان علة أو بمثابة العلة لعدم الاستقاء من ذلك الوادي في حالة كونه يؤدي إلى ضرر، لكن ظل الاستقاء مباحاً في غير تلك الحالة، وهذا قاد إلى صياغة حكم كلي بأن «كل فرد من أفراد المباح، إذا كان مؤديا إلى ضرر حرم ذلك الفرد وظل الأمر مباحاً».
وهكذا، فقد مكّن هذا الترابط في الاستعمال اللغوي بين الحكم في النص وشيء آخر فيه، مكَّن هذا الترابط من صياغة أحكام كلية لأن الحكم الكلي يستنبط من النص الشرعي كاستنباط أي حكم شرعي سواء بسواء، سواء أكان من دليل واحد أم من أدلة عدة، إلا أن الدليل الذي يستنبط منه الحكم الكلي يجب أن يتضمن ترابطاً في النص ما بين الحكم وشيء آخر يتعلق به، وهذا ما نقول عنه إنه بمثابة العلة، أو يتضمن علة. وهذا هو الذي يجعله منطبقاً على جميع جزئياته،
والحكم الكلي ليس كالقياس دليلاً شرعياً، ولا أصلاً من أصول الشرع، وإنما هو حكم شرعي استنبط كسائر الأحكام الشرعية، فلا يكون دليلاً؛ كل ما هنالك أنه يستنبط من أدلة يوجد فيها ربط بين الحكم وبين شيء آخر في النص، كأنه علة.
والخلاصة: أن الاستعمال اللغوي في النص إذا كان يفيد ترابطاً بين الحكم وبين شيء آخر، بغير الاستعمالات اللغوية المفيدة للعلة، أي بغير الحالات الأربع للعلة، فإنه يقال عن هذا الترابط كأنه علة، أو بمثابة العلة.
أي إذا كان الاستعمال اللغوي يفيد الترابط،
وهذا الترابط بغير الاستعمالات اللغوية للعلة،
وأنه ليس محل قياس حكم جديد على حكم الأصل،
وإنما يصاغ منه حكم كلي تندرج تحته جزئيات...
فإن هذه الحالات تسمى "كأنها علة"، "بمثابة العلة".
21/ جمادى الأولى 1431هـ
5/5/2010
================
|
السؤال السابع: جاء في كتاب الدولة الإسلامية ص15 ما نصه: (ولذلك لم يكن إعلان الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام شيئاً جديداً على كفار مكة، وإنما كان الشيء الجديد ظهور هذه الكتلة المؤمنة. فقد أسلم حمزة بن عبدالمطلب ثم أسلم عمر بن الخطاب بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فاشتد ساعد المسلمين ونزل على الرسول صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} فصدع بأمر الله، وأظهر التكتل علناً للناس جميعاً، وإن كان قد بقي بعض المسلمين مستخفين، ومنهم من بقي مستخفياً حتى فتح مكة، وكان أسلوب إظهار الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر هذا التكتل أنه خرج في أصحابه في صفين اثنين كان على رأس أحدهما حمزة بن عبدالمطلب، وعلى رأس الصف الثاني عمر بن الخطاب، وذهب بهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة في نظام دقيق لم تعهده العرب من قبل فطاف بهم الكعبة، وانتقل الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك في أصحابه من دور الاستخفاء إلى دور الإعلان)انتهى.
والسؤال أني قرأتُ ان إسلام عمر كان بعد الهجرة إلى الحبشة أي بعد السنة السادسة للبعثة وليس في السنة الثالثة وهو ما صحت فيه الروايات:
روى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه ليلى قالت: (كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة أتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجه، فقال: أين أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم؟ والله ولا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب) [رواه الطبراني، وقال الهيثمي: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح].
واستدل ابن كثير في البداية والنهاية على تأخر إسلام عمر بما رواه عبد الله بن عمر أنه رأى ما فعلت قريش بعمر عندما أسلم، فيقول ابن كثير: (وهذا إسناد جيد قوي وهو يدل على تأخر إسلام عمر لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزاً يوم أسلم أبوه، فيكون إسلامه قبل الهجرة بنحو أربع سنين، وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم).
أما حديث خروج المسلمين في صفين والذي استدل به الكتاب فهو لم يثبت، وقد رواه أبو نعيم في الحية ولم يروه غيره، إلا أن ابن عساكر رواه في تاريخه بسند نازل أي بنفس السند الذي ورد في الحلية، وفيه أبان بن صالح ليس بالقوي، وعنه اسحق بن عبد الله الدمشقي وهو متروك كما ذكره صاحب الكنز.
وإذا صح ما تقدم، فهل يستدعي ذلك تصحيح ما في الكتاب؟
الجواب:
لقد وردت في إسلام عمر روايات:
أ- أسلم عمر قبل هجرة الحبشة نحو أوائل السنة الثالثة "أو أواخر السنة الثانية"
ومن هذه الروايات:
- تاريخ الإسلام للذهبي حيث ورد فيه:
"فقال "أي عمر" ... فانطلق حمزة فأسلم، وخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان المخزومي فقلت: أرغبت عن دين آبائك واتّبعت دين محمد - قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقّاً منّي، قلت: ومن هو - قال: أختك وختنك، فانطلقت فوجدت همهمةً... وقلت: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم - قالت: فإنّه في دار الأرقم، فأتيت فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم - قالوا: عمر، قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج فتشهّد عمر، فكبّر أهل الدّار تكبيرةً سمعها أهل المسجد..."
- مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمؤلفه محمد بن عبد الوهاب، حيث ورد فيه:
"وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال لعمر رضي الله عنه : « لم سميت الفاروق ؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام. ثم شرح الله صدري للإسلام. وأول شيء سمعته من القرآن وَوَقَر في صدري: { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } فما في الأرض نسمة أحب إليَّ من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألت عنه فقيل لي: هو في دار الأرقم . فأتيت الدار - وحمزة في أصحابه جلوسًا في الدار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت - فضربت الباب، فاستجمع القوم. فقال لهم حمزة : ما لكم ؟ فقالوا: عمر ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذ بمجامع ثيابي. ثم نترني نترة لم أتمالك أن وقعت على ركبتي. فقال: ما أنت بمنته يا عمر ؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد...".
ومعروف أن إسلام حمزة رضي الله عنه كان في أواخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة، وقد ورد نحو ذلك في أسد الغابة، وما سبق يدل على أن عمر أسلم بعد حمزة بثلاثة أيام، أي أنه أسلم قبل هجرة الحبشة، وأن ذلك كان في أواخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة من البعثة.
ب- أسلم عمر بعد هجرة الحبشة نحو السنة السادسة،
ومن هذه الروايات بالإضافة لما ذُكر في السؤال:
- الكامل في التاريخ: "وأسلم بعد هجرة المسلمين للحبشة، ثم ذكر قصة أم عبد الله زوج عامر ابن ربيعة: " إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزناً. قالت: فلما عاد عامر أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت في إسلامه ؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدته على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه على المسلمين...".
وورد في تاريخ إسلام عمر نحو ذلك في أسد الغابة، الوافي بالوفيات، سمط النجوم...
ج- أسلم بعد نحو أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة أو بعد تسعة وثلاثين رجلاً وعشرين امرأة...
ومن هذه الروايات:
- الكامل في التاريخ: "ثم أسلم عمر بعد تسعة وثلاثين رجلاً وثلاث وعشرين امرأة، وقيل أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة".
- أسد الغابة: "قال هلال بن يساف: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، وقيل أسلم بعد تسعة وثلاثين رجلاً و عشرين امرأة، فكمل الرجال به أربعين رجلاً، وهكذا ورد عن ابن عباس...".
- الوافي بالوفيات: "ثم أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة".
- تاريخ الإسلام للذهبي: "عن الزهري أن عمر أسلم بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء".
د- ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة
ومن هذه الروايات:
- الوافي بالوفيات: "ولد عمر رضي الله عنه بعد الفيل بثلاث عشرة سنة"
- أسد الغابة: "ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة".
هـ- عندما أسلم عمر كان عُمره ستاً وعشرين سنة
ومن هذه الروايات:
- تاريخ دمشق، حيث ورد فيه: "... وأسلم في ذي الحجة السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة ".
* عند دراسة هذه الروايات نجد في كل منها بعض القول:
أ- فإذا أخذنا برواية أن عمر أسلم في السنة السادسة بعد هجرة الحبشة كما ذكر السؤال، وكما ذكر في بعض الروايات، فإن هذا يتناقض مع كونه أسلم بعد نحو أربعين رجلاً، وذلك لأن الذين هاجروا للحبشة، كما في سيرة ابن هشام وغيرها، هم نحو "83" رجلاً ما عدا الأطفال والنساء، وكان من بينهم ليلى زوجة عامر بن ربيعة صاحبة القصة مع عمر، وهؤلاء يكونون أسلموا قبل إسلام عمر، بالإضافة لمن بقي في مكة لم يهاجر، أي قد يكون المسلمون عند هجرة الحبشة فوق هذا العدد بكثير.
فضلاً عن أنه في قصة إسلام عمر التي رواها "الكامل في التاريخ" فيها كما ترى أن عمر عندما ذهب إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم حيث الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين الذين لم يهاجروا كان عدد المسلمين في الدار نحو أربعين! هذا ما عدا الـ "83" الذين هاجروا أي أن المسلمين كانوا عندما أسلم عمر، حسب هذه الرواية فوق "120" رجلاً، وهذا يناقض أنه أسلم بعد نحو أربعين. فقد ورد في الكامل:
"... قالت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وكانت زوج عامر بن ربيعة، إنا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته، إذ أقبل عمر وهو على شركه حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء أذىً وشدة، فقال: أتنطلقون يا أم عبد الله ؟ قالت: قلت: نعم والله لنخرجن في أرض الله، فقد آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزناً. قالت: فلما عاد عامر أخبرته وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا ! قال: أطمعت في إسلامه ؟ قلت: نعم. قال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب، لما كان يرى من غلظته وشدته على المسلمين، فهداه الله تعالى فأسلم فصار على الكفار أشد منه على المسلمين.
وكان سبب إسلامه أن أخته فاطمة بنت الخطاب كانت تحت سعيد بن زيد بن عمرو العدوي، وكانا مسلمين يخفيان إسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام قد أسلم أيضاً وهو يخفي إسلامه فرقاً من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً ومعه سيفه يريد النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، وهم مجتمعون في دار الأرقم عند الصفا، وعنده من لم يهاجر من المسلمين في نحو أربعين رجلاً، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: أين تريد يا عمر ؟ فقال: أريد محمداً الذي فرق أمر قريش وعاب دينها فأقتله. فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأي أهلي ؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة، فقد والله أسلما..."
ب- أما الأخذ برواية أن عمر قد أسلم قبل هجرة الحبشة فهي لا تتناقض مع كونه أسلم بعد نحو أربعين رجلاً لأن المسلمين في السنوات الأولى الثلاث كانوا نحو هذا العدد.
ج- وكذلك فإن عمر ولد بعد الفيل بنحو ثلاث عشرة سنة حسب الروايات أو نحوها، فإذا أسلم وهو ست وعشرون سنة أو نحوها، فلا يمكن بحال أن يكون عمره ستا وعشرين سنة في السنة السادسة للبعثة! لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل وبعث وهو في الأربعين، والسنة السادسة للبعثة تعني بعد الفيل بست وأربعين سنة، أي أن عمر قد يكون بلغ "46 - 13" = 33 سنة، ولو فرضنا أن ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم وولادة عمر رضي الله عنه يختلفان ما بين آخر السنة وأولها، فينقص العمر نحو سنتين، أي يكون عمره 31 سنة، في حين أن الروايات أنه رضي الله عنه أسلم وعمره ست وعشرون سنة.
د- وأما الرواية التي أخذنا بها في كتابنا فهي أقرب إلى تطابق الروايات من أن عمر كان في السادسة والعشرين عندما أسلم، وبعد نحو أربعين رجلاً أسلموا قبله، أي في الثالثة من البعثة أو نحوها "آخر الثانية أو أوائل الثالثة".
هذا من حيث متى كان إسلام عمر رضي الله عنه، ومن حيث أن إسلامه قبل هجرة الحبشة لا يتناقض مع الأمور الأخرى.
* أما الخروج في صفين فلم يُذكر فقط في الحلية أو تاريخ ابن عساكر، كما ورد في السؤال، بل إن من المصادر التي ذكرت إسلام عمر بعد الهجرة قد ذكرت الصفين:
جاء في كتاب "سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي" بعد أن نقل عن ابن اسحق أن إسلام عمر كان بعد هجرة الحبشة، قال:
" ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم، فقال: ما يحبسك بأبي أنت وأمي؟! فوالله ما بقي مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإسلام غير هائب ولا خائف، فخرج - عليه الصلاة والسلام - في صفين من أصحابه، عمر بن الخطاب في يمينهما، وحمزة بن عبد المطلب في يسارهما، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا. ثم انصرف إلى دار الأرقم هو ومن معه أخرجه أبو القاسم الدمشقي في الأربعين الطوال."
وكذلك فإن من المصادر التي ذكرت إسلام عمر رضي الله عنه قبل الهجرة قد ذكرت الصفين: جاء في تاريخ الإسلام للذهبي بعد أن ذكر إسلام عمر رضي الله عنه بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، وحمزة كان قد أسلم في أواخر الثانية أو أوائل الثالثة، كما ذكرنا سابقاً، أي أن إسلام عمر رضي الله عنه كان قبل الهجرة في آخر الثانية أو أوائل الثالثة، بعد ذلك قال الذهبي:
" فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم - قالوا: عمر، قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإن أقبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج فتشهّد عمر، فكبّر أهل الدّار تكبيرةً سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله السنا على الحقّ - قال: بلى، فقلت: فيم الاختفاء، فخرجنا صفّين أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إليّ وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة، فسمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق يومئذ وفرق بين الحقّ والباطل." وذُكر نحوه في مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهكذا فإن الخروج في صفين قد ذُكر في قصة إسلام عمر رضي الله عنه بعد الهجرة وقبلها.
* أما الطريقة فهي لا تتأثر بأي سنة أسلم فيها عمر، لأن المرحلة السرّية، فضلاً عن الروايات الواردة فيها التي تفيد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يختفي في دار الأرقم، أقول فضلاً عن هذه الروايات، فإن هناك دليلاً قاطعاً بأن بداية الكتلة كانت سرّية، وهذا الدليل هو قوله تعالى: {فاصدع بما تؤمر}، ومفهومه يفيد أنّ الكتلة قبل نزول الآية كانت سرية، ومنطوقه يفيد أنها بعد نزول الآية أصبحت علنية.
ولذلك فالطريقة لا تتأثر بالسنة التي أسلم فيها عمر، فمراحل التكتل ثابتة بأدلة شرعية، ولا يؤثر فيها مدة المرحلة الأولى أهي كذا أم كذا.
* ولذلك فلا داعي لتغيير ما في الكتاب، ويكفي هذا الجواب في هذه المسألة.
30 ربيعٍ الثاني 1431هـ
14/4/2010
================
السؤال الثامن:
1- ورد في كتاب الدولة صفحة (46) وفي الأموال صفحة (35) روايتان مختلفتان عن سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه:
ففي الأولى من كتاب الدولة ذُكر: "... سرية عبد الله بن جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر. وحديث هذه السرية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث في رجب من السنة الثانية للهجرة، عبد الله بن جحش ومعه جماعة من المهاجرين..."
وفي الثانية من كتاب الأموال ذُكر: "... غنيمة سرية عبد الله بن جحش. وكانت بعض إبل لقريش محملة أدما وتجارة، أصابتها في جمادى الآخرة من السنة الثانية من الهجرة...."
أي رواية تقول في رجب، وأخرى تقول في جمادي الآخرة، فما تفسير هذا الاختلاف؟
2- وكذلك فقد ورد في كتاب الدولة صفحة (107) "ولما رجع المسلمون من مؤتة وقد قُتل منهم خلق كثير..."، فكيف ذلك؟ وقد قرأت في بعض الروايات أن الشهداء كانوا اثني عشر رجلاً، أرجو التوضيح؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب:
1- بالنسبة لسرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه، فقد ورد فيها روايتان:
الأولى: أن القصة حدثت في الشك بين آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فظن المسلمون أنها في آخر يوم من جمادى الآخرة، أي ليست في الشهر الحرام، وقال كفار قريش إنها في أول يوم من رجب أي في الشهر الحرام.
ومن الروايات في ذلك:
(قَالَ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير " الْآيَة . وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّة وَكَانُوا سَبْعَة نَفَر عَلَيْهِمْ عَبْد اللَّه بْن جَحْش الْأَسَدِيّ....الى ان قال: وَسَارَ اِبْن جَحْش إِلَى بَطْن نَخْلَة فَإِذَا هُوَ بِالْحَكَمِ بْن كَيْسَان وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة وَانْفَلَتَ وَقُتِلَ عَمْرو قَتَلَهُ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه فَكَانَتْ أَوَّل غَنِيمَة غَنِمَهَا أَصْحَاب رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَة بِأَسِيرَيْنِ وَمَا أَصَابُوا مِنْ الْمَال أَرَادَ أَهْل مَكَّة أَنْ يُفَادُوا الْأَسِيرَيْنِ عَلَيْهِ وَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُم أَنَّهُ يَتْبَع طَاعَة اللَّه وَهُوَ أَوَّل مَنْ اِسْتَحَلَّ الشَّهْر الْحَرَام وَقَتَلَ صَاحِبنَا فِي رَجَب فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا قَتَلْنَاهُ فِي جُمَادَى الآخرة... وَأَغْمَدَ الْمُسْلِمُونَ سُيُوفهمْ حِين دَخَلَ شَهْر رَجَب، وَأَنْزَلَ اللَّه يُعَيِّر أَهْل مَكَّة " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ"...)
الثانية: أن القصة حدثت في الشك بين آخر يوم من رجب وأول يوم من شعبان...
ومن الروايات في ذلك:
( َقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن السَّائِب الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَ فِيمَا كَانَ مِنْ مُصَاب عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ " إِلَى آخِر الْآيَة . وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن هِشَام رَاوِي السِّيرَة عَنْ زِيَاد بْن عَبْد اللَّه الْبِكَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار الْمَدَنِيّ رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَاب السِّيرَة لَهُ إِنَّهُ قَالَ : وَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْد اللَّه بْن جَحْش بْن رَبَاب الْأَسَدِيّ فِي رَجَب مَقْفَله مِنْ بَدْر الْأُولَى وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَة رَهْط مِنْ الْمُهَاجِرِينَ... إلى أن قال: وَمَضَى عَبْد اللَّه بْن جَحْش وَبَقِيَّة أَصْحَابه حَتَّى نَزَلَ نَخْلَة فَمَرَّتْ بِهِ عِير لِقُرَيْشٍ تَحْمِل زَيْتًا وَأُدْمًا وَتِجَارَة مِنْ تِجَارَة قُرَيْش فِيهَا عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ وَاسْم الْحَضْرَمِيّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاد أَحَد الصَّدَف وَعُثْمَان بْن عَبْد اللَّه بْن الْمُغِيرَة وَأَخُوهُ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيَّانِ وَالْحَكَم بْن كَيْسَان مَوْلَى هِشَام بْن الْمُغِيرَة فَلَمَّا رَآهُمْ الْقَوْم هَابُوهُمْ وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَة بْن مُحْصِن وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسه فَلَمَّا رَأَوْهُ آمَنُوا وَقَالُوا : عَمَّار لَا بَأْس عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ وَتَشَاوَرَ الْقَوْم فِيهِمْ وَذَلِكَ فِي آخِر يَوْم مِنْ رَجَب فَقَالَ الْقَوْم وَاَللَّه لَئِنْ تَرَكْتُمْ الْقَوْم هَذِهِ اللَّيْلَة لَيَدْخُلَنَّ الْحُرُم فَلْيَمْتَنِعَنَّ مِنْكُمْ وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلَنَّهُمْ فِي الشَّهْر الْحَرَام فَتَرَدَّدَ الْقَوْم وَهَابُوا الْإِقْدَام عَلَيْهِمْ ثُمَّ شَجَّعُوا أَنْفُسهمْ عَلَيْهِمْ وَأَجْمَعُوا قَتْل مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَأَخْذ مَا مَعَهُمْ فَرَمَى وَاقِد بْن عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ وَاسْتَأْسَرَ عُثْمَان بْن عَبْد اللَّه وَالْحَكَم بْن كَيْسَان وَأَفْلَتَ الْقَوْم نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه فَأَعْجَزَهُمْ وَأَقْبَلَ عَبْد اللَّه بْن جَحْش وَأَصْحَابه بِالْعِيرِ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – الْمَدِينَة... إلى أن قال: وَقَالَتْ قُرَيْش قَدْ اِسْتَحَلَّ مُحَمَّد وَأَصْحَابه الشَّهْر الْحَرَام وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّم وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَال وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَال فَقَالَ مَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّة إِنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَان... فَلَمَّا أَكْثَر النَّاس فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير...)
وكما ترى فإن إحدى الروايتين في آخر يوم من جمادى الآخرة، والأخرى في آخر يوم من رجب.
ونحن قد أخذنا بإحداهما في الأموال، وبالأخرى في الدولة.
2- ما ورد في كتاب الدولة ص107:
(ولما رجع المسلمون من مؤتة وقد قتل منهم خلق كثير....)، فقد اطلعت على بعض المصادر فوجدت أكثرها لا تذكر عدد الشهداء، ووجدت بعضها يذكر أنهم اثنا عشر رجلا، فإن صح هذا فهو يعني أن ما ورد في الدولة غير دقيق، إلا أنني وجدت في البداية والنهاية لابن كثير عند الحديث عن غزوة أحد في الجزء السادس، عند ذكر عدد الشهداء، ما يلي:
" قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والانصار تسعة وأربعون رجلا وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فالله أعلم.
وقال قتادة عن أنس قتل من الانصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه كان يقول قارب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة"
وعليه فإن هناك روايات بأن عدد الشهداء في مؤتة هم اثنا عشر، وهناك روايات أخرى بأن عدد الشهداء نحو السبعين. وهذا يعني أن ما هو مذكور في الدولة له وجه، وبخاصة وأنه (عقلاً) يتوقع المرء أن الشهداء أعداد كثيرة، وذلك لأن عدد الجيش الإسلامي نحو ثلاثة آلاف، وجيش الأعداء نحو مئتي ألف... بالإضافة إلى أن قادة الجيش الثلاثة قد استشهدوا، وبخاصة وهم الذين كانوا يحملون الراية، ويندفع الجيش بكثافة عادة في الحروب القديمة للقتال حول الراية.. فهو يدل وفق واقع الحروب القديمة أن أعداداً كثيرة من الجيش قد استشهدوا...
وإن تأكد لي غير ذلك مما يستوجب تصحيحاً فسأفعل إن شاء الله.
17 ربيع الأول 1431هـ
14-3-2010
================
السؤال التاسع: لقد لاحظت في بعض خطاباتنا وخطابات الآخرين القول عن المسجد الأقصى بأنه ثالث الحرمين الشريفين، فهل يجوز ذلك مع أنه يختلف عن الحرمين في الأحكام الشرعية؟
الجواب:
إن ضم عدد ترتيبي لآخر جائز إن كان العدد المضموم من الجنس نفسه للعدد الأصلي، سواء أكان ذلك على الحقيقة أم على المجاز بقرينة واضحة، ولا ينكر ذلك إلا من ينكر المجاز في اللغة.
والصواب أن هذا القول جائز لأن المسجد الأقصى ذو علاقة مهمة بالحرمين الشريفين، فأنت تقول عن فلان الشجاع الجريء إنه أسد، وهو ليس أسداً على الحقيقة، ونحن لا نريد هنا أن نخوض في بحث المجاز فهو موجود في اللغة وفي القرآن بشكل واضح.
وقد ورد في القرآن الكريم {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ... } وكما ترى فالله سبحانه يقول (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وأبو بكر ليس رسولاً، وإنما ضُمَّ أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلاقة التقوى والصدق والأعمال الصالحة... ونحوها.
وأزيدك توضيحاً فإن صلاح الدين رحمه الله عندما حرر القدس من دنس الصليبيين، كلف القاضي محي الدين بن زكي الدين بأول خطبة جمعة بعد تحرير القدس... وقد قال فيها عن المسجد الأقصى ما يلي: " ... وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه..." انظر خطبته رحمه الله في وفيات الأعيان الجزء الرابع صفحة 232 إلى 236 ...
الثاني من ربيع الثاني 1431هـ
16-03-2010م
|
|
|
|
|
|
جواب سؤال: استفتاء قرغيزستان وما سبقه من أحداث
|
|
|
أجري استفتاء في 27/6/2010حول الدستور الجديد في قرغيزستان، وقبل أن تجف الدماء التي سالت في الأحداث المأساوية! ولم تقبل الحكومة المؤقتة تأجيل الاستفتاء حتى تعود الأوضاع إلى حالتها الطبيعية، ويعود المشردون من ديارهم إلى منازلهم المدمرة، بل أصرت الحكومة على إجراء الاستفتاء رغم كل هذه الظروف!
فلماذا هذا الحرص الشديد من الحكومة على إجراء الاستفتاء بدل الحرص على إعادة إعمار ما دُمِّر وأُحرق، ومعالجة الدماء التي سالت في الأحداث العرقية بين الأوزبك والقرغيز في الجنوب؟
الجواب: قبل الدخول في التفاصيل، نشير إلى واقع لافت للنظر ظهر مؤخراً على تصرفات الاتحاد الروسي، وهو إعادة إسلوب الاتحاد السوفيتي في البطش بالحديد والنار ضد معارضيه في الدول التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي حتى بعد تفككه وانهياره! وقد ظهر ذلك في إحداث عدة من احتلال شمال جورجيا إلى أحداث قرغيزيا. أما أحداث جورجيا فاحتلال شمالها ماثل للعيان، وأما أحداث قرغيزيا فقبل ذكر الأحداث الأخيرة نعود قليلاً إلى أحداث الإنقلاب على باكييف لتوضيح الصورة:
1- لقد دعمت روسيا انتخاب باكييف في 23/7/2009 وقد كان دعم الروس لانتخابه لافتاً للنظر، فقد حضر الرئيس الروسي مدفيديف بنفسه إلى قرغيزيا واشترك في مراسم التنصيب التي أقيمت لباكاييف في 2/8/2009!
2- لقد لاحظت روسيا على باكييف تقرباً من أمريكا، ظهر في حدثين مؤثرين:
الأول: زيارة ريتشارد هولبروك مبعوث الرئيس الأمريكي لأفغانستان لقيرغيزيا في 19/2/2010، وقد اجتمع مع كل من رئيسي البلدين. وقد ذكرت صفحة "روسيا اليوم" عن "انترفاكس الروسية" في 19/2/2010 أن هولبروك بحث مع الرئيس كرمان بيك باكييف:"آفاق العلاقات الثنائية والوضع في أفغانستان وتبادل الطرفان بعيدا عن الأضواء الآراء حول الوضع في أفغانستان وتناولا طرق تنشيط التعاون المتبادل للمنفعة بين البلدين". وذكرت أن المكتب الصحفي للرئاسة القرغيزية نقل عن باكييف انه صرح بان "بلاده تولي أهمية وأولوية لتطوير العلاقات القرغيزية الامريكية وتنشيط التعاون الثنائي". ووكالة انترفاكس الروسية وهي تنقل الخبر تراها تضيف جملة "وتبادل الطرفان بعيدا عن الأضواء" أي بصورة سرية بعيدا عن أنظار الروس حتى لا يعلموا ما اتفق عليه عميلهم باكييف مع الأمريكيين. فهذا غمز وتلميح من الروس بان شيئا ما حدث بين الرئيس القرغيزي والأمريكيين.
الثاني: ذكرت صفحة "روسيا اليوم" في 17/3/2010 أن "الولايات المتحدة أعلنت مؤخرا تخصيص 5,5 مليون دولار لمساعدة قرغيزيا في بناء مركز لتدريب الوحدات الخاصة لمكافحة الإرهاب في مدينة باتكين". وقد سألت "روسيا اليوم" الكسندر كينازوف مدير فرع بشكيك لمعهد بلدان رابطة الدول المستقلة عن موضوع هذا المركز فقال:" إن واشنطن قد تستخدم هذا المركز لتلبية احتياجاتها في آسيا الوسطى. وان شعار مكافحة الإرهاب ليس سوى ذريعة لتحقيق الأهداف الامريكية كما هو في العراق وأفغانستان". وأضاف:"إن واشنطن تسعى عبر هذه المشاريع في آسيا الوسطى إلى التصدي لمنافسة روسيا والصين في المنطقة".
3- لقد أوجس الروس خيفة من زيارة هولبوروك لقرغيزيا، واجتماعه مع رئيسها باكييف، وبعيدا عن الأضواء، وحصول اتفاقيات سرية بين الطرفين، وقد تُوِّجت بتأسيس مركز أمريكي في قرغيزيا لتدريب قوات خاصة، وتجنيد عملاء تحت ذريعة ما يسمى محاربة الإرهاب، وذلك حتى تُقوِّي أمريكا نفوذها في قرغيزيا، ثم تنطلق منها إلى مناطق أخرى.
لقد كان اتفاق تأسيس مركز أمريكي لتدريب قوات خاصة، أو بعبارة أخرى لتخريج عملاء لأمريكا في قرغيزيا، هذا الأمر كان دقّاً لناقوس الخطر، وانطلاقاً نحو تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لروسيا، لذلك أسرعت بالانقلاب منعاً لتمادي باكاييف في علاقته مع أمريكا، وكان واضحاً على روسيا نشوة "الانتصار" في تنفيذ الانقلاب على باكاييف وإسقاطه في 8/4/2010.
وهكذا قامت روسيا بتأديب عميلها السابق باكييف لما لاحظته عليه من تباعد عنها!
4- لقد بقي على روسيا معالجة موضوع كريموف في أوزبكستان وقطعه حباله مع روسيا وسيره مع أمريكا، بعد أن كان يسير معها، خصوصاً وقد ساعدته عسكرياً في أحداث أنديجان، إلا أن إغراءات أمريكا له اقتصادياً وأمنياً جعله يظهر ميلاً متزايداً لأمريكا وبعداً ملحوظاً عن روسيا.
وقد ظهر ذلك منذ أوائل العام الماضي عندما قررت روسيا إنشاء قوات الرد السريع أو بتسمية أخرى الانتشار السريع بتاريخ 4/2/2009. وقد وقعوا على هذه الاتفاقية في موسكو بتاريخ 14/6/2009 وقد امتنعت أوزبكستان عن توقيعها. ولم تشارك أوزبكستان في مناورات 26 آب/ أغسطس2009 في منطقة منظمة الأمن الجماعي والتي استمرت حتى 15 تشرين الأول/أكتوبر2009. فتصرف أوزبكستان يعتبر شبه تجميد لعضويتها في هذه المنظمة ولكن لم تعلن ذلك رسميا. ليس هذا فحسب بل إن أوزبكستان اعترضت على تأسيس قاعدة ثانية لروسيا في قرغيزيا لأنها تهدد كيانها حيث ستقام هذه القاعدة على مقربة من الحدود الأوزبكية في منطقة وادي فراغانة. فقد نقلت وكالة نوفوستي في 5/8/2009 بان أوزباكستان أعلنت كما جاء في بيان نشرته وكالة "جاخون" التابعة لوزارة الخارجية الأوزبكية في 3/8/2009 عن أنها لا ترى ضرورة أو جدوى لتنفيذ الخطة الخاصة بنشر قاعدة عسكرية روسية أخرى بالإضافة إلى القاعدة الروسية في كانْت في جنوب قرغيزيا، مشيرة إلى أن نشر قاعدة جديدة قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة".
وفي 18/8/2009 صرح رئيس النظام في أوزبكستان كريموف خلال لقائه الجنرال الأمريكي ديفيد بتريوس في طشقند عاصمة أوزبكستان قائلاً:" بان أوزبكستان مستعدة لتوسيع التعاون البناء مع الولايات المتحدة على أساس مبادئ الاحترام المتبادل والشراكة المتساوية". ( وكالة نوفوستي الروسية 18/8/2009).
وقامت أمريكا بتوقيع اتفاقية مع أوزبكستان لنقل حمولات حلف الشمال الأطلسي (الناتو) من أوزبكستان إلى أفغانستان. [المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية الوطني بتاريخ 04/04/2009]. إلا أن العلاقات بين الإدارة الأوزبكية والأميركية لم تقتصر على ذلك بل إن الإدارة الأميركية قامت بإصدار رسالة تهنئة لأوزبكستان بمناسبة الذكرى 18 لاستقلالها، ومن ثم قام كريموف بقبول زيارة السفير الأميركي في أوزبكستان "ريتشارد نورلاند"، وقَبْلَ ذلك في 18 آب/أغسطس قَبِلَ كريموف زيارة قائد القوات المركزية للولايات المتحدة الأميركية الجنرال "ديفيد هووال بتراوس"، وتم توقيع اتفاقية تعاون بين البلدين تحوي برامج عسكرية وتدريبية وتعليم مهني.
وهكذا فإن كريموف يبتعد عن روسيا ويقترب من أمريكا.
5- وعلى طريقة روسيا فكان لابد من وضع حد لتقرب كريموف من أمريكا، وهكذا كان، فقد أرادت روسيا أن توجد مشكلة لأوزبكستان فتهجر أعداداً كبيرة من الأقلية الأوزبكية من قرعيزيا إلى أوزبكستان، بحيث توجد مبرراً للتدخل لحل المشكلة عن طريق منظمة الأمن الجماعي التي كانت أوزبكستان قد جمدت عضويتها فيها منذ زمن... ولأن المشكلة ستكون صارخة تضطر معها أوزبكستان للعودة إلى منظمة الأمن الجماعي لحل المشكلة، وبطبيعة الحال هي بزعامة روسيا، فتعود أوزبكستان إلى بيت الطاعة الروسي، ومن ثم تبتعد عن أمريكا.
6- لذلك دفعت روسيا الحكومة المؤقتة وأزلام روسيا في قرغيزيا، وليس القرغيز الشرفاء، بالهجوم على الأوزبك بالحرق والتدمير والقتل... لطردهم تجاه الحدود الأوزبكية، وكادت الخطة أن تنجح فتوافق أوزبكستان على الاشتراك في منظمة الأمن الجماعي وإرسال قوات بقيادة روسيا لحل المشكلة، لولا تدخل السفير الأمريكي في طشقند بلسان الحكومة الأمريكية، التي اتصلت بالحكومة الاوزبكية وأقنعتها بعدم المشاركة مع قوات منظمة الامن الجماعي فاستجابت هذه الحكومة واغلقت الحدود في وجه النازحين من الاوزبك بعدما فتحتها في البداية ووصلها حوالي 100ألف نازح. فالظاهر انهم ارادوا اي الروس والحكومة العميلة في قرغيزيا، ان ينزح مئات الالاف من الاوزبك الى اوزبكستان لتخلق أزمة بين البلدين، ثم تتدخل منظمة الأمن الجماعي بعد عودة أوزبكستان اليها بقيادة روسيا لحل المشكلة، ومن ثم تجري مفاوضات لارجاعهم وبذلك تقوم روسيا وتستغل الوضع بالضغط على اوزبكستان لارجاعها الى حظيرتها وفرض شروط اخرى عليها مقابل ارجاع النازحين الى ديارهم في قرغيزيا، غير أن أوزبكستان كما قلنا رفضت بتدخل من الحكومة الأمريكية، ولذلك اشاد مساعد وزيرة الخارجية الامريكية روبرت بليك بتصرفات اوزبكستان واغلاقها الحدود في وجه النازحين.
7- ومما يؤكد أن روسيا أرادت استغلال المهجرين إلى أوزبكستان لإعادة أوزبكستان إلى منظمة الأمن الجماعي قيام رئيسة الوزراء القرغيزية المؤقتة روزا أتون بايفا كما نقلت وكالة نوفوستي الروسية في 12/6/2010 بالطلب من الرئيس الروسي ميدفيديف ارسال قوات لمساعدتها على تهدئة الاوضاع، لكن روسيا كما ورد على لسان ناتاليا تيموكوفا المتحدثة باسم الرئيس الروسي "رفضت ذلك بدعوى ان الصراع داخلي وان الظروف لا تتطلب مشاركة روسية فعالة"، أي لا يتطلب اشتراك روسيا وحدها. وما يؤكد ذلك ما نقلته صحيفة فيدوموستي الروسية نقلت عن مسؤول في وزارة الدفاع الروسية قوله:" ان نشر قوات في قرغيزيا وتمويلها امر صعب من دون مساعدة اوزبكستان". مما يدل على ان اوزبكستان هي مستهدفة في هذه الاحداث لاجبارها على اعادة نشاطها وتفعيل عضويتها في منظمة الامن الجماعي ومن ثم الاشتراك في قوة الرد السريع تحت امرة روسيا. ولكن عندما لم تتجاوب اوزبكستان قررت روسيا باسم منظمة الامن الجماعي في 14/6/2010 ارسال معدات عسكرية وجوية الى قرغيزيا.
8- ولما فشلت روسيا في جرِّ أوزبكستان إلى منظمة الأمن الجماعي وقوات الرد السريع، أرادت استغلال ما حدث لإظهاره على أنه قتال عرقي، وأن الأقلية الأوزبكية ليست(وطنية) كالقرغيز... وأصرت على عمل الاستفتاء في وقته دون تأجيله لإيجاد شعبية للحكومة المؤقتة على اعتبار أن الحكومة المؤقتة مع مصالح القرغيز وأنها ضد الأوزبك(غير الوطنيين)، ولذلك صرح عظيم بيك بيكنازاروف نائب رئيسة الحكومة القرغيزية المؤقتة :" الوضع في اوش اخذ في الاستقرار، لدينا ما يكفي من القوات، وعلينا تنظيم الاستفتاء، على كل من يدعون انفسهم مواطنيين قرغيز ان يصوتوا في الاستفتاء". ( الجزيرة 17/6/2010)، وبهذا أوجدت شيئاً من الالتفاف العرقي من القرغيز مع الحكومة المؤقتة وذلك في نتائج الاستفتاء على الدستور الذي كان في 27/6/2010.
9- والخلاصة أن أحداث قرغيزيا هي أحداث مفتعلة ومخطط لها من روسيا مع الحكومة المؤقتة، بالهجوم على الأقلية الأوزبكية لتهجيرها إلى أوزبكستان لإيجاد مشكلة لأوزبكستان تضطر معها للعودة إلى منظمة الأمن الجماعي والرد السريع لوضع حدٍ للمشكلة، ولم تكن قتالاً عرقياً لأن الذي حدث هو أن أزلام روسيا والحكومة المؤقتة من القرغيز قد هجموا على الأوزبك بأعمال وحشية فظيعة، ولم تكن قتالاً بين طرفين حتى تسمى حرباً عرقية.
وقد صرحت بعض الوكالات تعليقاً على ما شاهدته من أن الأعمال مخطط لها وليست عفوية،فقد ذكرت وكالة فرانس برس في 17/6/2010 ان "شهادات مراسيليها والخسائر التي لاحظوها في الايام الاخيرة في جنوب قرغيزيا تفيد أن الاوزبك وقعوا ضحايا عمليات تصفية منسقة اسفرت عن سقوط مئات القتلى".وأضافت:" وتفيد شهادات متطابقة في أوش حيث اندلعت الاحداث قبل اسبوع وفي جلال آباد وفي مخيمات اللاجئين في اوزباكستان ان دبابات فتحت المجال امام ميليشيات مسلحة اكتسحت احياء الاوزبك في هجمات منسقة. في حين ظلت الاحياء التي تسكنها اغلبية من اتنية القرغيز سليمة تقريبا. لقد دمرت المنازل في احياء الاقلية الاوزبكية حتى اسسها بعد نهبها وفي عمليات منظمة جيدا. واطلقت الدبابات قذائف حارقة ادت الى اشتعال النار في المنازل بينما اطلق مسلحون ببنادق كلاشينكوف الرصاص على سكانها الذين كانوا يحاولون اطفاء الحرائق".
وقد ذهب بعض شبابنا إلى مراكز الدولة في المنطقة للتدخل لمنع الحرق والتدمير، ولكن تلك المراكز لم تستجب لشبابنا بل اعتقلت بعضهم!
وقد نقلت نيويورك تايمز في 16/6/2010 تصريح روبرت كولفيل الناطق باسم مكتب مفوض الامم المتحدة السامي لحقوق الانسان قوله:" ان الاعتداءات التي اسفرت عن مصرع مائة شخص على الاقل ونزوح مائة الف اوزبكي او اكثر من منازلهم كانت منسقة وموجهة ومخططا لها جيدا ولم تكن اندلاعا عفويا لعنف عرقي".
ولما فشلت روسيا في إعادة أوزبكستان إلى حظيرتها، استغلت الأحداث لإيجاد التفاف حول الحكومة المؤقتة من القرغيز في الاستفتاء على الدستور، مُظهرةً ما حدث أنه صراع عرقي بين الأقلية الأوزبكية غير الوطنية والقرغيز الوطنيين الذين تتبنى مصالحهم الحكومة المؤقتة.
10- إلا أن المحزن في الموضوع أن هذا الصراع على النفوذ في أسيا الوسطى بين روسيا وأمريكا يتم بأدوات محلية ويكون ضحاياه من المسلمين، وكل ذلك لأن الرابطة التي تجمع المسلمين وهي الإسلام، يحاول الكفار المستعمرون وعملاؤهم إزاحتها من الواجهة، وجعل الروابط العصبية تحل مكانها، فتسيل دماء المسلمين بأيدي المسلمين.
وإننا في ختام هذا الجواب ندعو الأخوة الأوزبك والقرغيز الذين جمعهم الإسلام لقرون أن يدركوا أن عز الدنيا والآخرة هو في الإسلام الذي يجمعهم، وأن ما تقوم به روسيا وأمريكا وعملاؤهما هو لجعل بأس المسلمين بينهم شديداً يسفكون دماءهم بأيديهم لمصلحة الكفار.
نسأل الله سبحانه نصره وفرجه بأن تقام الخلافة، فتجمع المسلمين على الخير، أخوة متحابين، خير أمة أخرجت للناس، ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
|
|
15 رجب 1431 هـ |
|
28/6/2010م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
موافقة إيران على التخصيب خارج أراضيها
|
|
|
السؤال:ما الذي حدث حتى عادت إيران توافق على التخصيب خارج أراضيها في تركيا، وتوقع اتفاقاً بذلك مع البرازيل وتركيا؟
الجواب: في الأونة الأخيرة اشتدت الضغوط الأوروبية لفرض عقوبات قاسية على إيران بسبب برنامجها النووي، وازدادت هذه الضغوط مع مجيئ الحكومة البريطانية الجديدة حتى إنها هددت بالأعمال العسكرية، وبطبيعة الحال فهي لا تستطيع وحدها وإنما تقصد جرّ أمريكا إلى التصعيد مع إيران، كما أن وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ توجه إلى الولايات المتحدة في أول زيارة خارجية له بعد ثلاثة أيام من توليه لمنصبه ، حيث أكد على ( أنه اختار التوجه إلى واشنطن في أول زيارة له كوزير خارجية بريطانيا للتأكيد على العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة ) الشرق الاوسط 15/5/2010 . في اشارة الى التقرير الذي اصدرته مجموعة من اعضاء مجلس العموم البريطاني في وقت سابق ، يشكك في العلاقات الخاصة بين الجانين . وبهذا يؤكد وليم هيغ على اهمية هذه العلاقة وحاجة بريطانيا لها .
ولقد تعهد هيغ بالضغط على ايران ، وعبر عن اتفاقه مع الموقف الامريكي وقال ( إن حكومته ستعمل على إقناع الاتحاد الاوروبي على تبني قرارات وإجراءات شديدة مع إيران ، وأضاف : نحن متفقون على الحاجة إلى إرسال رسالة قوية وموحدة حول برنامج إيران النووي ، وتمرير قرار مجلس الامن ، وبعدها ستلعب المملكة المتحدة دورا أساسيا في التأكيد على أن هناك تحركا حازما من الاتحاد الاوروبي لمتابعة مثل هذا القرار ) الشرق الاوسط 15/5/2010 . وطلبه تشديد العقوبات على إيران كمرحلة أولى تقود إلى إيجاد الشرعية الدولية لعمل عسكري . حيث قال ( لم نستثن دعم العمل العسكري مستقبلا ولكننا لا ننادي به ) المصدر السابق نفسه، وهذا ليس مجرد ضغط تفاوضي فحسب على إيران بل هو موقف بريطانيا ، ولقد كان واضحا أثناء الشغب الذي اجتاح إيران عقب الانتخابات الرئاسية ، أن ((بريطانيا )) تحاول جاهدة زعزعة النظام الايراني والقضاء عليه، وهي تحاول إيجاد رأي أوروبي ضاغط بالتعاون مع فرنسا وألمانيا، ناهيك عن الضغط الإسرائيلي في هذا الاتجاه، فكان أن قامت أمريكا بالاتفاق مع إيران على تكليف رئيس البرازيل ورئيس وزراء تركيا للذهاب إلى إيران وتوقيع اتفاق تبادل اليورانيوم، وبالتالي لوقف زخم التهديدات والعقوبات التي ترفع شعارها أوروبا، وبخاصة بريطانيا وخلفها فرنسا، بالإضافة إلى "إسرائيل"، وهكذا كان، فقد وقَّعت إيران الاتفاقية الأخيرة برعاية البرازيل وتركيا وهي تنص على موافقة إيران على إرسال 1200 كيلوغرام من اليورانيوم ضعيف التخصيب بنسبة 5.3% إلى تركيا لمبادلته مع 120 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة 20% وهو المطلوب لمفاعل الأبحاث السلمية الموجود في طهران، وكان جوهر هذا الاتفاق قد اقترحته وكالة الطاقة الذرية للخروج من انسداد الأفق في المفاوضات بين إيران والدول الخمس الكبرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا قبل عام تقريباً وفشل ذلك الاتفاق وقتها بسبب الضمانات والثقة.
وقد أُضيف إلى هذا الاتفاق الجديد بندان رئيسيان يتعلقان بالضمانات والثقة وهما:
1) أن يكون التخصيب في تركيا محل وسط.
2) إذا فشلت المفاوضات حول تطبيق هذا الاتفاق مع مجموعة فينا المكونة من أمريكا وفرنسا والوكالة الدولية للطاقة الذرية فإن تركيا ملزمة بإعادة اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب إلى إيران.
وبالتدقيق في هذا الاتفاق نجد أن أمريكا هي التي شجَّعت البرازيل وتركيا للقيام برعايته فقد نقل موقع (France24) ما نصه: "شجَّعت الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا زيارة "لولا" رئيس البرازيل إلى طهران رسمياً واعتبرتها بمثابة الفرصة الأخيرة لتجنب عقوبات". ونقلت صحيفة المصري بتاريخ 18/5/2010 هذا الخبر نفسه نقلاً عن وكالات أنباء لم تُعينها.
وبدأت قصة هذا الاتفاق مع مأدبة العشاء التي دعا إليها وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي جميع أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة عشر بما فيهم الدول الخمس العظمى وتركيا والبرازيل وهما عضوان غير دائميين في مجلس الأمن الدولي على هامش مؤتمر متابعة تطبيق معاهدة الحد من الانتشار النووي.
وقد حضر مأدبة العشاء تلك الرجل الثاني في البعثة الأمريكية للأمم المتحدة أليخاندرو وولف، وقد شارك في المأدبة ممثلون على مستوى السفراء أو على مستويات أقل لجميع أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر.
ونقلت الأنباء قول مسؤول أمريكي قبل مأدبة العشاء أن: "الولايات المتحدة تعتبر هذه المأدبة فرصة جديدة لإيران لتثبت لمجلس الأمن أنها قادرة على الوفاء بموجباتها".
إن نجاح تمرير هذه الاتفاقية يعني إنقاذ إيران وفي اللحظة الأخيرة من العقوبات المؤكدة التي كانت أوروبا تُجهزها مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا، ومنح إيران على الأقل ثلاثة أشهر أخرى قبل إيقاع العقوبات عليها فيما لو حدث أي اختلاف مستقبلاً.
ولا شك أن تصرف تركيا والبرازيل كان بإيعاز من أمريكا لهما، بدليل أن البرازيل وهي القوة الاقتصادية الثامنة في العالم تحتاج إلى أمريكا في استمرار نمو اقتصادها وهي قد وقَّعت قبل أشهر على اتفاقية دفاع عسكري مع أمريكا.
وأما تركيا فقد صرَّح أردوغان رئيس الوزراء التركي بأنه سينسق مع أمريكا مباشرة مسألة تنفيذ بنود الاتفاقية.ثم صرح بعد ذلك بأن ما تم كان بتنسيق مع واشنطن...، ومثل هذا التصريح ورد عن البرازيل!
إن اعتماد أمريكا على تركيا والبرازيل وقت الحاجة يساعدها في المراوغة في إيقاع العقوبات على إيران كما تريد أوروبا ودولة يهود من ناحية، ومن ناحية أخرى يعني استفادة أمريكا من الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن على حساب الأعضاء الدائميين.
وخلاصة القول أن دخول تركيا والبرازيل كطرفين جديدين في الملف النووي الإيراني يساعد أمريكا على تجنيب إيران إيقاع أي ضربة أو عقوبات قاسية تتربص بها، لأن دخول البرازيل وتركيا في توقيع الاتفاقية هو كسر واضح لوحدة ما يُسمى بالمجتمع الدولي ضد إيران في هذا الملف.
كما أن الاتفاق صيغ صياغة عامة تتطلب مفاوضات على تنفيذه، وهذا يعطي فرصة لإيران لالتقاط الأنفاس من ضغط المجتمع الدولي وبخاصة أوروبا، وسواء أنفذ الاتفاق عاجلاً أم آجلاً، فإن موجة الضغط على إيران تهدأ بالتدريج، وكذلك إحراج أوروبا ودولة يهود لأمريكا للقيام بعمل عسكري أو حتى بعقوبات مؤثرة فعلياً، هذا الإحراج يكون كذلك قد زال.
|
|
4 جمادى الثانية 1431هـ |
|
18/5/2010م |
|
|
|
|
|
أجوبة أسئلة
حكم المهر وشروط عقد الزواج | العقاب بالكيّ بالنار | المشاعر والشعائر | ميراث سالم مولى أبي حذيفة
|
|
|
السؤال الأول: في كتاب النظام الاجتماعي صفحة 121 ذُكرت شروط الانعقاد للزواج التي إذا لم تستوف يبطل عقد الزواج، وذُكرت في صفحة 122 شروط الصحة للزواج التي إذا لم تستوف يفسد عقد الزواج، ولكنني لم أجد مذكوراً فيهما "المهر"، فإذا لم يكن لا شرط انعقاد ولا شرط صحة، أي أن عقد الزواج صحيح دون مهر، إذن ما موقع المهر من عقد الزواج؟
الجواب:
بالنسبة للمهر، نعم هو ليس شرط انعقاد ولا صحة، أي أن عقد الزواج إذا استوفى شروط انعقاده وشروط صحته فهو صحيح ولو لم يسمَّ المهر. غير أن الأحكام الشرعية نوعان:
أحكام وضع، ومنها الشرط والسبب...، وأحكام تكليف ومنها الحرام والواجب... وأحكام المسائل الشرعية، لا تخرج عن هذين، فقد يكون حكمها داخلاً في أحكام التكليف، فيكون فرضاً "واجباً"أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً، وقد يكون حكمها داخلاً في أحكام الوضع، فيكون صحيحاً أو باطلاً أو فاسداً أو شرطاً أو سبباً أو مانعاً... وهكذا.
وبدراسة موضوع المهر يتبيّن أنه واقع في حكم التكليف، فهو فرض واجب على الزوج للزوجة، فإن سُمِّي فهو كما سُمِّي، وإن لم يُسمَّ، فيجب مهر المثل.
أما لماذا هو واجب، فلما أخرجه البخاري من طريق سهل بن سعد: «... فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ قَالَ لَا هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ». وأخرج نحوه النسائي في سننه الكبرى وجاء في روايته: «...وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ..».
فالرسول صلى الله عليه وسلم قد طلب من الرجل الذي أراد أن يزوجه الرسول إحدى النساء أن يدفع مهراً ولو خاتماً من حديد، فلما لم يستطع، حيث لم يكن يملك شيئاً إلا إزاره، فعرض أن يشق إزاره قسمين ويعطي نصفه مهراً للزوجة، فلما لم يكن الإزار يكفي لستر عورة الزوج والزوجة، طلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمها ما معه من القرآن، ويكون أجر تعليمه لها هو مهرها، وكل ذلك قرائن جازمة على وجوب المهر.
وأما أن لها مهر أمثالها إن لم يُسمَّ، فلما أخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود، وقال حديث حسن صحيح: « أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ الَّذِي قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ» وأخرج نحوه أبو داود في سننه.
فهذه امرأة تزوجت ولم يسمّ لها مهر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لها مهر مثل نسائها.
وعليه فإنه وإن كان المهر ليس شرط انعقاد، ولا هو شرط صحة، إلا أنه فرض واجب للزوجة في ذمة زوجها، يجب دفعه لها، ويأثم إن لم يدفعه، والدولة الإسلامية تأخذه منه للزوجة جبراً كأي حق من الحقوق الواجبة عليه، وتعاقبه تعزيراً إذا ماطل وهو قادر، من أجل مضايقة الزوجة أو لأكل شيءٍ من حقها.
والخلاصة: أن المهر ليس شرطاً ولكنه فرضٌ على الزوج للزوجة، أي هو واقع في أحكام التكليف وليس في أحكام الوضع.
==========
السؤال الثاني: في كتاب المقدمة القسم الأول صفحة 79 الفقرة الثالثة ورد ما يلي:
" ...ويشمل عدم جواز إيقاع العقوبة بما جعله الله عذاباً في الآخرة وهو النار، أي عدم جواز العقوبة بالحرق بالنار."
وفي الصفحة 82 "وسط الصفحة" ورد ما يلي:
"...فالشارع قد حدد العقوبات التي يعاقب بها المذنبون، وهي: القتل، والجلد، والرجم، والنفي، والقطع، والحبس، وإتلاف المال، والتغريم، والتشهير، والكي بالنار لأي جزء من أجزاء الجسم، وما عداها لا يحل أن يعاقب به أحد"
والسؤال كيف يمكن التوفيق بين عدم جواز التعذيب بالنار ثم القول بجواز الكي بالنار؟
الجواب:
1- إن الحرق بالنار هو أن تضع النار على جسم الشخص، كأن تشعل نارا وتضع شخصاً فيها، أو تضع يده فيها أو قدمه... أو تضع أي نوع من أنواع النار على جسمه كأن توصل جسمه بسلك كهربائي متصل بمصدر كهربائي... أو أمثال ذلك من الأشياء التي يطلق عليها نار تحرق، كل هذا لا يجوز لأنه تعذيب بالنار أي حرق جسم بمصدر ناري فيه خاصية الحرق.
2- أما أن تحمي قضيب حديد أو مسماراً بالنار ثم تمسك هذا القضيب أو المسمار، وتضعه على جسم الشخص فأنت هنا لم تضع المصدر الناري على جسمه بل وضعت شيئاً أحمي بالنار وانفصل عن المصدر الناري، وهذا ما يسمى الكي بالنار، وهذا مستعمل عند العرب، ولا زال، يستعملونه كدواء، فيُحمى قضيب بالنار ويُكوى به مكان الألم أو نحو ذلك.
3- وإنك قد تسأل وتقول إن الكي بالنار هو كذلك قاس، نعم، هو قاس، فهو عقوبة لمن يستحقها، ولكنها مشروعة، على وجهها، غير أنها ليست حرقاً بالنار، أي ليست وضعاً للمصدر الناري على الجسم.
والخلاصة: إن الحرق بالنار، أي التعذيب بوضع المصدر الناري على الجسم، هذا حرام لا يجوز وفق النصوص الشرعية.
والكي بالنار، أي تسخين قضيب حديد بالنار، ووضع القضيب على الجسم، وليس وضع النار نفسها، فهذا الكي جائز وفق النصوص الشرعية.
==========
السؤال الثالث: في كتاب المفاهيم صفحة 50 ورد: " على أن كثيراً من مشاعر الحج كالطواف حول الكعبة ولمس الحجر الأسود وتقبيله والسعي بين الصفا والمروة... "، وقد وردت كلمة "مشاعر" في مواضع أخرى نحو ذلك.
أليس الصحيح أن يقال (على أن كثيراً من شعائر الحج) وليس (من مشاعر الحج)؟ وإن كان هذا صحيحاً، فهل يتم تصحيح "مشاعر" إلى "شعائر" حيث وردت؟
الجواب:
1- إن كلمة شعيرة مفرد شعائر، ومشعر مفرد مشاعر، يأتيان بمعنى واحد، غير أن الشائع استعمال "مشاعر" لعلامات الحج كالصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة والجمرات...
واستعمال "شعائر" لأعمال الحج ومناسكه كالسعي والطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات...
2- ولكن الصحيح أنهما يتبادلان المعنى:
يقول سبحانه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ... }فوردت شعائر هنا عن علامات الحج وليس عن السعي بين الصفا والمروة.
ويقول سبحانه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ...} وهنا أطلق "المشعر" على مزدلفة أي على علامات الحج.
وورد في كتب اللغة:
في القاموس المحيط ج 1 / ص- 434:
"وشعار الحج مناسكه وعلاماته. والشعيرة والشعارة والمشعر: معظمها".
وفي المحيط في اللغة ج / 1 ص- 43:
"وشعائر الحج أعماله وعلاماته، والواحدة شعيرة"
وفي لسان العرب ج 4/ ص- 410:
"وشعار الحج مناسكه وعلاماته وآثاره وأعماله جمع شعيرة... والشعيرة والشَعارة والمشعَر كالشعار...
وقال اللحياني: شعائر الحج مناسكه واحدتها شعيرة... والمشاعر المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام عليها ومنه سمي المشعر الحرام.
وقال الزجاج في شعائر الله يعني بها جميع متعبدات الله التي أشعرها الله أي جعلها أعلاماً لنا... وإنما قيل شعائر لكل علم مما تعبد به... فلهذا سميت الأعلام التي هي متعبدات الله تعالى شعائر...
وقال الأزهري ولا أدري مشاعر الحج إلا من كون الإشعار هو الإعلام والشعار العلامة، فمشاعر الحج هي علامات له...".
3- ويتبيَّن منه أن شعائر ومشاعر يتبادلان المعنى، غير أنه كما ذكرنا في البداية اشتهر استعمال "مشاعر" لعلامات الحج كالصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفة والجمرات... واستعمال "شعائر" لأعمال الحج ومناسكه كالسعي والطواف والوقوف بعرفة ورمي الجمرات...
4- أما عن التصحيح، فإذا تبيّن لنا أن هذا الاستعمال يحدث التباساً، ومن المناسب التعديل، فعندها سنفعل إن شاء الله.
==========
السؤال الرابع: ورد في كتاب " أجهزة دولة الخلافة " صفحة 136 السطر 4 من الأسفل " فلما أصيب، أي سالم مولى أبي حذيفة، باليمامة، أتي عمر بن الخطاب بميراثه...".
ومن المعروف أن معركة اليمامة حصلت في عهد الخليفة أبي بكر، وورد في الشاهد عمر بن الخطاب، فكيف نوفق في ذلك؟
الجواب:
1- نعم ورد في أجهزة الخلافة في تلك الصفحة ما يلي:
(وروى الشافعي في الأم، وصححه ابن حجر عن عبد الله بن وديعة قال: «كان سالم مولى أبي حذيفة مولى لامرأة منا يقال لها سلمى بنت يعار، أعتقته سائبة في الجاهلية، فلما أصيب باليمامة، أتي عمر بن الخطاب بميراثه، فدعا وديعة بن خذام فقال: هذا ميراث مولاكم وأنتم أحق به، فقال: يا أمير المؤمنين قد أغنانا الله عنه، قد أعتقته صاحبتنا سائبة، فلا نريد أن نندى من أمره شيئاً، أو قال نرزأ، فجعله عمر في بيت المال»).
2- وواضح من النص أن ميراثه جاء إلى عمر في خلافته، مع أن استشهاد سالم مولى أبي حذيفة كان في معركة اليمامة التي حدثت في خلافة أبي بكر رضي الله عنه.
3- وتفسير ذلك هو أن معركة اليمامة حدثت في أواخر حروب المرتدين، وهناك خلاف في تاريخ حدوثها، يقول ابن الأثير في الكامل:
"قد اختلف في تاريخ حرب المسلمين هؤلاء المرتدين، فقال ابن إسحاق: كان فتح اليمامة واليمن والبحرين وبعث الجنود إلى الشام سنة اثنتي عشرة، وقال أبو معشر ويزيد بن عياض بن جعدبة وأبو عبيدة بن محمد بن عمار ابن ياسر: إن فتوح الردة كلها كانت لخالد وغيره سنة إحدى عشرة، إلا أمر ربيعة بن بجير فإنه كان سنة ثلاث عشرة"
ويبدو أن الراجح هو قبيل بعث الجنود إلى الشام الذي كان سنة ثلاث عشرة، فيمكن أن تكون معركة اليمامة في أواخر السنة الثانية عشرة أو أوائل السنة الثالثة عشرة، فإذا علمنا أن خلافة عمر بدأت في أواخر جمادى الثانية من السنة الثالثة عشرة، فهذا يعني أن حصر ميراث سالم مولى أبي حذيفة قد فُرغ منه بعد أن توفي أبو بكر رضي الله عنه وبويع عمر بالخلافة، ولهذا فقد عُرضت القضية على عمر رضي الله عنه.
|
|
الثامن من جمادى الأولى 1431 هـ |
|
22/4/2010 م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
الانقلاب على باكاييف والصراع الروسي الأمريكي في قرغيزيا
|
|
|
السؤال: تسارعت الأحداث في قرغيزيا، فتحركت المعارضة بانقلاب على باكاييف في 8/4/2010، ونجحت في ذلك، واستولت على السلطة، وفرَّ باكاييف إلى مسقط رأسه في جنوب البلاد، ثم ها هو اليوم 16/4/2010 يقدم استقالته ويغادر إلى كازاخستان... وفي الوقت نفسه كانت أول من اعترف بالانقلاب وباركه هي روسيا، حيث عقدت رئيسة الوزراء المؤقتة روزا أوتون باييف مباحثات (هاتفية) رسمية بينها وبين رئيس الوزراء الروسي بوتين يوم الخميس 8/4/2010، أي يوم تولي الحكومة المؤقتة زمام الأمور. وهذا يعني أن روسيا هي وراء ما حدث، فإذا صح ذلك فكيف انقلبت روسيا على باكاييف وهي التي أوصلته للحكم في الانقلاب على عسكر أكاييف سنة 2005، ودعمت انتخابه الأخير في 23/7/2009؟ وهل عدم إغلاقه قاعدة مناس الأمريكية هو السبب الذي استفز روسيا فأسقطته؟
الجواب: نعم، إن كل الدلائل تشير إلى أن روسيا هي وراء إسقاط باكاييف، لكن ليس لأنه لم يغلق قاعدة مناس وجدد للأمريكيين تأجير القاعدة، وذلك لأن روسيا كانت موافقة على بقاء القاعدة وباكاييف في الحكم، بل إنها دعمت انتخابه في 23/7/2009 بعد أن جدد عقد تأجير القاعدة الذي كان في 15/7/2009، أي قبل إعادة انتخابه ودعم الروس له. وقد كان دعم الروس لانتخابه لافتاً للنظر، فقد حضر الرئيس الروسي مدفيديف بنفسه إلى قرغيزيا واشترك في مراسم التنصيب التي أقيمت لباكاييف في 2/8/2009!
فالروس لم يستفزهم تجديد إيجار القاعدة، بل هم كانوا موافقين على ذلك، وحتى الحكم الجديد الحالي الذي أتى به الروس، فإنه قد وافق على بقاء القاعدة، وصرح زعماء الانقلاب بهذا الأمر، فروسيا موافقة أصلاً على تجديد عقد القاعدة، وذلك لإرضاء أمريكا وكفِّ شرها عنها في هذه المنطقة، ولأنها تعتبر قاعدة مناس هي "ترانزيت" أي مرور من والى أفغانستان، البلد الإسلامي العدو لكليهما، ولا شأن لهذه القاعدة بالعمل في الداخل الذي يؤثر في نفوذ روسيا.
غير أن الذي استفز الروس، وجعلهم يقيمون الانقلاب على عميلهم السابق باكاييف، هو أمرٌ آخر، وللوقوف عليه نذكر الأحداث التالية:
1- قام ريتشارد هولبروك مبعوث الرئيس الأمريكي لأفغانستان بزيارة لأوزبكستان ولقيرغيزيا في 19/2/2010، وقد اجتمع مع كل من رئيسي البلدين. وقد ذكرت صفحة "روسيا اليوم" عن "انترفاكس الروسية" في 19/2/2010 أن هولبروك بحث مع الرئيس كرمان بيك باكييف:"آفاق العلاقات الثنائية والوضع في أفغانستان وتبادل الطرفان بعيدا عن الأضواء الآراء حول الوضع في أفغانستان وتناولا طرق تنشيط التعاون المتبادل للمنفعة بين البلدين". وذكرت أن المكتب الصحفي للرئاسة القرغيزية نقل عن باكييف انه صرح بان "بلاده تولي أهمية وأولوية لتطوير العلاقات القرغيزية الامريكية وتنشيط التعاون الثنائي". ووكالة انترفاكس الروسية وهي تنقل الخبر تراها تضيف جملة "وتبادل الطرفان بعيدا عن الأضواء" أي بصورة سرية بعيدا عن أنظار الروس حتى لا يعلموا ما اتفق عليه عميلهم باكييف مع الأمريكيين. فهذا غمز وتلميح من الروس بان شيئا ما حدث بين الرئيس القرغيزي والأمريكيين.
2- ذكرت صفحة "روسيا اليوم" في 17/3/2010 أن "الولايات المتحدة أعلنت مؤخرا تخصيص 5,5 مليون دولار لمساعدة قرغيزيا في بناء مركز لتدريب الوحدات الخاصة لمكافحة الإرهاب في مدينة باتكين". وقد سألت "روسيا اليوم" الكسندر كينازوف مدير فرع بشكيك لمعهد بلدان رابطة الدول المستقلة عن موضوع هذا المركز فقال:" إن واشنطن قد تستخدم هذا المركز لتلبية احتياجاتها في آسيا الوسطى. وان شعار مكافحة الإرهاب ليس سوى ذريعة لتحقيق الأهداف الامريكية كما هو في العراق وأفغانستان". وأضاف:"إن واشنطن تسعى عبر هذه المشاريع في آسيا الوسطى إلى التصدي لمنافسة روسيا والصين في المنطقة".
3- لقد أوجس الروس خيفة من زيارة هولبوروك لقرغيزيا، واجتماعه مع رئيسها باكييف، وبعيدا عن الأضواء، وحصول اتفاقيات سرية بين الطرفين، وقد تُوِّجت بتأسيس مركز أمريكي في قرغيزيا لتدريب قوات خاصة، وتجنيد عملاء تحت ذريعة ما يسمى محاربة الإرهاب، وذلك حتى تُقوِّي أمريكا نفوذها في قرغيزيا، ثم تنطلق منها إلى مناطق أخرى.
لقد كان اتفاق تأسيس مركز أمريكي لتدريب قوات خاصة، أو بعبارة أخرى لتخريج عملاء لأمريكا في قرغيزيا، هذا الأمر كان دقّاً لناقوس الخطر، وانطلاقاً نحو تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لروسيا، لذلك أسرعت بالانقلاب منعاً لتمادي باكاييف في علاقته مع أمريكا، وكان واضحاً على روسيا نشوة "الانتصار" في تنفيذ الانقلاب على باكاييف وإسقاطه.
5- وأما أمريكا فقد أصيبت بصدمة، فقد أعلن الناطق الرسمي باسم وزارة خارجيتها فيليب كراولي عن "قلق بلاده العميق إزاء الاضطرابات التي تجري في قرغيزيا" وقال:" نعتقد أن الحكومة ما زالت في السلطة، وانه ليس لدى الولايات المتحدة معلومات على أن المعارضة استولت على الحكم"، (أخبار العالم 7/4/2010)... فيدل على أن أمريكا كانت قلقة مما يجري من تغيير ولم تؤيد المعارضة، وكانت مع حكومة باكييف. وقد أغلقت أمريكا قاعدتها في قرغيزيا لمدة ثلاثة أيام ومن ثم أعادت فتحها بعدما صرحت رئيسة الحكومة القرغيزية المؤقتة روزا اتون باييف أن القاعدة الأمريكية لن تمس وستبقى على ما عليه حسب الاتفاقيات السابقة.
وخضوعاً للواقع، فقد اعترفت الولايات المتحدة بالحكومة الجديدة ضمنيا حيث أرسلت إلى هناك مبعوثا وهو نائب وزيرة خارجيتها روبرت بليك لإجراء مباحثات مع الحكومة الجديدة في قرغيزيا وقد أعلن هذا المبعوث ارتياح الولايات المتحدة لوعود السلطات الجديدة بضمان بقاء قاعدة مناس الامريكية وعدم المساس بها، ووصف تلك الأخبار بأنها رائعة. فأمريكا حاليا تريد ان تتعامل مع الواقع الجديد، وبخاصة وهي قد ضمنت بقاء قاعدتها الجوية مناس، وقد ظهر أنها لا تقدر أن تعمل شيئا ضد هذا الواقع الجديد حاليا، حيث هرب باكاييف إلى قريته في جنوب البلاد، ثم استقال وغادر إلى كازاخستان...
وهكذا فإن أمريكا لم تجد بداً من التعامل مع الواقع الجديد ولو بصورة مؤقتة. فقد فاوضت روسيا حول الوضع الحالي في قرغيزيا، واجتمع نائب وزير خارجية روسيا غريغوري كراسين مع السفير الأمريكي في موسكو جون بيريل في 13/4/2010 وبحثا الوضع في قرغيزيا، وأظهرا أنهما اتفقا... حيث دعيا إلى:" عودة الحياة الطبيعية في البلاد"! ومع كل هذا فإن الصراع سيستمر بين روسيا وأمريكا هناك، وسيظهر ذلك بأعمال وبأشكال مختلفة وباضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية...
|
|
الثاني من جمادى الأولى 1431هـ |
|
16/4/2010م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
الثورة البرتقالية الأوكرانية والصراع الأمريكي الروسي
|
|
|
السؤال: بتاريخ 02 شباط/فبراير 2010م انعقدت الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية في أوكرانيا، وفي الجولة الأولى من الانتخابات نال فيكتور يوشينكو الذي وصل للحكم من خلال الثورة البرتقالية على 5% فقط من الأصوات، وفي الجولة الثانية لم يتمكن من خوض المنافسة، أما يانوكوفيتش وتيموشينكو فقد حازا في الجولة الأولى على 35% و25% من الأصوات، وفي الجولة الثانية واصلا التنافس. إن فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا والذي شغل منصب رئيس الوزراء سابقاً ورئيساً للدولة عام 2004 حقق في الجولة الثانية فوزاً بنسبة 48% أمام منافسته تيموشينكو التي نالت 46%، فأصبح بذلك رئيساً للدولة من جديد. فهل يعني ذلك انتهاء حقبة الثورة البرتقالية وعودة أوكرانيا لموالاة روسيا؟ وكيف سيكون صراع النفوذ الأميركي-الروسي على أوكرانيا في الحقبة المقبلة؟
الجواب :
1- كما هو معلوم بعد انعقاد الانتخابات الرئاسية عام 2004 وقعت الثورة البرتقالية، ما أدى إلى سقوط يانوكوفيتش من الحكم، وشكل فيكتور يوشينكو ويوليا تيموشينكو مكانه ائتلافاً موالياً للغرب، ما تسبب برفع مستوى التوتر بين روسيا من جانب والغرب المتمثل بأميركا وأوروبا من الجانب الآخر، وقام كلا الطرفين بتنظيم الحملات تجاه بعضهم البعض. إلا أن يوشينكو أثناء فترة حكمه رفع من حدة التوتر بين أوكرانيا وروسيا من خلال محاولاته لدخول أوكرانيا حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وتصريحاته المتعلقة بإخراج أسطول البحر الأسود الروسي من شبه جزيرة القرم، ومن خلال بنائه علاقات وطيدة مع إدارة ساكاشفيلي في جورجيا، واتباعه سياسة الصراع الدائم مع روسيا في كافة المجالات ... وبخاصة موضوع الطاقة والأمن. ولهذا لم يتمكن يوشينكو من أن يحقق تأييداً شعبياً واسعاً وخصوصاً فيما يتعلق بمشروعه الوطني الذي في هو جملته عبارة عن برنامج صراع مع روسيا.
وفي المقابل قامت روسيا باستخدام ورقة الغاز الطبيعي الضاغطة للإجهاز على يوشينكو ولإظهاره أمام الشعب بأنه شخصية غير مرغوب بها. حيث هددت روسيا خلال العامين الأخيرين وخصوصاً في أشهر الشتاء القارص بقطع الغاز الطبيعي أو برفع الأسعار، فأظهرت بذلك للشعب الأوكراني المتذمر من أن التوجه نحو الغرب ليس هو الحل...
وعلى صعيد آخر فإن أكرانيا قد وقعت بتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية في عدم استقرار سياسي واقتصادي مستمر حيث أجريت انتخابات برلمانية مرتين وتغيّرت الحكومة خمس مرات... كل هذه العناصر هيأت الأجواء لخسارة يوشينكو في الانتخابات ونجاح يانوكوفيتش الموالي لروسيا فيها.
2- إن أوكرانيا التي تبلغ مساحتها 603.700 كيلومتر مربع وعدد سكانها 48 مليون نسمة تمتاز بموقع استراتيجي لإطلالها على البحر الأسود، وتمتاز بمرور خطوط الطاقة منها خصوصاً خطوط الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى أنها تمتاز بموقعها الذي يربط أوروبا بآسيا، لذا فبإمكانها التأثير في الوضع الدولي والتوازن الإقليمي، ولهذا فإن كل من روسيا وأميركا ودول الاتحاد الأوروبي تنظر إليها باهتمام بالغ.
3- أما بالنسبة لأهمية أوكرانيا الاستراتيجية في نظر روسيا، فإن روسيا تنظر لأوكرانيا باهتمام بالغ وذلك لأن أغلبية السكان في شرق أكرانيا تعتنق المذهب الأرثودوكسي وتتكلم الروسية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجود قاعدة أسطول البحر الأسود العسكرية الروسية فيها، وفق اتفاقية ستنتهي مدتها عام 2017م.
وبعد أن وقعت الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، توترت العلاقات مع روسيا بسبب مساعي أوكرانيا نيل العضوية في الاتحاد الأوروبي وبسبب موقف أكرانيا من أسطول البحر الأسود الروسي المرابط في سيواستوبول، وبسبب خلافات حول الغاز الطبيعي.
ولذلك فإن روسيا بذلت جهداً كبيراً في تسخين الأجواء ضد حكم يوشنكو وبخاصة في المناطق الشرقية من أكرانيا وبعض المناطق الأخرى الموالية لها في أكرانيا... وقد نجحت في الانتخابات الأخيرة بتوصيل حكومة موالية لروسيا إلى سدة الحكم في أوكرانيا، فتنفست روسيا الصعداء، وفور أن وصل يانوكوفيتش للحكم قام بتوقيع العديد من الاتفاقيات مع موسكو في مجال الطاقة، ووطد التعاون الاقتصادي فيما بينهما، وعمد إلى تنمية العلاقات في مجالات الصحافة والنشر والتعليم واللغة والثقافة. وقد أشار يانوكوفيتش إلى إمكانية إجراء اتفاقية جديدة تتعلق بأسطول البحر الأسود الروسي مقابل خفض أسعار الغاز الطبيعي، حيث صرح وفقاً لما نشره موقع (www.haberrus.com) بتاريخ 06/03/2010م بالقول: "إن المشكلة المتعلقة بأسطول البحر الأسود الروسي من الممكن حلها بصورة تصب في مصلحة كل من روسيا وأوكرانيا". ومن الناحية الأخرى فإن أوكرانيا ذات الموقع الاستراتيجي المهم المطل على البحر الأسود والتي تشكل معبراً لخطوط الطاقة، وتربط أوروبا بآسيا، هي محط أنظار روسيا على الدوام.
4- أما بالنسبة لأهمية أوكرانيا الاستراتيجية في نظر الولايات المتحدة الأميركية، فإن أوكرانيا تمتاز بأهمية حيوية بالنسبة لأميركا التي تسعى لمحاصرة منطقة النفوذ الروسي. ولهذا فإن فقدان أميركا لنفوذها في أوكرانيا أمام النفوذ الروسي يعني انطلاق يد روسيا في البحر الأسود وفي أوروبا الشرقية. وعليه فقد رأينا كيف بذلت أمريكا الوسع في الثورة البرتقالية التي جاءت بيوشنكو إلى الحكم، وأصبحت أكرانيا في تلك الحقبة شريكاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة الأميركية، وكانت تقوم بتقديم المساعدات الاقتصادية لها، حتى إنها كانت في الدرجة الثالثة بعد (إسرائيل) ومصر في قائمة المساعدات الأميركية، وذلك لتقطع أميركا اعتماد أوكرانيا على روسيا اقتصادياً... إلا أن أميركا خلال أزمتها الاقتصادية، وبخاصة وهي عالقة في المستنقع العراقي والأفغاني، لم تتمكن من إعطاء الاهتمام الكافي والإمكانيات اللازمة لأوكرانيا، ما ساعد روسيا وسهل عليها عملية التأثير في زعزعة الثورة البرتقالية.
5- أما بالنسبة لأهمية أوكرانيا الاستراتيجية في نظر الاتحاد الأوروبي، فإن أوكرانيا تعد بمثابة الجدار الفاصل بين روسيا وأوروبا الشرقية، يَعبر من أراضيها إلى أوروبا 80% من الغاز الطبيعي الروسي الذي يشكل ربع الاستهلاك الأوروبي، ولذلك فهي تحوز على أهمية بالغة بالنسبة لأوروبا. وبعد أن أصبحت بولندا عضواً في الاتحاد الأوروبي وأصبحت رومانيا وبلغاريا مؤهلة للعضوية فيه، أصبحت أوكرانيا جارة لدول الاتحاد الأوروبي، وذات أهمية كبرى بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فهي من جانب تعتبر جسراً بين أوروبا وروسيا، ومن الجانب الآخر تعتبر منطقة عازلة فيما بينهما.
6- وهكذا فإن أهمية أكرانيا لهذه الدول مجتمعة جعلت هذه الدول مهتمة بالانتخابات الأخيرة... إلا أن المدقق في سير الانتخابات يرى أن يانوكوفيتش حقق نجاحه بفارق 3% من الأصوات فقط، وهذه النتيجة تُظهر للعيان أن الأجواء السياسية لم تتغير كثيراً عما كانت عليه في السابق. ولهذا فبالرغم من خسارة فيكتور يوشينكو الموالي للغرب رئاسة الجمهورية، ومجيء يانوكوفيتش الموالي لروسيا في موقع الرئاسة، فإنه من المبكر القول بأن فترة الثورة البرتقالية قد انتهت وأن أوكرانيا عادت لتدور في فلك روسيا تماماً، ذلك أن يانوكوفيتش قد حقق فوزه بفارق ضئيل ما يعني أن القاعدة الموالية للغرب في أوكرانيا لازال لديها ثقلها ونفوذها. وهذا يعني أن الصراع الأميركي-الروسي على أوكرانيا سيستمر.
7- إن يانوكوفيتش يدرك هذا الأمر، ولذلك فإنه على الرغم من ولائه لروسيا إلا أنه قام بزيارته الأولى لبروكسيل بدلاً من موسكو، في محاولة منه لاستمالة التوجه الأوروبي ولإبعاد حقيقة ولائه لروسيا عن الأنظار خصوصاً وأنه حقق نجاحه في الانتخابات بفارق ضئيل من الأصوات، وحتى لا يواجه المصير نفسه الذي واجهه بعد انتخابات عام 2004 عندما خرج الشعب إلى الشوارع وأنزلوه من الحكم، ولذلك فإن المتوقع منه أن يتخذ من الأساليب ما يظهره متوازناً إلى حدٍ ما بين روسيا والغرب، وأن يغلف سياساته بغلاف لا يستفز أمريكا، ولا الاتحاد الأوروبي، مع أنه في حقيقة الأمر سيتبع سياسات قريبة من روسيا، وكان قد أشار سيرغي تاران من المعهد الدولي للديمقراطية في كييف إلى ذلك في تصريحه الذي نشره موقع بي بي سي التركي بتاريخ 08/02/2010م حيث قال: "إن الخط العريض لفترة حكم يانوكوفيتش واضح، سيقوم يانوكوفيتش بتحسين العلاقات الأوكرانية مع الكرملين، وسيبعد النقاش حول عضوية أوكرانيا في حلف الشمال الأطلسي (الناتو)، وسيقوم بتمديد أمد اتفاقية قاعدة أسطول البحر الأسود الروسي الموجودة في شبه جزيرة القرم والتي ستنتهي عام 2017".
والغرب لا شك يدرك ولاء يانوكوفتش لروسيا، ويدرك أن اتخاذ سياسة تصادمية معه لا تكون ذات جدوى، بل باتخاذ سياسة ظاهرها التقارب، وباطنها التماس أساليب ملونة أخرى تضع العراقيل أمامه، ولهذا "باركت" أمريكا نجاح يانوكوفيتش في الانتخابات ومثل ذلك صنع الاتحاد الأوروبي...
ومع كل هذا فإن صراع النفوذ بين الغرب، وبخاصة أمريكا وروسيا، على أكرانيا لن يتوقف لأهمية البلد لهذه الأطراف، فقاعدة كل من الطرفين في أكرانيا ذات وزن وشأن، فالفارق الانتخابي بين القاعدتين فارق ضئيل "3%" ما يعني أن كلا الطرفين له ركائزه الفاعلة في أكرانيا.
|
|
4 من ربيع الثاني 1341 هـ |
|
20/03/2010م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
انقلاب النيجر والصراع الدولي
|
|
|
السؤال: في يوم الخميس 18/2/2010 أعلنت مصادر عسكرية في النيجرعن قيام جنود يقودهم الميجر آدم هارون بانقلاب عسكري ضد رئيس البلاد محمد تانجا، وأعلنت عن احتجاز هذا الرئيس وأعضاء الحكومة في مكان قريب من القصر الرئاسي في العاصمة نيامي، وأعلنت عن تعطيل الدستور وحل كل مؤسسات الدولة. فهل هذا الانقلاب كسابقاته مما كان يحدث في النيجر من صراع محلي بين عملاء فرنسا ذات النفوذ في هذه المستعمرة الفرنسية القديمة، أو هو صراع دولي، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب:
نعم، إن هذا الانقلاب قد حدث كما قلت، وأعلن عن تشكيل ” المجلس الاعلى لاعادة الديمقراطية”، وأن رئيسه هو ” سالو جيبو ” قائد وحدة الدعم في نيامي التي تضم اسلحة ثقيلة مثل المدرعات. وجاء في بيان هذا المجلس:” ان الحكومة حُلَّت، وأن المجلس الأعلى لإعادة الديمقراطية يبلغ الشعب ان تصريف الشؤون العامة اوكلت الى المدراء العامين في الوزارات والمحافظات”. (رويترز، أ.ف.ب 19/2/2010)
ولفهم حقيقة ما جرى نستعرض المؤشرات التالية:
1- لقد نقلت وكالة أ.ف. ب الفرنسية أن مسئولاً فرنسيا لم تسمه ذكر لها في وقت سابق:” ان محاولة انقلابية تجري في النيجر وان تانجا ليس في وضع جيد”. وأضافت هذه الوكالة ان هذا الديبلوماسي الفرنسي ذكر لها:” ان الحرس الرئاسي شارك في الانقلاب” وقال موضحا:” نعرف ان قسما من الجيش يعارض تانجا وفرض نفسه رغم احكام الدستور، لكننا كنا نعتقد انهم اقلية”. وقال:” هناك تاريخ من الانقلابات في هذا البلد، لكننا لم نكن نعتقد انه سيحصل بهذه السرعة”. وكان رئيس الوزراء في النيجر علي باجو غاماني قد دعا يوم الاربعاء اي قبل الانقلاب بيوم واحد الى اجتماع مهم لمجلس الوزراء.
2- يدل كل ذلك على ان فرنسا لم تكن تتوقع أن يحدث هذا الانقلاب على عميلها محمد تانجا بهذه السرعة وانها كانت تشعر بوجود حركة لدى عسكريين ولكنها كانت تظن انهم اقلية اي غير مؤثرة او غير قادرة على الانقلاب. وانها كانت تقوم بمفاوضتهم وتحاول ان تعالج الوضع وتحول دون الانقلاب ولكنه حصل رغما عنها. والحكومة كانت تشعر بوجود تهديد لها وارادت هي ومن ورائها فرنسا ان تحل الاشكالية لازالة التهديد الا ان العسكر فاجأوها كما فاجأوا فرنسا.
3- لقد أظهرت فرنسا عدم رضاها عن هذا الانقلاب فقامت بادانته، حيث قال متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية:” فرنسا تدين اي استيلاء على السلطة بطرق غير دستورية، وتدعو الى حوار بين الانقلابيين ورئيس البلاد”. (قناة الحرة الامريكية 19/2/2010) فتصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية يؤكد ان فرنسا ضد الانقلابيين وتريد الحوار بينهم وبين الرئيس لاعادته، فيفهم من ذلك ان الانقلاب حصل ضدها.
4- نقلت وكالة (أ.ف.ب) الفرنسية في 19/2/2010 عن مسئول أمريكي في واشنطن لم تسمه أنه قال:” إن على (تانجا) أن لا يلوم سوى نفسه لحصول الانقلاب”. ونقلت هذه الوكالة في هذا التاريخ أيضا، كما نقلت وكالات الانباء الأخرى، أن المتحدث باسم الخارجية الامريكية فيليب كراولي قد صرح قائلا:” هذا وضع صعب، لقد كان الرئيس تانجا يحاول تمديد ولايته. ومن الواضح ان هذا فعلا هو ما سرَّع في أحداث اليوم”. وقال إننا :” نعتقد ان هذا يؤكد على حاجة النيجر على المضي قدما في تنظيم انتخابات وتشكيل حكومة جديدة”.
5- إن تصريحات المسئول الأمريكي الذي لم تذكر الوكالة الفرنسية اسمه وتصريحات المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تدل على ان امريكا راضية عن الانقلاب وتحمِّل الرئيس المخلوع تانجا المسؤولية الفعلية عن الانقلاب، وذلك في اشارة منها الى موضوع تمديد الرئيس تانجا لنفسه مدة ثلاث سنوات عبر استفتاء على تعديل الدستور اجراه في آب/أغسطس الماضي، وقد قامت ضده حينها قوى المعارضة، فأحدث حالة سياسية مضطربة في البلاد. وكان تانجا قد انتخب مرتين بعد انقلاب قام به العسكر بقيادة الرائد داود مالام وانكي عام 1999. ولا يسمح الدستور له بفترة ثالثة فأجرى عليه ذاك التعديل. وكان قد حل المحكمة الدستورية لعدم مصادقتها على إجراء تعديل دستوري يتيح له الترشح لفترة ثالثة أو تمديد فترة رئاسته، وكذلك قام بحل البرلمان، وذلك في 26 ايار / مايو الماضي، وأجرى بعد ذلك انتخابات برلمانية في تشرين الثاني الماضي، وقاطعتها المعارضة.
إن إشارة التصريحات الأمريكية إلى حادثة التمديد هي لوضع المسئولية الفعلية على الرئيس، وتبرير الانقلاب، كما أن المتحدث باسم الخارجية الامريكية لم يدع الى اعادة الرئيس، ولا إلى الحوار بين الانقلابيين والرئيس المخلوع، بل دعا الى تنظيم انتخابات جديدة وتشكيل حكومة جديدة. فيؤكد كل هذا أن أمريكا كانت وراء الانقلاب.
6- ومن المعلوم أن النيجر، وهو بلد إسلامي أغلبية أهله من المسلمين، كان مستعمرة فرنسية مباشرة حيث أعطي له الاستقلال الشكلي عام 1960 ولكن النفوذ الفرنسي بكل أشكاله بقي فيه، ولازال يقيم فيه “1500” فرنسي لتأمين مصالح فرنسا النووية، حيث هو ثالث بلد في العالم في إنتاج اليورانيوم، وأن الشركات الفرنسية هي التي تستثمر انتاج اليورانيوم فيه. ولهذا فهو محل مطامع الأمريكيين للسيطرة عليه وابعاد النفوذ الفرنسي عنه كباقي بلاد إفريقيا، وأكثرها بلاد إسلامية، وغنية بموارد طبيعية كثيرة، وهي مصادر للمواد الخام بشتى أنواعها، وكذلك مصادر للطاقة، ولذلك كانت محل صراع بين الطامعين المستعمرين الغربيين من الاوروبيين والأمريكيين.
7- ولأهمية النيجر من حيث إنتاج اليورانيوم، وبخاصة وأن الشركات الفرنسية هي التي تستثمره، لذلك فليس من المتوقع أن تصفوا الأجواء لأمريكا بسهولة، وأن تترك فرنسا مستعمراتها وتخليها هكذا دون مقاومة لأمريكا، وعليه فإن الأيام القادمة ستحمل في طياتها صراعاً ساخناً دولياً في هذا البلد المسلم على غير ما اعتاده النيجر سابقاً من صراعات محلية بين عملاء فرنسا.
|
|
6 ربيع أول 1431 هـ |
|
20/02/2010م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال:
صفقة الأسلحة الأمريكية لتايوان والعلاقات الصينية الأمريكية
|
|
|
السؤال: في 29/1/2010 أعلن ان إدارة أوباما أبلغت الكونغرس الأمريكي عن خطتها بيع أسلحة لتايوان بقيمة 6,4 مليار دولار تشمل صواريخ مضادة للصواريخ ومروحيات وسفن كاسحات للألغام وأجهزة اتصال للطائرات المقاتلة إف 16.
فما فائدة أمريكا من صفقة السلاح مع تايوان؟ وكيف تغامر أمريكا بعلاقاتها مع الصين التي دعمتها نسبياً وقت الأزمة الاقتصادية، بالإضافة إلى ما كان يبدو من تحسن في العلاقات بين أمريكا والصين وبخاصة بعد مجيء أوباما وبخاصة زيارته للصين في تشرين الثاني 2009م؟ وهل لتايوان أهمية لأمريكا بعد أن تخلت أمريكا عن اعترافها بها ممثلة للصين؟ أو أن الأمر وراءه أهداف أخرى؟ نرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً؟
الجواب:
1- نعم إن إدارة أوباما كما جاء في السؤال قد أبلغت الكونغرس في 29/1/2010م، عن خطتها بيع أسلحة لتايوان بقيمة 6,4 مليار دولار تشمل صواريخ مضادة للصواريخ ومروحيات وسفن كاسحات للألغام وأجهزة اتصال للطائرات المقاتلة إف 16...
وعلى أثر ذلك... جاءت ردة الفعل الصينية منزعجة وغاضبة بشكل شديد. فقد أعلن نائب وزير الخارجية الصيني خه يا في ردة فعل الصين القوية بحيث اصدر بيانا حذر فيه من أن هذا المشروع الأمريكي ببيع الأسلحة لتايوان" سيلحق ضرراً من دون شك بالعلاقات الصينية الأمريكية، وستكون له تداعيات سلبية وخطيرة على المبادلات والتعاون بين البلدين في مجالات كبرى" وأضاف:" ان هذه الخطوة الأمريكية الجديدة لبيع أسلحة لتايوان التي تشكل جزءا لا يتجزأ من الصين هي تدخل سافر في الشؤون الداخلية وتعرض الأمن القومي الصيني لخطر جسيم وتقوض الجهود الرامية إلى إعادة توحيد البلاد سلميا". "وقد أرسل إلى السفير الأمريكي في بكين احتجاجا شديد اللهجة".(صفحة الصين "شينخوا"30/1/2010)، ومن ثم أعرب وزير الخارجية الصيني يانغ جيه تشيه عن موقف بلاده الحازم تجاه مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان حيث قال:" إن الولايات المتحدة، في تجاهل سافر للمعارضة القوية والاحتجاج الصيني المتكرر، أعلنت خطتها لبيع أسلحة إلى تايوان بقيمة 6,4 مليار دولار". وقال:" إن هذه الخطوة تتعارض تعارضا صارخا مع البيانات المشتركة الثلاثة بين الصين والولايات المتحدة وخاصة بيان 17 أغسطس". وأضاف إن ذلك يشكل تدخلا فجَّاً في شؤون الصين الداخلية ويضر بالأمن الوطني للصين وجهود إعادة توحيدها سلميا". وطالب أمريكا على الفور إلغاء القرار الخاطئ المتعلق بهذه الصفقة وان تحترم المصالح الجوهرية للصين وان تحترم التزام الولايات المتحدة بتأييد النمو السلمي للعلاقات عبر مضيق تايوان. (المصدر نفسه) وكذلك فإن وزارة الدفاع الصينية ولجنة الشؤون الخارجية لمجلس الشعب الصيني قد أصدرتا بيانات مشابه شديدة اللهجة احتجاجا على صفقة السلاح الأمريكية لتايوان. وعدا ذلك قامت الصين بخطوات عملية متعلقة باحتجاجها، فقد صدر بيان صحفي عن وزارة الخارجية الصينية يقول:" إن الصين قررت وقف برامج التبادلات بين جيشي البلدين بشكل جزئي، وكذا المشاورات على مستوى نواب الوزراء حول الأمن الاستراتيجي وضبط التسلح ومنع الانتشار التي كان من المقرر في الأصل إن تعقد قريبا". وقالت" إن الصين ستفرض أيضا عقوبات على الشركات الأمريكية المتورطة في مبيعات الأسلحة لتايوان". وذكرت:" ان التعاون الصيني الأمريكي في القضايا الإقليمية والدولية الكبرى سيتأثر حتما بسبب تلك القضية"، (شينخوا 30/1/2010).
2- هذا من جهة ردود فعل الصين وسخونتها اللافتة للنظر. أما أمريكا فكان رد فعلها على ردود الفعل الصينية بارداً وغير مبالٍ، حيث لم يصرح احد من المسئولين الكبار في الإدارة الأمريكية بشيء واكتفت هذه الإدارة بتصريح من متحدثة باسم وزارة خارجيتها لورا تشيلر قالت فيه: "مثل هذه المبيعات تسهم في حفظ الأمن والاستقرار عبر مضيق تايوان. وانها تتفق مع السياسة الأمريكية "صين واحدة" وقانون العلاقات مع تايوان، وتتفق كذلك مع البيانات الثلاثة الصينية الأمريكية المشتركة التي توجه العلاقات بين الدولتين"، (رويترز 30/1/2010). هذا مع العلم أن التصرف الأمريكي يعارض فعلاً البيانات الثلاثة، وبخاصة بيان 17 أغسطس الذي تعهدت فيه الولايات المتحدة بعدم السعي لتنفيذ سياسات طويلة الأجل لمبيعات أسلحة لتايوان والعمل على تخفيض مبيعات الأسلحة للجزيرة تدريجيا!
3- إن تصرف الولايات المتحدة لم يأتِ عشوائيا، ولم يقصد منه الربح التجاري ببيع السلاح لتايوان، وإنما أرادت به أن تضغط على الصين لتتجاوب معها في مسائل عدة منها رفع قيمة العملة الصينية مقابل الدولار، ومسائل تجارية أخرى، وكذلك مسألة الرقابة على ماكينة البحث الالكتروني الأمريكية "غوغل" حيث تدخلت فيها الدولة الأمريكية بشكل مباشر.
4- ثم إن الصين بدأ يظهر عليها العمل السياسي الدولي بعيداً عن محيطها، مستغلةً اهتزاز موقف أمريكا الدولي بسبب أزمة أمريكا المالية، وأزمتها في العراق وأفغانستان، فأرادت أمريكا إيجاد مشكلة مؤثرة في جوار الصين، لإشغالها في موضوع تايوان وتسخينه بعد أن كانت حرارته، أو كادت، تتجمد... هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتكون رسالة إلى الصين بأن أمريكا قوية وبريقها الدولي لم ينطفئ بعد، فضلاً عن أنها رسالة كذلك للدول الكبرى الأخرى.
5- أما عن أهمية تايوان لأمريكا فهي ليست شيئاً ذا بال أمام مصلحة أمريكا التي تتحقق بعلاقتها مع الصين، فإن أمريكا منذ عام 1979 قد تخلت عن اعترافها بتايوان وأقرت أن الصين الشعبية هي التي تمثل شعب الصين، وأضاف أوباما لهذه المواقف تجاه الصين، مواقف أخرى مشجعة منذ مجيئه إلى الحكم وبخاصة ما حاول إظهاره للصين بالابتسامات العريضة خلال زيارته الأخيرة إلى الصين في تشرين الثاني 2009م، حيث رحب أوباما في زيارته تلك بالدور العالمي للصين. وأعلن نيته تقوية وتطوير العلاقات حتى العسكرية منها... وذلك لأن أمريكا بحاجة للصين في كثير من الأمور سواء أكانت مالية أم تجارية أم في السياسة الخارجية...
6- كل ذلك يدل على أن أمريكا لا يمكن أن تضحي بعلاقاتها مع الصين من اجل 6,4 مليار دولار ولا من اجل تايوان التي لا تساوي شيئا في الخريطة السياسية الدولية، وقد تخلت عنها كدولة تمثل الصينيين...
ولذلك فإنّ تسخين الأجواء مع الصين لن يتجاوز وسائل ضغط محسوبة، وبخاصة وأن أمريكا مقتنعة أن ردة الفعل الصينية لن تصل حد القطيعة في العلاقات بينهما، حتى إن أحد المسئولين الأمريكيين قد قال مؤخراً: " إن ردة فعل الصين هي مؤقتة".
|
|
16 من صفر الخير 1431هـ |
|
1/2/2010م |
|
|
|
|
|
جــواب ســؤال: التوتر بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني في السودان
|
|
|
السؤال: لوحظ مؤخراً توتر شبه مستمر بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني: مؤتمر جوبا مع القوى المعارضة، والمسيرات والندوات الحاشدة... على الرغم من أن المفترض في الحركة الشعبية أنها في الحكومة وليست في المعارضة، ثم جولات سيلفاكير الأفريقية والأوروبية، وما أشيع من فشل المبعوث الأمريكي "غرايشن"، يضاف إلى ذلك أن البرلمان قد أقر خلال هذا الأسبوع قانون الأمن الوطني بمعارضة الحركة الشعبية، وهذا اليوم 22/12/2009 أقر قانون الاستفتاء بمقاطعة الحركة الشعبية للجلسة، فهل يمكن القول أن هذا توتر حقيقي بين الحركة والمؤتمر؟ وإن كان، فهل يعني تقلب ولاء الحركة من أمريكا إلى أوروبا وبخاصة بريطانيا؟ أو هو توتر ظاهري تديره أمريكا؟
الجواب: إن استمرار التوتر بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني في السودان هو مسألة طبيعية تسبق الانفصال، فكل منهما يريد إلقاء اللوم على الآخر في التوصل إلى هذه النتيجة حتى لا يكون مهددا بالاتهام فيما بعد من الخصوم نتيجة المشاكل التي ستترتب على الانفصال...
فاتفاقية نيفاشا هي اتفاقية انفصال في الأساس، وادعاء البشير بأن الاستفتاء سيأتي بخيار الوحدة هو نفسه لا يصدِّق ذلك، فمجرد القبول بمبدأ الاستفتاء يعني أن الانفصال بات حقيقة في السودان، وأن تصرفات كل الفرقاء تصب في تحقيق هذا الهدف.
يقول تاج السر محمد صالح القيادي في الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه الميرغني: "إن ما يرشح على صفحات الصحف وما تسمعه هذه الأيام اعتدنا عليه ... إنه تكرار لما حدث في كل المسائل التي اختلفت فيها رؤى الطرفين، إنهما يسرعان إلى نشر خلافاتهما عبر وسائل الإعلام، لكنهما سرعان ما يلتقون ويجلسون ويتفقون مرة أخرى"، ويضيف: "إن الشريكين يمثلان مدرسة في العمل المشترك تقوم على (شد الحبل)، كل يشد من الطرف الذي يليه للوصول للأجندة الخاصة به"، ويؤكد: "هذه طريقة غير صحيحة لإدارة الأمور، لأنها تؤثر في نفسية المواطن السوداني وتجعله مشفقاً على مستقبله"، ويعرب صالح عن أمله في "أن يقلل الشريكان من إدارة خلافاتهم في العلن ما دام يمكنهما الوصول إلى الحلول عبر الآليات المتفق عليها بينهما"(إذاعة هولندا العالمية).
من الواضح أن كلام هذا القيادي الذي يوالي حزبه الأمريكان يبين أن الخلافات بين شريكي الحكم هي مسألة تعوَّد عليها المواطن السوداني والمشكلة عنده فقط أنه يرى أنه يتوجب إخفاءها وعدم إظهارها إلى العلن ويرجح أن الشريكين سوف يتفقان ثانية.
وهذه التوترات هي نتيجة مطلوبة، وتكرار الخلافات بين شريكي الحكم تساعد في ترجيح خيار الانفصال في الاستفتاء حول تقرير مصير الجنوب، ولو كان الطرفان في حالة انسجام تام وعدم توتر لخُشي أن يختار أهل الجنوب الوحدة. لذلك كان لابد من خلق التوتر بينهما من أجل الوصول إلى هدف الانفصال.
أما تزعم الحركة الشعبية للمعارضة وقيادتها لها في المسيرات والندوات وغيرها، ثم الاعتراض تارة على قرار مجلس النواب، والمقاطعة تارة أخرى... فهو من أجل عدم اتهامها بالتواطؤ مع الحكومة، ومن أجل عدم رفض المعارضة لخيار الانفصال. فالحركة الشعبية بقيادة سلفاكير ومن قبله جون قرنق تخضع تماماً لأمريكا ولا يوجد فيها لغير أمريكا تأثير فاعل، كما لا يوجد ما يدل على أن الحركة الشعبية قد أصبحت تميل إلى أوروبا وتاركة لأمريكا.
وأما المبعوث الأمريكي فلم يفشل، وإنما هو لا يريد نزع فتيل التوتر باعتبار ذلك ضرورة من ضرورات التمهيد للانفصال.
وأما أوروبا والإنجليز فإن فاعلية عملهم ضد أمريكا مركَّزة في دار فور، وليس في الجنوب.
وأما جولة سلفا كير في الدول الأوروبية والأفريقية فهدفها التمهيد دولياً لولادة الدولة الجديدة. وكان سلفا كير قبل ذلك قد زار مصر واستُقبل فيها استقبال رؤساء الدول، ووقعت مصر اتفاقيات كثيرة باعتبار أن الجنوب قد أصبح دولة من الآن!
|
|
الخامس من محرم 1431 هـ |
|
22/12/2009م |
|
|
|
|
|
أجــوبة أســئلة
وراثة حسني مبارك
|
|
|
السؤال: تتصاعد هذه الأيام في وسائل الإعلام، وبخاصة الأوروبية والأمريكية، تحليلات حول الرئيس المقبل لمصر بعد حسني مبارك الذي نُقل عنه عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة سنة 2011م، وتتردد أسماء جمال مبارك، أيمن نور، محمد البرادعي، عمرو موسى... وآخرين، غير أن أكثر ما يعلو السطح من أقوال هي عن حظوظ جمال مبارك، وكذلك أيمن نور...
نحن نعلم أن جمال مبارك كوالده ولاؤه لأمريكا، فهل أيمن نور هو من السرب نفسه، وبخاصة أن إطلاق سراحه الأخير كان قُبيل زيارة أوباما؟ أو أن أيمن نور من رجال أوروبا؟ وإن كان هذا صحيحاً، فهل يعني أن أوروبا، وبخاصة بريطانيا، تطمع في أن يكون لها موطئ قدم في مصر بعد هذه السنين الطوال من نفوذ أمريكا القوي في مصر؟
الجواب: إن المتابعة السياسية لما يحدث في مصر تُرجِّح أن صاحب الحظ الأوفر بعد حسني مبارك هو جمال مبارك، ويدل على هذا عدد من المؤشرات:
أولاً: إن أمريكا مهتمة بأن يخلف جمال والده، ومن مؤشرات هذا الاهتمام:
1- إنه يُفهم من مواقف الأمريكيين أنهم يريدونه، وانه هو مرشحهم القادم، ولكن الدولة الأمريكية لا تظهر ذلك حتى يظهر للناس أن جمال مبارك لم يأت بإرادتها، وإنما جاء عن طريق اللعبة الديمقراطية، وحتى لا تحرقه ويقوى من يُعارضه، فهي تدعو جمال مبارك لزيارتها كما تدعو غيره لتجعل ترشحه طبيعياً! ولو أن أمريكا لا تريده لقامت بحملة شعواء ضده، ولديها أوراق كثيرة لتفضحه، لأنها أولا هي ضد التوريث باعتبار ذلك انه غير ديمقراطي، وثانياً تُخرج ملفات الفساد المتورط فيها وثرواته الهائلة التي استحوذ عليها بحكم وجود والده على رأس السلطة...ونحو ذلك من ملفات.
2- وفي 5/3/2009 زار جمال مبارك أمريكا واجتمع مع عدد من القيادات في مجلس الشيوخ ومجلس النواب منهم السناتور جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ ومنهم النائب هاوارد بيرمان رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب.
3- وقد نشرت صفحة "آرابيان بزنس" في 7/11/2009 تقريرا عن الكونغرس الأمريكي انه يتوقع ان يكون جمال مبارك نجل الرئيس المصري حسني مبارك وأمين السياسات بالحزب الوطني هو مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية عام 2011.
4- إن أمريكا تخشى أن يموت حسني مبارك قبل مجيء الانتخابات القادمة، فهي تعد العدة لذلك، وهي تهيئ الأشخاص المحتملين من رجالها، وأكثرهم احتمالية حاليا هو جمال مبارك. وجمال مبارك هو محل ثقة لديها حيث عمل في بنك اوف أمريكا فرع القاهرة وأصبح مدير فرع البنك في لندن. وفي عام 2001 منح العضوية الفخرية في النادي الروتاري وهو ناد ماسوني أمريكي.
ثانياً: اهتمام النظام المصري بإعداد جمال ليكون الرئيس بعد والده، ومن مؤشرات هذا الاهتمام:
1- لقد رقّى النظام جمال مبارك إلى مناصب يتخذ فيها قرارات مثل ترؤسه للجنة السياسات للحزب الوطني، وكذلك ترقيته إلى الأمين العام المساعد للحزب الوطني الحاكم. وقد علت مؤخرا أصوات من أعلى المناصب في الدولة بترشيحه لرئاسة الدولة؛ فقد صرح احمد نظيف رئيس الوزراء المصري قائلا:" إن جمال مبارك مرشح لخلافة والده في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام2011". (صفحة راديو هولندا 28/10/2009).
2- والنظام في مصر يعطي كل الإمكانيات وكثير من الصلاحيات لجمال مبارك لإبرازه بأحسن صورة حتى يجعل الناس يتقبلوه، ويغطي على ماضيه وحاضره السيئين بتلميع صورته بكل أنواع المساحيق الصناعية. فبدأ جمال مبارك يظهر على انه يهتم بمشاكل الناس ويعالجها، فيظهر انه يهتم بالفقراء ويساعدهم وكذلك بالطلاب ويحل مشاكلهم، فبدأ يستخدم الانترنت تقليدا لأوباما ليجيب على مشاكل الشباب. ويفتعل النظام مشاكل حساسة لدى الناس ويتيح المجال لجمال مبارك ليحلها مثل مشكلة البث الحي لنقل مباريات الدوري المصري لعام 2009، ومثل مشكلة دعم الاسمنت عام 2009. وظهرت جماعات تؤيد خلافة جمال مبارك لأبيه مثل جماعة "نعم" يرأسها قبطي اسمه ممدوح زخاري جرجس. وجماعة " أحرار" توزع منشورات وملصقات تحمل عبارة" جمال مبارك.... حلم جميل لبلد أجمل". ويقول مؤسسها عادل سيد وهو طبيب شاب أن الحركة تأسست عام 2006 وأنها تعمل سرا بناء على نصائح الأمن وان عدد أعضائها بلغ 40 ألفا أكبرهم سنا لا يتجاوز الثلاثين عاما وغالبيتهم من طلبة الجامعة" (الجزيرة 10/9/2007) وبجانب ذلك ظهرت "مجموعة شباب يقودهم نائب سابق يرتدون قمصانا كتب عليها" حب وإخلاص ووفاء..... طلائع جمال مبارك". حيث ظهرت في قرية النجاح في محافظة البحيرة وجمال مبارك يلقي كلمة هناك في مؤتمر شعبي وحشد من الوزراء". (الجزيرة 3/9/2009) وكل ذلك يحدث تحت سمع وبصر النظام، بل وبتخطيط منه.
من كل ذلك يظهر أن النظام، ومن ورائه أمريكا، يهيئ الظروف لتسهيل وصول جمال مبارك إلى رئاسة الجمهورية خلفاً لوالده.
أما أيمن نور، فإن خلفيته تؤكد ولاءه لأوروبا "الإنجليز"، ولذلك فمن المستبعد أن يمكنه النظام، ومن ورائه أمريكا، من الوصول إلى رئاسة الجمهورية في مصر ما دام نفوذ أمريكا هو القوي في مصر، ومن المؤشرات على ذلك ما يلي:
1- لقد بدأ أيمن نور حياته السياسية في حزب الوفد وكان مقربا من رئيسه محمد فؤاد سراج الدين، وكان نائبا لرئيس تحرير جريدة الوفد. والمعروف أن حزب الوفد هو حزب انجليزي من عهد الاستعمار الانجليزي. وقد تنقل فيما بعد ممن الوفد إلى حزب مصر إلى حزب الغد الذي أسسه في تشرين أول أكتوبر 2004م، وهي أحزاب تشارك حزب الوفد ولاءاته الرئيسة مع بعض الخلافات الفرعية.
2- لقد بذل النظام الوسع في مضايقة حزب الغد، إلى أن انشق الحزب بعد سنة من تأسيسه، وترأس الانشقاق السكرتير العام للحزب موسى مصطفى وأصبح رئيساً للحزب، ثم أعلن فصل أيمن نور وجناحه، وقال في سبب ذلك: "إن ما يدعو نور له يمثل نية واضحة لتعطيل الدستور والإضرار بالسلم الاجتماعي". (جريدة الجمهورية المصرية 13/10/2009)، وواضح من ذلك أن النظام المصري كان من وراء هذا الانشقاق، فإن ما قاله مصطفى موسى من نية أيمن نور لتعطيل الدستور والإضرار بالسلم الاجتماعي هو اتهام حكومي!
3- تعرض لاعتقالات عدة من النظام المصري بحجج مختلفة، ولكن الواضح أن ذلك كان لأنه يعمل سراً وعلناً ضد النظام وسياساته... فقد كان يطالب صراحة بتعديل الدستور المصري، أو تعيين مرحلة انتقالية لمدة عام واحد تتم فيه الدعوة إلى جمعية تأسيسية لدستور جديد لا يشارك فيها أيٌ من المسئولين عن المرحلة الانتقالية، وواضح منها سعيه الجاد لتغيير النظام، حتى إن شعاره كان "الأمل في التغيير"
4- لقد طالب الأوروبيون بشدة بإطلاق سراحه، واعترضوا على اعتقاله من أول يوم، وكانوا يعملون على الاتصال به وهو في السجن. فقد ذكرت رويترز في 1/2/2007 :" إن البريطاني إدوارد مكميلان سكوت نائب رئيس البرلمان الأوروبي ومقرره لشئون حقوق الديمقراطية وحقوق الإنسان قد سعى أمس لزيارة المعارض أيمن نور ولكنه منع من ذلك بعد انتظار دام ساعة ونصف، ودعا مكميلان سكوت الاتحاد الأوروبي بان يتخذ موقفا أكثر شدة وصرامة تجاه النظام المصري مشيرا إلى أن هذا النظام حرم نور من حريته".وقد أوردت الجزيرة في 11/10/2008 نقلا عن وكالة الأنباء الالمانية أن "أيمن نور قد صرح وهو في السجن أن المدعي العام للمحكمة الدولية لويس مورينو اوكامبو تقدم ببلاغ في 15 أغسطس / آب الماضي ضد مسئولين مصريين على رأسهم الرئيس حسني مبارك ووزير الداخلية حبيب العادلي والنائب العام عبد المجيد محمود، وذلك حول اعتقاله..." وقد كان هذا البلاغ من أقوى أنواع الضغط الأوروبي على النظام المصري. ومعلوم أن محكمة الجنايات الدولية وراءها أوروبا، ومن ذلك أيضا مؤسسة كونراد اديناور ونشرها سلسلة تقارير في عام 2008 تظهر فيها زيف ادعاءات النظام المصري بحق أيمن نور. وهذا يظهر مدى اهتمام الأوروبيين بأيمن نور وتبنيهم له.
5- لقد كانت تصريحات المسئولين الأمريكان حول قضية أيمن نور تصريحات عادية تقتضيها شعاراتها، ولكن دون موقف جدي لإطلاق سراحه، غير أنه عندما اشتدت حملة الأوروبيين ووصلت إلى المحكمة الجنائية الدولية، خشيت أمريكا على النظام المصري الموالي لها بأن يصبح في أزمة دولية تضاف إلى أزمة البشير... فصارت تركّز على الديمقراطية وحقوق الإنسان قُبيل زيارة أوباما لمصر، وصارت وسائل إعلامها تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وتذكر الدكتور أيمن نور في مطالبها، وأنّ هذا سيؤدي إلى نجاح زيارة أوباما... ثم كتبت صحيفة واشنطن بوست في 6/2/2009 أنه: " يجب الإفراج عن الدكتور أيمن نور زعيم حزب الغد، وهذا ضروري لو أراد الرئيس المصري أن يحظى بمقابلة باراك أوباما في ظل الظروف الراهنة". وقد أفرج عن أيمن نور بعد يومين من كتابة ذلك من قبل هذه الصحيفة. فكان الإفراج عنه قبل انتهاء مدة سجنه ببضعة شهور لتخفيف الضغط على النظام المصري تجاه الحملة الأوروبية، ولإظهار أن أمريكا هي صاحبة القرار وهي المؤثر وليست أوروبا...
وهكذا يتبيّن أن الراجح في ولاء أيمن نور أنه لأوروبا وبخاصة الانجليز، فنشأته السياسية في حزب الوفد واحتضان زعيمه السابق محمد فؤاد سراج الدين العميل الانكليزي له، وترفيعه ليصبح نائب رئيس التحرير لجريدة الوفد، واهتمام الأوروبيين بسياسيهم وصحفهم ووسائل إعلامهم ومحكمة جناياتهم الدولية. كل ذلك يؤكد ما رجحناه، وهذا يعني أن النظام، وأمريكا من ورائه، لن يمكنوه من رئاسة الجمهورية، وإنما صاحب الحظ الوافر لرئاسة الجمهورية بعد حسني مبارك هو ابنه جمال، ما دام النفوذ الأمريكي هو القوي في مصر.
|
|
28 من ذي الحجة 1430 هـ |
|
15/12/2009م |
|
|
|
|
|
جــواب ســؤال
ما الذي يحدث في اليمن؟
|
|
|
السؤال: ما الذي يحدث في اليمن؟ أهو صراع محلي مذهبي يقوم به الحوثيون مع الدولة؟ أم هو صراع دولي بأدوات محلية؟ نرجو التوضيح وجزاكم الله خيرا.
الجواب: إن ما يحدث في اليمن هو صراع دولي استغل ظروفاً محلية، فإن أمريكا تحاول جاهدة (تخويف) حكم علي عبد الله صالح رجل الإنكليز في اليمن. هي تدرك أن علي صالح لم يُبقِ سياسياً قادراً على الوصول إلى الحكم، فقد قَتل واعتقل ونفى كل سياسي من جنسٍ آخر...، ولذلك فإن أمريكا تحرك بعض السياسيين الصغار في الجنوب(تدريباً لهم) على السلطة السياسية مستقبلاً، وفي الوقت نفسه تحرك إيران لتسليح الحوثيين وتمويلهم لإيجاد بؤرة ساخنة تخيف بها اليمن والسعودية... ولكن حتى الآن فإن الخط السياسي لأمريكا هو تهديد حكم على عبد الله صالح لتسهيل تحرُّك مصالحها في اليمن كخطوة أولى من خطوات لاحقة تهدف منها إدخال نفوذها لليمن بشكلٍ كامل في طريقٍ قد لا يكون قصيراً ...
وقد أدرك علي عبد الله صالح هذا الأمر فتوسل لأمريكا بعقد اتفاقية أمنية معها إرضاءً لها لتسكت عن حكمه... فقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط الصادرة بتاريخ 12-11-2009 أن اليمن قد أبرم مع الولايات المتحدة اتفاقاً أمنياً وعسكرياً بعد جولة من المحادثات بين قيادات عسكرية وأمنية عقدت في صنعاء على مدى اليومين الماضيين.
وتناول هذا الاتفاق مجالات التعاون العسكري والأمني وتبادل المعلومات والخبرات في كلا المجالين. وجاء الإعلان عن هذه الاتفاقية بعد جولة من المباحثات بين رئيس هيئة الأركان العامة للجيش اليمني اللواء الركن أحمد علي الأشول ومدير التخطيط في القيادة المشتركة الأميركية العميد جفري سميث....
فالموضوع واضح تماماً لجميع السياسيين أن ما يحدث في اليمن هو صراع دولي بأدوات محلية، وقد ظهر هذا على ألسنة ساسة الدول ذات العلاقة تلميحاً، بل تصريحاً، فقد صرّح وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط إيفان لويس خلال لقائه السفير اليمني في لندن بتاريخ 24-11-2009، صرّح بأنّ هناك دوراً إيرانياً في الأحداث، وقال: (ما يحصل في اليمن هو حرب بالوكالة...)، كما أن الوزير البريطاني قد عقد في اليوم نفسه جلسة لإطلاع عدد من النواب البريطانيين على الأوضاع في اليمن، وشارك في اللقاء السفير البريطاني في صنعاء تيم تورلوت الذي تحدث أيضاً عن دور إيراني قائلاً : "هناك تأثير إيراني لدرجة معينة...". وكانت بريطانيا قد تعهدت بتقديم مساعدات للحكومة اليمنية تبلغ قيمتها 105 ملايين جنيه إسترليني، تصرف على مدى ثلاث سنوات اعتباراً من العام الحالي.
وكل ذلك يدل دلالة واضحة على أن ما يحدث في اليمن هو صراع دولي بأدوات محلية.
|
|
11 من ذي الحجة 1430 هـ |
|
28/11/2009 م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
ترحيب الناتو بخطط الدفاع الصاروخي
|
|
|
صرّح أمس 23/10/2009 الأمين العام للناتو " راسموسن " بأن حلف الناتو يرحب بخطط الدفاع الصاروخي البديلة وفق خطة أوباما، كما أكدت تشيك أنها مستعدة لتكون جزءً من هذه المنظومة الدفاعية وذلك بعد يومين من قبول بولندا، فكيف ذلك؟! ألم يعلن أوباما في 17/9/2009 قراره التخلي عن نصب قواعد صاروخية في بولندا ومنصات للرادار في الجمهورية التشيكية؟ أم أن إعلان أوباما التخلي لم يكن حقيقياً بل هو خدعة لتهدئة روسيا أمنياً مؤقتاً ؟ وإن كان كذلك فهل أمريكا أوباما صارت تحسب حساباً لتنامي قوة روسيا، فأصبحت تهتم بتهدئتها أمنياً، وعليه يكون تفوق أمريكا العسكري قد اهتز، ومن ثم ضعف تحكمها في الموقف الدولي ؟
الجواب: إن أوباما قد تخلى عن شكل نظام الدفاع الصاروخي الذي رسمه بوش، ولكنه وضع مكانه منظومة دفاعية صاروخية بشكل آخر أقوى في بعض جوانبه من نظام بوش، ولكنه وضعه في قالب أقل استفزازاً من القالب الذي وضعه فيه بوش، وحتى تتضح الصورة، وتجاب فروع السؤال المذكور، فلا بد من أخذ النقاط التالية بالحسبان:
1- منذ عام 1950 والسياسيون الأمريكان إلى جانب الخبراء الأمريكان يعملون بشتى الوسائل والسبل لحماية أمريكا من خطر صواريخ الاتحاد السوفيتي البالستية (ICBMs). إلا أنّ هذه الجهود انحصرت في نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD) الذي تمخض عنه لاحقاً نظام الدرع الصاروخي ضد التهديدات المحتملة للهجوم النووي السوفيتي. وفي عام 1961 توقف العمل بالبرنامج بسبب أمور تقنية، وحلت مكانه مجموعة من مشاريع دفاعية، إلا أنّ تلك المشاريع لم يستمر العمل فيها طويلاً لأنه لم يتم إثبات قدرتها على اعتراض وردع الصواريخ البالستية السوفيتية، كما أنها كانت مكلفة جداً، فضلاً عن أنّها كانت تعاني من مشاكل تكنولوجية رئيسية. ولكن هذه البرامج والبرامج المضادة بالنسبة للتنافس الصاروخي والحماية منه، قد نجحت في دفع كلا البلدين، أمريكا والاتحاد السوفيتي، إلى توقيع معاهدة الحد من انتشار الصواريخ البالستية (ABM) عام 1972. وبحسب الاتفاقية فإنّ كلا الدولتين تستطيع بناء نظام دفاع صاروخي ضد خطر الصواريخ البالستية، إلا أنّ الاتفاقية قيدت كليهما بحدود جغرافية وبأعداد الصواريخ التي يُسمح بنشرها من قبل أي منهما للدفاع عن نفسها. فعلى سبيل المثال نشر السوفيت نظام صاروخي سمي ب (A-35) نظام جالوش الصاروخي(Galosh missile system). وقد كان ذلك النظام لحماية موسكو فقط. ونشرت أمريكا نظاماً دفاعياً وقائياً حول الولايات المتحدة لوقايتها وللدفاع عنها من أي صاروخ يطلق من أي قاعدة تابعة لنظام الصواريخ البالستية السوفيتية (ICBM).
2- تعد مبادرة الدفاع الإستراتيجيةِ (SDA) التي أطلقها رونالد ريغان في 23/3/1983 خرقاً للمعاهدة التي وقعتها أمريكا مع الاتحاد السوفيتي للحد من انتشار الأسلحة البالستية (ABM)، كما أدخلت الاتحاد السوفيتي في حلبة السباق مع أمريكا، ما أدى إلى ضغط اقتصادي على الإتحاد السوفييتي، أدى مع عوامل أخرى إلى انهياره. لقد كانت مبادرة الدفاعِ الإستراتيجيةِ (SDA) أو ما يُعرف بحرب النجوم أكثر المشاريع طموحاً عند الأمريكان التي قاموا بها في السابق لبناء نظام درع صاروخي. فقد كان برنامج حرب النجوم يتضمن نشر الصواريخ، والرادارات، والمضادات على الأرض وفي الجو والبحر والفضاء، ومن ضمنها العديد من محطات فضائية لمعارك ليزر (space based laser battle stations)، ومضخات نووية و أقمار ليزرِ بالأشعة السينيةِ، (Nuclear pumped x-ray laser satellites) وأنظمة قيادة متطوّرةِ جداً وأنظمة تحكم. وكان برنامج حرب النجوم (SDA) كذلك مختلفا عن باقي البرامج السابقة، فهو ليس كنظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD) لحماية الولايات المتحدة فحسب بل هو كان مُعَداً لغرض حماية حلفاء أمريكا في أوروبا من خطر الصواريخ البالستية السوفيتية. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 تراجع برنامج حرب النجوم، وطبيعياً توقف العمل به، ولكن بقي نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD) فاعلاً، وفي فترة حكم بيل كلينتون تم تطوير هذا النظام ثم العمل به مرحلياً. وأصبح محل اهتمام الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن وأصبح النقطة المركزية في توتر العلاقات الأمريكية الروسية. وفي 13/12/2001 أعلن بوش عن انسحابه من معاهدة الحد من انتشار الصواريخ البالستية (ABM)، ويُعَدّ ذلك الحدث هو الأول في التاريخ الحديث لأمريكا الذي تنسحب فيه من معاهدة رئيسية دولية للسلاح، وقد ترتب على ذلك إنشاء وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية التي كان من مهامها وضع خطة طموحة لترميم نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD).
3- في 16/12/2002 أصدر بوش "توجيه الأمن القومي الرئاسيِ رقم 23" (National security presedental directive 23 ) وهو عبارة عن خطة مجملة للشروع بأنظمة للدفاعِ ضد الصواريخ البالستية المعدة للإطلاق. وفي اليوم التالي طلبت أمريكا وبشكل رسمي من بريطانيا والدنمارك استخدام مرافق في كلا البلدين كجزء من عملية ترميم نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD). وقد أعطى بوش نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD) اسما آخر هو نظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD). وعملياً فإنّ نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD) كان يحتوي على مشاريع قواعد فضائية وأخرى بحرية وجوية. وفي شباط 2007 بدأت أمريكا بشكل رسمي في التباحث مع بولندا وجمهورية التشيك بخصوص البدء ببناء قواعد للدرع الصاروخي لتسهيل عمل نظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD). وبررت أمريكا سبب شروعها بنظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD) في أنّ هناك دولاً شريرة مثل كوريا الشمالية، وإيران على وجه الخصوص، تعملان على تطوير صواريخ بعيدة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية تهدد المصالح الأمريكية في أوروبا وإسرائيل! في حين أن الحقيقة كانت محاصرة روسيا وإبقاءها في دائرة تهديد الدرع الصاروخي الأمريكي. وقد أدركت روسيا حقيقة هذا الأمر، واعتبرت نظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD) تهديداً قاتلاً لأمنها. وفي تشرين الثاني 2008 قال السفير الروسي للنيتو "دميتري روجزان" بأنّ الصواريخ الأمريكية في بولندا تستطيع أن تضرب موسكو خلال أربع دقائق. ولإحراج أمريكا وإظهار زيف زعمها أنها من أجل إيران، فقد عرضت روسيا على أمريكا بان تنشر راداراتها بجانب رادارات روسيا في قاعدتها "غابالا" في أذربيجان فهي أقرب إلى إيران من تشيكيا وبولندا، إن كان الهدف هو إيران! فلم توافق أمريكا لأن الهدف كان نصب القواعد في أوروبا الشرقية لتهديد روسيا...ولا تريد أن تشارك روسيا في قاعدتها فتكون تحت نظرها مادام الهدف هو روسيا نفسها!
وهكذا، فإن روسيا كانت تدرك أن الدرع الصاروخي موجه ضدها وليس ضد تلك الدول الشريرة! ولذلك فإن بوتين قد هدد في نيسان 2007 بحرب باردة جديدة إذا ما بقيت أمريكا مصرة على نشر الدرع الصاروخي في أوروبا الوسطى. وزيادة على ذلك، وكرد على التهديدات الأمريكية، فإنّ بوتين هدد بالانسحاب من معاهدة القوى النووية (Nuclear forces treaty) التي وقعت مع أمريكا عام 1987، ثم هدد بنشر صواريخ في مقاطعة كاليننغراد (Kaliningrad) على بحر البلطيق القريبة من بولندا، وذهب أحد الجنرالات الروس إلى أبعد من ذلك حيث هدد بقصف بولندا إن هي أصرت أن تكون جزءاً من الدرع الصاروخي الأمريكي. ففي 15 آب 2008 قال الجنرال الروسي "اناتولي نوجوفتسن (Anatoly Nogovitsyn)"، قال: "إنه باستضافة بولندا للدرع الصاروخي فإنّها تجعل من نفسها هدفاً، هذا أكيد 100% ، فقد أصبحت هدفاً للهجوم، وتدمير هذا الهدف يحتل صدر الأولوية."
4- قبل إعلان أوباما الرسمي التخلي عن خطة الدرع الصاروخي الأمريكي في بولندا وجمهورية التشيك، كان اوباما قد صرح في أوائل أيلول 2009 بأنه سيتخلص من خطط للدفاع الصاروخي في أوروبا الشرقية لصالح نظام دفاع صاروخي مركب على سفن حربية أمريكية. لذلك فإنّ إعلان أوباما في 17/9/2009 التخلي عن الدرع الصاروخي الأمريكي كان متوقعاً منه، وقد جاء ذلك بعد أن طلب تقييم برنامج "بوش" الدفاع الأرضي الأوسط (GMD).
5- أما هل تخلي أوباما عن مشروع "بوش" نظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD) هو حقيقي أو خدعة لطمأنة وتهدئة روسيا أمنياً مؤقتاً، فإنه يمكن فهم ذلك من استعراض الأمور التالية:
أ- ما جاء في خطاب أوباما الجديد عن المشروع حيث قال:" لقد وافقت على العديد من التوصيات لوزير الدفاع ورئيس الأركان لتقوية الحماية الأمريكية ضد أي هجوم محتمل من الصواريخ البالستية. هذا النهج سيولد قدرات أسرع، ويبني نظاماً أكثر كفاءة، ويوفر شكلاً دفاعياً أكبر ضد التهديدات الصاروخية من برنامج الدفاع الصاروخي الأوروبيِ 2007" وأضاف اوباما " لقد أحرزنا تقدماً ملحوظاً في تطوير صواريخنا الدفاعية وخصوصا في بطاريات الصواريخ الأرضية والبحرية وفي المعدات الداعمة لها. إنّ نهجنا الجديد سيمكننا من نشر التقنية الحديثة والمتقدمة بشكل أسرع من النظام السابق... إن النظام الجديد في أوروبا سيكون أكثر قوة وأذكى وأسرع لحماية القوة الأمريكية وحلفائها، من النظام السابق، فهو سينشر قدرات أكثر كفاءة وفاعلية، ويؤكد ويبني الثقة في تعهدنا بحماية أمريكا من تهديدات الصواريخ البالستية، ويؤمن ويعزز حماية حلفائنا في النيتو".
ب- فنّد وزير الدفاع روبرت غيتس (Robert Gates) الانتقادات العديدة التي وُجهت ضد قرار اوباما بالقول " إنّ الذين يقولون بأننا نبذنا الدفاع الصاروخي في أوروبا، إما أنهم لم يسمعوا الخبر بشكل صحيح أو أنّهم لم يفهموا الموقف على حقيقته" كما أكد غيتس على أنّ النظام الجديد "يزود قدرات دفاعية صاروخية أفضل من البرنامج السابق الذي بُدئ به قبل ثلاثة أعوام تقريبا "وأضاف" لدينا الآن فرصة نشر مجسات ومعترضات صاروخية في شمال وجنوب أوروبا التي ستتمكن -على المدى القريب- من اعتراض الصواريخ القادمة من إيران وغيرها".
ج- من خطاب أوباما ووزير دفاعه يتبين أنهما لا يتحدثان عن هجران نظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD)، بل على العكس من ذلك فهما يتحدثان عن برنامج أكثر تعقيداً. وقد كشف غيتس عن خطته للجيل الجديد من نظام الدفاع الصاروخي القومي (NMD) حيث قال" الخطوة التالية في عام 2015 تقريباً ستتضمن قواعد أرضية ميدانية ومرنة SM-3s". وكذلك فقد ورد على صفحة "Euronet" تصريح للجنرال جيمس كارترايت (James Cartwright) وهو نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية في التعليق على نشر الصواريخ المقترح "غالباً سيكون نشر الرادارات في منطقة القوقاز لأنّها ستكون أقرب في التقاط الإنذارات المبكرة".
6- وعليه فإنه يتبين أن التخلي عن نظام الدفاع الأرضي الأوسط (GMD) في بولندا والتشيك سيكون مؤقتاً لإرضاء روسيا. فقد كان غيتس ماكرا في عدم ذكر فتح مباحثات البنتاغون مع كلا البلدين بولندا والتشيك بخصوص استضافة النموذج الأرضي لنظام SM-3 وتجهيزات أخرى للنظام. وكذلك المباحثات حول ما تسرب من أن تركيا وجورجيا وأذربيجان يمكن أن يدخلوا في منظومة نشر الصواريخ الأمريكية، وقد ترتب على هذه التسريبات قلق شديد لروسيا لأن هذا يعني أن نشر القواعد الصاروخية الأرضية قد يمتد إلى الحديقة الخلفية، هذا فضلاً عما سببه خطاب أوباما الجديد ووزير دفاعه من قلق أشد، ولذلك فإنه على الرغم من ترحيب روسيا بقرار تخلي أوباما في 17/9/2009، وتصريح الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف في 25/9/2009 بأنه سيسحب قراره المتعلق بنشر صواريخ كاليننغراد، إلا أن ردود فعلها الأخرى كانت تشير إلى عدم الاطمئنان بقرار أوباما، ولهذا فقد رد الناطق الرسمي في وكالة المعلوماتِ الروسيةِ على خطابي أوباما ووزير دفاعه السابقين بالتعليق:"كما توقعنا فإنّ باراك أوباما عندما خطب في 24/9/2009 فإنّه لم يتحدث عن التخلي أو تأجيل أي شيء، بل تبنى برنامجاً دفاعياً صاروخياً جديداً، مبنياً على أسس متطورة ومتقدمة تكنولوجياً، قادرة بشكل أفضل على مواجهة التهديدات الصاروخية الحالية، فقد قال اوباما بأنّ البرنامج أكثر كفاءة من البرنامج السابق الذي كان يضم بولندا والتشيك."
7- أما هل اهتز تفوق أمريكا العسكري ومن ثم التحكم في الموقف الدولي، وأنها تحسب حساباً لتنامي قوة روسيا العسكرية، فإنه من الواضح أنّ أمريكا لم تعد تتمتع بالهيمنة على العالم كما كانت تتمتع بها قبل غزوها العراق، إذ إنّ العراق وأفغانستان استنزفتا قواها واستنزفتا مصادرها. إضافة إلى الأزمة الاقتصادية العالمية التي فاقمت من ضعف موقف أمريكا في العالم. ولكن بالرغم من جميع ذلك فإنّ أمريكا ما زالت الأكثر تفوقاً في المجال العسكري، والأكثر هيمنة في الموقف الدولي، فهي ما زالت قادرة على فرض جدول أعمال العالم، وقادرة على التحكم بالموقف الدولي. إلا أنّ أمريكا تواجه العديد من التحديات والمنافسات من القوى الرئيسية الأخرى. ونتيجة لبروز أزماتها سالفة الذكر فقد تعاظمت التحديات من خصومها بشكل كبير.
أما بالنسبة إلى روسيا، فقد تمكنت من استغلال أزمات أمريكا، والاستفادة من ارتفاع أسعار النفط لتحول جزء من الثروة الاقتصادية إلى مصادر عسكرية وقوة سياسية، وقد لوحظ دور روسي إلى حد ما في أمريكا الوسطى والقوقاز وأوروبا وآسيا الوسطى، حتى إنه قد صار يتداول تعبير" الدبّ الروسي الناهض" لوصف الوضع الروسي الحالي... ولكن على أية حال فإنّ روسيا بعيدة جدا عن استرجاع أيامها الذهبية الماضية، فهي لا زالت تعاني من أزمات الضعف الهيكلي في الجوانب السياسية والاقتصادية، ما يمنعها من المناطحة القوية في الموقف الدولي في المدى القريب.
|
|
5 ذو القعدة 1430 هـ |
|
24/10/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
تصريحات أردوغان والاتفاق مع أرمينيا
|
|
|
السؤال: كان أردوغان يصرح مراراً أنه لن يوقع اتفاقا مع أرمينيا بفتح الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية معها ... إلا بعد سحب أرمينيا جيشها من أراضي أذربيجان المحتلة في "قرة باغ"، ولكن حكومة أردوغان وقعت في 10/10/2009 اتفاقية بهذا الشأن دون اشتراط الانسحاب الأرمني. ومع أن التوقيع قد تم إلا أن أردوغان قد صرح في 11/10/2009 "إذا لم تنسحب أرمينيا من أراضي أذربيجان المحتلة لن تتخذ تركيا موقفا ايجابيا". وأضاف:" وسيجعل هذا الانسحاب أيضا من الأسهل على البرلمان التركي تبني الاتفاقات (الموقعة بين تركيا وأرمينيا)". (رويترز، أ.ف.ب 11/10/2009)، والسؤال هو:
ما الذي جعل أردوغان يغير رأيه؟ ثم إن التوقيع قد تم رسمياً، فما معنى تصريح أردوغان الأخير؟ هل يعني أنه إن لم تسحب أرمينيا جيشها فإنه سيلغي الاتفاق ؟
الجواب: لم يكن هذا الاتفاق ابن يومه، بل مر بخطوات عدة برعاية أمريكية من البداية حتى النهاية، إلى أن تم توقيعه في 11/10/2009، وسنذكر بعض الخطوات اللافتة للنظر، ثم نبين سبب تغير رأي أردوغان ومعنى تصريحه الأخير:
1- إن أوباما في زيارته لتركيا في 6/4/2009 دعا لحل الخلاف بين تركيا وأرمينيا وإيجاد السلام بينهما. وقد اجتمع بوزراء خارجيتهما بوجود وزير خارجية سويسرا الذي يرعى المباحثات بين الطرفين. وقد أعلن عن رسم خارطة طريق لتحقيق ذلك. وقد نشرت جريدة الصباح التركية في 24/4/2009 خارطة الطريق التي رسمتها أمريكا، وتضمنت بنودا منها اعتراف أرمينيا بالحدود الحالية المرسومة بين تركيا وأرمينيا في 13/10/1921 في معاهدة قارص الموقعة بين الدولة العثمانية والاتحاد السوفيتي والتي أقرت في معاهدة لوزان، أي إقرار الحدود الحالية بين تركيا وأرمينيا. ومن بنود خارطة الطريق الأمريكية إقامة لجنة لإعادة النظر فيما يسمى بالإبادة الجماعية للأرمن، وبند آخر يتعلق بفتح الحدود والتبادل التجاري بينهما، وبند آخر يتعلق بإعادة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بينهما.
2- لقد سبق أن جرت قبل أشهر عدة بوساطة سويسرية مباحثات بين وزيري خارجية البلدين وتوصلا إلى اتفاق في 22/4/2009 على إطار شامل لتطبيع العلاقات بين بلديهما يرضي الطرفين. وبقيت المباحثات مستمرة حتى توصلا في 1/9/2009 إلى تطابق في الآراء لتوقيع اتفاقية شاملة بينهما.
3- في 10/10/2009 أعلن عن توقيع الاتفاقية الشاملة حسب خارطة الطريق التي رسمتها أمريكا من قبل، ووقَّع وزير خارجية تركيا احمد داود أغلو مع وزير خارجية أرمينيا ادوارد نعل باند يان بوساطة سويسرية في زيورخ، وتحت إشراف وتنفيذ وزير خارجية أمريكا هيلاري كلينتون حيث لعبت الدور الفعّال في هذا التوقيع، وقد حضر التوقيع طرفا مجموعة مينسك الآخرَيْن: روسيا ممثلة بوزير خارجيتها لافروف، وفرنسا ممثلة بوزير خارجيتها كوشنير، هذا بالإضافة إلى ممثل الخارجية للاتحاد الأوروبي سولانا، ووزير خارجية سلوفاكيا، وذلك كشهود على الاتفاقية التي وصفت بالاتفاقية التاريخية لإنهاء النزاع التركي الأرمني. وقد نشرت وكالات الأنباء العالمية والتركية نص البرتوكول الكامل الذي وقَّعه وزيرا خارجية تركيا وأرمينيا، وهو يشمل: (الاعتراف بالحدود الحالية وفتح هذه الحدود بينهما في خلال شهرين، وإقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفراء، وفتح قناصل متبادلة لمساعدة وحماية مواطني البلدين حسب اتفاقية فينا للتبادل القنصلي الموقعة عام 1963، وتطوير العلاقات الثنائية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والطاقة والمواصلات والاتصالات وفي المجالات العلمية والتقنية والثقافة والبيئة والسياحة وغير ذلك. ويعملان معا على التعاون الإقليمي والدولي في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، ويعملان معا لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتطوير الديمقراطية في المنطقة، ومحاربة الجريمة المنظمة عبر الحدود ومحاربة الإرهاب وتهريب الأسلحة والمخدرات، والعمل على حل النزاعات الإقليمية والدولية بالطرق السلمية حسب القواعد والقوانين الدولية، وإيجاد المشاورات بشكل منظم بينهما، وإيجاد وتطوير الحوار للتدقيق العلمي غير المنحاز في الوثائق والمصادر التاريخية المتعلقة بشعبيهما بهدف إيجاد الثقة المتبادلة بين الشعبين...) وهو يشير في موضوع التدقيق العلمي لأحداث 1915م التي كانت تسميها أرمينيا إبادة جماعية، مع أن أوباما تمهيداً لهذه الاتفاقية قد سماها اسماً آخر في كلمته التي ألقاها في 24/4/2009 بمناسبة الذكرى السنوية لما يسمى بالإبادة الجماعية للأرمن، حيث عبَّر عنها بالمصيبة الفظيعة وليس بالإبادة الجماعية أو التطهير العرقي، وذلك كما قلنا تمهيدا لهذه الاتفاقية.
4- إن هذه الاتفاقية شملت كافة المجالات وحلَّت كل الإشكاليات بين البلدين، ولكنها لم تتطرق بأي حرف نحو مشكلة احتلال أرمينيا لأراضي أذربيجان في "قرة باغ" وما حولها، ولا هي تطرقت إلى مشكلة المهجرين الأذريين من هذه الأراضي، مع العلم ان تركيا قطعت علاقاتها مع أرمينيا وأغلقت الحدود معها في عام 1993 احتجاجا على احتلال أرمينيا لمنطقة قرة باغ الجبلية مع سبع مناطق، وهي تمثل ما بين 20% ـ 24% من مساحة أذربيجان، وقد هُجِّر منها نحو مليون أذري... ولكن تركيا الآن قد تخلَّت عن كل ذلك، ما أغضب أذربيجان وتركها لقمة سائغة في أيدي الدول الكبرى ممثلة بمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الامن والتعاون الاوروبي الممثلة بأمريكا وروسيا وفرنسا التي تعمل منذ وقف الحرب بين اذربيجان وأرمينيا عام 1993 "التي كانت قد بدأت في نهاية عام 1987" على إيجاد حل للمشكلة الأذرية الأرمنية.
5- لقد تدخلت روسيا بجانب الأرمن وساعدتهم خلال عدوان أرمينيا على أذربيجان، لكن حكام تركيا وإيران، البلدين المسلمين، لم يتدخلوا لنصرة أذربيجان البلد المسلم، المجاور لإيران، والمحسوب على تركيا! ولولا التدخل الروسي بجانب الأرمن، وعدم نصرة إيران لأذربيجان المجاورة لها، بل لم تقطع علاقاتها مع أرمينيا ولم تغلق الحدود، وكذلك عدم التدخل من قبل تركيا عسكريا وعدم مدها لاذربيجان باية مساعدات عسكرية لصد المعتدين الارمن ومن ورائهم الروس، لولا ذلك لما تمكن الارمن من الانتصار على الأذريين الذين قاوموا وحدهم الأرمن والروس مدةً تزيد عن خمس سنوات.
وهكذا خذل حكام تركيا وإيران، البلد المسلم أذربيجان أثناء الحرب فتمكنت أرمينيا بمساعدة الروس من احتلال أراضٍ أذرية.
6- ولم يكتف حكام تركيا بخذلان أذربيجان أثناء الحرب، بل هم اليوم يخذلونها كذلك بتوقيع هذه الاتفاقية قبل ان تعود الاراضي الأذرية لأصحابها ويعود أهلها المهجرين اليها. فكانت ردة الفعل الأذرية غاضبة على تركيا، واعتبرت ذلك أنه ضد مصالحها، فأصدرت وزارة الخارجية في اذربيجان بيانا قالت فيه:" ان تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا قبل انسحاب القوات الأرمينية من المنطقة الأذرية المحتلة يتناقض بشكل مباشر مع مصالح أذربيجان، ويلقي بظلاله على العلاقات الاخوية بين أذربيجان وتركيا المبنية على جذور عميقة". وأضاف البيان:" أن أذربيجان ترى أن فتح الحدود يهدد السلام والاستقرار في المنطقة". وقالت وزارة الخارجية الاذارية في بيانها:" ان باكو تتوقع من انقرة ان تلتزم بالوعود التي قطعها مسؤولون اتراك بعدم فتح الحدود الا حين ان تنسحب القوات الارمينية من منطقة قرة باغ الجبلية المتنازع عليها". وقال البيان:" ان موقف اذربيجان حول هذه المسألة لا لبس فيه". (أ.ف.ب والعالم الايرانية 11/10/2009)
7- أما الأسباب التي دعت أردوغان لتغيير رأيه، وتوقيع حكومته مع أرمينيا على هذه الاتفاقية في زيورخ فهي الأوامر الأمريكية بسبب الخدمة الكبيرة التي تؤديها هذه الاتفاقية لأمريكا، فإنها تقصد من هذه الاتفاقية كسب أرمينيا وأذربيجان لطرفها، وإبعاد النفوذ الروسي عنهما، فتتوسع دائرة نفوذ أمريكا في جنوب القوقاز:
أما أرمينيا، فبعد أن أخذت أمريكا جورجيا التي تحد أرمينيا من الشمال بثورة ملونة من النفوذ الروسي، تطلعت نحو أرمينيا لإضعاف النفوذ الروسي في منطقته القديمة والتقليدية وتوقيع هذه الاتفاقية التركية الأرمنية فرصة كبيرة لأمريكا لأخذ أرمينيا من روسيا لتضعها تحت سيطرتها، وانتصار لأمريكا على روسيا، وسيتعزز ذلك مباشرة عن طريق تركيا. وقد ظهر ذلك من تصريح وزيرة خارجية أمريكا أثناء مغادرتها زيورخ وهي تطير من الفرح، فقد صرحت بأن: " بلادها ستعمل بكل إمكانياتها لإنجاح البرتوكول الموقع بين تركيا وأرمينيا". (وكالة الأناضول 11/10/2009)، ولهذا سيضع الأمريكان كل ثقلهم ليوقع البرلمان التركي على هذه الاتفاقية، ورجلهم أردوغان سيعمل على ذلك بكل أساليبه وخداعه لجعل أعضاء حزبه في البرلمان يوقعون على هذه الاتفاقية. ويظهر أن الأمور تسير نحو توقيع تلك الاتفاقية، فلم تظهر معارضة جدية من حزب الشعب الجمهوري في تركيا الذي يعتبر أعضاؤه أنفسهم إخوة للأرمن وليسوا أعداء. فبأصوات هذين الحزبين تقر الاتفاقية في البرلمان التركي. ومن الجهة الأرمنية لا توجد معارضة جدية أيضا، ومنذ أشهر والأمور يُهيأ لها هناك، ولم تربط بانسحاب الأرمن من الأراضي الأذرية المحتلة، فيكون إقرارها هناك أيضا سهلا...
وأما أذربيجان، فهي تتردد في علاقتها بين روسيا وأمريكا حيث تساير الدولتين في فتح الباب لهما للاستثمار في مجال النفط والغاز، ولذلك قبلت مد خط النفط باكوـ تبليسي ــ جيهان ليصب في البحر المتوسط وسمحت للشركات الأمريكية بالاستثمار في مجال النفط وعلى رأسها شركة شيفرون بجانب الشركات الروسية. كما أنها تسمح لروسيا بأن تقيم قواعد عسكرية على أراضيها، فلروسيا قاعدة غابالا في أذربيجان، منصوب فيها رادارات قوية، والقاعدة يستخدمها الروس منذ عام 1984 وقد جُددت اتفاقية استخدامها من قبل الروس عام 2002 لمدة عشر سنوات أخرى، وهذا يظهر مدى النفوذ الروسي في أذربيجان. فارتباط أذربيجان بروسيا ما زال قويا. ومع ذلك، فقد عرضت روسيا سابقا على أمريكا بان تنشر راداراتها بجانب رادارات روسيا في قاعدتها "غابالا" مقابل أن تتخلى أمريكا عن وضع رادارات لها في تشكيا ونصب صواريخ في بولندا، ولم تعارض أذربيجان ذلك الاقتراح.. أي أن أذربيجان تحاول أن ترضي روسيا وأمريكا، غير أن أمريكا تريد أن يكون نفوذها موجوداً بفاعلية في أذربيجان، وقد رأت في الاتفاقية التركية الأرمينية وسيلة ضغط قوية على أذربيجان لتقبل النفوذ الأمريكي كاملاً، ومن ثم تتدخل أمريكا لحل المشكلة الأرمنية الأذرية بعيداً عن روسيا.
وعلى الرغم من أن الاتفاقية شكلت ضربة قوية لأذربيجان التي تتحكم بخط نفط باكو – تبليسي - جيهان، وتستطيع إغلاقه كرد فعل، إلا أن أمريكا تعتمد على تركيا في ترويض أذربيجان، فلا تستطيع أذربيجان أن تتخذ حالة العداء مع تركيا فتتجرأ على إغلاق الخط، أو اتخاذ ردود فعل جانحة كأن تضايق الشركات الأمريكية التي تستثمر في مجال النفط والغاز...، أي أن أمريكا مطمئنة بما يقوم به أردوغان من تصرفات تضليلية ماكرة مع أذربيجان، جاعلاً مصالح أمريكا في سلم القيم عنده، غير مبالٍ بأراضي أذربيجان المحتلة ولا بالمشردين من أهلها، ولو كان يهمه ذلك لقام وساعد أذربيجان يومئذ ولأمدها بالقوة العسكرية، ولساهم هو عسكريا في إعادة الأراضي المحتلة إلى أذربيجان، ولما وقَّعت حكومته هذه الاتفاقية الأخيرة التي خذلت فيها الإخوة الأذريين كما كانوا يتبجحون بالقول دائما "إن العلاقة الأخوية بين تركيا وأذربيجان عميقة الجذور"!
8- أما تصريح أردوغان في 11/10/2009، في اليوم التالي لتوقيع الاتفاق، الذي جاء فيه: "إذا لم تنسحب أرمينيا من أراضي أذربيجان المحتلة لن تتخذ تركيا موقفا ايجابيا". وقال:" نريد لمشكلة قرة باغ الجبلية والمناطق المحتلة أن تحل بالطريقة نفسها، وإذا حلت المشكلات بين أذربيجان وأرمينيا فعندئذ سيكون من الأسهل على المجتمع التركي دعم تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا. وسيجعل أيضا من الأسهل على البرلمان التركي تبني الاتفاقات (الموقعة بين تركيا وأرمينيا)". (رويترز، أ.ف.ب 11/10/2009)، فإنه كذب صراح، من باب الدجل والتضليل، فهل يصدق عاقل أن حكومة أردوغان توقع كل هذه الاتفاقيات مع الارمن برعاية أمريكية، وبحضور دولي، ثم بعد ذلك يصرح أردوغان بأن تركيا لن تتخذ موقفا ايجابيا من الاتفاقية وان التطبيع لن يكون سهلا؟ إن ذلك ما هو إلا لخداع الرأي العام في تركيا ومحاولة خداع الأذريين الذين أدركوا وعوده الكاذبة!
إن هذا التصريح وأمثاله هو ليّ للكلام وتلاعب به لن يصمد طويلا!
|
|
23 شوال 1430 هـ |
|
12/10/2009 |
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال
تغير الموقف الإيراني من تخصيب اليورانيوم بعد اجتماع جنيف
|
|
|
السؤال: ما الذي حمل إيران على تغيير موقفها من تخصيب اليورانيوم؟ لقد كانت طوال سنوات تصر على أن يكون التخصيب في إيران وليس في بلد خارجي، ولكنها اليوم بعد اجتماع جنيف، وبخاصة الاجتماع الثنائي الأمريكي الإيراني على هامش اجتماع جنيف، صرح مسئولوها بموافقتهم على ما رفضوه من قبل ؟ نرجو توضيح هذا الأمر؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب:
إن تغير الموقف الإيراني الذي كان ثابتاً لمدة خمس سنوات بشكل مفاجئ، وبدون سابق إنذار، بخصوص تخصيب اليورانيوم، وهو موافقة إيران على تخصيب اليورانيوم لأول مرة خارج أراضيها، يعتبر تنازلاً دراماتيكياً جوهرياً في السياسة النووية الإيرانية، وسبب ذلك التنازل هو بلوغ الضغط الأوروبي واليهودي على أمريكا مداه في ضرورة القيام بعمل عسكري حقيقي ضد إيران، فما كان من أمريكا للتخلص من هذا الضغط إلا أن قامت بالإيعاز لإيران وإجبارها على الانحناء أمام العاصفة والقبول بتخصيب اليورانيوم خارج أراضيها، وبذلك تخلصت أمريكا بسهولة من الضغوط الأوروبية واليهودية الشديدة عليها.
وكان لاجتماع جليلي مع بيرنز في جنيف، وزيارة متكي لواشنطن في الوقت نفسه بعد أكثر من ثلاثين عاماً، الدور الحاسم في تغيير ذلك الموقف الإيراني العنيد، فأدّى هذا التغير إلى إقناع الأوروبيين بالقبول بهذا التطور الجديد والعودة إلى جولات جديدة من المفاوضات مع إيران لسنوات قادمة بعيداً عن تهديد الحرب أو التلويح بها، فأُسقط بأيدي الأوروبيين وجعلهم يفقدون أهم ورقة ضغط ضد إيران وضد السياسة الأمريكية فيها.
وبذلك أسقطت أمريكا بهذا التنازل الإيراني المفاجئ سلاحاً طالما استخدمه الأوروبيون في تنافسهم المرير مع الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط.
|
|
16 شوال 1430هـ |
|
4/10/2009م |
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال
الوضع السياسي في تركستان الغربية
|
|
|
السؤال: يلاحظ أن الوضع السياسي في تركستان الغربية (آسيا الوسطى: قرغيزستان، أوزبكستان، طاجاكستان، كازاخستان، تركمنستان)، هو وضع متقلب، فتارة نجد هذا الحاكم تحت عباءة روسيا وبعد حين نجده انتقل يسعى نحو أمريكا... وهكذا، فهل يمكن توضيح الوضع السياسي الحالي في تلك الجمهوريات ؟ وجزاك الله خيرا.
الجواب: قبل الدخول في تفاصيل الوضع السياسي وتقلباته في آسيا الوسطى، يجب إدراك هذه الأمور:
1- لما تفكك الإتحاد السوفييتي السابق عام 1991م ، وانفصلت جمهورياته، كانت روسيا تدرك أن لا بد من الإبقاء على رابط متين مع هذه الجمهوريات لأنها في خاصرتها... فعمدت في البداية إلى محاولة جمعها في ما يسمى "بمجوعة الدول المستقلة"، ولكن كثيراً من تلك المجموعة تفلتت منه، وبعضها لم يدخله من البداية كدول البلطيق الثلاث... فعمدت بعد ذلك إلى منظمة "شنغهاي"، ثم الأمن المشترك، فالأمن الجماعي، فالرد السريع...
وكذلك استعانت روسيا بركائزها التي أنشاتها في هذه الجمهوريات في عهد الإتحاد السوفييتي وأبرزها:
أ- التغيير السكاني الذي أوجده الإتحاد السوفييتي، وبخاصة في جمهوريات آسيا الوسطى فنقل لها سكاناً من الروس، وهؤلاء بقوا في تلك الجمهوريات "ذراعاً روسياً"...
ب- القواعد الروسية التي كانت منتشرة في تلك الجمهوريات ولم تنسحب كلها، بل بقي بعضها موجوداً في جمهوريات آسيا الوسطى، وهي مراكز نفوذ وخطوط متقدمة لروسيا.
ج- ميادين التجارب النووية والصاروخية التي كانت تجري في تلك الجمهوريات وبخاصة كازاخستان بسبب مساحتها الشاسعة...
د- بعض الروابط الاقتصادية مع تلك الدول مثل خطوط الغاز والبترول...
2- على الرغم من أن تفكك الإتحاد السوفييتي قد أنتج شبه انهيار في الحزب الشيوعي وإقصاء له عن الحكم... لكن في جمهوريات آسيا الوسطى بقي رؤساء الحزب الشيوعي السابقون هم الحكام، أي الذين كانوا في عهد الإتحاد السوفييتي استمروا في الحكم، وذلك بتخطيط خبيث لتبقى السلطة في هذه الجمهوريات تحارب الإسلام والعاملين له حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وذلك خشية انتشار الإسلام بفاعلية في تلك الجمهوريات فتتوحد على أساس الإسلام وتحكم به وتجاهد في سبيله...
3- كان تفكك الإتحاد السوفييتي فرصة لم تفوتها أمريكا، فإن آسيا الوسطى فوق كونها في خاصرة روسيا فهي في تماس واسع مع الصين، وهذا يجعلها منطقة إستراتيجية لأمريكا، ولذلك فقد بدأت تنشر عملاءها وأجهزتها ومخابراتها، والأهم من ذلك أموالها لإيجاد مواطئ قدم لها في تلك الجمهوريات.
وهكذا فإن آسيا الوسطى مصلحة حيوية، ومنطقة إستراتيجية لروسيا وأمريكا، والصراع بينهما ما أن يهدأ حتى يتحرك من جديد، ولذلك ليس غريباً أن يتغير النفوذ ونوع العمالة لحكام تلك المنطقة بين حين وآخر وفق القوى المؤثرة التي يستعملها كل طرف:
* أما روسيا فلها ركائزها السابقة: التغير السكاني الذي أحدثته سابقاً، ولنسمها الجالية الروسية في تلك الجمهوريات، وكذلك قواعدها السابقة، وعلاقاتها الاقتصادية...
*وأمريكا بالجزرة السخية التي تقدمها لتلك الدول، أي المساعدات المالية، وكذلك الإيحاء لهم بأن روسيا لم تعد دولة كبرى تخيفهم، ووعدها لهم بالحماية...
*هذا من جانب الصراع الساخن بين روسيا وأمريكا في المنطقة.
*وأما الجانب الآخر فهو عداوة الحكام للإسلام والعاملين للإسلام، وهذا أمر يتفق طرفا الصراع عليه.
|
بعد ذلك نستعرض الواقع السياسي لتلك الجمهوريات:
1- قرغيزستان: نعلم كيف جاء باكاييف للحكم بدعم من روسيا عام 2005م، ثم جدد له في الانتخابات الأخيرة التي جرت في 23/7/2009، وقد كان واضحاً دعم روسيا له، وعدم رضا أمريكا عنه، فقد أصدرت السفارة الأمريكية في بشكيك بيانا قالت فيه:" ان الولايات المتحدة تشاطر القلق الذي أعرب عنه مراقبون عدة بشأن الانتخابات الرئاسية ونتائجها. وانه بينما بدت بعض الجوانب ايجابية في عملية الاقتراع ترى الولايات المتحدة مع الملاحظات الأولى من فرق المراقبين المستقلين انه لم يتوفر عدد كبير من التزامات جمهورية قرغيزيا الدولية في الانتخابات". ودعا بيانها إلى " تطبيق صارم للقوانين الانتخابية أثناء العملية الانتخابية برمتها طبقا لالتزامات جمهورية قرغيزيا الدولية". (فرانس برس 2/8/2009)، بينما بارك الروس انتخاب باكييف، وقام الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف بزيارة قرغيزيا في 31/7/2009 والاجتماع به لمباركته ولإعلان تأييده له قبل تنصيبه رسميا لولاية رئاسية جديدة في 2/8/2009، وقد أعلن أن زيارة الرئيس الروسي لقرغيزيا تأتي في إطار مؤتمر لمنظمة الأمن الجماعي في مدينة "تشولبون آتا" القرغيزية. وقد ذكرت صفحة "روسيا اليوم" في 1/8/2009 "أن الرئيس الروسي مدفيديف وقَّع اليوم السبت 1/8/2009 في مدينة تشولبون آتا القرغيزية وثيقة حول التطوير والتحسين اللاحق لقاعدة العلاقات التعاقدية الحقوقية الثنائية التي تنظم وجود التشكيلات الروسية على الأراضي القرغيزية ومرابطة وحدة روسية إضافية في هذه البلاد. كما تنص الوثيقة على إنشاء مركز تدريب مشترك للعسكريين الروس والقرغيزيين". وذكر ت هذه الصفحة: " أن الرئيسين اتفقا على صياغة وتوقيع اتفاقية خاصة بإنشاء قاعدة عسكرية لقوات الرد السريع في جنوب قرغيزيا لمدة 49 عاما مع إمكانية تمديدها لمدة 25 عاما أخرى". وذكرت أيضا " أن باكييف أشار إلى أن الاتفاقية التي يجب أن توقع قبل الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل ستحدد الوجود العسكري الروسي بأكمله في البلاد".
أما عن إعادة باكاييف تمديد عقد إجارة قاعدة ماناس الجوية الأمريكية بعد أن هدد بإقفالها، فلا يدل على ابتعاده عن روسيا واتجاهه إلى أمريكا، بل قد تم ذلك بإذن روسيا من باب الترضية لأمريكا حتى لا تحرك أتباعها في قرغيزيا ضد الحكم برمته، وهم قادرون على إقلاق "راحة" الحكم، وبالتالي التأثير في قواعد روسيا نفسها الموجودة في قرغيزيا، ولتوضيح ذلك، فإننا نذكر قصة القاعدة من بدايتها:
لقد حاول باكييف إغلاق قاعدة ماناس الجوية الأمريكية، ففي شباط/فبراير الماضي من هذا العام؛ أعلن رئيس قرغيزيا كرمان بيك باكييف من موسكو انه سيغلق قاعدة ماناس (رويترز 12/2/2009) وقد وضح ذلك بشكل أكبر بقوله:" على مدى السنوات الثلاث الأخيرة أثرت شخصيا مسألة زيادة إيجار القاعدة مع مسئولين أمريكيين كبار. كنت أقول لهم دوما علينا مراجعة بنود اتفاقيتنا، تغيرت الأسعار وقيرغيزستان في وضع مالي صعب". وتابع قائلا:" وكانوا دائما يردون علينا؛ حسنا، كرروا ذلك على مدى سنوات، لكن إلى متى يمكننا الانتظار، نحن دولة ذات سيادة يجب أن يكون لدينا الاحترام لأنفسنا ". (رويترز 12/2/2009).
يفهم من ذلك أن مشكلة النظام في قرغيزيا هي الحصول على المال. ويفهم من ذلك أيضا أن الأمريكيين لم يعيروه اهتماماً طوال ثلاث سنوات وهو يتوسل إليهم. وقد اتخذ البرلمان القرغيزي الذي هو تحت سيطرة حزب باكييف قرارا بإغلاق تلك القاعدة في وجوه الأمريكيين. وقد أعطى للأمريكيين مهلة 180 يوما للرحيل ضمن قرار البرلمان القرغيزي هذا. وقبل أن تمضي هذه المدة أعلن في منتصف شهر تموز / يوليو الماضي عن التوصل إلى اتفاق بين الجانبين. فقد أصدرت السفارة الأمريكية في بشكيك عاصمة قرغيزيا بيانا بشأن هذا الاتفاق، فجاء في بيانها:" تعلن حكومة الولايات المتحدة وجمهورية قرغيزستان نجاح مفاوضاتهما حول مواصلة استخدام قاعدة ماناس الجوية"، (الجزيرة 15/7/2009). وقد ذكر أن أجرتها رفعت إلى 150 مليون دولار سنويا بعد أن كانت 17 ! والحقيقة هي أنها كانت في السابق " أجرة أساسية 17 مع مساعدات 133 ليكون المجموع 150 مليون دولار سنوياً"، وهذه قد أصبحت وفق الاتفاق الجديد "أجرة أساسية 60 مع مساعدات 90ليكون المجموع 150 مليون دولار سنويا"، أي أنه لم يتغير شيء في مسألة الإيجار، وإنما ذكرت المساعدات المالية وغير المالية التي كانت تقدم لقرغيزيا كإيجار بدل كلمة مساعدات، وذلك لحفظ ماء وجه كرمان بيك باعتباره رئيسا للبلاد يريد أن يكون له احتراما وان يظهر أن دولته لها سيادة تحترم كما قال !! وقد أشارت صحيفة نيويورك تايمز في 24/7/2009 إلى ما قلنا آنفا بشأن تصرفات باكييف، حيث ذكرت أن: "الاتفاق الذي وقعته مؤخرا حكومتا قرغيزيا والولايات المتحدة لتمديد استخدام قاعدة ماناس الجوية الأمريكية ليس إلا وسيلة لحفظ ماء وجه الحكومة القرغيزية أمام التراجع عن قرارها السابق بإغلاق القاعدة، وبحيث ترفع بموجبه الأجرة السنوية للقاعدة"، وقد كانت روسيا وراء ذلك حيث أعلن الاتفاق الجديد بعد اجتماع رئيس أمريكا أوباما ورئيس روسيا مدفيديف في روسيا في 6ـ 8/7/2009 وموافقة روسيا على السماح للإمدادات الأمريكية والأطلسية بالمرور من أراضي روسيا ومن أراضي حلفائها. وروسيا تخاف على قاعدتها في قرغيزيا في "كانْت"، فتخاف إن لم توافق لأمريكا على قاعدتها هناك أن تقوم أمريكا وتعمل على إثارة القلاقل والثورات الملونة في محاولة لإسقاط نظام باكييف الذي يؤمن لها مصالحها في قرغيزيا.
كل ذلك يدل على ولاء باكييف لروسيا، وان سماح باكييف لاستمرار الأمريكيين باستخدام قاعدة ماناس الجوية في عملياتهم ضد المسلمين في أفغانستان ما هو إلا لإرضاء الأمريكيين حتى لا يتحركوا لإسقاطه كما فعلوا مع سلفه عسكر اكييف، وذلك بموافقة الروس للمحافظة على وجودهم ونفوذهم في قرغيزيا خوفا من أن تعمل أمريكا على قلقلته ومن ثم إزالته.
أما لماذا هذا الصراع بين روسيا وأمريكا، فهو بسبب موقع قرغيزيا الإستراتيجي المهم في آسيا الوسطى. فلها حدود مع الصين يبلغ طولها 858 كم، فإذا ما كسبتها أمريكا فتصبح مرابطة على حدود الصين، فقرغيزيا لها أهمية قصوى بالنسبة لأمريكا في عملها ضد الصين وفي المنطقة كلها. وقاعدتها في ماناس مركز أساس في حربها على المسلمين في أفغانستان منذ عام 2001 حتى اليوم حيث يوجد هناك بصورة دائمة أكثر من 1000 جندي أمريكي. وكل ما يجري في قاعدة ماناس لا تدري عنه الحكومة القرغيزية شيئا، لان الاتفاقية تنص على أن لا يدخل القاعدة من المفتشين أو المراقبين القرغيز أو من غيرهم أحد، ولا يجري تفتيش أي شيء من الشحنات الأمريكية التي تدخل القاعدة وتخرج منها. فهي بعيدة كليا عن رقابة القرغيز وبالتالي هي بعيدة عن رقابة الروس. وقد ذكرت صفحة " روسيا اليوم" في 31/7/2009 وهي تسرد أخبار زيارة مدفيديف لقرغيزيا وموضوع الاتفاقيات العسكرية التي وقعها مع باكييف بان" قرغيزيا تتمتع بموقع استراتيجي مهم ومتميز في منطقة آسيا الوسطى وتميزت لسنوات عديدة نقطة تقاطع مصالح دول الغرب وروسيا". أي أن هناك صراعاً بين روسيا ودول الغرب وعلى رأسها أمريكا على هذا الموقع الاستراتيجي. وقد قام مؤخرا الجنرال الأمريكي ديفيد بتريوس قائد القوات الأمريكية المركزية بزيارة لدول ثلاث من دول آسيا الوسطى منها قرغيزيا والأخريين هما تركمنستان وأوزباكستان. وقد أوردت وكالة أنباء "نوفوستي" الروسية في 20/8/2009 بان المراقبين وصفوا زيارته، أي زيارة الجنرال بتريوس، بأنها ناجحة، إذ أكد مسئولون في العواصم الثلاث لمبعوث الولايات المتحدة بأنهم يريدون زيادة التعاون مع واشنطن". فهذه الزيارة هي جزء من النشاط الأمريكي الجاد في هذه البلاد ومنها قرغيزيا في محاولة لكسبها وتعزيز الوجود الأمريكي فيها. ومع أن الرئيس القرغيزي باكييف لم يجتمع مع الجنرال الأمريكي، إلا أن الأخير اجتمع مع وزير خارجية قرغيزيا، وعلى الرغم من أن باكاييف لا يزال يدرك أن أمريكا غير راضية عنه وقد شككت في انتخابه، إلا أنه يخافها بسبب قوة أتباعها في الداخل والخارج فيريد أن يراضيها، ولذلك سوَّى معها أمر قاعدة ماناس وسمح لها باستخدامها دون تغيير الشروط إلا التحايل على صياغتها فيما يتعلق بالمال الذي يحفظ له احترامه وسيادة بلاده كما يقول!
|
2- أوزبكستان: إن أكثر ما ينطبق تعبير "التقلب" هو على رئيس أوزبكستان "كريموف"، فبعد تفكك الإتحاد السوفييتي ظهر ابتعاد "كريموف" التدريجي عن روسيا بشكل واضح. فقد شكلت روسيا منظمة الأمن المشترك سنة 1992م للمحافظة على ترابط جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابقة أو بعضها، ثم حولت اسمها إلى معاهدة الأمن الجماعي عام 2002م محاكاة لحلف شمال الأطلسي... وقد كان كريموف تجاه هذه المنظمات متقلبَ المزاج فسبق أن خرج من معاهدة الأمن الجماعي وانضم إلى منظمة (جووم) التي تتكون من بلدان معارضة لروسيا مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا من كتلة الاتحاد السوفيتي المنهار. ولكن سرعان ما تركها ورجع إلى معاهدة الأمن الجماعي بعدما طلبت أمريكا والدول الغربية إرسال فرق تحقيق في مجازر أنديجان في أيار/مايو عام 2005 بينما أيدته روسيا وحلفاؤها ووقفت بجانبه في مجازره الوحشية في أنديجان وفي غيرها...، والآن وقد أغلقت أمريكا موضوع تلك المجازر وموضوع حقوق الإنسان المرتبط بالمصالح الأمريكية وبدأت تتصل به وتعمل على جذبه إليها، عاد فاظهر تجميد نشاطه مع الروس، واستعد لإظهار نشاطه مع الأمريكان والعمل معهم. وأشد ما كان ذلك عندما رأت روسيا أن معاهدة الأمن الجماعي لا تفي باحتياجاتها الأمنية وأطماعها في السيادة والنفوذ فإنها لجأت إلى ما يسمى بمنظمة الرد السريع، أي الرد السريع على أي تهديد للنفوذ الروسي في المنطقة، فوقفت أوزبكستان في وجهها ولم توقِّع على اتفاقية تأسيس " قوات الرد السريع" ونشرها في منطقة منظمة الأمن الجماعي التي تضم كل من روسيا، وروسيا البيضاء، وكازاخستان، وقرغيزيا، وطاجاكستان، وأرمينيا، وأوزبكستان. وكان زعماء هذه الدول قد قرروا إنشاء قوات الرد السريع أو بتسمية أخرى الانتشار السريع بتاريخ 4/2/2009. وقد وقعوا على هذه الاتفاقية في موسكو بتاريخ 14/6/2009 وقد امتنعت أوزبكستان عن توقيعها. وقد تذرع كريموف بامتناعه هذا بقوله: "إن هذه الاتفاقية لم تحدد المهام المطروحة على القوات المشتركة". واقترح أن تقول الاتفاقية: "إن القوات المشتركة تنشأ من أجل صد عدوان خارجي فقط، وان وحدة كل دولة من القوات المشتركة ترابط في أراضي هذه الدولة". (نوفوستي 26/8/2009) مما يدل على أن كريموف يدرك أن هذه القوة ستكون بيد روسيا وان القوات الروسية ستنتشر في دول الأمن الجماعي المذكورة، ومنها أوزبكستان، وأنها يمكن أن تتدخل في أي ظرف يتيح لروسيا التدخل فيه في بلاد أعضاء هذه المنظمة، لان مهماتها لم تحدد، فطلب تحديدها عند حدوث هجوم خارجي على هذه الدول فقط لا غير، وان لا ترابط قوات غير قوات الدولة المشاركة على أراضي الدولة الواحدة، أي يرفض دخول القوات الروسية على أراضي أوزبكستان وان تقوم بأي رد على أي تهديد للنفوذ الروسي في أوزبكستان وفي المنطقة.
وهكذا فإن أوزبكستان حاليا هي عكس قرغيزيا التي وافقت على هذه الاتفاقية بل زادت عليها السماح للروس بإقامة قاعدة ثانية على أراضيها. ولم تشارك أوزبكستان في المناورات الجارية حاليا منذ 26 آب/ أغسطس الماضي في منطقة منظمة الأمن الجماعي والتي تستمر حتى 15 تشرين الأول/أكتوبر القادم. فتصرف أوزبكستان يعتبر شبه تجميد لعضويتها في هذه المنظمة ولكن لم تعلن ذلك رسميا. ليس هذا فحسب بل إن أوزبكستان اعترضت على تأسيس قاعدة ثانية لروسيا في قرغيزيا لأنها تهدد كيانها حيث ستقام هذه القاعدة على مقربة من الحدود الأوزبكية في منطقة وادي فراغانة. فقد نقلت وكالة نوفوستي في 5/8/2009 بان أوزباكستان أعلنت كما جاء في بيان نشرته وكالة "جاخون" التابعة لوزارة الخارجية الأوزبكية في 3/8/2009 عن أنها لا ترى ضرورة أو جدوى لتنفيذ الخطة الخاصة بنشر قاعدة عسكرية روسية أخرى بالإضافة إلى القاعدة الروسية في كانْت في جنوب قرغيزيا، مشيرة إلى أن نشر قاعدة جديدة قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة". وجاء في بيان الخارجية الأوزبكية هذا:" أن تنفيذ مثل هذه المشاريع في منطقة معقدة تتلاقى فيها حدود ثلاث دول من دول آسيا الوسطى قد يعطي دفعا لتسريع عسكرة المنطقة ويؤجج مختلف أشكال المواجهات القومية ويثير القوى الراديكالية المتطرفة" (نوفوستي 3/9/2009). فيدل كل ذلك على أن نظام كريموف في أوزبكستان بدأ يبتعد عن روسيا مؤخرا، ويقترب من أمريكا بشكل واضح، ومن المؤشرات على ذلك:
*في 18/8/2009 صرح رئيس النظام في أوزبكستان كريموف خلال لقائه الجنرال الأمريكي ديفيد بتريوس في طشقند عاصمة أوزبكستان قائلاً:" بان أوزبكستان مستعدة لتوسيع التعاون البناء مع الولايات المتحدة على أساس مبادئ الاحترام المتبادل والشراكة المتساوية". ( وكالة نوفوستي الروسية 18/8/2009). وأما الجنرال الأمريكي بتريوس فقد رد على ذلك بأن :" أشاد بالجهود التي تبذلها أوزبكستان من أجل دعم الاستقرار في أفغانستان والأمن في المنطقة". (المصدر نفسه) مما يدل على أن كريموف يبدي رغبة بالرجوع لموالاة الأمريكيين والارتباط بهم. وكانت الشوكة التي كسرت ظهر البعير في العلاقة السابقة بين كريموف وأمريكا رفضه للطلب الأمريكي لدخول المحققين الغربيين للتحقيق بمجازره في أنديجان فأصدرت أمريكا عقوبات ضده، فولّى ظهره لها متجها نحو روسيا سنده الطبيعي. فلما جعلت أمريكا أحداث أنديجان وراء ظهرها، رجع يسعى نحو أمريكا، وقد قامت مؤخرا أمريكا برفع العقوبات عن نظام كريموف في أوزبكستان.
*إن الولايات المتحدة الأميركية التي رأت حالة التوتر بين أوزبكستان وروسيا لم تُضِع الفرصة السانحة وسعت لتطوير علاقاتها مع أوزبكستان، وقامت بتوقيع اتفاقية مع أوزبكستان لنقل حمولات حلف الشمال الأطلسي (الناتو) من أوزبكستان إلى أفغانستان. [المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية الوطني بتاريخ 04/04/2009]. إلا أن العلاقات بين الإدارة الأوزبكية والأميركية لم تقتصر على ذلك بل إن الإدارة الأميركية قامت بإصدار رسالة تهنئة لأوزبكستان بمناسبة الذكرى 18 لاستقلالها، ومن ثم قام كريموف بقبول زيارة السفير الأميركي في أوزبكستان "ريتشارد نورلاند"، وقَبْلَ ذلك في 18 آب/أغسطس قَبِلَ كريموف زيارة قائد القوات المركزية للولايات المتحدة الأميركية الجنرال "ديفيد هووال بتراوس"، وتم توقيع اتفاقية تعاون بين البلدين تحوي برامج عسكرية وتدريبية وتعليم مهني.
وهكذا فإن كريموف متقلب المزاج من هذه الناحية، وواقعه الحالي يبتعد عن روسيا ويقترب من أمريكا.
|
3- طاجاكستان: إن الوضع السياسي في طاجاكستان هو أشبه ما يكون بالوضع السياسي في قرغيزستان فرحمانوف رئيس طاجاكستان ولاؤه لروسيا وهو يذكر فضلهم عليه لحماية عرشه، ولكنه يؤمِّن لأمريكا مصالحها حتى لا تثير القلاقل ضده، فلها أعوان كثر في طاجاكستان ولكنهم حتى اللحظة ليسوا في وضع يمكنهم من تغيير النفوذ الروسي فتكتفي أمريكا الآن بتحقيق مصالحها... على الأقل في المدى المنظور.
لقد تركز الحكم للرئيس الحالي إمام علي رحمانوف في طاجاكستان بفضل مساعدة القوات الروسية بعد حرب أهلية دامت من 1992 حتى 1997 واستطاع أن يتوصل مع الحركات التي كانت تقاتل ضده مثل الحركة الشعبية، وحزب النهضة الإسلامي، إلى اتفاق على أن تجري انتخابات وتكون فترة الرئيس لفترة واحدة مدتها خمس سنوات وبعد ذلك تجري انتخابات حرة. ولكن رحمانوف زاد مدة بقائه في الفترة الأولى إلى سبع سنيين. ثم أجرى استفتاء على تعديل الدستور ليبقى في الحكم حتى عام 2020 وقد اندلعت الاضطرابات عام 2001 على اثر ذلك التعديل، وقد ساعدته روسيا ضد تلك الاضطرابات وأمنت له حكمه.
كما أن روسيا في عهد بوتين قد عززت من علاقاتها برحمانوف، فاستطاعت روسيا أن تقيم قاعدة عسكرية ثانية لها في طاجاكستان في آب/أغسطس 2008 على بعد عشرين كم من العاصمة دوشنبه، مع العلم أن لروسيا قاعدة عسكرية كبيرة في طاجاكستان يمتد تاريخها إلى عام 1943 يطلق عليها القاعدة رقم 201. وللروس أيضا محطة "أوكنو" في طاجاكستان لمراقبة الأقمار الصناعية والصواريخ البالستية. وقد وافقت طاجاكستان في حزيران/يونيو 2008 على تمليكها لروسيا لمدة 49 عاما. فطاجاكستان مهمة جدا لروسيا من ناحية إستراتيجية، فتتمسك بها وتحاول أن تحافظ على وجودها فيها. ولذلك تؤيد رحمانوف ونظامه بشكل علني لتأمينه كل هذه الإمكانيات لها في طاجاكستان. وتحاول أن تربط طاجاكستان اقتصاديا بها لإبقاء سيطرتها مستمرة فيها. فرحمانوف يذكر فضل الروس عليه لمساعدتهم له وتمكينه من الحكم وتثبيته فيه. وقد أشرك بلاده في معاهدة الأمن الجماعي التي تديرها روسيا، ووافق على الاشتراك بقوات الرد السريع بقيادة روسيا. وكثير من الناس في طاجاكستان يعتمدون على التحويلات المالية لأبنائهم العاملين في روسيا، حيث يبلغ عددهم نصف مليون من بلد تعداده 7 ملايين. وطاجاكستان هي عضو أيضا في منظمة شنغهاي التي تديرها روسيا بمساعدة الصين. وقد أجرت مؤخرا روسيا والصين باسم منظمة شنغهاي مناورات حربية في طاجاكستان بتاريخ 18/4/2009.
ومع ذلك فإن رحمانوف يتصرف مثل باكاييف بموافقة روسية على أن لا يستفز أمريكا، بل يحقق لها من المصالح ما يسكتها عن القيام بتحركات ضده، ولهذا فإنه كما سمح للشركات الروسية القيام بمشاريع تصل قيمتها إلى 2,5 مليار دولار، فقد سمح أيضاً للشركات الأمريكية والأوروبية وكذلك سمح للصينيين القيام بمشاريع وبأعمال تجارية في طاجاكستان. وقد عرض رحمانوف على أمريكا استخدام مطارات بلاده... وكذلك فقد سمح مؤخرا بتاريخ 20/2/2009 بمرور الإمدادات الأمريكية عبر أراضيه إلى أفغانستان عن طريق استخدام السكك الحديدية الطاجيكية، وقد صرح بذلك نائب قائد القوات الأمريكية الأميرال مارك هارنيتشيك الذي زار طاجاكستان:" نعتزم شحن ما بين خمسين إلى مائتي حاوية أسبوعيا من أوزبكستان إلى طاجاكستان ثم إلى أفغانستان. إن طاجاكستان مهمة للغاية نظرا لأنها الأقرب إلى قواعدنا"، (الجزيرة 20/2/2009). وكل ذلك لأن رحمانوف يدرك أن لأمريكا قوى في طاجاكستان بإمكانها أن تؤثر في حكمه إذا لم يُطَمْئن أمريكا على مصالحها عنده، ومن ثم تقوم بتحريك أتباعها بجد وفاعلية.
ومن الجدير ذكره أن هناك إلى حد ما توجهاً شعبياً وحزبياً في طاجاكستان يدعو لفك الارتباط بروسيا، وهناك قوى في الجيش وفي النظام تدعو لذلك، ورحمانوف يدرك هذا الأمر، ولذلك فإنه كما يقوم بترضية أمريكا وتطمينها على مصالحها لإسكاتها، فهو كذلك يقوم بإرضاء التوجه الشعبي ضد روسيا، لذلك فقد قام بتحركات علنية يُظهر فيها البعد نسبياً عن روسيا، حيث دعا قائد حرس الحدود الطاجيكي بشكل علني لسحب القوات الروسية من بلاده. وأوقفوا بث القنوات الناطقة بالروسية في طاجاكستان وجعلوا اللغة الطاجيكية هي الرسمية دون الروسية، ومع أن هذه الإجراءات أثارت حساسية مع روسيا، إلا أن رحمانوف لازال أقرب إلى روسيا، كما بينا في بداية الحديث عن طاجاكستان.
إن طاجاكستان مهمة إستراتيجياً لموقعها المتاخم لأفغانستان فجبالها في القسم الجنوبي الشرقي متصلة بجبال أفغانستان مباشرة، و طول حدودها مع أفغانستان نحو 1206 كم، وكذلك فإن حدودها مع الصين تبلغ نحو 414 كم، فأهميتها من هذه الناحية كأهمية قرغيزيا في محاذاتها للصين، ولذلك، فان أمريكا لن تهملها، والمتوقع أن تعمل على كسبها في أية فرصة سانحة.
4- تركمنستان: كانت في عهد الرئيس السابق "صابر مراد نيازوف" توالي روسيا وتتجه نحوها في غالب سياساتها، ولكن الرئيس الحالي "قربان جولي بيردي محمدوف" الذي تولى الحكم بعد "نيازوف" في كانون أول 2006، صار يعمل على السير في سياسة أكثر انفتاحا وتقربا للغرب وعلى الخصوص تقربا لأمريكا. ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2007 استضاف قمة جمعت مسئولين أمريكيين وأوروبيين في قطاع الطاقة ومديري شركات بي بي وشيفرون بجانب شركات روسية. فأراد أن يعبر لهم انه يريد أن يتعامل مع الجميع، وهذا ما ظهر من الاتفاقيات التي عقدها مع الجهات المختلفة:
*ففي أيار/مايو2007 وقعت روسيا اتفاقا مع تركمنستان وكازاخستان لبناء خط أنابيب جديد يسمح بإبقاء إمدادات الغاز من أسيا الوسطى تحت سيطرة شركتها "غاز بروم" لتحتكر تصدير معظم الغاز من تركمنستان. فعد بوتين ذلك انتصارا لروسيا فقال:" إن هذا الاتفاق يمثل انتصارا لروسيا التي تشتري الغاز من تركمنستان بسعر اقل مما هو مطروح في الأسواق"، (الإذاعة البريطانية17/5/2007). وقد كان الرئيس التركماني السابق نيازوف الذي رأس تركمنستان عقدين من الزمان، كان حاصراً احتكار الغاز في بلاده للروس وحدهم ومانعاً له عن غيرهم، ولهذا فإن روسيا حاليا، على أثر الاتفاقات السابقة، تشتري 90% من غاز تركمنستان بما يعادل حوالي 50 مليار متر مكعب سنويا. وتشتريه منها بسعر 100 دولار لكل 1000 متر مكعب غاز وتبيعه لأوروبا بثمن يصل إلى 250 دولار بل أكثر من ذلك في فصل الشتاء ليصل إلى 345 دولار. وكانت تشتريه منها في عهد نيازوف بسعر 35 دولار إلى أن رفع إلى سعر 70 دولار، ثم إلى 100، فروسيا كانت تحقق أرباحا هائلة من غاز المسلمين في تركمنستان. ومع أن السعر قد رفع هما كان ابتداءً إلا أن روسيا ما زالت تحقق أرباحا كبيرة من هذه الثروة الغازية.
*وفي المقابل وافق محمدوف مبدئيا على بناء خط أنابيب غاز بحر قزوين في مشروع تدعمه أمريكا والهدف منه تقليل اعتماد أوروبا على إمدادات الغاز الروسية. وهو الخط الذي وقع على إنشائه مؤخرا الأمريكيون والأوروبيون في تركيا وسمي بخط نابوكو (نبوخذ نصر). جيث يمتد من تركمنستان إلى أذربيجان ليصب في أنابيب خط نابوكو عبر تركيا إلى أوروبا. فقد نقلت رويترز بتاريخ 24/4/2009 عن مسئول أمريكي لم تسمِّه قوله:" إن تركمنستان المورد المحتمل الكبير الآخر لمشروع نابوكو الذي يسانده الاتحاد الأوروبي. ولكنها تطالب بروكسل بتقديم مقترحات ملموسة بشأن تنفيذه".
*والصين لها نشاط في هذا المجال، فقد زار الرئيس الصيني هو جين تاو تركمانستان في نيسان/ابريل 2006 في عهد الرئيس السابق نيازوف الذي كانت علاقته مع روسيا والصين قوية ومتحالفة، وتعهد الرئيس الصيني يومئذ بشراء 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا من تركمنستان، ومدت الصين خط أنابيب غاز من نهر أموداريا في شرق تركمنستان حتى يصل إلى الصين. وقد أعلن مؤخرا وبالتحديد بتاريخ 30/8/2009 عن أن الصين ستقوم بتطوير حقل غاز في تركمنستان من قبل إحدى شركاتها وهي شركة بتروتشينا بمقدار 3 مليار دولار. وصارت الصين تقرض تركمنستان بمئات ملايين الدولارات لمساعدتها في تطوير صناعتها بسبب مطامعها في ثروتها الهائلة. وقد وصل حجم إنتاج تركمنستان من الغاز عام 2006 إلى 62,2 مليار متر مكعب سنويا، وسيرفع ليصل إلى 120 مليار متر مكعب حتى عام 2010.
*فإغراءات أمريكا وأوروبا لتركمنستان من أنها ستبيع بنفسها مباشرة لأوروبا الغاز بهذه الأثمان عن طريق خط نابوكو الذي سيكون جاهزا للاستخدام عام 2014، فيكون هذا الربح لها وليس لروسيا يغري تركمنستان لتنجذب لأمريكا وللغرب. ولكون تركمنستان دولة صغرى فلا تستطيع أن تبتز أوروبا أو تضغط عليها كما تفعل روسيا بل ستصبح تحت رحمة أمريكا وأوروبا بعد تنفيذ خط أنابيب غاز قزوين. عدا أن خط نابوكو سيجلب الغاز من بلاد عدة، ولكن سيكون لأمريكا اليد الطولى فيه عندما تسيطر على مصادر الغاز. فتركمنستان لديها احتياطي كبير من الغاز يصل تقديره إلى 100 تريليون متر مكعب فهي أهم واكبر منتج في هذا المجال في تلك المنطقة، بل على مستوى العالم. وكذلك لديها احتياطي هام من النفط يصل تقديره إلى 80 مليار برميل. إلا أن النفط حاليا لا يستخرج منها بكميات كبيرة فإنتاجها منه لا يتعدى 200 ألف برميل يوميا. ولكن يخطط لان يصل الإنتاج في المستقبل إلى 2 مليون برميل يوميا.
وبالنسبة لأمريكا فان قسما من إمدادات النفط لمعداتها الحربية في أفغانستان يأتي من تركمنستان. بجانب انه يوجد خط أنابيب "ترانس أفغانستان" للغاز ممتد من تركمنستان إلى أفغانستان ينقل 1,1 مليار متر مكعب سنويا إلى هناك. فأصبحت تركمنستان من هذه الناحية أيضا مهمة بالنسبة لأمريكا. عدا عن هدفها في السيطرة على كافة منابع النفط والغاز في تركمنستان، بل في العالم كله لتتحكم فيه ولتبقي هيمنتها عليه ولتبقيه في قبضتها حتى تحافظ على مركزها العالمي كدولة عظمى أولى ولتقلل أو تزيل تأثير الدول الكبرى كروسيا أو غيرها، هذا إضافة إلى تحقيق الأرباح الهائلة في مجال الطاقة. ولهذا تقوم أمريكا وتركز على تركمنستان لكونها إحدى منابع النفط والغاز الضخمة التي تعتمد عليها روسيا لتأخذه منها، أو تحوز على حصة الأسد منه. فتصبح متحكمة به أي بمورديه وبمستورديه. فتقوم هي بتوريده لأوروبا بدل روسيا لتبقي أوروبا تحت رحمتها وهيمنتها، وكذلك لتُضعف موقف روسيا وتحالفها مع أوروبا. فلغز تركمنستان هو الصراع على ثروتها الغازية، وفي المستقبل سيكون لنفطها دور رئيس في الصراع.
ومع كل هذا، فإنه ما زالت لتركمنستان روابط اقتصادية كبيرة مع روسيا، فلم تستطع أن تتخلص منها بعد. وأمريكا تحوم حولها لتصطادها وتخرجها من دائرة هذا التأثير الروسي، وروسيا تدرك ذلك، فإنها عندما طالبت تركمنستان برفع أسعار الغاز لبَّت روسيا ذلك على الفور خوفاً من أن تتجه اتجاها آخر في التعامل معها، فتلجأ لأمريكا والغرب ليعينوها في ذلك ضد روسيا. ومشروع نابوكو الذي سيحول كثيرا من غازها إلى أوروبا بعيدا عن روسيا وسيلة لإخراج تركمنستان من دائرة التأثير الروسي. والجدير بالذكر أن تركمنستان ليست عضوا في معاهدة الأمن الجماعي ولا في قوات الرد السريع وليست عضوا في معاهدة شنغهاي. ولا يوجد فيها قواعد عسكرية لروسيا. فموضوع الاهتمام بها من قبل روسيا ومن قبل أمريكا والغرب، وإلى حد ما من قبل الصين هو في الدرجة الأولى من ناحية اقتصادية لغناها ولكثرة ثرواتها من الغاز والنفط.
5- كازاخستان: كازاخستان من اكبر البلاد مساحة في آسيا الوسطى حيث تبلغ مساحتها 2,7 مليون كم2 وعدد سكانها قليل جدا بالنسبة لمساحتها حيث يقدر ما بين 15 إلى 17 مليون نسمة. فكانت مهمة لروسيا لإجراء التجارب النووية فيها، حيث أجرت في منطقة (سيميبا لاتينسك) الكازاخستانية 500 تجربة نووية. وقد وقع رئيسها نور سلطان نزار باييف في29/8/2009 على إغلاق ميدان التجارب هذا. ووقعت كازاخستان على حظر التجارب النووية في 24/9/2009. وأمريكا عملت على تقوية علاقتها معها لأهميتها الجغرافية الاستراتيجية ولغناها بالنفط والغاز وفيها ثروة نفطية تقدر بمقدار 100 مليار برميل، وتنتج حاليا ما يزيد عن مليون برميل، وينتظر أن يرتفع إنتاجها في عام 2015 إلى 2,5 مليون برميل يومياً. وفيها ثروة غازية مقدارها حوالي 150 تريليون م3. مما يجعل لعاب الدول الاستعمارية الغربية وعلى رأسها أمريكا يسيل على هذه الثروات وتجعلها تعمل على مد نفوذها إلى هذا البلد الإسلامي الكبير الغني بثرواته. وصار ارتباطها بأمريكا قويا، ومنح رئيسها الشركات الأمريكية امتيازات للاستثمار في مجال النفط والغاز وغير ذلك من المجالات. حتى أصبحت الشركات الأمريكية هي المستثمر الرئيس في صناعة النفط والغاز فيها. وكان ديك تشيني الذي أصبح نائب الرئيس فيما بعد، كان يعمل في منتصف التسعينات من القرن الماضي في المجلس الاستشاري للنفط في كازاخستان وابرم صفقات لصالح الشركات الأمريكية، منها صفقة لصالح شركة شيفرون التي كانت غونداليزا رايس تعمل في إدارتها. وقد توجت العلاقة الأمريكية بكازاخستان بزيارة رئيسها نزار باييف في حزيران/ يونيو 2006 لأمريكا والتقى برئيسها حينئذ جورج بوش. حيث جاء في البيان المشترك الذي صدر عنهما:" أن الشراكة بين الدولتين في مجال الطاقة ستساعد الشركات الأمريكية في استكشاف الاحتياطيات الكبيرة من الغاز والنفط في كازاخستان وفي المنطقة المحيطة ببحر قزوين"، (الإذاعة البريطانية 30/6/2006). وقد وافقت في شهر شباط/فبراير الفائت على السماح لأمريكا لنقل معداتها وإمداداتها برا عبر أراضي كازاخستان لتصل الجيش الأمريكي وقوات الناتو الذين يقاتلون المسلمين في أفغانستان. وقد كشف رئيس الأركان الروسي نيكولا ماكاروف في نهاية العام الماضي عن :" مخططات لواشنطن بشأن إنشاء قواعد عسكرية أمريكية في كل من أوزبكستان وكازاخستان"، (الشرق الأوسط 18/12/2009). إن لها حدوداً طويلةً مع روسيا حيث يبلغ طولها 6846 كم، وحدودها مع الصين يبلغ طولها 1533 كم. ولها أطول شواطئ على بحر قزوين حيث يبلغ طولها 1894 كم. ولهذا كانت مهمة لأمريكا استراتيجيا واقتصاديا. وقد انخرطت في شراكة من اجل السلام مع الناتو. وقد عدت اكبر حليف للولايات المتحدة في آسيا الوسطى.
هذا بالإضافة إلى أنها من الدول المشاطئة لبحر قزوين. فهو غني بثرواته السمكية وخاصة سمك الكافيار حيث تنتج روسيا سنويا منه بقيمة 400 مليون دولار. ويحتوي على احتياطي نفط هائل بمقدار 200 مليار برميل واحتياطي غاز بمقدار 600 تريليون متر مكعب، ولعاب أمريكا ودول الغرب كافة يسيل عليه. فهذا البحر المغلق هو حوض استراتيجي واقتصادي لغناه بثرواته النفطية والغازية.
ومع ذلك فإن لروسيا ركائز مؤثرة في كازاخستان، وما زال فيها محطة إطلاق المركبات الفضائية الروسية. فلها ارتباطات قوية بروسيا؛ حيث وطنت روسيا كثيرا من الروس فيها حتى أصبحت نسبة الروس فيها أعلى نسبة في منطقة آسيا الوسطى، حيث تصل نسبتهم ما بين 30% إلى 40% فيبقى للروس الأرثوذكس تأثير بسبب روابطهم القومية والمذهبية مع موطنهم الأصلي روسيا. وان كانت نسبة المسلمين هي الأعلى هناك حيث تتجاوز 60%.
وفي الآونة الأخيرة أظهرت كازاخستان تقاربا مع روسيا حيث توليها روسيا أولوية كبيرة أيضا. فقد جعلتها معها بجانب الصين من المؤسسين لمنظمة شنغهاي. وهي عضو في مجموع الدول المستقلة، وفي معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، وفي تجمع أوراسيا الاقتصادي الذي أنشئ عام 2000م... ووقعت على الاشتراك في قوات الرد السريع التي أعلنت روسيا تأسيسها. وكذلك الصين تعمل على تقوية علاقاتها معها حيث مدت خط أنابيب نفط من كازاخستان على امتداد 1240 كم ليزود الصين باحتياجاتها النفطية المتزايدة.
وهكذا فإن نزار باييف يريد أن يُبقي علاقته مع روسيا ومع الصين قوية. وقد عبر عن سياسته ذات مرة بقوله:" إذا تحدثنا عن مشاريع الالتفاف على الشرق أو الغرب أجيب بأننا نحن وتركمانستان لدينا مقاربة براغماتية "، (انترفاكس الروسية 17/5/2007). أي أنه يحدد سياسته حسب ما يمليه عليه الواقع والمصلحة الآنية. ولذلك رغم تحالفه مع أمريكا الذي يصل لحد الموالاة، ورغم ما تسرب مؤخراً من أن أمريكا لديها مخططات لإقامة قواعد عسكرية فيها، ثم ما تم من منح الأمريكان حصة الأسد في الاستثمار في محال النفط والغاز... ومع ذلك فإن نزار باييف لا يريد أن يقطع الطريق على علاقات قوية مع روسيا حتى لا يتهدد نظامه.
|
والخلاصة، أن روسيا تحاول أن تبقي نفوذها وتعززه في دول آسيا الوسطى بشتى الطرق والوسائل، سواء أكان ذلك عن طريق عقد المعاهدات الإقليمية مثل رابطة الدول المستقلة التي أنشأتها روسيا سابقا على اثر انهيار الاتحاد السوفيتي، ومثل معاهدة الأمن الجماعي ومثل تشكيل قوات الرد السريع، أم عن طريق المعاهدات والاتفاقيات الثنائية مع كل واحدة منها وإقامة القواعد العسكرية في كل واحدة منها، حتى لا تفلت هذه الدول من يدها وتعزز نفوذها فيها. وكذلك تحاول أن تسند ظهرها بالصين إقليميا ودوليا فأقامت معها ما يعرف بمعاهدة شنغهاي وأشركت دول آسيا الوسطى فيها. وكذلك المعاهدات والمشاريع الاقتصادية... وتستعمل في ذلك ركائزها السابقة التي أنشأتها في عهد الإتحاد السوفييتي السابق...
وكذلك فإن أمريكا تستعمل المساعدات المالية المغرية لدول آسيا الوسطى بالإضافة إلى إشعار هذه الدول بقوة أتباعها داخلها لإثارة القلاقل... أي هي تستعمل الجزرة والعصا، كما أنها تعمل على استصغار روسيا أمام أعين هذه الدول وغيرها من الدول في القوقاز وفي أوروبا الشرقية حتى لا يهابها احد، وحتى تشجع تلك الدول على أن تتجرأ على العصيان عليها والانفلات من قبضتها. لقد قال نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد جولة له في جورجيا وأوكرانيا:" روسيا ليست أكثر من شريك صغير للولايات المتحدة اثر خسارتها لدورها الاستراتيجي السابق". وقال:" إن ضعف الاقتصاد الروسي سيحمل موسكو على تقديم تنازلات للغرب أبرزها التخلي عن محاولات الهيمنة على الدول السوفيتية السابقة، والموافقة على تقليص قدراتها النووية". (وول ستريت26/7/2009)، وهذا يفسر مواقف الأنظمة في آسيا الوسطى، حيث إنهم يدركون الضعف الروسي تجاه الأمريكيين فيحاولون أن يراضوا الأمريكيين بل يحاولون أن يتجهوا نحو أمريكا.
ونتيجةً لهذا الصراع المتحرك، غير الساكن، في آسيا الوسطى فإنه يمكن وصف الواقع السياسي بإيجاز كما يلي:
في قرغيزيا وطاجاكستان الولاء الأكبر الحالي هو لروسيا، مع تطمين أمريكا على مصالحها وعدم استفزازها بالوقوف في وجهها، وذلك حفاظاً على استقرار الوضع السياسي في البلدين الذي يمكن أن يضطرب إن حركت أمريكا أتباعها في البلدين بقوة فاعلة جادة.
وهو في أوزبكستان يميل حالياً لصالح أمريكا، مع الأخذ في الحسبان المزاج المتقلب لكريموف.
وأما في تركمنستان وكازاخستان فهما ساحة تنافس "رياضي" سياسي واقتصادي لأمريكا وروسيا، وإلى حد ما للصين من الناحية الاقتصادية.
ولكن المؤلم حقاً أن كل المتصارعين والمتنافسين، وكذلك الحكام المحليين، كلهم يحاربون الإسلام والعاملين له، ويفرُّطون بثروة المسلمين في آسيا الوسطى، فيغتني بها أعداء الإسلام، في حين أن عامة الناس في آسيا الوسطى يعيشون في ضنك العيش.
إن آسيا الوسطى بموقعها المهم، وبثرواتها الهائلة ستعود إلى المسلمين بإذن الله عندما تقام خلافتهم على أيدي العاملين الصادقين المخلصين من أجل الإسلام، وليس ذلك اليوم عنا ببعيد إن شاء الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
|
|
29 رمضان 1430 هـ |
|
19/9/2009م |
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: تناقشنا في إحدى جلساتنا عن البدعة اصطلاحاً، فبعضنا قال هي تطلق على كل مخالفة لأمر الشارع، وبعضنا قال إنها فقط تطلق على مخالفة أمر الشارع في العبادات... نرجو توضيح هذا الأمر، وجزاكم الله خيرا ؟
الجواب:
1- أوامر الشارع نوعان:
نوع وردت فيه صيغة الأمر مع بيان كيفية أداء هذا الأمر، أي الإجراءات العملية للتنفيذ، مثلاً يقول الله سبحانه {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، فهذه صيغة أمر، ولكنه لم يُترك للإنسان أن يصلي كما يريد، بل جاءت نصوص أخرى فبينت كيفية الأداء من إحرام وقيام وقراءة وركوع وسجود...، وكذلك قال سبحانه {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} وهذه صيغة أمر بالحج "خبر في معنى الطلب"، ثم وردت نصوص تبين كيفية أداء هذا الأمر بالحج...
ونوع ثانٍ وردت فيه صيغة الأمر عامة أو مطلقة دون بيان كيفية الأداء، أي دون بيان الإجراءات العملية للتنفيذ،
فمثلا قوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» [أخرجه البخاري]، فهنا أمر بالسلم "السلف" بصيغة الجملة الشرطية، فقد أمر أن يكون السلم في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، ولكن لم يبين الشارع كيفية إجراءات الأداء، كأن يقف العاقدان أمام بعضهما، ويقرءا شيئاً من القرآن، ثم يتقدمان خطوة إلى الأمام، ويتعانقان ثم يتخاطبان في موضوع السلم... وبعد ذلك يتم الإيجاب والقبول...
ومثلاً قوله صلى الله عليه وسلم « الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ » [البخاري ومسلم] ، «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ»[البخاري ومسم]. فهو أمر"خبر في معنى الطلب"، ولكنه لم يبين إجراءات عملية لهذا التبادل على نحو ما ذكرناه سابقاً
ومثلاً صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بالقيام عندما تمر الجنازة كما في حديث مسلم « إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها... »، وفعل الرسول هو في مقام الطلب، أي الأمر، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يبين كيفية الإجراءات العملية للقيام على النحو الذي بيناه في الأمثلة الأولى.
وهكذا فهناك أوامر للشارع وردت معها إجراءات عملية للأداء، وهناك أوامر للشارع وردت مطلقة أو عامة دون إجراءات عملية تفصيلية لكيفية الأداء.
2- مخالفة أمر الشارع الذي وردت له كيفية أداء تسمى اصطلاحاً بدعة لأنها ليست على الكيفية التي بينها الشارع، فالبدعة لغة كما في لسان العرب: المبتدع الّذي يأتي أمراً على شبهٍ لم يكن...، وأبدعت الشّيء: اخترعته لا على مثالٍ،
وهي في الاصطلاح كذلك، أي مخالفة كيفية شرعية بيَّنها الشرع لأداء أمر شرعي، وهذا المعنى هو مدلول الحديث. « وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ » [البخاري ومسلم]. وهكذا فإن من سجد ثلاثاً في صلاته بدل اثنتين فقد جاء ببدعة، ومن رمى ثماني حصيات بدلاً من سبع على جمرات منى فقد جاء ببدعة... وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أي أنه يأثم بفعلته تلك.
3- مخالفة أمر الشارع الذي لم ترد له كيفية أداء، فهي تقع في الأحكام الشرعية، فيقال عنها حرام، أو مكروه، أو مباح إن كان خطاب تكليف، أو يقال باطل أو فاسد... إن كان خطاب وضع، وذلك حسب القرينة المصاحبة للأمر من حيث الجزم أو الترجيح أو التخيير.
ففي مثالنا الأول من أسلف "أي عقد عقد السلم"، بخلاف أمر الشارع أي دون كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم، فلا يقال إنه جاء ببدعة، وإنما يقال إن هذا العقد المخالف لأمر الشارع هو باطل أو فاسد وفق نوع المخالفة.
وفي المثال الثاني فإن مخالفة الأمر "الذهب بالذهب هاء بهاء مثلا بمثل"، أي لو بادل رجل الذهب بالذهب مخالفاً أمر الشارع أي ليس مثلاً بمثل ولا هاء بها، فلا يقال إنه جاء ببدعة بمخالفته الأمر، وإنما يقال ارتكب حراماً بقيامه بمعاملة ربوية.
وأيضاً فإن مخالفة القيام للجنازة والبقاء جالساً، لا يقال إنه بدعة، بل يقال إنه مباح لأن النصوص الشرعية وردت في الحالتين، فقد أخرج مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قَالَ «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ» [مسلم].
وهكذا بالنسبة لمخالفة أمر الشارع « فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» [البخاري]، لا يقال عنه بدعة، بل يدرس الحكم الشرعي المتعلق بزواج غير ذات الدين، وذلك لأنه لم يبين إجراءات عملية في الاختيار مثلاً أن يقف الخاطب أمامها ويقرأ أية الكرسى، ثم يتقدم خطوة ويقرأ المعوذتين، ثم يتقدم خطوة أخرى ويسمي الله، ثم يمد يده اليمنى ويتقدم بالخطبة...
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» [أبو داود وأحمد] للتجار نتيجة إكثارهم من الحلف، فالشارع لم يبين إجراءات تفصيلية لأداء الأمر "فشوبوه"، ولهذا فلا يقال إن الذي يبيع ويستعمل الحلف إذا لم يتصدق فقد جاء ببدعة، وإنما يدرس الحكم الشرعي المتعلق بعدم تصدق التاجر الذي يحلف عند البيع.
وهكذا بالنسبة لمخالفة جميع الأوامر التي لم يأت الشارع لها بكيفية تفصيلية للأداء.
4- باستقراء النصوص الشرعية وجد أنه فقط في غالب العبادات وردت كيفيات لأداء أمر الشارع، أي إجراءات عملية لتنفيذ أمر الشارع، ولذلك فلا تقع البدعة في غير العبادات، لأنها هي التي وردت فيها إجراءات عملية لتنفيذ أمر الشارع.
ونقول غالب العبادات، لأن بعضها لم يرد فيها إجراءات عملية للتنفيذ، فمثلاً الجهاد وإن كان عبادة إلا أن أوامره وردت مطلقة أو عامة {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ}، {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}، فهذه الأوامر لم ترد نصوص لبيان كيفية أدائها، فلم يرد مثلاً كيف تقاتل كأن تقرأ آية، وتطلق طلقة، وتتقدم خطوة وتطلق أخرى ثم تتحرك إلى اليمين... وهكذا، ولذلك فمن لم يجاهد في الوقت الذي يترتب الجهاد عليه، لا يقال عنه إنه جاء ببدعة، وإنما يقال ارتكب حراماً لتخلفه عن الجهاد.
5- والخلاصة أن مخالفة أمر الشارع الذي بين الشارع له كيفية الأداء، تكون هذه المخالفة بدعة، ومخالفة أمر الشارع المطلق أو العام الذي لم يبين الشارع له كيفية أداء، تكون هذه المخالفة واقعة في الأحكام الشرعية "التكليف- حرام، مكروه، مباح" أو "الوضع، بطلان، فساد".
وحيث إنه بالاستقراء وُجد أن غالب العبادات وردت فيها كيفية الأداء، ولهذا تقع مخالفتها في باب البدعة.
وأما أدلة المعاملات أو الجهاد... فوردت مطلقة أو عامة، ولهذا تقع مخالفتها في باب الأحكام الشرعية "التكليف: حرام، مكروه، مباح" أو "الوضع: بطلان، فساد".
|
|
29 رمضان 1430 هـ |
|
18/9/2009م |
|
|
|
|
|
أجوبة أسئلة
المشاركة في المزاد | العمل كمحامي دفاع | نظر الخاطب | المدراس وأهل الذمة
|
|
|
السؤال الأول: هل يجوز المشاركة في المزاد؟ أي، إحضار البضاعة للبيع، ومن يدفع أكثر يشتري البضاعة؟
الجواب: المزايدة في اللغة : التّنافس في زيادة ثمن السّلعة المعروضة للبيع .
وفي الاصطلاح هو : أن ينادى على السّلعة ويزيد النّاس فيها بعضهم على بعض حتّى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها .
وهذا البيع جائز لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الترمذي في سننه عن انس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم « بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ فَقَالَ رَجُلٌ أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ » قال الترمذي هذا حديث حسن ولا يعارض هذا حديثُ سفيان ابن وهب الخولاني رضي الله عنه قال « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ينهى عن بيع المزايدة » وذلك أن هذا الحديث ضعيف ففي إسناده ابن لَهيعة وهو ضعيف، وكذلك لا يعارضه حديث ابن عمر: « نهى رسول صلى الله عليه وسلم أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر إلا الغنائم والمواريث»، فإن النهي هنا عند استقرار البيع على المشتري، فعندها لا يجوز لأحد أن يأتي ويقول أنا أدفع أكثر، أما وهو لم يستقر بعد كما في المزايدة فلا ينطبق هذا الحديث.
وقد قال العيني في عمدة القاري أن جواز بيع المزايدة هو قول مالك والشافعي وجمهور أهل العلم.
13 صفر 1430 هـ
8/2/2009م
|
==========
السؤال الثاني: هل يجوز العمل كمحامي دفاع في بلدنا؟ فعندنا أحد الأساتذة الجيدين وهو يعتبر من المحامين المشهورين على مستوى البلد ويظهر في التلفزيون بسبب شهرته. وهو يتولى مهمة الدفاع عن بعض الأشخاص المظلومين... وهنا يتساءل الإخوة عن جواز مثل هذا العمل ؟ وهل يختلف الحكم الشرعي بالنسبة لوكيل النيابة عن الحكم الشرعي بالنسبة لمحامي الدفاع ؟ ثم إذا كان محامي الدفاع مقتنعاً بأن الحق ثابت لصاحبه ويصعب الحصول عليه دون استعمال وسيلة غير مشروعة كالرشوة مثلاً، فهل يجوز ذلك ما دام القصد إعادة الحق لصاحبه ؟
الجواب:
بالنسبة لعمل المحامي:
1- لا يجوز عمله "وكيل نيابة" لأن مقتضى عمله هو أن يدافع عن السلطة من حيث القانون والاتهام... وما دامت لا تطبق الشرع، لذلك فإن التوكل عنها لا يجوز، ولا يلتمس أي عذر لعمل المحامي كوكيل نيابة، فهو حرام.
2- محامي الدفاع، يجوز عمله إذا كان يركز دفاعه على نصرة المظلوم ورد الحقوق لأصحابها الثابتة وفق الشرع، وأما الحقوق الثابتة وفق القانون الوضعي وليست ثابتة وفق الشرع فلا يجوز الدفاع عنها:
فمثلاً الذي يُظلم ويتعرض للسجن لأنه يقول كلمة الحق...، فإن الإسلام يدافع عنه ويخرجه من السجن، ولذلك فإن عمل محامي الدفاع لإزاحة الظلم عنه وإنقاذه من السجن هو عملٌ واجبٌ صحيح.
ومثلاً الذي يتعرض للسرقة، فإن الإسلام يعيد له ماله المسروق، فيجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عنه للحصول على ماله المسروق.
ومثلاً الذي يبيع بيته لشخص ما مقابل مبلغ يدفع مقدماً ثم يقسط الباقي، فيدفع المشتري جزءً من المبلغ، ويرفض دفع الباقي، أو ينكره، في حين أنه اشترى البيت وسكنه... فالإسلام يعيد للبائع حقه من المشتري، ولذلك يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عنه للحصول على ثمن بيته الذي أنكره المشتري.
وهكذا، فإن عمل محامي الدفاع لإزاحة الظلم وإعادة الحقوق الثابتة شرعاً لأصحابها هو عملٌ صحيح.
أما إذا كان الحق ثابتاً له بالقانون الوضعي ولكنه مخالف للشرع، فلا يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عنه:
فمثلاً الذي يكون مساهماً في شركة مساهمة باطلة العقد، وعند توزيع الأرباح على المساهمين رأى أن الربح المعطى إليه حسب أسهمه أقل من المستحق له، فلا يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عن هذا الحق لإعادته لصاحبه ما دام هذا الحق ثابتاً بالقانون الوضعي، وهو مخالف للشرع، لأن هذه شركة باطلة وما يترتب عليها من أرباح لا يقرها الشرع، والواجب على المسلم أن يخرج من هذه الشركة.
ومثلاً الذي يكون واضعاً ماله بالربا في البنك، بنسبة فائدة معينة، ولكن عندما أعطاه البنك حصته حَسَبَ له الفائدة بنسبة أقل من المتفق عليها مع البنك، فلا يجوز لمحامي الدفاع أن يدافع عن هذا الحق لإعادته لصاحبه ما دام هذا الحق ثابتاً بالقانون الوضعي، وهو مخالف للشرع، حيث إن هذا الحق ثابت له وفق القانون الوضعي الذي يقر البنوك الربوية، ولكنه ليس ثابتاً له وفق الشرع، والواجب على المسلم أن يلغي هذه المعاملة الربوية مع البنك.
وهكذا، فإن محامي الدفاع يصح عمله إن كان لإزاحة الظلم وإعادة الحق الثابت شرعاً لأصحابه، ولكن لا يجوز عمل محامي الدفاع إن كان يترافع عن حقوق ثابتة بالقانون الوضعي ومخالفة للشرع.
أما أن يقوم محامي الدفاع باتخاذ وسائل غير مشروعة لإعادة الحق الثابت شرعاً لأصحابه، كأن يرشي مثلاً أو نحوها، حتى وإن كان يقصد إعادة الحق إلى صاحبه بذلك، فإن هذا لا يجوز، لأن الرشوة حرام، سواءٌ أكانت المصلحة المراد تحقيقها حقاً أم باطلاً، وذلك لأن النصوص الواردة في تحريم الرشوة لم ترد معللة بتحقيق المصلحة الباطلة فقط، كما أن تلك النصوص وردت عامة غير مخصصة بتحقيق المصلحة الباطلة فقط، وهذا واضح في النصوص:
فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» وروى أحمد عن ثوبان قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش يعني الذي يمشي بينهما». وهذه الأحاديث عامة فتشمل كل رشوة، سواء أكانت لطلب حق، أم لطلب باطل. كما أن هذه النصوص التي جاءت في تحريم الرشوة لم تعلل تحريمها بعلة من العلل، ولا يوجد فيها علة، ولا في أي نص آخر يستنبط منه علة لتحريم الرشوة...
ولذلك لا يجوز لمحامي الدفاع أن يستعمل الرشوة حتى وإن كان قصده تسهيل إعادة الحق لصاحبه حيث يصعب، كما يرى، إعادته لصاحبه دون ذلك.
29 صفر 1430 هـ
24/2/2009م
|
==========
السؤال الثالث: ورد في النظام الإجتماعي في باب "النظر إلى المرأة" ما يلي:
" من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها، فقد روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خَطَبَ أحدُكُمُ المرأةَ فإن استطاعَ أن يَنظُرَ إلى ما يَدْعوه إلى نكاحِها فَلْيَفْعلْ...» أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
وقد ورد في آخر صفحة 42 وأول صفحة 43 ما يلي:
" أي يجب على المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم إلا الخاطبين فإن لهم عدم غض البصر لينظروا إلى من يريدون خطبتها من النساء."
فما المقصود بالخاطب ؟ هل هو بعد خطبتها أو قبل أن يخطبها ؟ وإن كان قبل أن يخطبها فهل هو من ينظر إلى هذه وتلك ليستقر رأيه على واحدة أو هو من يعزم على خطبة امرأة معينة ؟
الجواب: في اللغة إذا اقترنت "إذا" بالفعل الماضي، فإنها تعني القيام بالفعل، وكذلك تعني ما هو في حكم القيام، أي على وشك القيام أو أثناء القيام.
أي أنها تعني كليهما: القيام بالفعل، فعلاً أو حكماً، إلا إذا وردت قرينة بأحدهما فتتعين به.
فمثلاً الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ...}، فإن "إذا قمتم" تعني إذا أردت القيام للصلاة، فاذهب وتوضأ، ولا تعني إذا أديت الصلاة فعلا فاذهب وتوضأ، لأن الوضوء سابق للصلاة.
وهكذا "إذا خطب أحدكم"، فهي تشمل إذا خطب فعلاً، أو حكماً بمعنى إذا أراد القيام بالخطبة.
غير أن دخول إرادة القيام بالفعل في حكم القيام بالفعل يشترط فيه أن يكون مريدُ الفعلِ جاداً في القيام بالفعل، وإلا فلا يشمله المعنى، ولذلك اشترط جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " لمشروعيّة نظر الخاطب أن يكون النّاظر إلى المرأة مريداً نكاحها، وأن يرجو الإجابة رجاءً ظاهراً، أو يعلم أنّه يجاب إلى نكاحها، أو يغلب على ظنّه الإجابة. واكتفى الحنفيّة باشتراط إرادة نكاحها دون اشتراط الأمور الأخرى.
والخلاصة هي أن الذي يجوز له النظر هو الخاطب فعلاً أو حكماً، ومعنى "حكماً" أن يكون جاداً في خطبة المرأة للزواج منها، وليس لمجرد النظر من واحدة إلى أخرى ليستقر على واحدة، وذلك لأن "إذا خطب" يعني، كما وضحنا، الرجل المتوجه فعلاً أو حكماً لخطبة امرأة يقصدها، وليس لتقليب النظر دون الجد في الخطبة فعلاً أو حكماً. وهذا الأمر يعلم الله سبحانه حقيقته ولا تخفى عليه خافية، فإن لم يكن النظر للخطبة فعلاً أو حكماً، فإنه سيسأل عنه يوم القيامة، والله شديد العقاب.
9 ربيع الثاني 1430 هـ
4/4/2009
|
==========
السؤال الرابع: في صحيح البخاري (كتاب الجزية- باب إخراج اليهود من جزيرة العرب) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد، خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "انطلقوا إلى يهود"، فخرجنا حتى جئنا بيت المدراس فقال: " أسلموا تسلموا، واعلموا أن الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".
لقد أشكل علينا هذا الحديث، حيث إنه بفهم منه أن هؤلاء اليهود كانت لهم مدارس خاصة، فبعضنا فهم من الحديث أنه يتعلق بكيانات لليهود منفصلة كيهود بني قريظة أو خيبر... فلا مشكلة إذن أن تكون لهم مدارسهم الخاصة، وبعضنا ترجح لديه أنهم كانوا أهل ذمة ممن بقي من اليهود بعد أحداث بني قريظة وخيبر، وهذا يعني أنه يجوز أن تكون مدارس خاصة لأهل الذمة، وهنا المشكلة! فنرجوا توضيح هذا الأمر.
الجواب: موضوع المدراس:
لقد استطردتم في المسألة في كونها تتعلق بأهل الذمة أو بكيانات اليهود...، فأشكل عليكم الحكم فيما إذا كانوا من أهل الذمة، حيث رتبتم على ذلك جواز المدارس الخاصة لأهل الذمة!
والمسألة أيسر من ذلك، فهي لا تتعلق بالمدارس وإنما تتعلق بدراسة أهل الذمة لأديانهم، و"المدراس" هو ملحق بمكان عبادتهم فيدرسون فيه توراتهم وطقوسهم، ويجوز لأهل الذمة أن يتدارسوا أديانهم فيما بينهم. وهذا يختلف عن المدارس بمعناها المعروف.
ولتوضيح المسالة فقد جاء في معنى مدراس في القاموس المحيط معنيان:
الأول: الموضع الذي يقرأ اليهود فيه التوراة.
الثاني: مكان يجتمعون فيه في أعيادهم يأكلون ويشربون.
وجاء في لسان العرب معنيان:
الأول: المكان الذي يجتمعون إليه في عيدهم يُصلون فيه.
والثاني: يوم يأكلون فيه ويشربون.
وكما ترى فهو لا يعدو كونه ملحقاً بأماكن عبادتهم يتدارسون فيه دينهم فيما بينهم، أو هو يوم يأكلون فيه ويشربون أي كديوان لهم أو نحو ذلك. وهو في الحالتين لا علاقة له بالمدارس بالمعنى المعروف.
12 رمضان 1430 هـ
1/9/2009م
|
|
|
|
|
|
جواب سؤال
حقيقة قضية زرع الألغام على الحدود السورية التركية
|
|
|
السؤال: ما هي حقيقة قضية زرع الألغام على الحدود السورية التركية؟ وكيف تمت ومتى؟ وما مدى علاقة الصراع الدولي بها؟ وجزاكم الله خيرا.
الجواب:
1- لقد صدر قرار زرع الألغام على شطر من الحدود بين تركيا وسوريا في عام 1956، وبدأ تنفيذه بين عامي 1957 و1959 على طول 513 كم من أصل 877 كم طول الحدود البرية بين البلدين كما رسمت في المعاهدات الاستعمارية بعد إسقاط الخلافة في أعوام مختلفة، وبعرض 350 متر. فتقدر هذه الأراضي بمساحة 216 كم2 منها 186 كم2 تعود ملكيتها لخزينة الدولة والباقي يعود ملكيته لسكة الحديد الحكومية ولمؤسسات أخرى ومواطنين آخرين. وقد زرع "615145" لغماً في هذه المنطقة المذكورة. بجانب ذلك زرعت ألغام بعدد "75115" لغماً على حدود تركيا مع العراق على طول 42 كم، كما زرع "191428" لغماً على الحدود التركية الإيرانية على امتداد 109 كم، وزرع "21984" لغماً على امتداد 17 كم على الحدود التركية الأرمينية، وزرعت ألغام على الحدود التركية البلغارية وعلى الحدود التركية اليونانية ولكن أزيلت هذه الألغام من قبل لكونهم حلفاء في الناتو.
2- إن من دواعي زرع هذه الألغام من قبل تركيا بكثافة على الحدود مع سوريا هي أجواء الصراع الانجلو أمريكي في المنطقة وتهديد وصوله إلى تركيا. فكانت تتعاقب الانقلابات في سوريا وتتبادل بين عملاء الانكليز وعملاء أمريكا منذ عام 1949، واستعرت في الخمسينات من القرن الماضي. فهذا الوضع القلق أثر في تركيا، وبخاصة وأن أمريكا كانت جادة في الخمسينات بالنفاذ إلى تركيا، وخشي الإنجليز وعملاؤهم في تركيا، وبخاصة "الجيش"، من استغلال أمريكا للوضع القلق في سوريا لنقل "عدواه" إلى تركيا. وكان واضحاً تحرك أمريكا الفاعل تجاه تركيا، فقد لمع في ذلك الوقت نجم عبد الناصر كبير عملاء أمريكا في المنطقة وبدأ يهاجم تركيا وعملاء الانكليز، وتسلَّط على حلف بغداد الذي أنشأته بريطانيا، وتركيا عضو مؤسس رئيس فيه. وكانت تركيا بقيادة رئيس الجمهورية جلال بيار عراب حلف بغداد في المنطقة يعمل على ضم أردن الحسين قاعدة الانكليز القوية في المنطقة، ولبنان بقيادة كميل شمعون عميل الانكليز. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس كان من الموالين لأمريكا، إلا أن الذي كان بيده زمام الأمور، وحاكم البلد الفعلي في تركيا كان هو الجيش المرتبط ارتباطا وثيقا بالانكليز ومتشبِّعاً بحبهم، وقد رافق كل ذلك هزيمة الإنجليز في عدوانهم الثلاثي الذي شنوه ضد عملاء أمريكا في مصر عام 1956، وكان من نتائجه فيما بعد أن طرد الإنجليز من السويس ولم تبق لهم قواعد في مصر. ومستعمرتهم العراق أيضا كانت مهددة بالوقوع في يد الأمريكان. هذا بالإضافة إلى ما كان يثيره دعاة القومية من العرب من مطالبة باستعادة لواء الاسكندرون الذي ضم إلى تركيا عام 1939 باتفاقية بين فرنسا التي كانت تستعمر سوريا، وبين الانكليز، مقابل منح تركيا لليونان 12 جزيرة في بحر ايجة.
بسبب كل ذلك، رأى الإنجليز والجيش أن الحل الأمثل للحفاظ على تركيا من الخطر القادم من ناحية سوريا هو زرع الألغام على الحدود، وبدأ الإنجليز والجيش يعملان بقوة لإيجاد التبريرات لوضع حاجز من الألغام بين سوريا وتركيا، لذلك كان جلال بيار يركز على أن الشيوعيين قادمون من سوريا لتخريب النظام في تركيا، ويشير في ذلك إلى محاولات الإتحاد السوفييتي التقرب إلى سوريا إمعانا في تضليل الناس، لأن النفوذ السوفييتي كان بعيداً عن سوريا، وكذلك يبرز موضوع القلاقل في سوريا، ويركز أكثر على الجو المشحون في سوريا نحو لواء الاسكندرون الذي كان وراءه عبد الناصر.
وهكذا أوجد الجيش المبررات لزرع الألغام وكانت معظم منطقة الألغام في لواء الاسكندرون، علماً بأن خشية تركيا من جهة سوريا هي قديمة منذ ضم تركيا لهذا اللواء حيث أن عصمت اينونو بعدما تسلم رئاسة الجمهورية التركية في عام 1939 بعد موت مصطفى كمال، قال في خطاب له في ذاك العام إن الخطر على الجمهورية مصدره اثنان سوريا والرجعية، ويقصد بالرجعية دينَ الفِطرةَ، الإسلام. ويعتبر هذا الخطاب الشهير تاريخياً حيث حدد معالم السياسة التركية الخارجية. وكان قد قال إن السياسة الخارجية التركية مبنية على أساس معاهدة الصداقة التركية الانكليزية التي وقعت عام 1939. وقد أثير هذا الخطاب عام 1998 عندما بدأت تركيا بحشد قواتها على الحدود السورية متحالفة مع "إسرائيل" والأردن وكانت على وشك أن تهاجم سوريا لإسقاط عائلة الأسد وأذيالهم عملاء أمريكا فيها.
3- ولقد بقيت هذه الألغام مدة طويلة وقد قتل وجرح الكثير من العساكر والمدنيين الأتراك خلال عشرات السنين من زرع هذه الألغام. فقد ذكر نقلا عن إحصائيات رسمية انه في خلال عشرة سنيين ما بين عامي 1993 إلى عام 2003 قتل 299 جندياً و289 مدنياً، وجرح 1524 عسكرياً و739 مدنياً، عدا مقتل الكثير من البقر وسائر الأنعام. وكانت ترفع الشكاوى من ذلك بين الأهالي، وكانت المطالب تتعالى من اجل إزالة الألغام، وأن ضررها اكبر من نفعها، بل إنها عديمة الجدوى. هذا فضلا عن أنها تقطع أواصر الإخوة بين الشعبين، وتقطع صلة الرحم والقرابة بين الناس، حيث إن الناس على جانبي الحدود، وبخاصة في لواء الاسكندرون وحوله، تربطهم أواصر القرابة وصلة الرحم، كما أن التزاوج بينهم كان منتشراً. بالإضافة إلى أن الألغام تمنعهم من الاتجار مع بعضهم بعضا، وذلك لترسيخ الفرقة والانقسام بذريعة منع التهريب.
غير أن ظهور حزب العمال الكردستاني الذي حمل لواء النعرة العصبية الكردية، وبدأ بشن هجمات ضد تركيا منطلقا من سوريا عبر الحدود، جعل هذه الدعوات المنادية بإزالة الألغام لا تؤتي ثمارها بحجة خطر حزب العمال الكردستاني، رغم أن هذه الألغام لم تمنع تسرب عناصر هذا الحزب الانفصالي ولم توقف هجماته. بل كان يجد ويجند عناصره في داخل تركيا.
4- إن أول من أثار موضوع إزالة الألغام المزروعة على شطر من الحدود السورية التركية، بل أول من عزم على إزالتها هو تورغت أوزال الذي تولى رئاسة الوزارة التركية عام 1983 والذي كان يوالي أمريكا ولكن الجيش منعه من تحقيق مأربه. فقد كتب جلال حسن جزال الذي عمل كمستشار لرئيس الوزراء اوزال في أول حكومة له، وكوزير دولة وناطق رسمي باسم الحكومة في حكومة اوزال الثانية، كتب مقالة عن هذا الموضوع بتاريخ 26/5/2009 في صفحة " تايم ترك" فقال:" لقد بدأت عدة محاولات منذ الثمانينات لتنظيف المنطقة من الألغام وكسبها للإنتاج الزراعي. ولقد كُلِّفت شخصيا في عهد حكومة المرحوم أوزال بالعمل في هذا المشروع. ولكن لكون ذلك غير مطابق للشروط الفنية للقوات المسلحة التركية توقف العمل به. ويجب أن لا يفكر في هذه القضية خارج القوات المسلحة التركية. وقد استمرت حكاية تنظيف الألغام حتى يومنا هذا." وقال:" هذا الوضع ظهر نتيجة سياسات أمنية خاطئة في ذاك الزمان". وقال: " ولقد كُلفت القوات المسلحة التركية بهذه المهمة بقرار من مجلس الوزراء يتعلق بتنظيف الألغام عام 1992 (في عهد أوزال) واستمرت الأعمال الأولية المتعلقة به حتى عام 2003." فيؤكد كلام هذا الوزير السابق أن من وراء زرع الألغام هو الجيش رغما عن مندريس، وبطبيعة الحال فإن من وراء الجيش هم الانكليز.
5- في 01 آذار/مارس 1999 عقد اتفاق بين 146 دولة في مدينة أوتاوا/كندا لإزالة ومنع استخدام وتخزين وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد. وكانت هذه الاتفاقية ضد مشكلة الألغام الأرضية المنتشرة حول العالم، ومما نصت عليه الاتفاقية "...كل واحدة من الدول الأطراف مسئولة عن إزالة كل الألغام الأرضية المضادة للأفراد المزروعة في حقول الألغام الخاضعة لسيطرتها أو صلاحيتها خلال فترة لا تتجاوز عشر السنوات منذ بدء سيران الاتفاقية لدى تلك الدولة".
وفي 12 آذار/مارس 2003 تم قبول مشروع القانون المتعلق باتفاقية أوتاوا في البرلمان التركي ووضعت موضع التنفيذ في 01 آذار/مارس 2004.
وفي 1/3/2008 تعهدت الحكومة التركية بإزالة الألغام في مدة تصل إلى تاريخ 1/3/ 2014. وذلك بعد 10 سنوات من وضع الاتفاقية موضع التنفيذ وفق الاتفاقية المعقودة.
6- استغل أوردغان هذه الاتفاقية، وأعد قانون إزالة الألغام ثم عرضه على البرلمان، وقد اخذ نقاشات وتشنجات حادة في البرلمان استمرت مدة أسبوعين في جلسات عديدة حتى صودق عليه بالأكثرية مع أجراء بعض التعديلات على مسودة القانون الذي عرضه الحزب الحاكم. وفي 4/6/2009 وافق البرلمان في تركيا على قانون إزالة الألغام المزروعة بين تركيا وسوريا بموافقة 255 عضواً مقابل 91 عضواً معارضاً، وكان عدد الممتنعين عن التصويت والمتغيبين 204 عضوا، وأصبح القرار نافذ المفعول عندما صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 17/6/2009. وقد أصدرت السكرتارية العامة لوزارة الدفاع التركي بيانا يتعلق بإزالة هذه الألغام بتاريخ 30/6/2009 يقول بإسناد العمل في إزالة الألغام إلى وزارة الدفاع الوطنية، وان ذلك سيطبق على أربع مراحل. وسيقام به عن طريق (NAMSA) وهي "وكالة الصيانة والإمداد التابعة لحلف شمال الأطلسي". وحسب القانون تعطى الأولوية لرئاسة الأركان العامة ومن ثم لوزارات الدفاع والخارجية والمالية لبيان كيفية العمل به. وبموافقة هذه المؤسسات ستمنح الشركة التي ستنظف الألغام من المنطقة حق استئجار هذه الأراضي التي ستنظفها من الألغام لمدة 44 سنة.
وقد تناهى إلى مسامع الرأي العام والإعلام أن مشروع إزالة الألغام سيمنح لشركة "إسرائيلية". وبخاصة وأن سفير كيان يهود "إسرائيل" في أنقرة "Gaby Levy" قد توجه إلى مدينة أورفة أثناء اشتداد المناقشات بين المعارضة والحكومة حول القانون، وصرح قائلاً: "إنه لمن الأهمية بمكان لكل يهودي أن يحضر لهذه الأراضي التي حضر إليها أجدادنا وأجداد أجدادنا" [المصدر: صحيفة حريات بتاريخ 26/05/2009]، ومن ثم قيامه بزيارة البرلمان التركي خلال فترة تداول البرلمان لمشروع القانون ذو العلاقة، ما يعطي انطباعاً بأن كيان يهود "إسرائيل" يقف وراء سير الأمور.
فاستغلت أحزاب المعارضة ذلك واتهمت الحكومة ببيع أراضي تركيا لإسرائيل التي دمرت غزة، فأحرجت الحكومة، غير أن أجوبة أردوغان على اتهامات المعارضة أكدت هذه الاتهامات، حيث أجاب خلال كلمته التي ألقاها في الاجتماع الإقليمي لحزب العدالة والتنمية في مدينة دوزجه رداً على اتهامات المعارضة بأن الحكومة ستعطي تلك الأراضي لإسرائيل أي لليهود دون مقابل، أجاب قائلاً:"الآن شركة استثمار عالمية تريد الاستثمار في بلدنا، فإذا نظرت رأيت أصوات تخرج علينا وتقول: إن ذلك غير ممكن لأنها شركة استثمار يهودية.. يا صاحبي اسمع إنها ستأتي للاستثمار في بلدي، ستستثمر بـ 500 مليون دولار وبمليار دولار. اسمع أنت تصرخ البطالة! أنظر إنهم سيستثمرون. عندما سيستثمرون، من الذي سيعمل هنا؟ إسحق لن يعمل هنا بل حسن سيعمل وأحمد ومهمت من سيعمل! أنظر إننا نحل مشكلة البطالة، أولا تحب ذلك!هل نرفض شركة أجنبية لأنها من هذا الدين أو ذاك! المال لا دين ولا قومية له!" [المصدر: صحيفة راديكال بتاريخ 24/05/2009].
وهكذا يخدع أردوغان شعبه بأنه سيشغلهم عمالا في شركة، ولو كانت معادية لهذا الشعب، في الوقت الذي هو فيه شعبٌ كرمه الله بالإسلام، وشرفه بحمله والجهاد في سبيله مئات السنين، ويريد رئيس حكومة تركيا اليوم أن يُبقيَ هذا الشعب عاملا خادما عند القاصي والداني في أصقاع العالم.
ثم أضاف أوردوغان في رده على المعارضة قائلاً:"من قبلنا الحكومة الثلاثية التي كانت تضم حزب الحركة القومية (حزب دولت بهتشلي) وحزب الاشتراكي الديمقراطي (حزب أجاويد) وحزب الوطن الأم (حزب يلماز) كانت قد عقدت اتفاقيات عديدة مع إسرائيل. فيجب ان لا يخدعوا الشعب وهم ينظرون وكأنهم لم يعقدوا أية اتفاقية". (صفحة رديكال التركية 7/6/2009)، فكأنه يريد أن يقول إن الكل في الحب لكيان يهود المغتصب لفلسطين هم سواء !!
7- ومن الجدير ذكره أن ما قاله الخليفة عبد الحميد ليهود فيما يتعلق بأرض فلسطين، يكاد يتكرر الآن ولكن تجاه أراضٍ تركية، ففي العصر الذي كانت القضية الفلسطينية قضية عالمية، كان يتحاور قادة اليهود مع الغرب وخصوصاً مع الإنجليز ليتملكوا أرض فلسطين، وحاولوا آنذاك استغلال الأزمة المالية التي كانت تعاني منها الخلافة العثمانية لتحقيق مأربهم، وكانوا آنذاك قد عرضوا مبالغ طائلة لسد عجز الخلافة مقابل منحهم أرض فلسطين، إلا أن الخليفة عبد الحميد رد "هرتزل" مندوب الجمعيات الصهيونية، وكان جواب السلطان عبد الحميد: "انصحوا الدكتور هرتزل بأن لا يتخذ خطوات جديدة في هذا الموضوع، إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، لقد قاتل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه.. فليحتفظ اليهود بملايينهم، إذا مزقت دولة الخلافة يوماً فعندها يستطيعون أخذ فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن ذلك لا يكون..."، إن الخليفة عبد الحميد –رحمه الله- كان ذا بصر وبصيرة وبعد نظر فقد صدق في نظرته، وها قد أعطيت فلسطين بعد زوال الخلافة ليهود بلا ثمن! والآن ما حصل لفلسطين يتكرر بصورة مصغرة في تركيا، فهم يريدون إعطاء الأراضي المحاذية لسوريا ليهود مدة 44 سنة بذريعة تنظيفها من الألغام ليوضع خنجر جديد في صدر الأمة الإسلامية.
8- هذا عن موقف الحكومة، أما موقف المعارضة الرئيسية المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري (CHP)؛ فإننا نعلم جيداً أن حزب الشعب الجمهوري (CHP) لو كان هو في الحكومة، فإنه لن يتردد عن تحقيق مصالح اليهود، فهو من إرث مصطفى كمال الذي هدم الخلافة، والذي كان مع اليهود حتى العظم، أفبعد كل هذا يمكن أن يُتصور من الحزب الجمهوري أن يغضب لأن أردوغان يريد إعطاء شركة يهودية حق استغلال تلك الأراضي؟! إلا أن حزب الشعب الجمهوري (CHP) استغل مسألة نية الحكومة تأجير الأراضي لشركة يهودية (إسرائيلية) لمدة 44 عاماً مقابل قيامها بتنظيفها من الألغام، ثم أشغل بها الرأي العام، ليس لإخلاصه وورعه بل لتحقيق مصالحه وأهدافه السياسية المتمثلة في النيل من حزب العدالة والتنمية (AKP). ولذلك قام حزب الشعب الجمهوري (CHP) بزيارات للمناطق الجنوبية وعرض الأمر بصورة مركزة على الرأي العام في تلك المناطق لكسب شعبية هناك. إن حزب الشعب الجمهوري (CHP) يعلم جيداً أن الشعب المسلم في تركيا لديه من الغضب والحنق تجاه جزار المسلمين في فلسطين (إسرائيل)، أي كيان (يهود)، ما لديه! لذا أراد استغلال مشاعر المسلمين الغاضبة هذه للنيل من حزب العدالة والتنمية، وقد حقق مكاسب جدية في هذا الاتجاه، حيث لاقت تصرفات وأعمال حزب الشعب الجمهوري (CHP) هذه إعجاباً من قبل المسلمين، لدرجة أنها مُدحت من قبل بعض الصحف الموالية لحزب العدالة والتنمية نفسه!
هذا هو سبب شغب المعارضة على أردوغان، أي استغلال مشاعر المسلمين ضد حزب العدالة والتنمية بناء على ما تسرب من عدم ممانعة الحكومة لإعطاء تلك الأراضي لشركة إسرائيلية لاستغلالها، وذلك بسبب موقف المسلمين في تركيا شديد العداء لكيان يهود المغتصب لفلسطين. هذه هو السبب، وإلا فإن حزب الشعب الجمهوري ينافس حزب العدالة في تحقيق مصالح يهود، ولولا التنافس الحزبي لما أظهر أية معارضة.
8- لقد كان الواجب على الدولة، وقد ارتكبت خطيئة زرع الألغام بين بلاد المسلمين، أن لا تعود فترتكب خطيئة أخرى بإعطاء الأراضي لشركة أجنبية، وبخاصة إسرائيلية، لتستثمرها مدة 44 سنة مقابل نزع الألغام. إن الحل الصحيح الذي يوجبه الإسلام هو أن تقوم الدولة ومؤسساتها، وبخاصة الجيش، بنزع الألغام واستثمار الأراضي التي هي في معظمها ملكية عامة وملكية دولة، وجزء قليل منها ملكية خاصة يعاد إلى أصحابه بعد نزع الألغام منه.
إن هذه الأراضي مهما أنفق في نزع الألغام وفي إصلاحها، فإنها تدر دخلاً كبيراً يغطي كل ما انفق، ويزيد، ويوجد نهضة زراعية وصناعية نتيجة ما فيها من بترول ومعادن.
إنها أرض متروكة منذ ما يزيد عن 50 عاماً ما يجعلها صالحة للزراعة العضوية الطبيعية (Organic) التي أصبحت الأكثر ربحاً في السنوات الأخيرة، وبخاصة وأن 80% من مساحتها البالغة نحو 216 كم2 منها 186 كم2 تعود ملكيتها لخزينة الدولة والباقي يعود ملكيته لسكة الحديد الحكومية ولمؤسسات أخرى ومواطنين آخرين، هو صالح للزراعة.
كما أنه قد بوشر بإنتاج 2500 برميل بترول يومياً من 10 آبار حفرتها شركة البترول التركية المشتركة العامة (TPAO) في تلك المنطقة، ومن الجهة الأخرى من المنطقة، أي من الجهة السورية يُنتج يومياً نحو 450 إلى 500 ألف برميل بترول من نحو 560 بئراً. ووفقاً لسجلات البرلمان التركي فإن المسئولين في شركة البترول التركية المشتركة العامة (TPAO) يقولون بأن بإمكانهم استخراج 2500 برميل آخر يومياً إذا ما تم فتح 12 بئر جديد.
وهكذا فإن عدم استغلال الدولة لهذه الأراضي، وإعطاءها لشركة أجنبية نحو نصف قرن، هو جريمة في الإسلام، فكيف إذا كانت الشركة شركة تابعة لكيان يهود المغتصب لفلسطين، الذي يحتل أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ويعيث فيها الفساد والإفساد؟! إنها ستكون عندها جريمة كبرى يبوء بإثمها كل من ساهم بكثير أو قليل في هذا المشروع بالغ السوء.
|
|
|
|
|
|
جواب سؤال
الانتخابات الإيرانية والصراع الدولي والداخلي
|
|
|
السؤال: جرت في 12/6/2009 انتخابات لرئاسة الجمهورية في إيران، وفاز الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد بنسبة 62,6% ومنافسه الرئيس مير حسين موسوي بنسبة 33,7% كما أعلن رسميا في إيران. والمنافسان الآخران فازا بنسب ضئيلة. فشكك موسوي وأنصاره بنتائج الانتخابات. ونظم أنصار موسوي يوم 15/6/2009 مسيرات ومظاهرات احتجاجية بدون ترخيص. وعندما قامت قوات الأمن الإيرانية بتفريق المتظاهرين اندلعت أعمال شغب وعنف أدت إلى مقتل 7 أشخاص وجرح 29 شخصا كما أعلن في طهران...
فهل هذه الأحداث تدل على أن صراعاً دولياً يحدث في إيران، أو هو صراع داخلي بين مراكز القوى على المناصب؟ ثم ما مدى وجود أمريكا وأوروبا في هذه الأحداث؟
الجواب:
1- إن الأحداث الجارية في إيران على أثر إعلان نتائج الانتخابات هي أحداث لافتة للنظر، فإن واقع النظام السياسي في إيران وطبيعة مؤسسات النظام القائمة ، وصلاحيات المرشد الواسعة، وصلاحيات رئيس الجمهورية المحدودة، كل ذلك يجعل حدوث مثل هذه الأحداث المتصاعدة أمراً يستأهل الوقوف عنده.
2- لقد ظهرت تصريحات من مؤسسات النظام تدل على أن النظام قد أدرك سخونة الأحداث، وأنها غير عادية، حتى إن مجلس صيانة الدستور أظهر شيئاً من التنازل لإرضاء المحتجين، ففي 16/6/2009 نظر مجلس صيانة الدستور في الطعون المتعلقة بالانتخابات التي تقدم بها منافسو احمد نجاد، وطلبهم بإلغاء الانتخابات وإجراء انتخابات جديدة، فصرح المتحدث باسم هذا المجلس عباس علي بأنه لا يمكن إلغاء الانتخابات وإجراء انتخابات جديدة حسب القانون، ولكن إذا تطلب الأمر فسيعاد فرز بعض بطاقات الاقتراع المتنازع عليها (الجزيرة 16/6/2009). كما أن إدراك النظام لهذه السخونة، قد دفع أيضا أنصار احمدي نجاد في 16/6/2009 للقيام بمسيرات ومظاهرات حاشدة تأييدا لرئيسهم نجاد وتنديدا بأحداث الشغب والعنف التي حدثت قبل يوم من قبل المشاركين في احتجاجات موسوي.
3- إن إعلان المنافسين الخاسرين في الانتخابات وعلى رأسهم موسوي بان الانتخابات حصل فيها "انتهاكات شديدة" وحصل تزوير وانه لا يعترف بنتائج الانتخابات، قد أججت التحركات في الشارع، فقد نظمت المسيرات الاحتجاجية وتخللها أعمال شغب وعنف من قبل عناصر وصفت بالمندسة وحاولت أن تسيطر على مركز للأمن لتحوز على أسلحة لتستعملها كما أعلن في إيران...
4- ولكن الأهم من ذلك هو استغلال الأوروبيين لهذه الأحداث، فقد صرح الرئيس الفرنسي ساركوزي قائلا:" أن حجم التزوير كان متناسبا مع أحداث العنف". وصرح رئيس وزراء بريطانيا براون قائلا:" القيادة الإيرانية مطالبة بالإحجام عن العنف والاستجابة للتظلمات الشرعية في أعقاب الانتخابات" الجزيرة (16/6/2009). وقال وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير:" إن ما يجري في إيران حركة عميقة ومهمة جدا، تعبر عن رغبة في الانتفاض على الطغيان، وفرنسا لا يمكن أن تدفن رأسها في الرمال إزاء ذلك" (الحياة 18/6/2009)، وقد تجنب أن يجيب ما إذا ستعترف فرنسا بشرعية نجاد أم لا، رغم تكرار السؤال عليه ثلاث مرات. ولحقت بهما ألمانيا وايطاليا وغيرهما من دول أوروبا في موضوع إثارة مسألة العنف والاحتجاجات في إيران والتشكيك في نتائج الانتخابات، وكذلك وسائل إعلامهم الصوتية والمرئية وصحفهم بالتنديد بالعنف والتشكيك في نتائج الانتخابات والدعوة لعدم الاعتراف بشرعية نجاد كما طالبت بذلك صحيفة التايمز البريطانية بشكل صريح في 16/6/2009، ووصفت نجاد بأوصاف سيئة " بالريفي الأخرق الذي يعيش رأسه في الجنة ورجليه في الفساد". وقد احتجت إيران على فرنسا وعلى بريطانيا، بل سيرت احتجاجات أمام سفارة هذين البلدين في طهران. واحتجت السفارة الإيرانية أيضا في باريس في بيان لها على: "التصريحات التي وصفتها بالمتسرعة وغير المسئولة والتي تدل على تدخل مسئولين فرنسيين في الشؤون الإيرانية." (راديو سوا الأمريكي 16/6/2009)
5- يدل كل ذلك على أن الأوروبيين وجدوا فرصة لاستغلال الاحتجاجات من قبل موسوي وجماعته على نتائج الانتخابات، وحركوا عملاءهم ليثيروا بعض الشبان والطلبة ليندسوا بين المتظاهرين ويقوموا بأعمال شغب وعنف وإطلاق نار حتى يضطروا قوات الأمن الإيرانية للاشتباك معهم لإثارة الاضطرابات في محاولة للعمل ضد النظام. ويحاول الأوروبيون تضخيم الأمر وكأن هناك ثورة قد قامت. وبدأت تخرج المظاهرات والمسيرات دون موافقة موسوي عليها، ورغم دعوته لعدم القيام بها وإلغاء المسيرات والمظاهرات التي كانت ستجري في 16/6/2009. وقد ذكر مراسل "الجزيرة" محمد البحراني في 17/6/2009 أن الأمور خرجت من يد موسوي وأنه لا يوجد لموسوي تنظيم حزبي معين. فيدل كل ذلك على أن هناك قوى أخرى تقوم بهذه الأعمال. وقد ذكرت المصادر الإيرانية كما ورد في "صفحة العالم الإيرانية في 16/6/2009" آن هناك مندسين بين المتظاهرين قاموا بأعمال العنف.
6- وأما ردود الفعل الأمريكية على الانتخابات فكانت ايجابية فقال الرئيس الأمريكي أوباما :" إن الأمر عائد للإيرانيين بالنسبة لمن يقرر من سيقود إيران، وإننا نحترم سيادة إيران، ونحول دون أن تكون الولايات المتحدة هي المشكلة داخل إيران حيث يمكن أن تكون الولايات المتحدة أحيانا كرة سياسية." ( صفحة الحكومة الأمريكية 16/6/2009). وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون:" أحجمت الولايات المتحدة عن التعليق على انتخابات إيران، ونأمل أن تعكس رغبة الشعب الإيراني". (سي.ن.ن الأمريكية 14/6/2009). وقال روبرت غيبس المتحدث باسم البيت الأبيض:" إن البيت الأبيض معجب بالمناظرات الحيوية وروح الحماس التي ولدتها الانتخابات هذه ولا سيما بين الشباب الإيراني". ( سي.ن.ن الأمريكية 14/6/2009). وكانت واشنطن بوست قد أعلنت أنها أجرت استطلاعا من قبل خبيرين أمريكيين يشير إلى أن احمدي نجاد سيفوز على منافسه حسين موسوي بنسبة اثنين إلى واحد. (صفحة العالم الإيرانية 16/6/2009). وقالت صحيفة واشنطن بوست في 16/6/2009 "انه ليس هناك دليل قاطع على حدوث التزوير ما قد لا يسمح لواشنطن أو العواصم الغربية بالطعن في نتيجة الانتخابات." وقد صرح كي مون سكرتير الأمم المتحدة قائلا:" انه لا بد من الاحترام التام لإرادة الشعب الإيراني" ( الجزيرة 16/6/2009). انه يفهم من تصريحات المسئولين الأمريكيين وتصرفاتهم ووسائل إعلامهم وصحافتهم ومعهم سكرتير الأمم المتحدة أن أمريكا راضية عن انتخاب احمدي نجاد لولاية ثانية. حتى إن أوباما ذكر "إن هناك اختلافات قليلة في السياسة بين احمدي نجاد ومنافسه مير حسين موسوي." (رويترز 16/6/2009).
7- والجدير بالذكر أن إيران في عهد ولاية نجاد الأولى طوال أربع سنوات مضت كانت متفاهمة مع امريكا في موضوعين مهمين بارزين وهما افغانستان والعراق، بل كانت سائرة معها باعتراف المسؤولين فيها وعلى رأسهم احمد نجاد، فقد صرح وهو في زيارته لنيويورك لحضور اجتماعات الامم المتحدة العام الماضي في لقاء له مع صحيفة نيويورك تايمز في 26/9/2009 :" بان ايران قدمت يد العون للولايات المتحدة فيما يتعلق بأفغانستان ... كما ان بلادنا قدمت مساعدات لامريكا في اعادة الهدوء والاستقرار الى العراق". وكان الرئيس الايراني احمدي نجاد قد زار هذين البلدين افغانستان والعراق العام الماضي وهما تحت حراب امريكا واحتلالها الغاشم المدمر لهذين البلدين واهلهما. مما يدل على رضا ايران ورئيسها عن احتلال امريكا للبلدين واعترافه بذلك عمليا واعترافه بعملائها الذين نصبتهم امريكا في البلدين. بل ان ايران تعلن بكل صراحة انها تقدم الدعم لكرزاي وللمالكي اي لعملاء امريكا الذين نصبتهم. ووجود نجاد يخدم امريكا حاليا اكثر ممن يسمون بالاصلاحيين كخاتمي وكموسوي لكونه هو وتياره المسمى بالتيار المحافظ يركز على مسألة التشيع أو هكذا توحي الأجواء حولهم، مما يثير المخاوف في لدى دول المنطقة، وخاصة الدول التي يرتبط حكامها بالانكليز في الخليج وغير الخليج، حتى ان المغرب قطع علاقته الديبلوماسية مع ايران قبل عدة شهور بتهمة ان ايران تدعم التشيع واثارة القلاقل فيها. وحاكم الاردن عبدالله الثاني كان قد تكلم عن التهديد الايراني تحت ما اسماه الهلال الشيعي، وكل ذلك يخدم امريكا لتتحكم في هذه البلاد عن طريق تخويفها بشيعية إيران كحجة لبقاء أمريكا في المنطقة لحماية هذه الدول من إيران! وفي الوقت نفسه تذكي أمريكا الفرقة بين المسلمين بالضرب على وتر نشر إيران المزعوم للشيعية، وبالتالي عن طريق إثارة النعرات المذهبية والطائفية.
8- واما ردود الفعل الامريكية على ما اعقب عملية الانتخابات من تظاهرات ومسيرات تخللها عنف، فقد صرح اوباما:" قلت سابقا ان لدي قلقا عميقا حول موضوع الانتخابات. واستدرك قائلا:" بالنظر الى تاريخ العلاقات الامريكية الايرانية لن يكون من المجدي ان يتدخل الرئيس الامريكي في الانتخابات الايرانية". وانه يأمل:" ان يقوم الشعب الايراني بالخطوات السلمية ليتمكن من التعبير عن طموحاته". ( أ.ف.ب 16/6/2009) وحتى نائبه جوزيف بايدن رغم انه قال ان هذه النتيجة تطرح الكثير من التساؤل، الا انه أضاف " إن الولايات المتحدة لا تملك ادلة كافية لتقدم حكما نهائيا"، وقال ان الولايات المتحدة جاهزة للحوار مع ايران". (الاذاعة البريطانية 16/6/2009)، فتنم هذه التصريحات عن لهجة غير متهمة ولهجة لينة تجاه ايران. وقد انتقد بعضهم موقف وسائل الاعلام الامريكية وخاصة الكبرى منها مثل سي.إن.إن و فوكس نيوز وغيرها لصمتها تجاه ما يحدث في ايران وهي المشهورة في تغطية الاحداث وتضخيمها اذا لزم ذلك فيما يخدم السياسة الامريكية. بينما الاعلام الغربي الاوروبي وعلى رأسه هيئة الاذاعة البريطانية المرئية والسمعية والالكترونية تقود حملة ضخمة ومضخمة للاحداث في ايران. وكانت "وزارة الخارجية الايرانية اتهمت وسائل اعلام غربية واتهمتها بانها ناطقة باسم من يقومون باعمال الشغب." (الشرق الاوسط 18/6/2009)
9- ما سبق يدل على أن بصمات الصراع الدولي بين أمريكا وأوروبا ظاهرة في إيران، فإن دول أوروبا وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا تعمل بقدر استطاعتها لإثارة الاحتجاجات في هذه الفترة عن طريق دس عملائها وإثارة الناس عبر كافة وسائلها السياسية والإعلامية في محاولة لزعزعة الوضع في إيران، وفي محاولة ضعيفة لإسقاط النظام فيها والإتيان بعملائها. وليس من المتوقع أن تنجح فيه حاليا لان الوضع ما زال مستتبا بيد الذين يسيرون في الفلك الامريكي، سواء أكانوا إصلاحيين أم محافظين، كما أنه لا توجد قوى للأوروبيين ظاهرة للعمل في الساحة الايرانية. وانما عملاؤهم مختبئون يتحينون الفرص كما ظهر في هذه الاحداث.
وهذا واضح من ردود الفعل الأوروبية والأمريكية، فإن أوروبا في قمة انفعالها مما يحدث، وتصرفاتها وتصريحاتها واضح عليها التوتر، وأما أمريكا فهي هادئة تجاه ما يحدث، في حين أن الأمور لو كانت تسير في ايران بعكس ما تريده امريكا، او ان النظام في ايران يسير بعكس التيار الامريكي، او ان لامريكا مصلحة في التغيير في ايران لاقامت الدنيا ولم تقعدها على النظام الايراني وعلى قيادته وعلى الاخص نجاد، ولركبت الموجة التحريضية كما تفعل دول اوروبا، ولضخمت الامور ولاختلقت الاكاذيب ولما صمت اعلامها لحظة واحدة وهو المشهور في ذلك كما فعلوا ضد صدام حتى احتلوا العراق ودمروه، وكما فعلوا ضد طالبان حتى احتلوا افغانستان ودمروها أيضا، وقتلوا الملايين من شعب هذين البلدين المسلمين.
10- ومع أن بصمات الصراع الدولي واضحة، إلا أن صراع مراكز القوى الداخلية هو كذلك ظاهر للعيان، فان الذي يفهم مما اعقب اعلان نتائج الانتخابات من تيار موسوي وممِّن هم وراءه أمثال رفسنجاني وخاتمي وناطق نوري، أنهم لم يستطيعوا ان يهضموا هزيمتهم كما هزم رفسنجاني نفسه في الانتخابات السابقة امام احمدي نجاد. فأرادوا ان يحدثوا بلبلة حتى تعاد الانتخابات. فالصراع بين ما يسمى التيار الاصلاحي وعلى رأسه رفسنجاني وخاتمي وممثلهم في هذه الانتخابات موسوي وبين تيار ما يسمى بالمحافظين وعلى رأسه احمدي نجاد ويدعمه مرشد الجمهورية الايرانية علي خامنئي وغيرهم من علماء الشيعة هو صراع داخلي على الزعامة والمصالح وإحداث بعض التغيرات الداخلية او ما يسمى بالاصلاحات. والصراع محتدم بينهما الى اقصى غاياته كما يظهر. حتى إن "احمدي نجاد شبه رفسنجاني ووزير الداخلية السابق ناطق نوري بدور طلحة والزبير في حرب الجمل ضد الامام علي وطالب باجتثاثهما من الساحة السياسية (الحياة اللندنية 18/6/2009)، ولكنهما أي التيارين متفقان في السياسة الخارجية الا في بعض الاساليب مثل استعمال الخطاب. ولهذا السبب قال اوباما انه لا يوجد بين نجاد وموسوي فرق كبير وانما الفارق بينهما قليل. وبما ان مرشد الجمهورية علي خامنئي في بيان اصدره في 16/6/2009 أظهر انه يدعم نجاد وقد بارك له في انتخابه وهنأه بنجاحه وطالب الشعب بالالتفاف حوله وذكر انه سيحقق للبلاد التقدم والرقي ويضمن الامن الوطني والنشاط والحيوية، ثم واصل كلامه في بيانه بقوله:" ولا شك ان هذا ايضا اختيار الهي سيجلب النجاحُ فيه رحمةَ الله تعالى" (صفحة العالم الايرانية18/6/2009)، وكذلك ايده وبارك له رئيس مجلس الشورى علي لارجاني ورئيس السلطة القضائية هاشمي شاهرودي، فان كل ذلك سيركز سلطة نجاد ويثبت شرعية انتخابه. ومن المرجح أن يعاد النظر في بعض صناديق الانتخابات كحل للاعتراضات والاحتجاجات، ولكنها لن تغير النتيجة، ومع ذلك فإن صراع مراكز القوى الداخلي قد وجد له طريقاً لا يسهل غلقه حتى لو صمت...
|
|
25 جمادى الثانية 1430 هـ |
|
18/6/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
المعجزة والقول بالكرامات
|
|
|
السؤال: المعجزة هي أمر خارق للعادة ولا يكون إلا للأنبياء والرسل، ولكن كثيراً ما يردد العلماء كلمة (كرامة) ويعرفونها بتعاريف عده، ويحاولون الاستدلال عليها بآيات وأحاديث كثيرة، ويبقى السؤال: هل يوجد ما يسمى كرامة أم ماذا؟ وإذا كانت الإجابة بنعم نريد التوضيح الكافي في هذه المسالة، وإذا كانت الإجابة بلا، فكيف نرد علي قصة أهل الكهف مثلاً وأصحاب الأخدود، وكلام عمر بن الخطاب ( يا سارية الجبل). وكذلك قصة سعد بن أبي وقاص في نهر دجله، وكثير من الأمثلة في هذا الشأن؟
الجواب:
1- إن الله سبحانه خلق الكون والإنسان والحياة بقوانين وخصائص لا يستطيع الإنسان تغييرها أو خرقها:
{لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}
{وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ}
{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}
وآيات أخرى
2- وقد يسر الله سبحانه المخلوقات للعيش وفق ما قدره فيهم من إمكانات فطرية، فلا يطير الإنسان بجسمه في الهواء كالطائر، ولا يسير في الماء بجسمه كالمخلوقات البحرية، فهو يعيش على قدميه في البر، فلا يستطيع خرق هذا القانون ويسير بقدميه في الماء أو يطير في الهواء...
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}
{وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
3- وكذلك أودع الله سبحانه خاصيات في الأشياء لا تتجاوزها، فإن النار تحرق، فلا يستطيع أحد إلغاء خاصية الحرق التي خلقها الله فيها ما دامت هي نار، إلا أن يلغيها الله سبحانه، كما نجّى الله سبحانه إبراهيم عليه السلام من النار، فأزال خاصية الإحراق منها، قال تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ}، وهكذا الخاصيات في المواد الأخرى.
4- ثم إن الله سبحانه قد سخَّر لنا هذا الكون لنعيش فيه وفق مقتضياته الفطرية القانونية، وكل تعطيل لهذه القوانين يتنافى مع هذا التسخير، فإن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فإن أعلمنا الله سبحانه بهذا التعطيل لهذه القوانين آمنا به، وإن لم يُعلمنا الله سبحانه به فهو ضمن تسخير الكون لنا.
{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}
{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ}
{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}
{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}
5- وقد أرسل الله سبحانه رسلاُ وأيدهم بمعجزات تثبت صحة رسالتهم، أي خوارق للعادات، يُعطّل الله سبحانه بعض القوانين ويجريها على يد رسله، تحدياً للبشر ليؤمنوا بأن من ظهرت هذه الأمور الخارقة للعادة على يديه هو نبي مرسل.
فأجرى سبحانه تحويل العصا الجامدة إلى ثعبان حي على الحقيقة، أي ليس على أعين الناس كالسحر، ولذلك فإن السحرة لما رأوا العصا أصبحت حية حقيقة كانوا أول من آمن بأن موسى عليه السلام نبي مرسل من الله رب العالمين لأنهم أدركوا أن هذا الخرق للعادة لا يستطيعه بشر، ومثل هذا الخرق عندما سار موسى عليه السلام وقومه على الماء وقطعوا البحر... وهكذا إحياء عيسى عليه السلام للموتى، وكذلك نُطق الرسول صلى الله عليه وسلم بكلام عربي لا يستطيعه العرب... والمعجزات على يد الرسل والأنبياء أمر معلوم وأدلته معلومة.
6- وأما ما يسميه الناس كرامات لغير الأنبياء والرسل فهو توفيق من الله سبحانه لعبد من عباده في عمل من الأعمال على وجه لافت للنظر، وهذا قد يكون خارقاً للعادة أي خلاف قوانين الكون، وقد يكون ليس خارقاً للعادة وإنما يتراءى للإنسان ذلك لقوة هذا التوفيق.
فإن كان خارقا للعادة، فإن الله سبحانه يعلمنا به، لأن النصوص عامة في تسخير الكون للإنسان، أي ضمن قوانين الكون، فإلغاء هذا التسخير في حالة خاصة، أي خرق قوانين الكون في حالة خاصة، فإنه يحتاج إلى نص مخصص.
فإذا ورد نص بأن هذا التوفيق الذي جعله الله سبحانه لهذا العبد هو أمر خارق للعادة آمنا به، وإن لم بكن هناك نص بخرق العادة، فإنه يكون مجرد توفيق من الله سبحانه ضمن قوانين الكون التي خلقها الله سبحانه وتعالى.
ولذلك فإن الرزق الذي كان يأتي لمريم عليها السلام في غير وقته ودون أن يحضره أحد، أي كان رزقاً خارقاً للعادة، فإننا نؤمن به لأن الله سبحانه أخبرنا عنه.{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
وهكذا ما ورد من نصوص في الكتاب والسنة حول أحداث خارقة للعادة كانت لغير الأنبياء والرسل، فإننا نؤمن بها على وجهها، أي نصدقها جزماً إذا وردت قطعية الثبوت قطعية الدلالة، أو نصدقها دون جزم إذا لم تكن قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
وهذا جواب ما ذكرته من أحداث خارقة للعادة ذكرت في النصوص مثل قصة أهل الكهف وأصحاب الأخدود، ومريم عليها السلام...فهذه وردت في القرآن الكريم فنؤمن بها.
أما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد انقطعت النصوص المروية إلا من إجماع الصحابة الذي هو يكشف عن دليل سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يرووه، وإلا من أحاديث للرسول صلى الله عليه وسلم في حياته مدحت بعض الصحابة بالنص عليهم بأسمائهم في أقوال وأفعال تجري على يديهم بتوفيق يصل إلى خرق للعادة، فإن كانت هناك نصوص تصف أشخاصاً معينين بأن أقولاً أو أفعالاً تجري على أيديهم بأوضاع معينة، فإننا نصدق بها على وجهها أي جزماً أو غير جزم وفق ثبوتها.
وأما غير ذلك من أفعال وأقوال يقوم بها بعض المسلمين دونما نص على أشخاصهم في الكتاب والسنة، فإن كل هذه الأفعال والأقوال لا تكون خارقة للعادة، بل هي ضمن قوانين الكون، وهي توفيق من الله سبحانه لعباده الأتقياء بالنجاح في أعمالهم، وبالنجاة من شر أعدائهم، ونحو ذلك.
7- أما بالنسبة لما جرى على لسان عمر رضي الله عنه من قوله يا سارية الجبل، وأن الله سبحانه أوصلها إلى أولئك الجند فانتصروا على عدوهم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال عن عمر في ما أخرجه أبو داود من طريق أبي ذر رضي الله عنه قال «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ». وما أخرجه الترمذي من طريق ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»
وما أخرجه أحمد من طريق ابن عمر أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ»
ولذلك فنحن نأخذ بهذه الأحاديث، ونصدق ما قاله عمر "يا سارية الجبل" على وجهه جزماً أو غير جزم حسب ثبوت الرواية، وذلك بناءً على أحاديث رسول صلى الله عليه وسلم المذكورة.
8- وأما ما ورد عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه في اجتياز النهر، فكذلك نصدقه على وجهه وفق ثبوت الرواية، جزماً أو غير جزم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مدح سعداً بشخصه، فقال صلوات الله وسلامه عليه فيما أخرجه أحمد في مسنده من طريق عبد الله بن عمرو «أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَدَخَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ».
وفيما أخرجه ابن حبان من طريق ابن عمر قال : كنا قعودا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:« يدخل عليكم من ذا الباب رجل من أهل الجنة »، قال: فإذا سعد بن أبي وقاص قد طلع
وكذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا الله سبحانه أن يجاب دعاء سعد كما ورد ذلك في المستدرك على الصحيحين للحاكم ودلائل النبوة للبيهقي وابن حبان من طريق قيس ابن أبي حازم قال : سمعت سعدا ، يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم استجب له إذا دعاك» قال الحاكم في مستدركه عن الحديث "هذا حديث صحيح الإسناد"
وفي رواية اجتياز النهر عند فتح المدائن حيث عبور النهر، فإن سعداً قد استنفر الجند وقال: " وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو قبل أن تحصدكم الدنيا، ألا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم" ثم دعا الله سبحانه وقال للجند: "قولوا نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل واللهِ لينصرن الله وليه وليظهرن دينه وليهزمن عدوه، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" ثم عبر وتلاحق الناس في العبور، وعامت بهم خيولهم...
وهو وإن كان في بعض الروايات أنه قد كان في النهر مخاضات تخاض إلى صلب الفرس إذا لم يكن مدّ، وأما في حالة المد فالمياه ترتفع كثيراً، وبخاصة عندما اقتحم سعد النهر... وقد يكونون اجتازوا النهر من مخاضات معينة، ومع ذلك فإن ما يفهم من رواية فتح المدائن، أن سعداً والجند قد خاضوا النهر وهو كثير ماؤه.
وقد ورد في بعض الروايات أن أحدهم قد غرق أثناء العبور، فقد ذكر ابن الكلبي أن سليل بن زيد: قد شهد فتوح العراق فغرق يوم عبر المسلمون إلى المدائن في دجلة، وأنه لم يغرق غيره. وذكر الطبري في تاريخه أن المسلمين حين عبروا دجلة سلموا عن آخرهم إلا رجلاً من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له شقراء فرمى القعقاع بن عمرو إليه عنان فرسه فأخذ بيده حتى عبّره.
أي أن هناك من غرق، وهناك من زال عن ظهر فرسه ثم أخذ بيده القعقاع...
ولكن في جميع الحالات، فسواء أكانت خارقة للعادة ام كانت مهارة، فكون سعد مستجاب الدعاء وأنه دعا بالنصر وهزيمة العدو...وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر سعداً من أهل الجنة ودعا له بالدعاء المستجاب، فإننا نأخذ بهذه الأحاديث ونصدق الرواية على وجهها، جزماً أو غير جزم وفق ثبوتها.
والخلاصة:
*الكون مُسخر للإنسان وفق قوانينه وخصائصه،
*تعطيل أي من هذه القوانين والخصائص هو تخصيص للنصوص العامة في تسخير الكون للإنسان.
* وبالتالي فإن تصديق أي خرق للعادة يحتاج إلى نص.
* فإن لم يكن هناك نص فالأمور جارية وفق الفطرة التي فطر الله الخلق عليها.
*وإن كان هناك نص آمنا به على وجهه كمعجزات الأنبياء وكالكرامات لغير الأنبياء التي وردت بها نصوص.
* وما عدا ذلك، أي ما لم يرد فيه نص، فإن أية أعمال أو أقوال عظيمة لافتة للنظر يقوم بها مسلم مهما بلغت تقواه، فإنها لا تكون خارقة للعادة، ولا هي خارقة لقوانين الكون، بل هي توفيق من الله سبحانه لعباده حيث النجاح في أعمالهم، أو حيث الوقاية من شرور أعدائهم.
|
|
20 جمادى الآخر 1430 هـ |
|
13/6/2009م |
|
|
|
|
|
جــواب ســؤال
الحكم الشرعي في “تجميد الأجنة” و “تحديد جنس المولود”
|
|
|
السؤال: هناك أبحاث علمية انتشرت هذه الأيام بشكل صريح، بعد أن كانت تبحث من قبل على استحياء، وهي "تجميد الأجنة، وتحديد جنس المولود"، وقد أصبحت في بلاد الغرب بضاعة رائجة، ثم انتقلت إلى بلاد المسلمين، ولم تبق مجرد أبحاث علمية، بل تجاوزت ذلك إلى إقبال بعض المسلمين على التعاطي معها، فما هو الحكم الشرعي في هذين الأمرين، وجزاكم الله خيراً.
الجواب:
قبل الإجابة، فإننا نقول إن الله سبحانه قد خلق الإنسان، وعلمه ما لم يعلم، وأوجد في الكون والإنسان والحياة خاصيات ومقاييس وتراكيب معينة تفتح مجالاً أمام الإنسان للاستفادة من علوم الحياة، واستخدام تلك العلوم فيما ينفع الناس، ومدح الله سبحانه العلم النافع والعلماء النافعين لأنهم الأقدر على الإيمان بالله والاستدلال بما يرونه من أسرار هذا الكون والإنسان والحياة على عظمة الخالق وحكمته وقدرته، فقال سبحانه {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال صلى الله عليه وسلم «... إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» رواه ابن ماجة من طريق أبي الدرداء رضي الله عنه.
غير أن الشيطان وأتباعه، وأهل الشر، قد سخّروا العلم للأذى والضرر، ولمسخ الحياة البشرية، وإخراجها عن الوضع السوي المستقيم، فاستخدمت تلك العلوم لغير ما كان يجب أن تستخدم فيه، فكان الاستنساخ، وتجميد الحيوانات المنوية، والبويضات، ثم الأجنة، وزرعها في غير أهلها، وكان تشريح الميت وبيع أعضائه، بل وخطف الأحياء وقتلهم والمتاجرة في أعضاء البشر، وإجراء التجارب المسماة علمية على الأجنة وتجميدها، والتلاعب بحياة الجنين، وانتزاع أعضائه تارة بحجة الطب، وتارة بحجة العلم.!
إن الله سبحانه يقول: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}، والأصل أن ينطلق العلم من هذه الكرامة التي جعلها الله للإنسان وميزه عن كثير من خلقه، وذلك لإسعاد البشر، وتحسين حياتهم الجسمية والعقلية... لكن أولئك العلماء الأشرار انطلقوا من مسخ الإنسان، إلى أدنى من الحيوان، وجعله حقل تجارب لكل شر وضرر.
بعد ذلك نقول:
إن الحكم الشرعي في موضوع السؤال، هو كما يلي:
أولاً: تجميد الأجنة.
لقد وجدت بعض حالات مرضية عند الأزواج تمنع إخصاب بويضة الزوجة من الحيوان المنوي للزوج، وذلك بالطريق الطبيعي، كأن يكون هناك انسداد في عنق الرحم او ضعف في تحرك الحيوانات المنوية للوصول إلى البويضة، أو غير ذلك من أسباب معروفة للمختصين، فكان أن توصل بعض العلماء إلى إخصاب البويضة خارج الرحم في أنبوب وفق ظروف مناسبة، حيث تعطي المرأة عقاقير مثل الكلوميد تجعلها تفرز العديد من البويضات في المرة الواحدة. ثم يقوم الطبيب المختص بإدخال منظار البطن ومسبارة في الموعد المحدد للإبياض (خروج البويضات) و شفط مجموعة من البويضات من المبيض … ثم يضع كل بويضة في طبق بترى Petri Dish في سائل خاص وتلقح هذه البويضات بحيوانات منوية من الزوج...
وبعد أن يتم ذلك الإخصاب في الأنبوب تعاد البويضة المخصبة "واحدة أو أكثر" إلى رحم الزوجة، وإذا قدر الله سبحانه الخلق من هذه البويضة المخصبة فإنها تعلق في الرحم وتنمو إلى نطفة فمضغة... وإن لم يقدر الله سبحانه الخلق من هذه البويضة المخصبة ماتت واندثرت.
ولأن كثيراً من الحالات تفشل، (نسبة الفشل قد تصل إلى 90%) ولاهتمام الزوج والزوجة في الحمل، فإنهم يعيدون الكرة، ويكون في ذلك إرهاق للمرأة، لأن المرأة عادة تعطى عقاقير وعلاجات مختلفة لحث المبيض على إنتاج عدد من البويضات، لأن التخصيب في الخارج "الأنبوب" ليس مضموناً، فيحث المبيض على إنتاج أكثر من بويضة ، حتى إذا لم تخصب هذه خصبت تلك، فيأخذوا المخصبة ويعيدوا زراعتها في الرحم، وأحيانا يعيدون إلى الرحم أكثر من بويضة مخصبة حتى إذا ماتت واحدة فقد تنجح الأخرى...
إن البويضات الملقحة تزرع في رحم المرأة بجهاز خاص، والمتَّبع أن تزرع في الرحم ثلاث بويضات لضمان نجاح واحدة منها، ويبقى عدد من البويضات المخصبة لم يزرع في الرحم، بل يستعمل في مرحلة لاحقة إذا لم تنجح البويضات التي زرعت في الرحم، أي أن البويضة المزروعة إذا فشلت، فهم ليسوا بحاجة إلى معالجة المرأة من جديد، وإرهاقها، بل إنهم يأخذون من البويضات المخصبة الزائدة، ويزرعونها في الرحم، وهكذا فكلما فشلت واحدة أخذوا الأخرى دون أن يعيدوا إرهاق المرأة بالأدوية من جديد.
غير أن فشل البويضة المخصبة الأولى المزروعة لا يتم فوراً، بل قد لا يكتشف إلا بعد ساعات أو أيام، وخلال هذه الفترة تموت البويضات المخصبة الأخرى الزائدة، إن لم يتم تجميدها في درجات حرارة مناسبة وفي ظروف مناسبة. ولذلك فإن البويضات الزائدة يُقام بتجميدها بالنيتروجين السائل لتكون جاهزة للزرع إن فشلت العملية الأولى.
وهكذا ظهرت فكرة تجميد الأجنة، وهي في الأصل لإعادتها إلى رحم الأم عند فشل التجربة الأولى، دون إرهاق المرأة بأدوية وعلاجات من جديد.
ثم أصبحت فيما بعد هذه الأجنة مادة تجارية وبخاصة في بلاد الغرب الكافر، فأصبحت تبقى في التجميد مدة طويلة قد تصل سنوات، وقد لا تعاد إلى الأم بل تباع لأزواج آخرين، أو حتى لنساء دون أزواج، وأصبح ما يشبه البنوك لخزن الأجنة المجمدة، وتختلط أحياناً الأجنة ببعضها، كما تناقلت الأنباء مؤخراً، وتعاد بويضة أخرى "غريبة" مخصبة للمرأة عند فشل التجربة الأولى... وهكذا تختلط الأنساب وتمسخ الحياة البشرية...
وكما قلنا فلا ينحصر التجميد في البويضات المخصبة، بل صاروا يجمدون البويضات، ويجمدون الحيوانات المنوية، ويبيعونها لمن يريد، ويسوِّقونها بأن هذه البويضة، أو ذلك الحيوان المنوي من أشخاص مميزين أو نحو ذلك...
هذا باختصار واقع الأجنة المجمدة، وهذا الباب له تفاصيل عدة في أبحاثهم، ولكن الواقع الإجمالي هو ما بيناه، ولا تخرج التفاصيل عنه.
وبناء عليه فإن الحكم الشرعي هو كما يلي:
1- إن لجوء الأزواج إلى التخصيب خارج الرحم كمعالجة مرَضية لوضعهما من حيث عدم الحمل بالطريق الطبيعي، هو جائز لأنه دواء، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي، أخرج أبو داود عن أسامة بن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي إلا الموت.
ولكن بشرطين:
الأول: أن يكون التخصيب في الأنبوب من ماء الرجل والمرأة المتزوجين بعقد صحيح، فعن رويفع ابن ثابت الأنصاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» رواه أحمد. فلا يجوز أن تخصب بويضة أي امرأة، إلا من ماء الزوج.
الثاني: أن يتم ذلك، أي التخصيب في الأنبوب ونقله إلى رحم المرأة في حياة الزوج، وليس بعد وفاته كما يتم في الغرب، حيث إنهم لا يرون مانعاً في نقل البويضة المخصبة المجمدة لرحم الأم في الوقت الذي تريد، سواء أكان زوجها حياً أم ميتاً! وهذا لا يحل في الإسلام، وذلك لأن حمل المرأة بلا زوج حي منذ بدء الحمل، حرام، وعليه عقوبة، فإن من بيِّنات الزنا الحمل دون زوج، فأي امرأة حملت ولا زوج فهي آثمة مرتكبة حراماً وإثماً عظيماً، وذلك لما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما، ولم يوجد منكر لقولهما من الصحابة، مع أن هذا الأمر مما ينكر لو لم يكن ثابتاً، وعليه فيكون إجماعاً.
فالحمل دون زوج هو من بيِّنات الزنا، وفيه الحد إن كان نتيجة المعاشرة الجنسية، وفيه العقوبة التعزيرية الشديدة إن كان الحمل بغير المعاشرة الجنسية أي بإدخال البويضة الملقحة في الأنبوب إلى رحم الزوجة بعد وفاة زوجها، فيكون الحمل بعد وفاة الزوج.
وهكذا فإن الإخصاب خارج الرحم ومن ثم نقله إلى رحم الأم، بأن يكون من الزوج للزوجة ، وفي حياة الزوج، فهذا جائز، أي أن ما يسمى "طفل الأنابيب" جائز بالشروط المذكورة.
2- أما تجميد البويضة المخصبة "أو البويضات المخصبة" الزائدة، انتظاراً لمعرفة نجاح التجربة الأولى، فإذا فشلت أخذوا البويضة المخصبة المجمدة ثم أعادوا زرعها في رحم الأم، فإذا فشلت أخذوا الأخرى... وهكذا.
فإن هذه البويضات المخصبة المجمدة "الأجنة المجمدة"، لو كانت هي يقيناً من الأم ولم تختلط بغيرها، لجاز إعادة زرعها في الأم بالشرطين المذكورين.
ولكن ما تناقلته الأنباء عن اختلاط الأجنة المجمدة يجعل تجميد الأجنة وإعادتها للأم عند فشل التجربة الأولى، يجعل هذه العملية لا تجوز لما يلي:
1- إن الاهتمام عادة يكون في البويضة المخصبة الأولى التي ينجح تخصيبها في الأنبوب، ثم إعادة زراعتها في الرحم، ويستمر بها الاهتمام والمتابعة لها.
2- إن البويضات المخصبة الأخرى الزائدة التي تُجَّمد، لا تتابع باهتمام ولا يلتفت إليها إلا بعد فشل الأولى، وهي كما قلنا لا تفشل فوراً بل تحتاج إلى وقت يقصر أو يطول للتأكد من الفشل، وخلال هذا الفترة تكون هذه البويضة المخصبة الزائدة أو الزائدات في التجميد.
3- ورد ت أنباء عن اختلاط الأجنة "البويضات المخصبة" المجمدة، وهذه الأنباء تجعل اختلاط الأنساب أمراً وارداً عن طريق اختلاط تجميد الأجنة.
4- إن التجربة الأولى في حالة نجاحها ، تتطلب إتلاف الأجنة المجمدة الزائدة، غير أن هذا الإتلاف يبقى غير مؤكد، وعدم إتلافه يبقى مظنوناً، وبخاصة والأنباء كذلك ترد عن تجارة الأجنة المجمدة.
ولأن القاعدة الشرعية "الوسيلة إلى الحرام حرام"، وغلبة الظن في القاعدة تكفي، ولأن اختلاط الأجنة المجمدة، سواء أكان بطريق الخطأ أم بالتعمد للغرض التجاري، يؤدي إلى اختلاط الأنساب وهو حرام، حيث إن الإسلام قد أوجب حفظ الأنساب وصيانتها، فقد أخرج ابن ماجة في سننه من طريق ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وأخرج الدارمي من طريق أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أنزلت آية الملاعنة : «أيَّما امرأة أدخلت على قوم نسباً ليس منهم فليست من الله في شيء، ولم يدخلها الله جنته».
وعليه فإن هذه الوسيلة، أي تجميد الأجنة الزائدة هو حرام، ويجب إتلاف البويضات المخصبة الزائدة عن تلك التي أعيدت للرحم أول مرة أي إتلاف البويضات المخصبة الأخرى في الحال دون تجميدها احتياطاً لفشل التجربة الأولى, بل إذا فشلت الأولى، فإن الزوجة تعالج مرة أخرى لإيجاد بويضة مخصبة جديدة كما حدث في الحالة الأولى، والإرهاق الناتج للمرأة ليس سبباً لتجميد الأجنة التي تؤدي لاختلاط الأنساب وبالتالي الحرام.
وقد يقال إن القاعدة الشرعية تتطلب غلبة الظن باختلاط الأجنة المجمدة، والوارد هو الظن وليس غلبة الظن، وبخاصة إذا كانت الجهة المعالجة موثوقة، وتقوم بتجميد الأجنة بطريقة مأمونة، كما أنها تقوم بإتلاف الأجنة المجمدة الزائدة في حالة نجاح التجربة الأولى، فلماذا إذن نقول بتحريم تجميد الأجنة الزائدة التي تجنب المرأة الإرهاق من جديد لإخصاب بويضة جديدة في حال فشلت الأولى.؟
والجواب على ذلك، صحيح أن المطلوب للقاعدة غلبة الظن، وهو في حالة كون الجهة المعالجة مأمونة، غلبة الظن هذه غير متوفرة، نعم إذا توفرت الطمأنينة التامة بعدم اختلاط الأجنة فإنه يجوز بشرط أن يتلف الباقي عند نجاح أول تجربة، ولكن هذا الأمر من الحساسية بمكان، وما تناقلته الأنباء يجعل الطمأنينة مهزوزة في مرحلتين:
الأولى: الفترة التي تمكثها التجربة الأولى للتأكد من النجاح وحدوث الحمل، خلال هذه الفترة تكون الأجنة الزائدة المجمدة ليست تحت الاهتمام والعناية، لأن المتابعة تكون لنجاح التجربة الأولى،
الثانية: أنه عند نجاح التجربة الأولى أو الثانية، يجب إتلاف الأجنة المجمدة الزائدة، ولكن هذا الإتلاف لا يكون تحت الاهتمام والمتابعة حيث أن المرأة إذا حملت، فلا يعنيها لا هي ولا زوجها متابعة الأجنة الزائدة المجمدة، وقد يكتفيان بسؤالٍ، فيقال لهما قد أتلفت...
فكيف تتوفر الطمأنينة وتجارة الأجنة المجمدة تتناقلها الأنباء؟!
ومع ذلك، فحتى لو لم تتوفر غلبة الظن لحصول التحريم وفق القاعدة المذكورة، فإنها ريبة، وقد أخرج الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، من طريق الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ».
والخلاصة:
يجوز تخصيب بويضة المرأة من مني زوجها، خارج الرحم في "أنبوب" علاجاً لموضوع حمل المرأة، ما دام ذلك غير ممكن بالطريق الطبيعي.
وبعد أخذ البويضة المخصبة وإعادة زرعها في الرحم، تتلف البويضات المخصبة الأخرى في الأنبوب.
فإذا نجحت التجربة الأولى بإذن الله، فليحمد الزوجان الله سبحانه، وإذا لم تنجح، فليعيدا الكرة مرةً أخرى، والتخصيب في الأنبوب من جديد، دون أن يعمدا إلى تجميد البويضات المخصبة الزائدة من التجربة الأولى.
كل ذلك جائز على أن تكون البويضة والحيوان المنوي من زوجين بعقد شرعي صحيح وفي حياة الزوج، أي أن يكون تخصيب البويضة خارج الرحم ثم إعادة زرعها في الرحم، في حياة الزوج.
|
ثانياً: تحديد جنس المولود:
منذ القدم كان من الناس من يحاول اختيار المولود الذي يريد، وإتلاف ما لا يريد بطريقته المتاحة له.
* ففي الجاهلية كانوا يريدون الذكور لمساعدتهم في الغزو وحفظ النسب فكانوا يئدون البنات أي يدفنوهن وهن أحياء {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}.
* وعندما أصبحت وسائل أخرى متاحة، بأن يُصوَّر ما في بطن الحامل، فإذا كان الجنين غير مرغوب فيه، استعملوا الإجهاض لإنزاله وهو في بطن أمه.
* ثم فيما بعد، وبخاصة عندما أصبحت تقنيات متطورة جديدة من حيث رقابة الظروف المحيطة بالجنين في بطن أمه، وجدوا أن الوسط ألحامضي هو أكثر ملاءمة للحيوان المنوي الأنثوي، والوسط القاعدي "القلوي" يناسب الحيوان المنوي الذكري، فإذن عمدوا إلى وسائل معينة لتنشيط الوسط القاعدي في رحم الأنثى قبل الجماع، وذلك بعمل غسيل قلوي داخلي في المهبل على اعتبار أنه يساعد على الخصوبة الذكرية.
وعمل غسيل "دش" مهبلي حامضي قبل الجماع، على اعتبار انه يساعد على الخصوبة الأنثوية.
* ثم بدءوا البحث عن الأنظمة الغذائية التي تساعد على إنتاج الوسط القاعدي في جسم المرأة، والأنظمة الغذائية التي تساعد على إنتاج الوسط الحامضي في جسم المرأة.
لقد رأوا أن الغذاء يؤثر في عملية تحديد جنس الجنين من ناحيتين:-
الأولى يغير الوسط الحمضي والقاعدي في عنق الرحم والمهبل .
فالبوتاسيوم والصوديوم يُحوِّل الوسط إلى قاعدي، وبالتالي يكون أكثر فرصة لإنجاب الذكور.
أما المغنيسيوم والكالسيوم فيجعل الوسط حامضياً، وبالتالي يكون أكثر فرصة لإنجاب الإناث.
الثانية يُحدث تغييراً في جدار البويضة لزيادة مدى استقبالية البويضة للحيوان الذكري أو الأنثوي
وهكذا فإنهم أوصوا بأن يتغذى الزوجان، وبخاصة المرأة التي ترغب في المولود الذكر، أغذية تنشط الوسط القاعدي، مثل نظام غذائي مالح، لحوم زائدة الملح، عدم تناول الحليب ومشتقاته، الإكثار من البهارات، وأكل الفواكه، وتناول أدوية تحتوي على البوتاسيوم... وهكذا من الأغذية التي تساعد على التكوين القلوي في الجسم.
وأما بالنسبة للمولودة الأنثى، فأوصوا بأغذية تساعد على التكوين الحامضي للجسم، مثل شرب الحليب ومشتقاته، تقليل الملح، الابتعاد عن أكل اللحوم وبخاصة المملحة، والابتعاد عن الفواكه، والابتعاد عن التوابل والبهارات... وتناول أدوية تحتوي على الكالسيوم، وهكذا من الأغذية التي تساعد على التكوين الحامضي في الجسم.
* ثم رأوا أيضاً طريقة أخرى، وهي أنهم وجدوا أن المرأة إذا أنزلت البويضة قبل إنزال الرجل المني، أي يأتي المني بعد وجود البويضة، وكان الإخصاب، كان المجال أكثر للمولود الذكر، وإذا أنزل الرجل المني قبل نزول البويضة، أي جاءت البويضة بعد المني، وكان الإخصاب، فإن المجال أكثر للمولود الأنثى... فمثلا إذا حدث الجماع مباشرة بعد حدوث الإباضة فان الكفة تَرْجَح للذكورة، والعكس صحيح. وهكذا، فإذا تم الجماع والبويضة موجودة (خلال يوم نزولها من المبيض) فيكون السبق للذكورة، أما إذا تم الجماع قبل فترة أطول من نزولها فإن السبق يكون لصالح الأنثى، وعليه يتم العزل في الأيام التي لا يرغب فيها جنس الجنين أنْ يتكون ويمتـنع عن العزل في الفترة التي ترجح فيها كفة الجنس المرغوب فيه...
وبهذا يكون العزل وسيلة لترجيح جنس الجنين.
وهذا يتطلب مراقبة وقت الإباضة عند المرأة، فلا يجامعها قبل الإباضة إذا كان يتوقع مولوداً ذكراً حتى لا تأتي البويضة بعد نزول المني، وعليه إذن أن يعزل في تلك الأيام، وعند الإباضة على الرجل أن يسرع في الجماع حتى ينزل المني والبويضة موجودة.
أما إذا كانت الرغبة بمولودة أنثى فعليه أن لا يجامعها بعد نزول البويضة بل في فترة المَبيض يعزل ولا يجامعها، وإنما يجامعها قبل نزول البويضة فوراً، لأنه إذا جامعها قبل نزول البويضة زيادة عن مدة معينة، فإن الحيوان المنوي يموت قبل أن يخصب البويضة.
ولعل هذه الأخيرة هي ما تشير إليه السنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري «وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتْ الْوَلَدَ»، ويوضحه ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحد أحبار اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم والرسول يجيبه في حديث طويل، إلى أن قال جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ الْوَلَدِ، فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم:
«فإذا اجتمعا، "أي ماء الرجل وماء المرأة"، فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ آنَثَا بِإِذْنِ اللَّهِ»، وبطبيعة الحال فإن علو ماء الرجل ماء الأنثى يعني أن يأتي ماء الرجل فوق ماء الأنثى، ولا يأتي شيء فوق شيء إلا إذا كان هذا الشيء موجوداً من قبل وفي هذه الحالة يكون المجال أكثر لمولود ذكر بإذن الله، وعكس ذلك إذا علا ماء المرأة ماء الرجل، فيأتي ماؤها بعد مائه، ويكون في هذه الحالة المجال أكثر لمولودة أنثى بإذن الله.
* ثم توصلوا إلى طريقة علمية قالوا عنها إنها أكثر تقنية، وهي طريقة التلقيح المنتخب للنطف كما سموها. وتقتضي هذه الطريقة إجراء تجارب على الحيوانات المنوية لفصل الصبغي الجنسي (الكروموسوم ) (X) الأنثوي عن الصبغي(Y) الذكري في أنبوب اختبار، أي فصله خارج الجسم بطرق مختلفة، وهذه تحتاج إلى تدخل طبي تقني...
وفكرتها عند العلماء أنهم وجدوا أن كروموزومات الحيوان المنوي YX "Y هو القسم الذكري فيه، X هو القسم الأنثوي فيه". ووجدوا أن كروموزومات البويضة هي XX "أي أن القسمين أنثويان". ووجدوا أن القسم الذكري في الحيوان المنوي Y إذا كان هو الذي لقّح البويضة وبالتالي ينتج "YX" أي جنين ذكر، وإذا القسم الأنثوي في الحيوان المنوي "X" هو الذي لقّح البويضة، وبالتالي ينتج "XX" أي جنين أنثى، وعليه فقد أجروا تجارب على فصل القسم الذكري "Y" في الحيوان المنوي عن الأنثوي "X"، ثم يقومون بتخصيب البويضة في الأنبوب بالقسم الذكري، إذا أرادوا جنيناً ذكراً، وتخصيب البويضة بالقسم الأنثوي في الحيوان المنوي إذا أرادوا جنيناً أنثى.
وهناك طريقة تشبهها مع اختلاف بسيط، وهذه الطريقة تتم بعد تخصيب البويضات في الأنبوب، ثم تفحص بعد تخصيبها، فالبويضة المخصبة التي تحمل XX تكون أنثى، والتي تحمل XY تكون ذكراً، ومن كانت ترغب الذكر تُزرع في رحمها البويضة المخصبة XY، ومن تريد الأنثى يزرع في رحمها البويضة المخصبة XX. والطريقتان متشابهتان من حيث الغرض، غير أن الأولى يتم فحص الحيوان المنوي قبل التخصيب وفصل القسم الذكري عن القسم الأنثوي، وأما الثانية فيتم فحص البويضات المخصبة "الأجنة"، ومن ثم فصل الأجنة الذكرية عن الأنثوية.
هذه هي مجمل محاولات البشر لاختيار جنس المولود منذ القدم وحتى عصرنا الحاضر.
وبعد معرفة الواقع، أي تحقيق المناط، نُبين الحكم الشرعي كما يلي:
أ- أما قتل المولود غير المرغوب به فهو حرام، لأنه قتل نفس عامداً متعمداً، وجزاؤه في الآخرة جهنم خالداً فيها {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، وعقوبته في الدنيا القصاص بالقود، أي القتل إن لم يعف ولي القتيل، أو الدية.
ب- وأما قتل الجنين وهو في بطن أمه عندما يعلم أهله أنه غير مرغوب فيه، كأن كان أنثى والوالد يريد ذكراً، فكذلك فهو حرام، وفيه عقوبة...، فقد أخرج البخاري ومسلم، من طريق أبي هريرة، واللفظ للبخاري قال:«اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ...»
ج- اتخاذ العزل، سواء أكان بعدم الجماع المؤقت لأيام معينة، أم كان بالجماع والإنزال الخارجي خلال تلك الأيام، وكذلك التغذية بأنواع معينة من الأغذية، أو غسل المهبل "دش" قاعدي أو قلوي، أو حامضي، فهو جائز ولا شيء فيه.
أما العزل فللحديث الذي أخرجه البخاري من طريق أبي سعيد الخدري قال: «... فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ وَقُلْنَا نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ» وأخرج مسلم نحوه.
وأما التغذية والغسل فلعموم الأدلة من حيث الأكل والشرب والغسل...
د- أما فصل القسم الذكري عن القسم الأنثوي من الحيوان المنوي ثم إجراء تلقيح البويضة بالقسم الذكري إذا أرادوا مولوداً ذكراً، وبالقسم الأنثوي إذا أرادوا مولوداً أنثى، أو فصل الأجنة الذكرية عن الأنثوية، ويزرع في الرحم الجنين المرغوب، فهذه العمليات لا تجوز لأنها ليست دواء، أي ليست علاجاً للحمل لامرأة لا تحمل ثم عولجت لتحمل، وبعبارة أخرى ليست علاجاً لعدم إمكانية تخصيب بويضة الزوجة بالحيوان المنوي للزوج بالطريق الطبيعي، فتم اللجوء للدواء لتخصيب البويضة في الأنبوب...، بل هي أمر آخر يتعلق بفصل الأقسام الذكرية عن الأنثوية في الحيوان المنوي أو فصل الأجنة، وليس معالجة للحمل المتعذر للمرأة بالطريق الطبيعي، أي أن هذه العمليات ليست دواء لمرض عدم الحمل.
وحيث إنها لا تتم إلا بكشف العورات، لأن عملية أخذ البويضات وإعادة زرعها تتطلب ذلك، وكشف العورات حرام، وهذا الحرام لا يجوز إلا في الدواء، وما دامت هذه العمليات ليست دواءً، فهي إذن حرام لا تجوز.
وفي الختام فلا بد من ذكر حقيقة مهمة، وهي متصلة بالعقيدة، أي يتوقف عليها إسلام المرء، وهذه الحقيقة أن هذه العمليات والإجراءات كلها لا تعني أن الإنسان يستطيع الخلق، بل هو يلاحظ خاصيات وصفات أوجدها الله سبحانه في الخصائص الذكرية والأنثوية وكيفية الإخصاب، ويحلل ما يشاهده، ويجري تجارب على ما يلاحظه... فيستعمل أغذية معينة، ويوجد أوساطاً معينة، ويفصل القسم الذكري عن الأنثوي... ويجري عمليات تخصيب ويعيدها في الرحم ...إلخ، وكل ذلك لا ينتج خلقاً بل يحتاج إلى قدرة الخالق سبحانه، فإذا قدر الله منه خلقاً حياً كان، وإذا قدر الله سبحانه منه خلقاً ميتاً كان، وإذا لم يقدر الله منه خلقاً لم يكن، مهما كانت التجارب وكانت.
فما قدر الله خلقه كان، وما لم يقدر خلقه لم يكن.
وهذا الأمر، أي أن الله سبحانه هو الخالق وحده، وأنه سبحانه هو وحده الذي يخلق الذكر ويخلق الأنثى، ثابت بأدلة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، ومنها:
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ الأنعام، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} الحجر،
{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} النحل ،
{هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} لقمان،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} الحج،
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ * ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} الحج،
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} المؤمنون
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} الشورى
{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} الانفطار
{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} آل عمران.
ولذلك يجب إدراك ذلك جيداً، حتى لا يزيغ المسلم أو يضل والعياذ بالله.
لقد أودع الله سبحانه العلوم في هذا الكون، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلمه، فجعل فيه خاصية العقل والتفكير والتدبر ليزداد الذين آمنوا إيماناً، ويُكب الذين كفروا على وجوههم خزياً في الدنيا، وعذاباً أليماً في الآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
|
|
18 جمادى الثانية 1430 هـ |
|
11/6/2009 |
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال
الأمراض والتعامل مع الجنّ
|
|
|
السؤال: هناك أمراض تصيب بعض الناس وينسبونها إلى الجن، وهناك من يدعي أنه يرى الجن ويسمعهم ويأمرهم وينجز كثيراً من الأعمال بتسخيرهم أو هم يسخّرون الناس. فهل من علاقة مادية حسية بين الناس والجن؟
الجواب:
1 - إن الجن من المغيبات عنا، فنحن لا نراهم، يقول سبحانه: {يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، أي إبليس وقومه، وبعبارة أخرى الجن، حيث إن إبليس من الجن. {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ}.
2 - إن الأصل في علاقاتنا معهم هو أنهم قادرون على الوسوسة يقول تعالى:
{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} وقال سبحانه: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ}، والشيطان هنا هو إبليس وهو من الجن.
3 - ليس للشياطين سلطان جبري على الإنسان، إلا أن يتبع الإنسان الشيطان باختياره، قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي}. وقال سبحانه: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، وقال سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}.
4- أية علاقة مادية غير هذا الأصل الذي بيَّنه الله سبحانه تحتاج إلى نص خاص بها، فإن وُجد نص بمثل هذه الحالة، فإننا نؤمن بتلك الحالة وفق النص.
فمثلاً سلطان سليمان عليه السلام على الجن وأمره ونهيه لهم...، هذا الأمر ورد نص فيه فنؤمن به، قال تعالى في سورة النمل عن سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} ، وقال سبحانه:
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.
5 - وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج أي واقعة مادية من باب المعاملات البشرية، مادام لم يرد نص خاص "بالوحي" بأن هذه المعاملة للجن علاقة بها، وكل الوقائع على هذا النحو، فإن عُثر مثلاً على رجل مقتول لا ينصرف الذهن إلى أن الجن قتلوه إلا أن يرد نص في ذلك، وهكذا فإنه في حادثة الرجل المقتول في خيبر قد انصبَّ البحث على من قتله من الناس، ولم ينصرف إلى الجن:
أخرج مسلم في صحيحه أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ في قِيرٍ فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ قَالُوا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ... ثم وصلت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ...» والقصة معروفة. ولم يدخل في بحث القضية عمل الجن من قريب أو بعيد.
6 - وعليه فما لم يرد نص يذكر علاقة مادية للجن في حادثة ما، فإن العلاقة تبقى بين الجن والإنس علاقة وسوسة لا تتجاوزها.
وحيث إن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم هي خاتم الرسالات، وانقطع الوحي بعدها، فلا نصوص جديدة، لذلك فلا علاقة مادية بيننا وبين الجن، بل هي فقط الوسوسة، وكما قلنا فلا سلطان لوسوسة الجن على المرء إلا أن يستجيب المرء لهذه الوسوسة باختياره.
وهكذا كانت تعالج الأمور المادية في عهد الخلفاء الراشدين، فلا ينصرف الذهن في أية واقعة مادية، قتل أو سرقة، أو نصب أو احتيال...، لا ينصرف الذهن إلى الجن بل إلى البشر، لأن علاقة الجن هي علاقة وسوسة، إلا إذا ورد نص خاص، وحيث لا نص خاص بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكل الوقائع المادية هي من البشر وليست من الجن، فعالمهم غير عالمنا، وعلاقتهم معنا علاقة وسوسة لا غير.
وبناء عليه ، فإن الإنسان إذا مرض فلا علاقة للجن في الموضوع، بل يعالج المرض وفق ما ورد في الإسلام، أي بالتداوي:
سواء أكان الدواء مادياً، كما جاء في الحديث من طريق أسامة بن شريك قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمْ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى فَقَالَ «تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ» أي إلا الموت، أخرجه أبو داود.
أم كان الدواء بالدعاء والرقية، كما ورد في الحديث الذي أخرجه مسلم من طريق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ لاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ أَنْتَ» أو نحو ذلك من أدعية من القرآن أو السنة أو أي دعاء وفقهما.
أما اللجوء إلى من يزعمون أن لهم علاقة مادية بالجن لشفاء المريض، فإنه نصب واحتيال من أولئك الدجالين الذين يوقعون بالبسطاء من الناس لابتزازهم وأكل أموالهم بالباطل.
|
|
18 جمادى الثاني 1430هـ |
|
11/06/2009م. |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
حقيقة الموقف الدولي تجاه التجارب النووية لكوريا الشمالية
|
|
|
السؤال: في يوم 25/5/2009 أعلنت كوريا الشمالية أنها أجرت تجربة نووية ناجحة. وكانت قد هددت من قبل، في يوم 8/5 الجاري بتعزيز قوتها النووية واتهمت إدارة أوباما بمواصلة الأعمال العدائية ضدها. وقد رفضت العودة لمباحثات السداسية. وفي 27/5/2009 أعلنت أنها "غير ملتزمة بالهدنة الموقعة بينها وبين أمريكا وذلك ردا على مشاركة كوريا الجنوبية في المبادرة الأمنية الأمريكية لمنع انتشار الأسلحة النووية". (الجزيرة 31/5/2009).
فما حقيقة الموقف الدولي تجاه هذه الأحداث؟ وهل الأمور تسير نحو التصعيد إلى حافة حدوث حرب...، أو أن الحرب مستبعدة، وأن الأمور ستعود للمفاوضات؟
الجواب: نعم، إن الأمور قد ازدادت سخونة، وبخاصة بعد إعلان كوريا الشمالية عن عدم التزامها بالهدنة، وهي الهدنة التي كانت قد وقّعت بين كوريا الشمالية وأمريكا في 27/7/1953، والتي بموجبها توقفت الحرب الكورية التي اندلعت في 25/6/1950 بدون توقيع اتفاقية سلام بينهما. وكانت السخونة قد أصبحت لافتة للنظر منذ إجراء تجربة كوريا الشمالية النووية الأولى في تشرين الثاني الأول/أكتوبر عام 2006، ثم ازدادت سخونة عندما أجرت الشهر الماضي تجربة على صاروخ بالستي، ما يعني أنها قادرة على قذف قنبلتها النووية بصاروخ بعيد المدى وليس حملها بطائرة يمكن اعتراضها ومنعها من الوصول إلى هدفها، وازدادت سخونة أكثر قبل أيام في 25/5/2009م عندما أعلنت كوريا الشمالية أنها أجرت تجربة نووية ناجحة أخرى.
أما الموقف الدولي:
1- لقد صدرت ردود فعل عالمية دعت إلى استصدار قرار في مجلس الأمن الدولي بمعاقبتها فما كان من كوريا إلا أن هددت بالقيام بخطوات أخرى حيث نقلت وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرسمية في 25/5/2009 عن ناطق باسم وزارة الخارجية الكورية الشمالية قوله:" أذا قام مجلس الأمن باستفزازات جديدة فلن يكون أمامنا من خيار سوى اتخاذ خطوات إضافية للدفاع عن أنفسنا".
2- أما ردة فعل الولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد صرح رئيسها باراك أوباما: "إن برنامجي كوريا الشمالية النووي والصاروخي يشكلان تهديدا خطيرا للسلام والأمن في العالم. إنني أدين بشدة عملها الطائش هذا. أن أعمال كوريا الشمالية تهدد سكان شمال شرق آسيا كما تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي وتتعارض مع التزامات كانت أعطتها كوريا الشمالية سابقا. الآن يجب على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي اتخاذ إجراءات ردا على ذلك". ( روسيا اليوم 25/5/2009) وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في مؤتمر الأمن والدفاع المنعقد في سنغافورة بأن :" الولايات المتحدة لن تقبل بوجود كوريا شمالية مسلحة نووية. وحذر من اندلاع سباق تسلح نووي". وقال:" أن الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة اليدين بينما تواصل كوريا الشمالية قدرتها على أن تعيث خرابا بأي هدف تريده" وقال:" إن إدارة بارك أوباما ستحمل بيونغ يانغ كامل المسؤولية عن نقل التكنولوجيا النووية، سواء أكان ذلك لدولٍ أم منظمات غير رسمية باعتباره تهديدا خطرا للولايات المتحدة وحلفائها". (الجزيرة 30/5/2009). وهكذا فقد أظهرت أمريكا بهذه التصريحات سخطها من تصرفات كوريا الشمالية، وأشارت بأنها تهدد السلام العالمي وبالأخص منطقة شمال شرق آسيا. وهي أي أمريكا ستتخذ إجراءات ضد كوريا الشمالية، وحذرتها أمريكا من نقل التكنولوجيا النووية إلى دول أخرى أو منظمات غير رسمية.
إن قصة أمريكا مع البرنامج النووي لكوريا الشمالية لم تبدأ أمس، بل بدأت منذ عام 1986 عندما طلبت أمريكا معلومات وتفاصيل عن برنامجها النووي ورفضت كوريا تسليمها لها، وسلمتها للصين، وكان عدد الوثائق 19 ألف صفحة. وقد حصل اتفاق بين أمريكا وكوريا الشمالية عام 1994م، بعدما هددت أمريكا بضرب المفاعل النووي لكوريا الشمالية، ينص هذا الاتفاق على أن توقف كوريا الشمالية برنامجها النووي، وتغلق مفاعلها النووي في يونجبون الذي بدأت نشاطها النووي فيه عام 1987، مقابل أن تزودها أمريكا بمفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف. ولكن أمريكا لم تف بوعودها، فاستأنفت كوريا نشاطها النووي وأعادت تشغيل مفاعل يونجبون وطردت المراقبين الدوليين من البلاد، في نهاية عام 2002، وذلك على اثر اتهام أمريكا لكوريا الشمالية أن لها برنامجا نوويا سريا، واتهام كوريا الشمالية لأمريكا بالنكوص عن وعودها بتقديم مفاعلين نوويين يعملان بالماء الخفيف. وفي تشرين أول/أكتوبر 2006 أعلنت كوريا الشمالية عن إجراء أول تجربة نووية. وفي شباط/فبراير عام 2007 تم الاتفاق في السداسية التي تضم كوريا الشمالية نفسها وأمريكا وروسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية على إغلاق مفاعلها النووي يونجبون مقابل مساعدات تقدم لها لتزويدها بالوقود. وقد أعلنت أمريكا أنها ستقدم لكوريا الشمالية 25 مليون دولار. وبعد نقل الأموال هذه إلى كوريا الشمالية سمح لفرق التفتيش والمراقبين بالدخول وأغلق مفاعل يونجبون. وفي تموز/ يوليو 2008 سلمت كوريا الشمالية تقريرها المتعلق ببرنامجها النووي في إطار صفقة تخليها عن برنامجها النووي. وقد توقفت مباحثاتهما في نهاية العام الماضي؛ عام 2008 على اثر خلافات بينهما بسبب الدعوة إلى التأكد من التزام كوريا الشمالية بالتزاماتها التي تعهدت بها في الاتفاقيات السابقة. وفي بداية العام الجاري أعلنت عن انسحابها من السداسية وإعادة تشغيل مفاعلها النووي في يونجبون بعد أن طردت المفتشين الدوليين من البلاد وهددت باستئناف تجاربها النووية. وفي الشهر الماضي؛ وفي بداية شهر نيسان/ابريل أجرت تجربة لإطلاق صاروخ طويل المدى يحمل قمرا صناعيا كما ذكرت. فاتخذ مجلس الأمن قرارا يدينها ويطلب تطبيق العقوبات عليها التي جمدت من قبل بعد قرار مجلس الأمن رقم 1718 عام 2006 عقب إجرائها أول تجربة نووية. فأعلنت مرة ثانية في 14/4/2009 على اثر قرار مجلس الأمن الذي صدر قبل يوم من هذا التاريخ أنها انسحبت من السداسية، وأعلنت انه لا جدوى منها، وأنها غير ملتزمة بأي اتفاقيات أبرمت خلال المحادثات السداسية. وقبل عدة أيام؛ أي في يوم 25/5 من الشهر الحالي أعلنت عن إجراء تجربتها الثانية بنجاح.
يتبين من ذلك أن أمريكا كانت تعمل على خداع كوريا الشمالية بحيث توقف كل نشاطها النووي مقابل لا شيء سوى وعود والتزامات كاذبة أو التزامات تتأخر بتحقيقها أو تتراجع عنها أو عن قسم منها، إلا أن كوريا الشمالية كانت واعية، فكلما رأت من أمريكا مراوغة تعود إلى استئناف نشاطها النووي. ويظهر أن أمريكا ليست حاسمة لحد النهاية في هذا الموضوع. وربما يمنعها من ذلك إنها لا تريد أن توتر علاقاتها مع الصين وتوجد قطيعة بينهما لوجود مصالح لها في الصين أهم وأكبر من المفاعل النووي الكوري الشمالي.
كما أنه يفهم من تصرفات أمريكا وتصريحاتها وردود الفعل عليها في تلك المنطقة أن لها أهدافاً أخرى، ومنها تعزيز وجودها في المنطقة لتبقي سيطرتها محكمة عليها بحيث تبقى دول المنطقة محتاجة للحماية الأمريكية، فتتمكن من ابتزازها واستغلالها، وخاصة أن لها وجوداً عسكرياً كبيراً في هذه المنطقة، حيث يبلغ عدد القوات الأمريكية فيها حوالي 250 ألف جندي أمريكي. فنرى وزير دفاع أمريكا روبرت غيتس يعقد اجتماعا خاصا مع وزيري دفاع كوريا الجنوبية واليابان على هامش المؤتمر الأمني المنعقد حاليا في سنغافورة ويعلن بعد هذا الاجتماع:" انه من المهم أن تتعاون كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة والعالم اجمع كي تواجه هذه المشكلة أطراف متعددة". (راديو سوا 31/5/2009) ما يعني أن أمريكا، تحاول استغلال هذه المشكلة لبسط هيمنتها على المنطقة واثبات قيادتها للعالم، وإخافة الصين من أنها، أي أمريكا، ربما تشعل حربا هناك مع جارتها وحليفتها كوريا الشمالية، في أية لحظة، أي أن أمريكا من خلال هذه المشكلة تحاول ابتزاز الصين في نزع تنازلات منها، وتسهيلات في الاقتصاد والتجارة والمال وفي السياسة المتعلقة بالمنطقة، وتمنع ضم تايوان إلى الصين أو تؤخره، وتبقى مطوِّقة الصين ومرابطة على حدودها بذريعة كوريا الشمالية وأسلحتها النووية وصواريخها. وليس هذا غريبا على أمريكا فهي تسوِّق نصب صواريخ مضادة في بولندا ورادارات في التشيك تجاه روسيا بذريعة الصواريخ الكورية ومن ثم الإيرانية.
3- أما موقف الصين، فإنه، على أثر التجربة النووية الأخيرة لكوريا الشمالية، كان موقف الصين داعيا إلى التهدئة واللجوء إلى الدبلوماسية. فقد دعا رئيس هيئة الأركان الصينية الفريق ما شأو تيان في مؤتمر الأمن والدفاع المنعقد في سنغافورة إلى" انتهاج أسلوب الهدوء والتروي بخصوص كوريا الشمالية، ودعا إلى إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل. (الجزيرة 30/5/2009)، ما يدل على أن الصين لا ترضى بضرب كوريا الشمالية. كما أن الصين تستغل هذه القضية، كما استغلتها أمريكا أيضاً، فهي، أي الصين، تستخدم ورقة تأييدها لكوريا الشمالية في قضيتها جزيرة تايوان، وذلك لضمها إليها، محاولة استعمالها ورقة ضغط ضد أمريكا لتقبل أمريكا بضم الصين جزيرةَ تايوان، فالصين، كما هي أمريكا، تحاول استغلال المشكلة باتجاه تايوان، ولكن في اتجاهين متعاكسين.
4- أما كوريا الجنوبية فلا تريد للأمور أن تتوتر أكثر، وان تحصل حرب على حسابها. فقد صرح وزير الدفاع الكوري الجنوبي لي سانغ في هذا المؤتمر:" إن بلاده ستعمل على حل الأزمة مع كوريا الشمالية في إطار المحادثات السداسية والمجتمع الدولي". (نفس المصدر السابق) وكانت تعمل كوريا الجنوبية للمصالحة مع كوريا الشمالية باستمرار، وقد عقدت قمتين بين رئيسيهما في عام 2000 وفي عام 2007 وكل ذلك بمبادرة من كوريا الجنوبية.
5- وأما موقف روسيا فقد أعلن المكتب الإعلامي للرئيس الروسي عقب محادثات هاتفية بين الرئيس الروسي مدفيديف ورئيس وزراء اليابان تا رو آسو بأن" الطرفين اتفقا على ضرورة اتخاذ رد الفعل الأقوى تجاه هذه التصرفات التي تمثل تحديا لنظام الأمن الدولي". ( روسيا اليوم 30/5/2009) وقد دعا الكسندر بوررودافكين نائب وزير الخارجية الروسي من قبل بيونغ يانغ إلى الامتناع عن عملية إطلاق صاروخها البالستي. (روسيا اليوم 27/3/2009)، ما يدل على أن موقف روسيا مغاير للموقف الصيني من كوريا الشمالية. وان روسيا تهدف إلى علاقات جيدة مع اليابان باتخاذها هذا الموقف، وليست لها مصلحة في أن تطور كوريا الشمالية برامجها النووية والصاروخية، ولا تريد أن تتخذها أمريكا وسيلة لإحكام سيطرتها في المنطقة. وتريد منها أن تبقى في دوامة المحادثات في إطار السداسية ولا تخرج عنها حتى يتم التوصل إلى حل يوقفها عن تطوير برامجها النووية والصاروخية وبالتالي إنهاء ما يسمى بمسألة شبه الجزيرة الكورية.
6- أما أن تؤدي سخونة الأحداث إلى نشوب حرب، وبعبارة أخرى أن تشن أمريكا حرباً على المنشآت النووية لكوريا، فإن هذا مستبعد، على الأقل في المدى المنظور، فإن أمريكا لم تقم بمثل هذا عندما كانت كوريا الشمالية لا تمتلك القنبلة النووية ولا تمتلك صواريخ بالستية، في الوقت الذي كانت فيه أمريكا تعلم أن كوريا تسير نحو ذلك، وكانت تتوقع أن تصل إلى القدرة النووية، فكيف إذن تشن حرباً عليها الآن وقد امتلكت أسلحة نووية، وبخاصة وأن علاقة كوريا مع الصين لازالت قوية؟ ولذلك فإن احتمال شن أمريكا حرباً الآن على كوريا الشمالية بعد أن امتلكت هذه القدرة، هذا الاحتمال ضعيف ومستبعد كما قلنا، على الأقل في المدى المنظور. ولكن المتوقع أن تلجأ أمريكا إلى وسائل أخرى لمحاولة احتواء كوريا الشمالية عن طريق المفاوضات والإغراءات، وعن طريق تقرب كوريا الجنوبية إليها بمختلف الوسائل حتى تتمكن من اختراقها، وإيجاد قنوات اتصال مع بعض الأعوان في الداخل، ومن ثم تَبَدُّل القيادة فيها، ومجيء قيادات أكثر اعتدالاً، أي مجيء قيادة يمكن أن تتفاهم مع أمريكا وتقبل عروضها أو إغراءاتها، كما حدث في كافة الدول الاشتراكية التي كانت تتبنى الشيوعية، وبخاصة وأن كوريا الشمالية تعاني من أزمة اقتصادية ضائقة ومن عزلة خانقة... وكل ذلك وإن لم يكن مضمون النتائج، إلا أنه من المتوقع أن تبذل أمريكا الوسع فيه.
|
|
7 جمادى الثاني 1430 هـ |
|
31/5/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
التقارير التي تتحدث عن انتهاء الأزمة المالية وبوادر التعافي الاقتصادي
|
|
|
السؤال: نشرت مؤخرا وسائل الإعلام الغربية تخمينات لشركات صحفية مفادها أن أسوأ مراحل الأزمة المالية قد انتهت، وأن بعض اقتصاديات الدول الغربية قد بدأت بوادر التعافي الاقتصادي بالظهور فيها، وهو ما يعتبر أول ثمرة للجهود التي بذلت. وقد ذكرت هذه التقارير الصحفية أراء لخبراء اقتصاديين وسياسيين متفائلين بالبورصات، والأرباح البنكية، وقولهم إن عودة سعر النفط بالارتفاع مؤشر على أن الاقتصاد العالمي قد وصل إلى أدنى مستوياته وبدأ بالتعافي مما أدى إلى ارتفاع أسعاره مجدداً! فهل حقاً إن هناك تعافياً في الاقتصاد؟ وإن لم يكن كذلك، بل هو مجرد فرقعات إعلامية لإعادة الثقة بالنظام المالي العالمي، فما الذي جعل هذه الظواهر تتراءى في الأسهم والسلع في البورصات، وفي ارتفاع سعر البترول؟
الجواب: إنه من الخطأ النظر إلى المؤشرات المالية فحسب، كالنظر إلى ارتفاع قيمة الأسواق المالية أو ارتفاع أسعار السلع للحكم على تعافي الاقتصاد. بل لا بد من النظر في حجم إنتاج الشركات، ومجموع الدخل القومي، وأعداد العاطلين عن العمل، وأسعار السلع على المستهلك، وحجم نفقات المستهلكين والشركات، وأعداد بيوت الرهن العقاري، وحالات إعلان الإفلاس، والتي طالت الشركات العريقة مثل جنرال موتورز...، ومظاهر اقتصادية أخرى، ومن ثم يتبين أنه لا يوجد في جميع أنحاء العالم أي مؤشر ايجابي يشير إلى تعافي الاقتصاد!
وسنذكر فيما يلي بعض المعطيات التي تدل على بقاء الأزمة:
1- حالة الاقتصاد في أمريكا:
وصلت نسبة البطالة فيها إلى 8.9% وهي أعلى نسبة منذ 26 عاما، وانخفض مستوى الدخل القومي بنسبة 6.1% في الربع الأول من هذا العام. ولكي يتناسب حجم المبيعات مع السلع خفضت الشركات من السلع المعروضة لأدنى مستوى لها منذ الحرب العالمية الثانية حيث تم خفضها بما يعادل 103.7 بليون دولار في الربع الأول لعام 2009 بعد أن تم خفضه في الربع الرابع من عام 2008 ب 25.8 بليون دولار، وقد تم خفض حجم الاستثمارات السنوية بنسبة 38%، وانخفض حجم الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 30% في الربع الأول من عام 2009، بعد انخفاضها بنسبة 23.6% في الربع الرابع من عام 2008. كما ارتفع عدد حالات الحجز على الرهن بسبب العجز عن السداد في شهر آذار 2009 ليصل إلى 341.180. وهذا الرقم يشكل زيادة بنسبة 17% منذ شهر شباط 2009 و 46% منذ شهر آذار 2008. يضاف إلى كل هذا أن الحكومة الأمريكية أنفقت بلايين الدولارات على البنوك المنهارة وعلى الشركات المقرضة. فإذا كان هذا هو حال الولايات المتحدة فلا شك أن بقية الدول الغربية تعاني مثلها.
2- حالة الاقتصاد في ألمانيا:
لقد وصلت نسبة البطالة في ألمانيا إلى 8.2%، وهي أعلى نسبة تصل إليها منذ الحرب العالمية الثانية، ولولا قرب الانتخابات وطريقة الحكومة في الإعلان عن نسبة البطالة لكانت نسبة البطالة المُعلن عنها أكبر من هذه النسبة. فقد صرح مكتب العمال الفدرالي في 28/5/2009 أن معدل فقدان الموظفين لوظائفهم في ازدياد وأنه قد تم تغيير الإحصائيات الحقيقية لنسبة فقدان الموظفين لوظائفهم، هذا إلى جانب تقليص ساعات الدوام اليومي لمحاولة التخفيف من الزيادة في نسبة البطالة. وقد لاحظ الخبير الاقتصادي في قطاع الاعتماد "اندرس ريز" أنه قد تم التلاعب بإحصائيات البطالة كي تظهر على عكس حقيقتها، ولكي تظهر على أنها تحسنت في شهر حزيران حيث قال" إنه مما لا شك فيه أن هناك العديد من الموظفين سيفقدون وظائفهم قريبا... القطاع الوظيفي بقي نقطة الضعف في طريق تعافي الاقتصاد الألماني"
وزيادة على ذلك فإن إدارات المصانع الثقيلة ومصانع المعدات قد أبدت قلقها في أن الصناعة الألمانية ما زالت ضعيفة عالمياً ولا تتناسب مع المتطلبات العالمية.
وشهد القطاع الهندسي الألماني انخفاضا بمعدل 58% في شهر نيسان مقارنة مع العام الماضي، وهو ما يعتبر أكبر انتكاسة لهذا القطاع منذ نشأته، حيث قالت مؤسسة المصانع الثقيلة أنه " قد حدث تقلص في الطلب العالمي إلى 60% والطلب المحلي إلى 52%. وتتوقع الحكومة الألمانية صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي أن تتعاقد بنسبة 6% فقط لهذا العام وهي أدنى نسبة تصل إليها، وبعض المراقبين الاقتصاديين أكثر تشاؤما من الحكومة.
3- حالة الاقتصاد في أوروبا بشكل عام:
لقد تدنى بيع التجزئة (المفرق) بشكل متسارع في شهر آيار 2009 بسبب ارتفاع نسبة البطالة، أي أن المستهلكين قد أحجموا عن الإنفاق، حيث رأى مدراء شركات "بلومبورغ" أن المستهلكين ما زالوا يسمعون أخباراً سيئة عن سوق العمل من أن نسبة البطالة ستظل في ارتفاع. وقال نك كونس رئيس الاقتصاديين الأوروبيين في بنك فورتس نثرلاند في أمستردام " لقد ارتفعت نسبة البطالة في أوروبا إلى 8.9% في آذار وهي أعلى نسبة منذ ثلاث سنين، وسترتفع النسبة العام القادم إلى 9.9% ومن ثم إلى 11.5% عام 2010 بحسب المفوضية الأوروبية. وسيتقلص اقتصاد منطقة اليورو بمقدار 4% هذا العام بحسب المفوضية الأوروبية، وذلك لانتكاس الصادرات وتقليص الشركات لعدد العاملين فيها.
4- حالة الاقتصاد في اليابان:
لقد وصلت نسبة البطالة في اليابان في شهر نيسان2009 إلى 5% وهي أعلى نسبة منذ خمس سنين، فقد ورد في التقرير الشهري الصادر عن وزارة الداخلية والاتصالات أنّ هناك 3.46 مليون عاطل عن العمل، وهي أعلى بـ 25.8% من شهر نيسان العام الماضي. وهناك 46 وظيفة فقط متوفرة لكل 100 باحث عن وظيفة، ما يجعل هذه النسبة الأسوأ منذ عام 1999.
وقد أصدرت الحكومة مؤشّراً لأسعار المواد الاستهلاكية الرئيسيَة والذي أظهر تراجعا بنسبة 0.1% في شهر نيسان مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. وقد أظهر مؤشّر الأسعار للمواد الاستهلاكية - والذي يستثني أسعار الطعام الطازج- انخفاضا في شهر آذار وهو الانخفاض الأول له منذ عام ونصف، وقد أظهر انخفاضا في الطلب وسط الركود الاقتصادي العالمي.
كما انخفض معدل إنفاق العائلات في نيسان بنسبة 1.3% بالمقارنة مع نفس الشهر للعام الماضي، والإنفاق العائلي يعتبر مؤشر رئيس للاستهلاكِ الخاصِّ، ويعد ذلك أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الياباني. وقد تقلص الناتج المحلي الإجمالي لليابان بنسبة 10%، حيث بدأ تقلص الناتج المحلي الإجمالي لليابان منذ شهر كانون الثاني إلى شهر آذار على نحو شكل أسوأ انتكاسة للاقتصاد الياباني منذ عام 1947. حيث قال "جلن ميجر" رئيس مجمع الاقتصاد الأسيوي" بشكل عام فإن نسبة 10% من التراجع في النمو يعد كسادا، وكادت اليابان أن تصل لهذا الحد بانكماش الاقتصاد الياباني بنسبة 9.7% خلال العام الحالي. وهذا يؤكد على أن الأزمة الاقتصادية قد ضربت الاقتصاد الياباني - وهو اقتصاد نامي- ضربة شديدة ".
5- حالة الاقتصاد العالمي:
لعل أكثر المؤشرات دلالة على إن كان الاقتصاد العالمي في طريقه للتعافي أم لا هو صحة الاقتصاد العالمي الحالي. فبحسب صحيفة النيويورك تايمز فإن الاقتصاد في الدول النامية قد مر بأسوأ ربع عام له منذ عقود، وقالت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في 25/5/2009 أن هناك مؤشرات تدل على أن الأسوأ قادم، وأن مجموع الناتج المحلية الإجمالية لثلاثين بلد في المنظمة تقلص بنسبة 2.1% في الربع الأول من هذا العام بالمقارنة مع الربع الذي سبقه، وانه إذا استقرت النسبة على هذا الرقم فإن هذا الانخفاض سيكون الأدنى منذ 1960، منذ أن بدأت المنظمة جمع مثل هذه المعلومات. وقد انخفض الناتج القومي لأعضاء المنظمة بنسبة 2% في الربع الأخير لعام 2008.
ويشكل اقتصاد دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 71% من مجموع الدخل القومي العالمي بحسب البنك الدولي. وقد تقلصت هذه الاقتصاديات ب 4.2% في الربع الأول من السنة الماضية. وكانت مساهمة أمريكا فيها 0.9% بينما كانت مشاركة اليابان 1% ومشاركة أكبر 13 دولة في منطقة اليورو 1.3% بينما مشاركة باقي الدول كانت 1%. بينما الصين والتي تعتبر أحدى الدول القليلة غير المشاركة في عضوية المنظمة استمر اقتصادها في النمو في الربع الأول.
وكل هذا يدل على أن الواقع الحقيق للاقتصاد العالمي لم يتعاف من الأزمة الاقتصادية، بل هو لا يزال يعاني منها.
أما لماذا لوحظ الارتفاع في أسواق الأسهم وأسعار السلع والخدمات فإنه يعود إلى أسباب ثلاثة:
أولا: دعم الحكومة الأمريكية لشركة التأمين (AIG) بـ 173 بليون دولار من أموال دافعي الضرائب، أنفقت منها الشركة 90 بليون دولار لتسدد ديونها للبنوك الأمريكية والأوروبية. وفي 15/3/2009 تبين أن شركة (AIG) قامت بتوزيع الأموال على العديد من البنوك والمؤسسات، حيث حصل بنك (Goldman) على ما مجموعه 12.9 بليون دولار، وبنك (Merrill Lynch) على 6.8 بليون دولار، وبنك (Bank of America) حصل على 5.2 بليون، و (Citigroup) حصل على 2.3 بليون دولار، و (Wachovia) حصل على 1.5 بليون دولار، و(Barclays) حصل على 8.5 بليون دولار، و (UBS) السويسرية حصلت على 5 بليون دولار.
وحول أهمية إنقاذ (AIG) علق رئيس الاحتياطي الأمريكي (Ben S. Bernanke) بالقول: ( هذه شركة AIG قامت بمختلف المراهنات غير المعقولة، ولما تبين فشل تلك المراهنات فشلت تلك الشركة وحدث الانهيار في نظام الأسواق المالية". ولكي لا تدعم الحكومة تلك البنوك بشكل مباشر خشية أن يؤدي ذلك إلى غضب شعبي قامت الحكومة بدعم شركة AIG حيث أوصلت تلك الأموال بدورها إلى البنوك. وبالتالي أعلن العديد من تلك البنوك عن أرباح لها من مثل (Bank of America) حيث أعلن عن أرباح قدرها 4.2 بليون دولار، و (Citigroup) أعلن عن إرباح 1.6 بليون دولار و (Goldman Sachs) 1.8 بليون دولار. وفي أوروبا أعلن بنك (Barclays Bank) عن أرباح له قدرها 5.28 بليون جنيه إسترليني، فارتفعت أسهم تلك البنوك.
وفي الحقيقة فإن هذا الارتفاع في أسعار الأسهم ليس بسبب نشاط اقتصادي سبب ربحاً، بل بسبب ذلك الدعم الذي لا يلبث أن ينتهي مفعوله.
ثانيا: في بداية العام الحالي أعلنت الحكومة الأمريكية عن برنامجها لدعم البنوك الأمريكية والهادف إلى بث روح الثقة لدى المستثمرين بالبنوك الأمريكية للإيحاء بأنها بخير و ليست في ضائقة كبيرة. وكان البرنامج قد وُضع من قبل السكرتير العام للخزانة الأمريكية (Timothy Geitner) ليعطي انطباعا بأن أكثر الأصول البنكية المتعثرة يمكن شطبها من جدول الميزانية. وفي السادس من آيار 2009 أعلنت الحكومة أن بعض البنوك من مثل بنك (JP Morgan) وبنك (Goldman) ليسا بحاجة إلى دعم الحكومة، بينما بنوك من مثل (Bank of America ) و(Morgan) و (Stanley) بحاجة لبعض الدعم من الحكومة. وفي المحصلة فإن أكبر عشرة بنوك أمريكية بحاجة ل 75 بليون دولار فقط أي أنه يمكن تغطية ذلك بكل سهولة وليست الحكومة بحاجة للطلب من الكونغرس مزيدا من الدعم! وهذه الأجواء والتصريحات تسببت في ارتفاع أسهم البنوك الأمريكية، حيث ارتفعت قيمة الأسهم لـ(Wells Fargo) بـ 8.5% و(Morgan Stanley) بـ0.9% و(Bank of America) بـ4% و(Citigroup) بـ7%. وواضح أن الذي حدث هو أشبه بالدعم الدعائي المعنوي لرفع الأسهم كما يصنع المضاربون ببث أخبار معينة عن تقدم الوضع الاقتصادي لشركة ما، أو توقع تقدم لتلك الشركة، فيؤدي ذلك إلى زيادة الثقة ورفع سعر الأسهم، ثم بعد انتهاء الغرض من المضاربة يعود الانخفاض أو الانهيار، كما حيث في أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية. ولذلك فإنه وبغض النظر عن حالة السرور التي انتابت المستثمرين فإن العديد من المراقبين قالوا بأن الاختبارات تشير إلى نتائج مأساوية. فمثلا علق ميك هولند قائلا" إجراء اختبارات للأسواق مضيعة للوقت" وقال يارا هاريس تاجر العملة مع شركة (Praxis Trading):" على أسوء تقدير هناك خداع واختبار للشيء الخطأ، فبالنسبة لي ذِكر معدل البطالة أو أن مجموعة (Citigroup) أقوى من (JP Morgan) بالنسبة لي هذه أمور مثيرة للضحك، لذلك سأكون سعيدا عندما تنتهي هذه الإجراءات، وسأتفق مع الآخرين الذين يقولون بأن بنية البنوك قد ساءت في السنوات القليلة الماضية، وهذا ما يفسر وقوعها في فوضى الآن". وفي الرابع من آيار 2009 قدرت المراقبة المالية العالمية بأن خسارة المؤسسات المالية الأمريكية كانت 2.7 تريليون دولار في الأزمة العالمية للائتمان، أي أنها ضعف التخمينات التي صدرت قبل ستة أشهر .
ثالثاً: في بداية هذا العام أعلن كل من الاحتياطي الأمريكي والبنك البريطاني عن خطط للبدء بشراء الأصول الرديئة للبنوك، وسندات شركات وأصول مالية أخرى متعثرة. ومن الطبيعي أن زيادة ضخ النقود يؤدي بشكل حتمي للتضخم وارتفاع في أسعار السلع والخدمات، لأن زيادة النقد المعروض سيؤدي إلى ضعف القوة الشرائية، وبالتالي التضخم أي ارتفاع الأسعار. وقد بدأ البنك البريطاني بإبداء قلقه سلفا من ارتفاع نسبة التضخم في الاقتصاد والذي أدى إلى معاناة الاقتصاد حيث وصل إلى أدنى مستوى له منذ عام 1930، ففي تصريح صادر عن البنك البريطاني جاء فيه " أن هناك بوادر مبشرة" حيث بدأت عجلة التدهور بالتباطؤ. ولكن البنك البريطاني قال أيضا بأن التباطؤ آخذ بالتراجع بسبب ارتفاع نسبة التضخم، فقد وصلت إلى 2.9% وهي أعلى من النسبة التي كانت متوقعة وهي 2%. وهذا ما يفسر ارتفاع سعر النفط من 36 دولار إلى 58 دولار للبرميل، أي أن ارتفاع أسعار النفط لا يدل على تزايد الطلب عليه، فإن استهلاك الطاقة قد انخفض في 2009 لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، ما يشير بشكل واضح على أن الاقتصاد العالمي بعيد كل البعد عن التعافي. ومن الجدير بالملاحظة أن أسعار النفط عادة تزداد عندما تكون قيمة الدولار منخفضة، ولذلك ليس بالضرورة أن يكون ارتفاع سعر النفط مؤشر على زيادة في الطلب على النفط ، لأن أمريكا تحتكر سعر النفط كي تمنع تهاوي قيمة الدولار.
وعليه فإن الحديث عن تعافي الاقتصاد الغربي سابق لأوانه، وإتباع الحكومات الغربية سياسة خفض سعر الفائدة وشراء الأصول الرديئة ما هو إلا فقط لتأجيل الانهيار الاقتصادي، بل إن المتوقع أن يؤدي إغراق الحكومات الغربية الأسواق بالنقد، إلى التضخم وانهيار سوق السلع، ونشوء فقاعات نقدية، ومن ثم إلى مأساة أكبر مما يشهده العالم الآن.
|
|
6 جمادى الثاني 1430 هـ |
|
30/5/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
إعلان الرئيس السريلانكي انتصار حكومته على مقاتلي التاميل
|
|
|
السؤال: في 19/5/2009 أعلن الرئيس السريلانكي ماهاندا راجبكاسا من على شاشة التلفزيون انتصار حكومته على مقاتلي نمور التاميل قائلا ” لقد تحرر وطننا بشكل كلي من الانفصاليين الإرهابيين” وكان التلفزيون الحكومي قد عرض جثة قائد مقاتلي نمور التاميل بعد أن توقفت المعارك الدائرة بين الحكومة ونمور التاميل. وعلق رئيس الأركان الجنرال ساراث فونسيك على هذا الحدث بالقول ” قبل بضع ساعات تم العثور على جثة زعيم الإرهابيين فيلوبلاي الذي خرّب البلاد”، وقد حاول الرئيس تهدئة روع السكان التاميلين القلقين، حيث قال” لقد كان هدفنا إنقاذ السكان التاميليين من قبضة المتمردين، وعلينا جميعا الآن العيش متساويين في هذا البلد الحر.”
فما هي حقيقة الصراع في سريلانكا؟ وهل هو صراع محلي أو صراع إقليمي أو صراع دولي؟ وفي صالح من كانت نتيجة هذا الصراع؟ وهل يمكن القول أن الصراع في الجزيرة قد انتهى أو أن له ذيولاً لاحقة؟
الجواب:
للإجابة على هذه التساؤلات نقول :
1- لقد وُصِفَ النزاع الدائر بين الحكومة السريلانكية وبين حركة مقاتلي نمور التاميل على أنه الصراع الأطول، وحقيقته أنه صراع بين أمريكا وبريطانيا على التحكم بالمياه الإستراتيجية السريلانكية، وقد كان الصراع يُغذْى من خلال القوى الإقليمية في المنطقة باكستان والهند.
2- تكمن أهمية سريلانكا في موقعها الجغرافي، فسريلانكا تبعد 19 ميلا عن السواحل الجنوبية الهندية، أي أنها تقع على أحد أهم الطرق المائية الواصلة بين غرب آسيا وشرقها. وهي تبعد 22 ميلا عن أضيق نقطة عن شبه القارة الهندية التي تسمى مضيق البلك، وقد سعت أمريكا مرارا للسيطرة على مضيق البلك من أجل تحويله إلى قاعدة عسكرية أمريكية لمساعدتها في السيطرة على المحيط الهندي والسيطرة على طريق نفط الشرق الأوسط وأفريقيا والذي يصل إلى الصين، وبالتالي الحد من أطماع الصين في الامتداد البحري نحو الغرب. فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر مباشرة امتطى وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد سفينة توطيد العلاقات الأمريكية السريلانكية، إذ إن السيطرة على مضيق البلك يهدد الطريق المائي الواصل بين الهند وولاياتها الشرقية وهو ما من شأنه إجبار الهند على السفر حول سريلانكا، ما يعني إطالة مسافة السفر للوصول إلى تلك الولايات، وزيادة تكاليف السفر بشكل كبير. كما أن السيطرة على مضيق البلك يحد من طموح الهند كدولة إقليمية ويحد من امتدادها نحو الشرق. وهذا ما دفع الصين إلى تقوية علاقتها العسكرية مع حكومة سريلانكا ومدها بالسلاح والعتاد العسكري. وجدير بالذكر أن فشل الهند في السيطرة على مضيق البلك يعني تأثر المصالح البريطانية في المنطقة، فمنذ مئات السنين وبريطانيا تسعى إلى السيطرة على المحيط الهندي للسيطرة على الطرق المائية في المنطقة لتزويد الأسواق الشرقية بالبضائع، وفي المقابل فإن سيطرة أمريكيا على المحيط الهندي وعلى مضيق البلك يؤذي أوروبا إلى جانب بريطانيا، أي أن السيطرة على سريلانكا غاية مهمة جدا لأمريكا وتُمكّنها من السيطرة على التهديدات الصينية، والحد من النفوذ البريطاني والأوروبي في جنوب آسيا والشرق الأدنى.
3- بدأ الصراع عندما أحضرت بريطانيا مواطني التاميل من إقليم التاميل نودو الهندي للعمل في مزارع القهوة والشاي حيث حولت الجزيرة إلى مزرعة رئيسية لإنتاج الشاي والقهوة. ولكن الأغلبية البوذية السنهالية تكره التعامل العنصري البريطاني وخصوصا تفضيل الهندوس التاميليين عليهم، وقد كان استقلال سريلانكا عن بريطانيا عام 1948 تأكيدا على مرارة العلاقة بين الطائفتين، وقد كانت الحكومات السنهالية المتعاقبة تعمد إلى تأخير إعطاء الحقوق السياسية المناسبة للتاميل اللذين يسكنون في شمال سريلانكا، ولهذا السبب فإن التاميليين فقدوا الثقة بقادتهم السياسيين وبالتوليفة السياسية السريلانكية التي لم تنصفهم يوما ما، مما كان سببا في نشوء العديد من الحركات المسلحة وأشهرها حركة نمور التاميل التي تشكلت عام 1976 برئاسة مؤسسها ” فيلوبلاي برابرهاكان”. وكان هدف الحركة إيجاد دولة تاميلية مستقلة اسمها “تاميل الأم” في شمال وشرق الجزيرة، ولم تستحوذ الحركة على التأييد الشعبي إلا في ثمانينيات القرن الماضي وخصوصا بعد فشل محاولة الإصلاح الدستوري عام 1983.
وكان قد تم اختراق الحركة من قبل عملاء الانجليز والهنود والأمريكان مما أدى إلى توجيهم لقتال الحركات المسلحة الأخرى. لكن بريطانيا كانت لها اليد الطولى، وبخاصة في عهود حزب المؤتمر في الهند، ففي عام 1980 دفعت بريطانيا الهند للتدخل في قضية حركة نمور التاميل والحكومة السريلانكية للرد على تنامي النفوذ الأمريكي في الجزيرة. وكان ذلك تحت غطاء تقبله الحكومة السريلانكية وهو منع التاميليين الهنود من الانضمام للتاميليين في شمال سريلانكا لفصل الشمال عن باقي الجزيرة، مع أن الحقيقة هي أن حكومة حزب المؤتمر في الهند آنذاك قد لاحظت أن الجيش السريلانكي أوشك على القضاء على حركة نمور التاميل. واستمر تدخل الهند على شكل سياسي ظاهريا، وعلى شكل دعم لنمور التاميل من وراء ستار، إلى أن تمكنت الحكومة الهندية في 29/7/1987 من إبرام اتفاقية سلام بين الرئيس الهندي رجيف غاندي والرئيس السريلانكي جيوردين. وبسبب هذه الاتفاقية منحت الحكومة السريلانكية مجموعة من الامتيازات للتاميليين ومن ضمنها إشراك إقليم التاميل في السلطة، والسماح بتواجد قوات سلام هندية مقابل عدم مساندة الهند للحركات التاميلية المسلحة.
4- فشل الهند في احتلال جزء من سريلانكا أدى إلى انسحاب مهين للقوات الهندية، ثم استغلت أمريكا مشاعر الكره للهند للتدخل بين حركة نمور التاميل والحكومة السريلانكية، إلا أن أمريكا فضلت تقوية علاقاتها مع الحكومة أكثر من تقويتها مع الحركة، لذلك نمت العلاقة بين أمريكا والحكومة السريلانكية أكثر وخصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ثم أعطت أمريكا الضوء الأخضر مؤخرا للحكومة للقضاء على نمور التاميل في إطار الحرب العالمية على الإرهاب، كما ارتأت أمريكا بناء روابط عسكرية واقتصادية قوية مع سريلانكا. وفي عام 2002 تمكنت واشنطن من التوصل لاتفاق يُمَكِن السفن الحربية والمقاتلات الأمريكية من استخدام الأراضي السريلانكية، وفي عام 2002 التقى الرئيس الأمريكي بوش مع رئيس الوزراء السريلانكي “وكريميسنغ” في البيت الأبيض وحصل على اتفاقية للسلام والتطوير الاقتصادي في سريلانكا، فوقعت أمريكا وسريلانكا اتفاقية تجارة مشتركة (TIFA) في عام 2002، فكان الخاسر الأكبر من هذا التقارب بين البلدين هو بريطانيا التي وجدت نفسها معزولة لسببين، الأول: خسارة حزب المؤتمر الهندي في الانتخابات الهندية وفوز حزب جناتا الذي كان معارضا لتبني موقف معاد للاتفاق العسكري والاقتصادي الأمريكي مع سريلانكا. والسبب الثاني: أن الحكومة السربلانكية أصبحت تحت النفوذ الأمريكي، أي أن خيار بريطانيا الوحيد كان دعم حركة نمور التاميل إلى أن تم القضاء عليها مؤخرا.
5- لقد انتظرت أمريكا انتخاب الرئيس ماهاندا راجبكاسا رئيسا لسريلانكا عام 2005 كي تضمن تأييد الحكومة السرلانكية للقضاء على حركة نمور التاميل، وفي الحقيقة فإن الحملة الانتخابية لماهاندا راجبكاسا كانت على أساس وعوده بالقضاء على حركة نمور التاميل، وبخاصة وأن ماهاندا راجبكاسا قد شكل تحالفاً مع الحزب المتطرف جناتا فيمكاثي ومع الرهبان البوذيين المتطرفين. ورحبت أمريكا بإعادة انتخاب ماهاندا راجبكاسا، حيث قال نائب الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكي ادم اريلي في مؤتمر صحفي عقد في واشنطن ” إننا سنظل نحافظ على علاقة بلدينا التاريخية، إننا نتطلع لتعاون مع الرئيس ماهاندا راجبكاسا لأنه تصدى للعديد من التحديات النوعية” وقد تمكنت أمريكا من خلال ماهاندا راجبكاسا وأخيه رئيس الأركان من القضاء على مقاتلي نمور التاميل. ولإدراك بريطانيا والهند وأوروبا خطوة اتفاق أمريكا مع سريلانكا، فقد بذلوا الوسع لمنع حكومة ماهاندا راجبكاسا من القضاء على مقاتلي نمور التاميل.
6- لقد دعمت أمريكا حكومة ماهاندا راجبكاسا بالسلاح الفعال من خلال باكستان. ففي آذار 2006 طلبت سريلانكا من باكستان تزويدها بنظام لإطلاق الصواريخ عندما زار الرئيس السريلانكي ماهاندا راجبكاسا باكستان. وفي آيار 2008 ابرم رئيس الأركان السريلانكي فونسيك مع باكستان اتفاقية لشراء 22 دبابة باكستانية من نوع الخالد بقيمة 100 مليون دولار. إلى جانب تزويد السلطات الباكستانية سريلانكا بالكثير من السلاح بقيمة 65 مليون دولار. وفي 19/1/2009 وفي لقاء جمع كل من وزير الدفاع الباكستاني سيد اثر علي ونظيره السريلانكي جوتابهايا راجاباكاس في راولبندي اتفق الطرفان على تعزيز التعاون العسكري في إطار التدريبات العسكرية المشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية لمكافحة الإرهاب.
7- ولما تحققت الانتصارات المتكررة ضد نمور التاميل، سعت بريطانيا وعميلتها الهند إلى جانب أوروبا لانجاز مصالحة بين حكومة ماهاندا راجبكاسا ونمور التاميل، وكانت غايتهم من عقد الصلح الحيلولة دون القضاء على نمور التاميل، وكانت بريطانيا والهند ترفع من أصواتهما متذرعتين بقتل المدنيين التاميليين في الصراع الدائر. وقد نشطت بريطانيا والهند وأوروبا في الأيام الأخيرة في الحث على وقف لإطلاق النار وشجعت المتظاهرين التاميليين في جميع أنحاء العالم للتظاهر ضد قتل حكومة ماهاندا راجبكاسا للمدنيين. وأما أمريكا فقد كانت تتلاعب بالألفاظ، عن السلام ووقف إطلاق النار، ولكنها تشجع الحكومة السريلانكية برفض ذلك، ثم تدعمها عن طريق باكستان، كل ذلك جعل ماهاندا راجبكاسا يرفض عروض السلام ووقف إطلاق النار. وهكذا فإن الحكومة السريلانكية قد تجاهلت تلك الدعوات، وبالتالي فقد تمكنت من سحق قوات التاميل، تلك المنظمة العسكرية التي تحكمت بمناطق واسعة في شمال الجزيرة، وسيطرت على جهاز الشرطة وكانوا يتفاخرون بالبحرية التابعة لهم وبالقوات الجوية.
إن هزيمة نمور التاميل يعني أن النفوذ الهندي والبريطاني في شمال الجزيرة قد انحسر إلى حد بعيد، وأعطى ذلك أمريكا فرصة تعزيز سيطرتها على سريلانكا وإنشاء قواعد عسكرية دائمة في البلاد، كما يتيح الفرصة لتحكم أمريكا بمضيق البلك وتكثيف وجودها البحري في المحيط الهندي لمواجهة التهديدات الصينية. وزيادة على ذلك فإن أمريكا تستطيع استخدام سريلانكا للضغط على الهند- وخصوصا بعد قدوم حزب المؤتمر في الهند لخمس سنين آخر للحكم في الهند- للسير في سياسات أمريكا في المنطقة مرة أخرى. على أية حال فإن الكثير بانتظار ماهاندا راجبكاسا لإصلاح العلاقات مع التاميليين والانسجام مع مطالبهم السياسية، ولأن أمريكا مدركة لذلك استبقت الأمر من خلال تزويد حكومة ماهاندا راجبكاسا بالمعونات من خلال صندوق النقد الدولي لتحقيق تلك المطالب. إذ إن استقرار سريلانكا مصلحة حيوية لأمريكا، ونظرة لتاريخ المنطقة تُري أن بريطانيا وعميلتها الهند ستعملان على بناء نفوذهما في سريلانكا من جديد. وربما يكون الصراع الانجلو- أمريكي قد خمد الآن إلا أنه لم ينته بعد.
|
|
28 جمادى الأولى 1430 هـ |
|
23/5/2009م |
|
|
|
|
|
أجـوبة أسـئلة
إرتفاع قيمة الدولار بالنسبة لليورو رغم استمرار الأزمة | طباعة المزيد من الدولارات
|
|
|
السؤال الأول: نعلم أنه عند بداية الأزمة الاقتصادية في أمريكا انخفض الدولار بالنسبة لليورو بشكل كبير، ولكننا لاحظنا في الأيام الأخيرة أن الدولار ارتفعت قيمته بالنسبة لليورو، مع أن الأزمة الاقتصادية لا زالت ساخنة في أمريكا، فما الذي رفع قيمة الدولار بالنسبة لليورو مع أن الأزمة لازالت موجودة في أمريكا؟
الجواب: كما تعلم فإن النقد الورقي لا غطاء له، بل يتوقف على اقتصاد الدولة التي تصدره.
وقد بدأت الأزمة الاقتصادية العالمية في أمريكا، فانخفض الدولار بالنسبة للأوراق المالية الأخرى، فلما امتدت الأزمة إلى أوروبا، شكلت صدمة للاقتصاد الأوروبي، وبالتالي امتد الضعف إلى النقد الورقي في الدول الأوروبية، فسبب هذا ارتفاعاً نسبياً للدولار، لأن الانخفاض شمل النقد الأوروبي كذلك.
ولتوضيح ذلك نقول، لنفرض أن الدولار كان يساوي يورو واحداً. فلما نشأت الأزمة في أمريكا ضعف الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي انخفض الدولار مثلا 20% فأصبح يساوي 80% من اليورو، أي أن اليورو يساوي 1.25 دولار، فلما امتدت الأزمة إلى أوروبا ضعف الاقتصاد الأوروبي، وبالتالي انخفض اليورو مثلاً بنسبة 10% أي أصبح يساوي 90% * 1.25 دولار، وبالتالي يكون اليورو مساوياً: 1.125 دولار، أي أن الدولار 1/1.125 = 88% من اليورو، أي كأنَّ الدولار ارتفع من 80% إلى 88%، مع انه حقيقة قد انخفض، لكنه بالنسبة إلى اليورو فقد ارتفع بسبب امتداد الأزمة إلى أوروبا، والمتوقع أن يعود الدولار فينخفض بالنسبة لليورو، وبخاصة بعد زوال صدمة الأزمة في أوروبا، ومن ثم اتخاذ إجراءات لتسكين الأزمة، حيث إن الاقتصاد الأوروبي أقدر من الاقتصاد الأمريكي على تسكين صدمة الأزمة الاقتصادية والتعايش معها...
وهكذا فإن الارتفاع هو نسبي وفق ضعف اقتصاد الدول، وكلما كان أثر الأزمة على اقتصاد دولة ما أكبر، كلما انخفض نقدها كثر. وبالتالي يكون الارتفاع أو الانخفاض في نقدها. وقد أثرت الأزمة على الكثير من دول العالم، فانخفض النقد الورقي بشكل عام، ولكنه بالنسبة لبعضه يرتفع أو ينخفض حسب تأثير الأزمة على اقتصاده، ويبقى في حالة عدم استقرار ما دامت الأزمة قائمة.
23 صفر 1430 هـ
18/2/2009م
السؤال الثاني: إن الأزمة الاقتصادية لا تزال تأكل العالم بأسره. فعلى أمريكا ديون طائلة لعدد من دول العالم، وبخاصة الصين، أفلا تستطيع أمريكا أن تطبع دولارات وتسد ديونها أمام الصين، أم أن قوانين صندوق النقد الدولي تمنع ذلك ؟
الجواب: إن أمريكا تستطيع أن تطبع أوراقاً نقدية، بموافقة صندوق النقد الدولي أو سراً "وحتى علناً" دون موافقته، فإنها ذات النفوذ الفعلي في الصندوق، ويمكنها أن تظهر أسباباً مزيفة وتخفي حقيقة الأمر ويسندها الصندوق في ذلك ! ولكن طبع أوراق نقدية بهذه الطريقة يؤدي إلى انخفاض قيمة الدولار، وبالتالي إلى التضخم، أي إلى ارتفاع الأسعار، ولذلك فإن أمريكا لا تقدم عليه إلا إذا كان لها مصلحة راجحة.
فمثلاً تناقلت الأنباء أن أمريكا طبعت ما بين "2 تريليون – 4 تريليون " خلال المضاربات النفطية التي سببت زيادة الأسعار حتى قرابة 150 دولار للبرميل "ولم تكن أمريكا بعيدة عن تلك المضاربة"، فطبعت أمريكا تلك الأوراق لتتمكن من شراء أكبر كمية من النفط مباشرة أو غير مباشرة لتضيفها إلى مخزونها، وهي رأت في ذلك مصلحة لها تفوق تصاعد الأسعار، وانخفاض الدولار، لكنها توقفت عن ذلك مع بداية تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية، لأن أسواق أمريكا لم تعد تحتمل تضخماً زائداً بسبب إفلاس كثير من الشركات وتصاعد المديونية، وانخفاض الإنتاج والاستهلاك...
ولا يمكن لأمريكا الآن طباعة أوراق نقدية دون مقابل اقتصادي متصاعد، وقد يستمر هذا في المدى المنظور.
لكن أمريكا في أي وقت تجد مصلحة لها في طباعة أوراق دون مقابل، فإنها تفعل، فهي الدولة الوحيدة التي يتحكم نقدها في نسبة كبيرة من احتياطي الدول الأخرى بالإضافة إلى نفوذها الفعلي في صندوق النقد الدولي.
وعليه فهي الآن لو طبعت أوراقا لتسديد ديون مستحقة عليها فإنه لن يكون مجدياً لسببين:
الأول لأن سعره ينخفض، فكلما زادت كمية الأوراق المعروضة كلما قل سعرها، وبالتالي فإن مشكلة اقتصادية سوف تحدث بين الدائن والمدين. وإذا كان الدائن دولة كبرى مثل الصين مثلاً فإن هذا سيؤثر في العلاقات الاقتصادية بين البلدين وسيزيد من أزمة أمريكا الاقتصادية فوق ما هي عليه، وبخاصة فإن أمريكا وأوروبا تريد من الصين أن تساهم في حل الأزمة لا أن تتخلى عنها.
والثاني: أن زيادة المعروض من الورق النقدي دون مقابل اقتصادي سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع داخل أمريكا، وهذا ما لا تحتمله الأسواق الاقتصادية في أمريكا...
لكل هذا فليس من المتوقع أن تطبع أمريكا أوراقاً نقدية جديدة دون مقابل اقتصادي متصاعد، وذلك على الأقل في المدى المنظور.
ولكن كما قلنا، فإن الاحتمال يبقى وارداً، فإذا وجدت أمريكا أن هناك مصلحة راجحة لها، سياسية أو اقتصادية، فإنها ستفعل بدافع انتشار دولارها في احتياطي كثير من الدول في العالم، وبدافع نفوذها الفعلي في صندوق النقد الدولي.
22 جمادى الأول 1430 هـ
16/5/2009
|
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال
الدعوة إلى الإسلام بشكل مفتوح عام
|
|
|
السؤال: نحن نقول في كتاب التكتل في ص4 بآخر هذه الصفحة: "فكان القائمون على الحركات الإسلامية يدعون إلى الإسلام بشكل مفتوح عام..."
والسؤال هنا:
أ- ما معنى الدعوة إلى الإسلام بشكل مفتوح عام؟ وكيف يكن ذلك مع الأمثلة؟
ب- ما هي الأدلة على عدم جواز دعوة الحركات للإسلام بشكل مفتوح عام؟
الجواب:
إن الدعوة بشكل مفتوح تعني أن لا تكون مبلورة محددة، فتمنع دخول من ليس منها إليها، بل تكون مشرعة الأبواب تدخلها أفكار أخرى بحجة عدم مخالفتها لها، أو فيها مصلحة أو نحو ذلك.
فمَن كانت الدعوة لديه غير مبلورة الفكرة ولا واضحة المفاهيم، ولا محددة الأهداف...، فإنه لن يدرك كون الديمقراطية نظام كفر، ولن يدرك أن الاشتراكية ليست من الإسلام، ولن يدرك جريمة التشريع من البرلمان... وكذلك لن يدرك ماذا يجوز أخذه من علوم وصناعات عند الآخرين وما لا يجوز أخذة كالحضارة والمفاهيم عن الحياة...... وقد يكون يصلي ويصوم..، وذلك لكونه يدعو إلى الإسلام بشكل مفتوح، وهذا ما أصاب الأمة في أواخر الدولة، حيث كان واضحاً عدمُ تمييز العلماء المسلمين حينها بين ما يجوز أخذه من الغرب من علوم وصناعات واختراعات، وبين ما لا يجوز أخذه من حضارة ومفاهيم عن الحياة.
لقد كان أمثلهم طريقة ذلك الفريق الذي كان يحمل فكرة التوفيق بين الإسلام وبين الغرب في الثقافة والعلوم، في الحضارة والمدنية، وهؤلاء قد سُمّوا بعلماء النهضة أو علماء الإصلاح أو العلماء العصريين. ومن هؤلاء العلماء انطلق فهم الإسلام المفتوح، حيث فتح باب فهم الإسلام على مصراعيه، وصار يدخله ما ليس منه، وصارت القواعد الشرعية بدل أن تكون ضوابط في الفهم، ومانعة من الخروج عن الشرع، أصبحت هي المفتاح الذي فتح هذا الباب، وصار الإسلام عندهم يفسر بما لا تحتمله نصوصه ليوافق المجتمع الحاضر والفكر الغالب، واستحدثت من أجل ذلك قواعد كلية لا سند شرعياً لها، تتفق مع هذه النظرة من مثل (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان) و(العادة محكمة) و(ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)... وفسروا كثيراً من النصوص الشرعية تفسيراً يراد منه تعطيلها كالقول إن الجهاد دفاعي، وتعدد الزوجات لا يكون إلا بأسباب...
هذا عن الدعوة بشكل مفتوح
وأما "عام" فهو أن يدعو لعموم الإسلام دون تفاصيل معالجاته، فيقول مثلاً "الإسلام هو الحل" "والإسلام يحقق الفوز في الدارين" " والإسلام هو أحسن نظام"... وأمثال ذلك، فإذا سألته عن معالجات الإسلام لأنظمة الحياة سكت، وإن سألته عن دولة الإسلام التي تطبق أنظمته صمت، وإن سألته كيف تغيير الأنظمة الحالية إلى نظام الإسلام اضطرب وتلعثم ونظر حوله، هذا إن لم يبتعد عنك يسابق الريح طلبا للسلامة...
أما ما الدليل على عدم جواز الدعوة للإسلام بشكل عام مفتوح، فإنه مستفيض في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فكما قال الله سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، ذكر كذلك آيات الحكم والاقتصاد والعلاقات الزوجية، وعدم موالاة الكافرين، ورجم الزاني وقطع يد السارق، ثم بين أن أنظمة الإسلام أنظمة مميزة لا يختلط فيها غيرها {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}... وكثير غيرها في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. |
|
20 جمادى الأولى 1430 هـ |
|
16/5/2009 |
|
|
|
|
|
أجوبة أسئلة
مؤتمر القمة العربي | زيارة عبد الله غول إلى العراق وموضوع الأكراد | شيخ شريف شيخ أحمد والدور الأمريكي وحركة الشباب المجاهد
|
|
|
السؤال الأول: عقد الاثنين 30/3/2009م مؤتمر القمة العربي الحادي والعشرون، وبدل أن يستمر يومين كما كان مقرراً أكمل المؤتمر مهمته في اليوم نفسه، فما وراء هذا المؤتمر، وما مدى فاعلية قراراته؟
الجواب:
ليس وراء هذا المؤتمر شيء، وكذلك فلم يتمخض عنه قرارات ذات بال حتى يُسأل عن مدى فعاليتها. وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر ما يلي:
1- إن مؤتمرات القمة أصبحت تُعقد “روتينياً” في آذار من كل عام.
2- لقد اعتادت الدول الكبرى استغلال مؤتمرات القمة العربية لمشاريعها المتعلقة بقضية فلسطين التي سموها “قضية الشرق الأوسط”. وكانت الدول المؤثرة في ذلك عند بدايات القمم في الستينات هي أمريكا وبريطانيا، فلما ضعف تأثير بريطانيا بعد ذلك، أصبحت القوة المؤثرة في هذه المؤتمرات والمحركة لها هي أمريكا.
3- في الفترة الأخيرة، أصبحت ظروف أمريكا مهزوزة ومضطربة، وعندها أولويات تتقدم على قضية الشرق الأوسط، وبخاصة منذ أن عصفت بها الأزمة الاقتصادية بالإضافة إلى مأزقها في العراق وأفغانستان، وهكذا فقد ركزت اهتمامها على هذه الأولويات.
4- ولهذا، فعلى الرغم من أن نتنياهو يصرح علناً بأنه لا يريد مشروع الدولتين الذي تنادي به أمريكا، وعلى الرغم من أن أمريكا كانت تستطيع إسقاطه في الانتخابات كما فعلت سابقاً، إلا أنها تركت الأمور ولم تنشغل بها، واكتفت بأن تشرك معه باراك كحفظ ماء الوجه لها بأن نتنياهو لم ينفرد بالسلطة كاملاً بل معه من ينادي بمشروعها وهو باراك! في الوقت الذي تدرك هي فيه أن ضعف الأصوات التي نالها لن تمكنه من الحيلولة دون سير نتنياهو في آرائه.
وكل هذا يدل على أن أمريكا غير واضعة على جدول أعمالها أي حل للقضية ولو كان هزيلاً، أي أنها تركت الأمور تسير في المنطقة دون تدخل جاد منها إلى أن تفرغ من أولوياتها أو تقطع شوطاً فيها، ومن بعدُ تتجه نحو “قضية الشرق الأوسط”، ولن يعجزها حينذاك نتنياهو أو غيره من كيان يهود، وبخاصة وأن حياة كيان يهود وموته هو بيد أمريكا، وإلى أن تقطع شوطاً في أولوياتها فقد تركت الحركة في قضية فلسطين إلى تابعها المخلص لها حسني مبارك ليملأ الفراغ بما يقتضيه، وليس لمؤتمرٍ لا تريد الانشغال فيه في الوقت الحالي... وخلال ذلك ترسل مندوباً أو مبعوثاً لها لرصد الواقع الجاري وجمع المعلومات إلى الوقت الذي يأتي فيه “دور” قضية الشرق الأوسط بعد أن تقطع أمريكا شوطاً في أولوياتها.
5- ولهذا فإن أمريكا تركت هذا المؤتمر يسير بشكل روتيني، أي أن الحكام العرب قد اجتمعوا وأكلوا وشربوا وابتسموا لبعضهم “وناكفوا” بعضهم، وتكلموا عن المصالحة كلاماً فضفاضاً حمّال أوجه...
ولذلك فإن أكثر ما يمكن أن يوصف به هذا المؤتمر هو أنه مؤتمر علاقات عامة بين الحكام العرب... إلى أن تكمل أمريكا أولوياتها أو تقطع شوطاً فيها، ومن بعدُ قد تعقد مؤتمرات كبيرة وصغيرة تحركها أمريكا لاتخاذ قرارات تخدم مصالحها.
السؤال الثاني: في 23/3/2009 قام رئيس جمهورية تركيا عبد الله غول بزيارة للعراق استغرقت يومين. وهي أول زيارة لرئيس جمهورية تركي منذ 33 سنة. واجتمع مع رئيس الجمهورية الطالباني ورئيس الوزراء المالكي، وكذلك مع نيجيرفان برزاني رئيس وزراء إقليم كردستان، ما جعل هذا الأخير يصرح قائلاً: “إن اجتماع الرئيس التركي به هو اعتراف من جانب تركيا بإقليم كردستان. 25/3/2009 تلفزيون الأخبار التركي”. كما أن طالباني صرح في مؤتمر صحفي مع الرئيس التركي:” إن على حزب العمال الكردستاني أن يلقوا السلاح أو أن يرحلوا.” (راديو سوا 23/3/2009). فهل يعني هذا أن حزب العمال الكردستاني التركي قد انتهى وجوده في العراق مقابل اعتراف تركي بإقليم كردستان العراق ولكن ضمن دولة العراق؟ وبالتالي هل يئس أكراد العراق من وعود أمريكا لهم بدولة مستقلة عن العراق؟ ثم هل للزيارة بعد دولي أو هي في حدود العلاقة بين العراق وتركيا؟
الجواب:
1- نعم، إن وعود أمريكا لأكراد العراق بقيام دولة لهم، لم تكن يوماً وعوداً جادة، وإنما وعدتهم بها لاستغلالهم لضرب إخوانهم في العراق من أجل تسهيل احتلال العراق، كما وعدت بريطانيا محمود الحفيد عام 1919 بأن يهاجم المحمية العثمانية في السليمانية مقابل وعد بدولة كردية، فهاجموها وقتلوا إخوانهم العثمانيين في المحمية، وطردوا من نجا منهم، ثم أخلفت بريطانيا وعدها، بل نفت محمود الحفيد إلى مستعمرتها الهند. وكذلك فقد أصرت بريطانيا في معاهدة سيفر عام 1920م مع الدولة العثمانية على وضع بند يتعلق بإقامة دولة كردية لإزعاج الخليفة محمد وحيد الدين، حيث كان وفد الخليفة هو المفاوض، فلما نجحت فيما بعد في تنصيب مصطفى كمال رئيساً للجمهورية وانتهت الخلافة، وأصبحت المعاهدة مع جمهورية مصطفى كمال في لوزان 1924 رفضت بريطانيا أن تضع بند الدولة الكردية، لانها قد حققت هدفها، ألا وهو إسقاط الخلافة، فلم يعد يلزم استغلال مثل ذلك. وقد كانت بريطانيا تثير مشاعر النعرة القومية الكردية وتثير مشاعر كافة النعرات القومية في المنطقة، وتستغل من تثيرهم وتحرضهم للعصيان والتمرد ضد الدولة الإسلامية حتى تحقق أغراضها، ومن ثم تلفظ المتعاونين معها أو تسخرهم كعملاء لها عندما تنصبهم بما يسمى حكاما وقادة. فجاءت أمريكا وقامت بالدور نفسه ولعبت اللعبة نفسها، وفعلت مع المتعاونين معها الفعل نفسه، أي مجرد وعود تستغلها لخدمة مصالحها، حتى إذا تحققت مصالحها ذهبت وعودها كأن لم تغن بالأمس!
2- ولا يستبعد أن تعترف تركيا بشكل رسمي بإقليم كردستان ولكن ضمن دولة العراق دون دولة خاصة بهم، على شرط طرد حزب العمال الكردستاني. فقد صرح عبد الله غول للصحافيين عقب لقائه نيحيرفان برزاني:” أبلغته صراحة أن منظمة حزب العمال الكردستاني الإرهابية ومعسكراتها في منطقتكم. فينبغي أن تتخذوا موقفا واضحا ضدها. وعند القضاء عليها فكل شيء بيننا وبينكم هو ممكن. فانتم جيراننا وأقاربنا. (رويترز25/3/2009). وكان غول قد اجتمع مع الطالباني في 17/3/ 2009 في اسطنبول على هامش اجتماعات منتدى المياه العالمي الخامس وصرح من هناك باستحالة إقامة الدولة الكردية، وان الدولة الكردية إنما هي في الأشعار الكردية. وطالب حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح.
ويظهر أن حكام إقليم كردستان يريدون أن يستجيبوا لطلبات تركيا مقابل اعتراف تركيا بهم. فقد قال نيجيرفان برزاني:” نحن نريد أن تكون العلاقة مع تركيا جيدة، ونحن نتفهم مخاوف تركيا”. (س.ن.ن الأمريكية 25/3/2009) وأضاف” نحن لا نقبل الهجوم على البلاد المجاورة من العراق أو من منطقة كردستان”.( س.ن.ن الأمريكية 25/3/2009). وقد أُعلن مؤخراً من مصادر في الخارجية التركية أن تركيا قبلت طلب رئيس إقليم كردستان مسعود البرازاني لزيارة أنقرة. (س.ن.ن 26/3/2009) وهذه الزيارة تتعلق بالموضوع نفسه، ألا وهو طرد حزب العمال الكردستاني من إقليم كردستان مقابل اعتراف تركيا بالإقليم ضمن دولة العراق، هذا مع أن وجود حزب العمال الكردستاني في شمال العراق كان بغطاء من حزب برزاني “الديمقراطي الكردستاني”!!
3- والى جانب ذلك، فإن زيارة غول قد تطرقت أيضاً إلى تسوية مسألة كركوك؛ فتركيا ترفض ضم كركوك لإقليم كردستان. وقد اجتمع عبد الله غول بممثلين عن التركمان وأكد لهم أن تركيا ترفض ضم كركوك لأية جهة. ولم يركز عليها لأنها تأتي في الدرجة الثانية بالنسبة لتركيا، ومن جهة أخرى تعرف تركيا أن هناك عراقيل كبيرة تحول دون ضم كركوك إلى كردستان، وتركيا احد هذه العراقيل.
وهناك مسائل أخرى بحثت كنقل النفط عبر تركيا والتجارة وزيادة كمية المياه فالطرفان أظهرا أنهما متفقان عليها.
4- أما هل للزيارة بعد دولي، فنعم، وهو الأهم، فزيارة رئيس جمهورية تركيا للعراق تأتي بعد قرار الأمريكان المتعلق بسحب قواتهم التدريجي من العراق ما عدا المراكز الحساسة، وأمريكا تريد أن تقوم بالدور مكانها دولٌ موالية لها حتى لا تأتي دولة كبرى أخرى فتستغل الوضع وتحل محل أمريكا أو تعمل على التشويش على نفوذها.
ومن هنا كان دور إيران بالتنسيق مع أمريكا، واتفقت معها عليه، وتوّج ذلك بزيارة رئيس جمهورية إيران بغداد العام الماضي. لكن أمريكا لا تريد أن تركن إلى دولة واحدة، فدولة واحدة ربما تستطيع أن تقوم بدور ما، ولكن لا تستطيع أن تقوم بكل شيء تطلبه أمريكا منها. ولذلك فإن أمريكا تريد دوراً كذلك لتركيا وسوريا... ومن هنا جاءت زيارة غول إلى العراق، وعقب زيارة غول قام وزير خارجية سوريا وزار العراق واجتمع مع الطالباني. فأمريكا لا يمكن أن تحقق كل ما تريد بمعزل عن دول الجوار. وينطبق هذا على كل بلد. فنراها تستعين بالباكستان وإيران المجاورتين لأفغانستان في تحقيق أهدافها في أفغانستان، حتى إنها تستعين بالدول التي يختلط نفوذها فيها بنفوذ الإنجليز كالسعودية للتأثير في المجاهدين هناك للقبول بالتفاوض، ومؤتمر لاهاي الذي عقد أمس 31/3/2009م بشأن أفغانستان أقوى شاهد على ذلك، فقد حضرته نحو سبعين دولة، وكان من أبرز الحضور إيران التي اجتمع رئيس وفدها مع المبعوث الأمريكي لأفغانستان، وقد وُصف الاجتماع بأنه كان ودياً...!
إن أمريكا تريد أن تحافظ على نفوذها في العراق وعلى مكانتها كدولة كبرى أولى في العالم بعدما ذاقت مرارة الهزائم التي لحقت بها هناك على أيدي المقاومين لها، وكادت أن تحط من مكانتها الدولية وتزحزحها عن مركزها كدولة أولى في العالم. ومع ذلك فقد تزعزعت الثقة بها كدولة كبرى أولى في العالم كانت تزعم أنها تفعل ما تريد!
ولهذا كانت رسالة أوباما لتركيا بان أمريكا تريد أن تستعين بتركيا. فاستعانة أمريكا بتركيا، أو على الأصح استخدام أمريكا لتركيا، ليس فقط فيما يتعلق بالوضع العراقي، بل هناك قضايا عدة تريد أمريكا استخدام تركيا فيها مثل قضية بلاد القفقاس وروسيا، وقضية الشرق الأوسط. ولهذا السبب أعلن رئيس أمريكا الجديد أوباما أنه سيقوم بزيارة تركيا قريباً. وكان أوباما قد وجه رسالة أخرى لإيران حتى يستعين بها بل يستخدمها في قضية أفغانستان إلى جانب قضية العراق.
السؤال الثالث: أصبح شيخ شريف أحمد رئيساً للصومال، فهل يعني ذلك أن المحاكم الإسلامية عادت إلى الصومال كما كانت قبل سنتين، وإن كان الأمر كذلك، فلماذا إذن تقف حركة الشباب المجاهد ضدها، وهي كانت من المحاكم أو قريبة منها؟ وإن كان شيخ شريف قد تغيّر وأن حركة الشباب المجاهد وقفت ضده لانحرافه، فهل يعني ذلك أن حركة الشباب المجاهد حركة صادقة مخلصة؟
الجواب:
نعم إن شيخ شريف أحمد اليوم ليس مثله بالأمس، فعندما كان رئيسا للمحاكم الإسلامية سابقاً، ووصل إلى الحكم في الصومال، كان حينذاك يقاتل الأطماع الخارجية في الصومال من الكفار المستعمرين، ويقول بتطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن الوعي السياسي كان عنده ضعيفاً شأنه شأن غالب الحركات الإسلامية المسلحة، ولذلك أرسل له “المخلصون” وفداً ينصحه بأن لا يفاوض حكومة عبد الله يوسف فهي تابعة لأمريكا، ولا يفاوض أمريكا لا مباشرة ولا غير مباشرة عن طريق عملائها أو تحت ظل الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو الإتحاد الأفريقي... فكل ذلك لا تخلو أصابع أمريكا، بل أياديها، من العبث فيه وتحريكه. ونصحه الوفد كذلك أن يستمر في عدائه للكفار المستعمرين... غير أنه لم يأخذ النصيحة على وجهها، بل فاوض حكومة عبد الله يوسف في الخرطوم وفي ظل الأمم المتحدة والجامعة العربية والإتحاد الأفريقي...
هذا وهو في الحكم، أما بعد الاجتياح الأثيوبي وخروج شريف من الصومال إلى كينيا، ومن بعدُ، وصل إلى جيبوتي، وأصبح رئيس حركة تحرير الصومال جناح جيبوتي بعد انقسام المحاكم الإسلامية على نفسها، واستقرارهما في أسمرة وجيبوتي، مع أن الدولتين مواليتان للغرب...! خلال ذلك انغمس شيخ شريف في المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، إلى أن وصلت به الأمور إلى أن يرأس حكومة في الصومال لا تختلف كثيراً عن حكومة عبد الله يوسف، بمباركة من أمريكا والغرب والعملاء... وسارت الأمور على النحو التالي:
1- بعد خروج شيخ شريف من الصومال على أثر هزيمة المحاكم الإسلامية نهاية عام 2006م، أمام القوات الإثيوبية التي دفعتها أمريكا لاجتياح الصومال نيابة عنها، عندما خرج إلى كينيا التقى مع السفير الأمريكي في كينيا بحضور مسئولين في وكالة المخابرات الأمريكية.
2- بعد أن انقسمت المحاكم على نفسها وأصبح لها جناحان، ترأس شيخ شريف أحمد جناح جيبوتي، وبدأت المفاوضات بينه وبين حكومة عبد الله يوسف وأثيوبيا إلى أن عقدت اتفاقية جيبوتي بتاريخ في 26/10/2008م.
3- لقد جاءت الاتفاقية برعاية أمريكية وبموافقة أثيوبية، وذلك لأن الجيش الأثيوبي تكبد خسائر عدة وكان يريد الخروج ولكن بحفظ ماء الوجه، أي باتفاقية تنص على ذلك، ولهذا فبعد توقيع الاتفاقية بدأت أثيوبيا تطلق التصريحات حول سحب قواتها.
فقد نقلت وكالة فرانس برس (أ.ف.ب) في 28/11/2008 أن أثيوبيا ستنسحب من الصومال بحلول نهاية العام وذلك في رسالتين رسميتين إلى الاتحاد الأفريقي والى الأمم المتحدة. وقالت هذه الوكالة أن وحيدي بيلا الناطق باسم الخارجية الإثيوبية قال لها: اننا توصلنا إلى الخلاصة بأنه من غير المناسب أن تبقي إثيوبيا قواتها في الصومال. لقد قمنا بعملنا ونحن فخورون بذلك، لكن الآمال التي وضعناها في المجتمع الدولي خيبت. وكان قد علق هذا المتحدث الإثيوبي من قبل بتاريخ 24/11/2008 لنفس الوكالة على الاتفاق في جيبوتي قائلاً : “أنه يصب في اتجاه موقف إثيوبيا وسحب قواتها بنظام”.
إن أثيوبيا يهمها أمر الصومال، ليس فقط كمحارب بالوكالة لصالح أمريكا، وإنما لأنها مجاورة لها وتحتل منطقة اوغادين الصومالية التي خاضت الصومال حربا مع اثيوبيا عامي 1977 و 1978 لاستعادتها ولكنها فشلت.فأثيوبيا تريد أن يكون في الصومال حكم لا يهددها ولا يطالبها بأوغادين، هذا فضلاً عن خدمة أثيوبيا لمصالح أمريكا في القرن الأفريقي، فأمريكا هي التي أرسلت إثيوبيا إلى الصومال، وهي التي طلبت منها الانسحاب بعد اتفاق جيبوتي في 26/10/2008م، عندما وجدت ضالتها في شيخ شريف.
4- لقد رأت أمريكا أن شيخ شريف هو الأقدر على مواجهة المجاهدين لأن له خلفية إسلامية، وأثيوبيا بوصفها دولة أفريقية لا تستطيع الاستمرار في مقارعة الإسلاميين، فكان الأفضل بالنسبة لأمريكا استخدام واحد من الإسلاميين للقيام بهذا الدور، ولقد سلطت أمريكا على شريف عملاءها في كينيا والسودان لاستمالته، وبخاصة السودان، يقول الخبير السياسي حسن مكي: “الحكومة السودانية أخبرت شريف أنه لا يمكن أن يتجاوز الأثيوبيين، ولا يمكنه أن يتعامل مع المجتمع الدولي وكأنه غير موجود، لذلك بدأ يستمع إلى هذه النصائح خاصة وأنه خريج المؤسسات التعليمية السودانية”، ويضيف: “وقد لعب الوسيط السوداني دوراً كبيراً في هذه المصالحات” –يقصد في محادثات جيبوتي
وهكذا نجحت أمريكا في استمالة شيخ شريف لدرجة أنه أصبح يمدحها، ففي مقابلة مع “صوت أمريكاـ القسم الصومالي” بتاريخ 20/2/2009 وصف السياسة الأمريكية تجاه الصومال بأنها ايجابية منذ انطلاق المفاوضات حتى الآن. وقال: نأمل أن تواصل تلك الجهود.”!
5- بعد أن أصبح شيخ شريف رئيسا للصومال بأغلبية الأصوات من البرلمان الذي كان في عهد عبد الله يوسف! كانت الخطوة التالية هي اختيار رئيس الوزراء. وهنا أيضاً جاء دور أمريكا، فقد تم اختيار عمر عبد الرشيد شرماركي الذي كان يقيم في الولايات المتحدة، وهو يوصف بالمعتدل حسب معايير الولايات المتحدة، وقد تقلد مناصب عدة في الامم المتحدة، وكان سفيرا للصومال في واشنطن في عهد حكومة عبد الله يوسف، وهو نجل رئيس صومالي سابق.
لقد حرصت أمريكا على توليته رئاسة الوزارة لإقامته السابقة في أمريكا، وكذلك لأنه لم يتلوث بالحرب الأهلية حيث كان بعيداً عنها وعن بلاده، لذلك كان له نوع من القبول عند عامة الناس في الصومال.
ومن الجدير ذكره أنه على عادة الدول المستعمرة، فإنها إذا وجدت مصلحتها عند رجل آخر غير الرجل الذي يخدمها حالياً فهي تلفظه لفظ النواة وتأتي بالآخر الذي يحقق مصالحها بقدرة أفضل، فإن أمريكا تخلت عن عبد الله يوسف الذي أصبح محروقاً ومكروهاً ومكشوفاً بخيانته للصومال، فاضطر إلى الاستقالة في 29/12/2008م والرحيل عن مقديشو إلى مسقط رأسه بونت لاند وهو الإقليم الذي حكمه منذ عام 1998م حتى عام 2004 عندما أعلن رئيساً للصومال، ثم لجأ في ما بعد إلى اليمن...
7- لقد ظنت أمريكا أنها بنجاحها في وصول شيخ شريف لرئاسة الدولة، وهو ذو الخلفية الإسلامية في المحاكم التي كان لها رأي عام خلال حكمها، وكذلك بوصول رئيس وزراء كان بعيداً عن الحرب الأهلية مما يجعل له قبولاً عند عامة الناس، ظنت بذلك أنها نجحت في الإمساك بالصومال، غير أن ظنها خاب بانكشاف أمر الحكم الجديد في الصومال، فتبيَّن أن هذه الحكومة لا تختلف كثيراً عن السابقة، سوى أنها تلبس لباساً أكثر زينة وجمالاً من لباس الحكومة السابقة.
إن الفارق بين الحكمين، إذا ما أحسنا الظن، هو أن عبد الله يوسف كان يخدم أمريكا على علم، وأن شيخ شريف يخدم أمريكا على جهل وهو يظن أنه يحسن صنعاً إلى الصومال! ولقد كنا نحب لشيخ شريف أن يبقى كما بدأ بعيداً عن مؤامرات الكفار المستعمرين، ولعله يعود إلى سيرته الأولى بإذن الله.
8- على ضوء ما انكشف من أمر هذه الحكومة، فقد استمرت مقاومة المسلمين على أشدها، وكان من أبرزها حركة الشباب المجاهد.
إن حركة الشباب المجاهد قد انفصلت عن المحاكم الإسلامية، جناح أسمرة وجناح جيبوتي، بعد أن وقَّعا اتفاقية اسمرا في أيلول 2007م، حيث اتهمتهما بأنهما تحالفا مع العلمانيين وتخلوا عن الجهاد في سبيل الله...
وهي تعلن أنها تريد الجهاد ضد أثيوبيا وضد أمريكا لتحرير منطقة القرن الأفريقي جميعها، كما تريد إقامة حكم إسلامي يتجاوز الوطنيات الضيقة... وقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا تعلن فيه بان حركة الشباب هي مجموعة متطرفة وعنيفة ينتمي عدد من أعضائها إلى تنظيم القاعدة.( صفحة الشعب الصينية 18/3/2008) وكانت الولايات المتحدة قد ألقت القبض في منتصف 2007 على زعيمها السابق إسماعيل عرالي وذلك في جيبوتي وأودعته في معتقل غوانتنامو. واختارت الحركة مختار عبد الرحمن “أبو الزبير” قائدا لها ومختار ربو “أبو منصور” ناطقا رسميا باسمها. (العربية 22/12/2007)، وقد رد هذا الناطق الرسمي على وزارة الخارجية الأمريكية بقوله: ” علاقتنا بالقاعدة هي علاقة المسلم بأخيه المسلم ومن صميم عقيدة المسلم هو (الولاء والبراء) و (أن نبتعد عن الكفار وأن نصل جميع المسلمين ونحبهم)” وقال بأن الحركة: “سعدت وتفخر بقرار الولايات المتحدة الأمريكية وضعها في لائحة الإرهاب”، وجاء في بيان صادر عن الحركة في 5/4/2008م، “نعلم علم اليقين أننا لم نُستهدف من أجل أننا صوماليون، بل من أجل أننا نحمل فكر الجهاد بمفهومه العام الذي لا يعترف بالحدود الوهمية ولا ما يُسمى بـ (الشرعية الدولية)”.
لقد نجحت حركة الشباب المجاهد في السيطرة على الكثير من المدن الصومالية تفوق بكثير سيطرة الحكومة. والظاهر من هذه الحركة أنها تقاتل الكفار المستعمرين بصدق وإخلاص... إلا أن نقطة الضعف، هي كما ذكرنا، في الحركات الإسلامية المسلحة ضعف الوعي السياسي، وإنا نسأل الله سبحانه لهذه الحركة الاستمرار في موقفها القوي ضد الكفار المستعمرين.
ومع ذلك فهي أكثر وعياً من الحزب الإسلامي الذي يعارض هو الآخر حكومة شيخ شريف، وهو مكون من حركات أربع أبرزها: حركة تحرير الصومال جناح أسمرة بزعامة حسن طاهر أويس، والحركات الثلاثة الأخرى في الحزب الإسلامي هي معسكر كامبوني، والجبهة الإسلامية، ومعسكر فاروق”، فقد سألت صفحة “موقع غرينج” بتاريخ 24/1/2009م،وهي صفحة مقربة من حركة الشباب المجاهد، سألت حسن طاهر أويس عن سبب وجوده في العاصمة الإريترية أسمرة، فأجاب هؤلاء أصبحوا لنا كما النجاشي للمسلمين الأوائل!! هكذا يقول!!
إننا نسأل الله سبحانه للحركات الإسلامية الإخلاص لله سبحانه والصدق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والوعي التام على مخططات الكفار ومؤامراتهم، فإنهم يكيدون للإسلام ويضمرون الشر له فوق ما يعلنونه {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر}، ومن يركن إليهم فإنه يخسر دنياه وآخرته، وذلك هو الخسران المبين، وشواهد ذلك كثيرة مستفيضة... |
|
6 من ربيع ثانٍ 1430 هـ |
|
01/04/2009م |
|
|
|
|
|
جــواب ســؤال
الأزمة في الباكستان بين الحكومة ونواز شريف
|
|
|
السؤال: في الأسبوع المنصرم تأزمت الأمور في باكستان بين الحكومة ونواز شريف، ففرضت عليه الإقامة الجبرية في 15/3/2009م، ثم تحدى الإقامة... ثم اتصلت وزيرة خارجية أمريكا بنواز شريف وزرداري... ثم انتهت الأزمة، فقررت الحكومة في 16/3/2009م إعادة القضاة، وهدأ نواز شريف... فلماذا تصاعدت وتفجرت، ثم باتصال أمريكي هدأت؟! ثم لماذا، خلال هذه الأزمة، كان تركيز أمريكا وحكومة باكستان والإعلام... على نواز شريف دون زعماء المعارضة الآخرين؟
الجواب:
1- كما هو معلوم فإن مشرف كان قد سمح لبوتو بالحضور من لندن إلى باكستان مقابل صفقة بين أمريكا وبريطانيا، ومن ثم بين مشرف وبوتو. لكن بوتو استغلت جرائم مشرف وكراهية الناس له، فحاولت استغلال الموقف لصالحها، وعدم الالتزام بالصفقة... وفيما بعد تم اغتيالها...
2- بعد ذلك أصبحت القيادات الحزبية في حزب الشعب التي سارت مع الإنجليز خلال فترة نفي بوتو هناك، أصبحت هذه القيادات في فزع، وبخاصة بعد أن سار الصف الأول من المحسوبين على حزب الشعب زرداري وجيلاني في ركاب أمريكا، فإذا أضفنا إلى ذلك كياني قائد الجيش الذي جاءت به أمريكا من قبل، فإن أمريكا تكون قد أمسكت بخيوط الحكم في باكستان.
3- وهكذا فلم يبق أمام بريطانيا إلا المعارضة، واستغلال استفزازات أمريكا للشعب الباكستاني، بقصف طائراتها المستمر للأراضي الباكستانية وقتل الأطفال والنساء... وكذلك تفاقم الأزمة الاقتصادية، استغلت بريطانيا هذه الأحداث وحركت قيادات في المعارضة، وسخنت الأجواء، وكانت أمريكا في البداية لا ترى في هذه الأحداث مشكلة، بل كان رجالها يشاركون المعارضة في ذلك، لأنها كانت ترى في إشغال الناس داخلياً مصلحة لها لتقوم بأعمالها الإجرامية في منطقة القبائل دون ضجة.
غير أن الأمور تفاقمت في الآونة الأخيرة، وكاد رجالات الإنجليز يستحوذون على الساحة باسم المعارضة، لإسقاط الحكومة أو على الأقل "إقلاق راحتها"...
4- من ثم رأت أمريكا أن بريطانيا تكاد تنجح في تحريك المعارضة والوصول بها إن لم يكن للحكم، فعلى الأقل لفرض شروطها على الحكم، فكان قرار أمريكا بأن تمسك هي بالمعارضة كما أمسكت بالحكم.
من هنا كان تحريك نواز شريف بقوة في وجه الحكم... ليبرز هو في المعارضة، فتكون المعارضة بيدها كما هو الحكم بيدها، وتقطع الطريق على تأثير أي معارضة تدبرها بريطانيا.
فأمريكا تتحكم في رئاسة الدولة وفي رئاسة الوزراء وفي رئاسة أركان الجيش. وتريد أن تتحكم في المعارضة. ولهذا فقد جعلت عميلها نواز شريف الذي أقصته عن رئاسة الوزارة عام 1999 ومن ثم أرجعته إلى الباكستان من منفاه مرة ثانية عام 2007، جعلته يتزعم المعارضة الباكستانية، فيكون كل شيء في الباكستان بيدها. وهذا يمكِّنها، وفق خطتها، من أن تمنع حدوث أي تغيير صادق ومخلص لأنها تمسك بالحكم والمعارضة، وفي الوقت نفسه تعرقل عمل بريطانيا الساعي للعودة للعب دور مؤثر في الباكستان، وبخاصة وأن أمريكا لم تستطع تصفيتها من هناك، وليس من السهولة عليها أن تصفّيها نهائياً، وذلك لوجود عملاء لبريطانيا لا زالوا يتغلغلون في بعض زوايا النظام وفي بعض زوايا حزب الشعب.
5- وهكذا، فقد كان إبراز نواز شريف زعيماً للمعارضة، وقد تم ذلك على النحو التالي:
أ- أصدرت المحكمة الباكستانية العليا في 26/2/2009 قرارا بمنع نواز شريف وكذلك أخيه شهباز من احتلال أي منصب حكومي عن طريق الانتخابات. وعلى اثر ذلك اندلعت مظاهرات نظمها حزب نواز شريف على قرار المحكمة. وقبل يوم من هذا التاريخ في 25/2/2009م اندلعت مظاهرات ومسيرات في عشرات من المدن الباكستانية احتجاجا على الوضع الاقتصادي في البلاد إلى جانب الاحتجاجات على الهجمات الأمريكية على البلاد. وكانت الحكومة الفدرالية قد أقالت شهباز شريف من رئاسة الوزارة في حكومة البنجاب بعدما علقت عمل برلمانها المحلي وربطت إقليم البنجاب بسلطتها مباشرة.
ب- يفهم من حركة نواز شريف أن أمريكا تريد أن تمتص المعارضة ضد عملائها الحاكمين في الباكستان وتجعل قيادة المعارضة بيدها. وبذلك تضلل الناس وتبعدهم عن العمل بالاتجاه الصحيح نحو تغيير النظام في الباكستان، وتقوم بضرب المقاومين لها في منطقة القبائل وتبقي الناس منشغلين في الاحتجاجات على أمر جانبي وهو إعادة القضاة إلى مناصبهم وتبعدهم عن الهدف الحقيقي. وكأن قضية الباكستان هي إعادة القضاة إلى مناصبهم وإذا ارجعوا إلى مناصبهم سيتحقق العدل وتحل كافة مشاكل البلاد. مع العلم أن أصل التذمر وحصول الاحتجاجات هو خنوع النظام في الباكستان للأمريكيين الذين يقاتلون المقاومين للسياسة الأمريكية والمطالبين بالعودة لحكم الإسلام، ويقاتلونهم بإخوانهم من الجيش الباكستاني الذي يقاتل بجانب أمريكا، وكذلك بسبب الظلم الواقع عليهم من جراء تطبيق نظام غير إسلامي.
ج- وهكذا كان تحدي نواز شريف قرارات الحكومة والخروج عليها بدون خوف، وذلك استناداً إلى عدم إعطاء أمريكا الضوء الأخضر للحكومة باعتقاله، وهي لو كانت مأذونه باعتقاله لفعلت، فإن ما قام به مبررٌ كاف لاعتقاله، فقد قال وزير الداخلية الباكستاني رحمان مالك في مؤتمر صحفي متهما نواز شريف بتحريض الناس على العصيان." أن تحريض الناس على العصيان هو إثارة الفتنة، وعقوبة ذلك السجن المؤبد". وقال:" أن الحكومة لا تنوي القبض عليه ولكن لديها المبررات الكافية لاعتقاله، خصوصا في حال تفجر أعمال العنف أثناء المسيرات..."(الإذاعة البريطانية 10/3/2009)!
د- منذ تفجر الأحداث، وأمريكيا تتابع عن كثب ما يجري وما يدور، بل وترسم خطوطه، فقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية يوم 13/3/2009 بان المسئولين الأمريكيين على اتصال مع القادة الباكستانيين للخروج من خانة الاحتقان السياسي.(الجزيرة 14/3/2009) وهذا يدل على أن أمريكا تراقب الأزمة وتعمل على الإشراف عليها بشكل مباشر.
وقد جاء في موقع أمريكا دوت غوف نقلاً عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية " الأميركية إن قرار إعادة رئيس المحكمة العليا الباكستانية إلى منصبه الذي أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني جيلاني في 16/3/2009م، قد جاء بعد اتصالات هاتفية أجرتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري رودام كلينتون مع القادة الباكستانيين خلال عطلة نهاية الأسبوع من 14-15 آذار/مارس الجاري.
وأكد القائم بأعمال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأميركية روبرت وود في مؤتمر صحفي عقده يوم 16 آذار/مارس الجاري أن "وزيرة الخارجية كانت تود التأكد من أن المسئولين الباكستانيين قد فهموا وجهة نظرنا حول الوضع الراهن وأهمية عدم نشوب أية أعمال عنف، وضرورة إجراء حوار سياسي."
هـ- وتكون أمريكا بذلك قد نجحت بالإمساك بالمعارضة، على الأقل في المدى المنظور، ونقول في المدى المنظور لأن بريطانيا لها رجالها، كما قلنا في بعض زوايا حزب الشعب، وكذلك في أوساط سياسية معارضة أخرى، بل وحتى بعض اختراقات داخل المؤسسات الحكومية نفسها وإن لم تكن بالقدر المؤثر.
وعليه فإن حركة نواز شريف لا تخرج عن مخططات أمريكا لإيجاد معارضة موالية لها، ولأجل هذا تم التركيز على نواز شريف دون باقي المعارضة لإبرازه قائداً لها.
و- لقد نجحت أمريكيا في حساباتها تجاه بريطانيا، فأمسكت بالحكم والمعارضة، ولكن مكمن الخطأ في حسابات أمريكا أنها نسيت أو تناست أن الأمة في باكستان في واد، ورموز الحكم والمعارضة في واد آخر، وإن ما نجحت فيه أمريكا هو الإمساك بتلك الرموز، وهم دون الصفر في حسابات الأمة التي عندما تزمجر فلن تقف في وجهها، لا تلك الرموز، ولا أسيادها، سواء أكان أولئك الأسياد هم أمريكا، أم كانوا بريطانيا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
|
|
25 من ربيع الأول 1430هـ |
|
21/3/2009م |
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال
التغيير من حيث العمل ومن حيث تحقيقه
|
|
|
السؤال: هل "التغيير" يقع في الدائرة التي يسيطر عليها الإنسان...؟ وإن كان الأمر كذلك فهل يستطيع الإنسان أن يتحكم في زمان ومكان التغيير؟ وبالتالي إذا طال الزمن ولم يحدث التغيير، فهل يعني هذا خطأ العاملين له؟ أو أن "التغيير"هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان؟ وإن كان كذلك فما مدلول الآية الكريمة:{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ؟
الجواب: كلمة "التغيير" الواردة في السؤال، إن كان المقصود منها "العمل للتغيير"، فنعم، هي تقع في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها، والأحكام الشرعية واضحة في ذلك.
وأما إن كان المقصود بالتغيير: "تحقيقه" فهو غير صحيح، لأن تحقيق التغيير هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان، فإنه قد يعمل ويعمل بجد واجتهاد، ولا يحدث التغيير المنشود كما يريد، وقد يحدث ولكن بعد مدة طالت أو قصرت...
وعلى الإنسان أن يحاسب نفسه على عمله قبل أن يحاسب، فيتلافى القصور ويجد ويجتهد، ويأخذ بهذا الأسلوب، ويترك ذاك الأسلوب، ويغير من سلوكه إن لاحظ دخناً فيه، ويقوي صلته بالله سبحانه...
ولكن كل ذلك هو أداء للحكم الشرعي الذي يتطلب وجوب العمل للتغيير من الشر إلى الخير ومن الباطل إلى الحق.
أما تحقيق ذلك يقيناً، في وقت معلوم، اليوم أو غداً، في هذا المكان أو ذاك، فهذا ليس في الدائرة التي يسيطر عليها، بل هو في الدائرة التي تسيطر عليه.
أما الدليل على ذلك فهو من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، فقد بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وعمل فيها فوق عشر سنوات، ومع ذلك فلم يحصل فيها التغيير... ولا يمكن أن يرد هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في مسعاه.
وكذلك طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشخصه الكريم، النصرة من القبائل بضع عشرة مرة، ومع ذلك فلم تستجب تلك القبائل، ولم يحصل التغيير، بل رده بعضهم رداً سيئا...، ولا يمكن أن يرد هنا كذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخطأ في مسعاه.
ثم جاء ذلك النفر إلى مكة... وحدثت العقبة الأولى، والثانية... وأحدث مصعب رضي الله عنه من التغيير خلال سنة في المدينة فوقَ فوق ما أحدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، مع أن سعي مصعب لا يقاس بحال بسعي رسول الله صلى الله عليه وسلم... ثم أقيمت الدولة في المدينة ولم تقم في مكة...
وعليه فإن السعي للتغيير بإحسان العمل وإتقانه، وتحسين الأساليب والإمكانات، والعمل في أكثر من مكان ... كل ذلك في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها، ويحاسب عليها، ويجب أن يقوم بها جاداً مجداً، طال الطريق أم قصر، لا تفت من عضده وعثاء الطريق، ولا تُلين له المصائب قناة، ولا تُضعف له العوائق عزيمة، بل يبقى طودا شامخاً مستقيماً، ثابتا على الحق كالجبال الراسيات، يحاسب نفسه على إحسان عمله وإتقانه ليل نهار، ويتكل على الله ويدعوه آناء الليل وأطراف النهار، أن يعجل له النصر، ويمُن عليه بالفضل...
وأما تحقيق التغير ففي الدائرة التي تسيطر علينا، فنحن لا نستطيع تحقيقه هذا اليوم أو غدا، ولا في هذا المكان أو ذلك المكان، ولذلك فلا يصح أن نصاب بالإحباط أو اليأس إذا طال الطريق أو تراكمت الصعاب، بل نستمر في العمل ونتحرى الصدق والإخلاص والجد والاجتهاد ونحسن من الأساليب ونراجعها ... والله يتولى الصالحين.
كما أن طول الطريق لا يعني بالضرورة أن عمل الإنسان للتغيير فاشل أو خطأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم عمل للتغيير في مكة وصدّوه، وطلب النصرة بضعة عشرة مرة ولكنهم ردّوه، بل بعض ردودهم كانت دامية... ثم حدثت النصرة في المدينة وليس في مكة التي بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ... ولا يرد في ذهن أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فاشلاً أو مخطئاً، أو أن مصعب رضي الله عنه كان متقناً عمله أكثر!
أما الآية الكريمة، {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فهي تتعلق بحكم شرعي، وهو أن من أراد التغيير المنشود فعليه العمل بجد واجتهاد وصدق وإخلاص، فالله سبحانه لا يحقق التغيير للكسالى والنائمين بل للعاملين بجد واجتهاد وصدق وإخلاص...،
والخلاصة:
1- أن العمل للتغيير المنشود هو فرض وهو في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها.
2- إن تحقيق التغيير اليوم أو غداً في هذا المكان أو ذاك، هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان، ولذلك فلا يجوز اليأس أو القعود إذا ما تأخر النصر الموعود.
3- إن طول الطريق لا يعني بالضرورة خطأ العاملين، بل إنه كما قال سبحانه: {إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا}
4- أن الله سبحانه لا يحقق التغيير للكسالى والنائمين، بل للعاملين الصادقين المخلصين.
والله سبحانه ولي التوفيق.
|
|
6 ربيع الأول 1430 هـ |
|
2/3/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
ماذا وراء اتفاق تطبيق الشريعة في وادي سوات وهل سيحقق السلام
|
|
|
السؤال: في الخامس عشر من شباط 2009 أعلنت الحكومة الباكستانية عن توصلها لاتفاق مع المؤيدين لطالبان باكستان وجماعة تطبيق الشريعة المحمدية. وتضمنت بنود الاتفاقية تطبيق نظام العقوبات في الإسلام في منطقة وادي سوات، وقامت حركة الطالبان بإعلان وقف لإطلاق النار... فقد قال الناطق الرسمي باسم حركة الطالبان مسلم خان " أعلنت حركة الطالبان وقف لإطلاق النار من جانب واحد لإثبات حسن النوايا، فلن يهاجم مقاتلونا رجال الأمن الباكستانيين أو المنشآت الحكومية." ولكنه أضاف بأن المقاتلين سيظلون في مواقعهم وسيدافعون عن أنفسهم ضد أي هجوم يتعرضون له. وقد تسبب الاتفاق في الكثير من الانتقادات الداخلية والخارجية.
فما الذي وراء هذا الاتفاق؟ وهل سيحقق السلام في وادي سوات؟
الجواب: لا بد من الإشارة إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تعقد حركة تطبيق الشريعة المحمدية مع الحكومة اتفاقية لتطبيق الشريعة في وادي سوات، فقد وقعت اتفاقية بين الطرفين مماثلة لهذه الاتفاقية في عام 1994 وفي عام 1999 وفي عام 2007. إلا أن هذه الاتفاقيات لم تدم طويلا، واستخدمت الحكومة الباكستانية تلك الاتفاقيات في كل مرة لأغراضها الخاصة بها، وهذه المرة لا يبدو أن في نية الحكومة الالتزام بهذا الاتفاق والأرجح أنها ستستغل الاتفاق للوصول إلى عدة أهداف منها:
أولا: لا يريد الجيش الباكستاني أن يتورط في قتال شرس مع المسلحين في سوات وفي الوقت نفسه الدخول في قتال حركة الطالبان، وبيت الله مسعود، وجماعة "تحريك طالبان باكستان" في منطقة القبائل، أي أن هذا الاتفاق سيتيح المجال أمام الجيش الباكستاني لرص صفوفه لاستخدامه في أماكن أخرى.
ثانيا: تهدف الحكومة الباكستانية من وراء الاتفاق شق صفوف طالبان سوات والطالبان الموالين للقاعدة، فقد قال سفير باكستان في واشنطن حسين حقاني" نحاول شق صف القاعدة والمسلحين الطالبانيين من جهة والحركات المحلية في سوات الساعية لتطبيق الشريعة من جهة ثانية، وهذا جزء من واقعية الجيش والاستراتيجية السياسية التي ستدفع بالسكان المحليين إلى الانقلاب على الإرهابيين وبالتالي حصار الإرهابيين والقضاء عليهم."
ثالثا: وهو الهدف الأهم، وهو أن أمريكا تخطط لهجوم في أفغانستان في فصل الربيع وقد أرسلت 17,000 جندي إضافي لهذا الغرض، وبهذا الدعم الإضافي ستزداد القوات الأمريكية في أفغانستان بنسبة 40%، وتتشكل هذه القوات الإضافية من 8,000 جندي من المارينز و4,000 جندي من الجيش مزودين بسيارات ستريكير "Stryker" المدرّعة و5,000 موظف دعم. وستستخدم تلك القوات في العمليات القتالية -والتي غالبا ما تشتد في فصل الصيف- من أجل تقوية قبضة الاحتلال في الأقاليم المحيطة بكابول، وحماية الطرق الالتفافية المحيطة بالعاصمة، وفوق كل ذلك تدعيم قوات النيتو في جنوب أفغانستان لتأمين عملية الانتخابات الرئاسية التي ستجري في آب 2009.
رابعاً: ولتدعيم الخطة الأمريكية لإيجاد الاستقرار في أفغانستان، فقد دفعت أمريكا بالجيش الباكستاني لإبرام اتفاق مؤقت مع المسلحين في سوات كي يركز الجيش جهوده في منطقة القبائل، يضاف إلى ذلك أن هذه الخطة تقتضي أيضاً أن تكون باكستان مستعدة وغير منشغلة على الحدود الهندية، لذلك أمرت أمريكا الحكومة الباكستانية الموالية لها لإرضاء الهند ومن ثم إزالة التوتر مع الهند، فاستجابت الحكومة، وأعلن رحمان مالك المستشار الداخلي لرئيس الوزراء مسئولية باكستان الجزئية عن أحداث بومباي. وقبل بضعة أيام من إعلان الحكومة الباكستانية مسئوليتها الجزئية عن أحداث بومباي صب سينج مودي "Singh Modi" من حزب" JBJ" جناتا بهارتا الهندي الموالي لأمريكا، صب جام غضبه على حزب المؤتمر الذي كان يُصعِّد مع باكستان، حيث ركز عضو الحزب المذكور على العامل الداخلي في أحداث بومباي حيث قال" إذا سألنا أي مواطن هنا في الهند عنده أدنى معرفه ودراية عن أحداث بومباي فإنه سيقول لنا بأن تلك الأحداث ما كانت لتحصل لولا تلقيها دعماً من الداخل"، فكلا العميلين الأمريكيين في باكستان وفي حزب جاناتا، ساعدا في تخفيف التوتر بين حكومة زارداري وحكومة الهند بقيادة حزب المؤتمر، وذلك لعدم إيجاد ذريعة لحزب المؤتمر يستخدمها في الاتجاه نحو العمل العسكري مع باكستان، كل ذلك لأن أمريكا تريد إبعاد التوتر عن حدود باكستان مع الهند، ليتفرغ الجيش الباكستاني إلى القيام بأعمال عسكرية مشتركة مع أمريكا في منطقة القبائل!
خامساً: بالنسبة للتصريحات الأمريكية المتضاربة عن اتفاق سوات، فإنه كان ملاحظا فيها أن الإعلان عن الاتفاق جاء بعد مغادرة هولبروك "Holbrook" باكستان، ولا يتصور أن تكون أمريكا على غير علم به، وزيادة على ذلك فإن التصريحات الأولية التي صدرت عن الرسميين الأمريكيين كانت مادحة للاتفاق، على النقيض من تصريحات النيتو وبريطانيا. فقد كرر نائب الناطق بلسانِ وزارة الخارجية الأمريكية جوردن دوجايد "Gordon Duguid" ما ذكره الرسميون الباكستانيون في وزارة الدفاع عن الاتفاق حيث قال" إن القانون الإسلامي جزء من الدستور الباكستاني، فلا أرى مبررا لأي أحد خارج باكستان ليناقش هذه المسألة وبالتأكيد ليس من على هذه المنصة". ولما وصف أحد الصحفيين الاتفاق بأنه اتفاق بين الحكومة الباكستانية وحركة طالبان رد عليه بالقول" أنا لست متأكدا من تشخيصك لما يحصل في باكستان، لذلك أحيلك إلى الحكومة الباكستانية لتشرح لك ذلك" وهذه التصريحات تتعارض مع التصريحات التي صدرت عن مندوب بريطانيا الساميّ في إسلام أباد حيث قال:" إن اتفاق السلام السابق لم يكن شاملا ولم يكن حلا دائما لمشكلة سوات، يجب أن نتأكد من أن هذا الاتفاق سينهي العنف وليس لخلق متسع لمزيد من العنف".
سادسا: أما عن تصريحات هولبروك المتشددة حول الاتفاق، فإن القصد منها تهدئة التحفظات التي صدرت عن النيتو والهند وبلدان أخرى، وفي الوقت نفسه تدلل على رغبة واشنطن في إرسال رسالة قوية للجيش الباكستاني مفادها عدم تجاوز الغرض من الاتفاق وهو التهدئة المؤقتة هناك والتفرغ إلى قتال طالبان في أفغانستان وعند الحدود الباكستانية الأفغانية، ثم بعد ذلك القضاء على المسلحين في سوات، وان أمريكا لن تقبل تكرار عام 2006 عندما عقدت الحكومة اتفاقية مماثلة مع المسلحين في منطقة القبائل، فبدأ المسلحون بلملمة أنفسهم وبشن هجمات مسلحة داخل أفغانستان، ولذلك فإن الجيش الباكستاني لم يسحب قواته من وادي سوات رغم توقيع الاتفاق.
|
|
26 من صفر الخير 1430 هـ |
|
20/2/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
اتفاق حسن النوايا بين الحكومة السودانية وحركة العدل والمساواة
|
|
|
السؤال: من المعروف أن حركة العدل والمساواة هي محسوبة على فرنسا، فكيف إذن تجتمع في قطر مع الحكومة السودانية، ويُعلن اتفاق حسن النوايا؟ ثم ما هو موقف الدول ذات العلاقة وردودها حول هذا الاتفاق؟ وهل يعني ذلك أن أمريكا وأوروبا في الطريق إلى التوصل إلى حل وسط بخصوص اتهام البشير؟
الجواب:
1- نعم، لقد جرت محادثات بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة على مدى ثمانية أيام، وقد تم التوصل في الدوحة بتاريخ 17/2/2009 بين الطرفين إلى ما يسمى باتفاق حسن النوايا وبناء الثقة.
وقد نص الاتفاق على ضرورة جلوس الطرفين معا لإجراء محادثات سلام وانجاز اتفاق لحل أزمة دارفور في موعد أقصاه ثلاثة أشهر. ومن بنود الاتفاق أن يعود الطرفان إلى التفاوض خلال أسبوعين.
2- وأما ردود الفعل الدولية فقد صرحت سفيرة أمريكا لدى الأمم المتحدة بقولها:" من المحتمل أن يكون (الاتفاق) خطوة متواضعة باتجاه السلام". فهذه لهجة تأييد للاتفاق. وعندما سئلت هذه السفيرة عن علاقة مصير البشير وهذا الاتفاق، قالت للصحفيين:" أنا لا أرى أية علاقة". (الشرق الأوسط 18/2/2009)، أي حاولت أن تنفي أن هذا الاتفاق عقد لإنقاذ البشير، لان الكل فهم ذلك. فان محكمة الجنايات الدولية من المحتمل أن تصدر خلال هذا الأسبوع قرارها بشأن البشير.
فتهديد محكمة الجنايات الدولية منذ أشهر للبشير هو محاولة ضغط من الأوروبيين حتى يتوصلوا مع الأمريكيين إلى حل وسط يرضيهم. فتأتي محادثات الدوحة في هذا الإطار. ويظهر انه خطوة أولى نحو إيجاد صيغة حل وسط أو اتفاق يرضي الأوروبيين بجانب الأمريكيين في السودان.
وقد رحب سكرتير الأمم المتحدة كي مون، كما رحب رئيس مجلس الأمن الدولي الحالي وهو السفير الياباني يوكيو تاكاسو بذلك وقال عنه:" انه خطوة في الاتجاه الصحيح لإنهاء الصراع في دار فور". (الجزيرة 18/2/2009)، والترحيبان يصبان في الخانة الأمريكية.
ولم يصدر من فرنسا الفعالة في هذه القضية أية ردة فعل على هذا الاتفاق، فكأنها تنتظر صدور أو استصدار قرار محكمة الجنايات الدولية في الأيام القليلة القادمة. إلا أن السفير السوداني لدى الأمم المتحدة عبد المحمود عبد الحليم انتقدها قائلا:
"إنها أي فرنسا ما زالت تتمسك بواحد من قادة المتمردين(عبد الواحد) في فندق من خمس نجوم وهو يطلق تصريحات نارية ويفسد عملية السلام". وقال هذا السفير:" إن الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي قد ابلغ البشير في اجتماع شارك فيه (أي هذا السفير) عن ترحيل عبد الواحد من فرنسا إذا لم ينخرط في عملية السلام". (الشرق الأوسط 18/2/2009) مما يعني أن فرنسا تريد إن تتوصل مع البشير إلى حل وسط تشارك فيه الحركات التي تدعمها.
وما يسمى بحركة العدل والمساواة محسوبة على فرنسا ومدعومة من طرفها، فقبولها بإجراء المحادثات، لا يمكن أن يتم إلا بموافقتها.
"والمؤلِّف" بين الطرفين والمستضيف لهما هم عملاء الانكليز في قطر، مما يدل على ان الانكليز راغبون في ذلك لتحقيق بعض المكاسب لهم في هذه القضية.
3- واذا ما صدر قرار محكمة الجنايات الدولية بشكل سلبي اي المطالبة باعتقال البشير لمحاكمته، فمن المتوقع أنه سيجري العمل في مجلس الامن باستخدام المادة 16 التي تنص على تجميد تطبيق قرار محكمة الجنايات الى سنة قابلة للتجديد، وبخاصة وأن دولاً مثل روسيا والصين ستؤيد هذا علانية، بالإضافة إلى ما تقوم به أمريكا مباشرة أو غير مباشرة عن طريق عملائها.
ولقد نشط عملاء امريكا وعلى رأسهم مصر في هذا الاتجاه، فقد قال ابو الغيط في لقائه مع البشير:" نحن نتحرك وسط اعضاء مجلس الامن ونسعى لتنفيذ المادة 16 من القانون الاساسي لمحكمة الجنايات لتوقيف اي اجراء ضد السودان والرئيس البشير." واشار الى:" ان زيارة الرئيس مبارك الى فرنسا وايطاليا وزيارته هو، اي "ابو الغيط"، الى واشنطن ولقاءَه بوزيرة الخارجية الامريكية تصب في ايجاد حل لازمة دارفور." (الجزيرة 15/2/2009)، وساركوزي يدرك قيمة مصر مبارك بالنسبة له، وظهر ذلك في موضوع غزة حيث إن اليهود لم يعطوا لمبادرة ساركوزي شأناً، وأعطوا للمبادرة المصرية قيمة، ومع أن ساركوزي اظهر كأنه اصدرها هو وحسني مبارك فسماها المبادرة المصرية الفرنسية، إلا أن الآخرين، وبخاصة اليهود، رفضوا هذه التسمية وسموها بالمبادرة المصرية. وبذلك جاء حسني مبارك يَمُنّ على ساركوزي حتى يتنازل الاخير عن استصدار هذا القرار عن طريق محكمة الجنايات الدولية.
|
|
24 من صفر الخير 1430 هـ |
|
18/2/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
الخلاف الظاهر بين كرزاي وأمريكا
|
|
|
السؤال:
لوحظ منذ استلام أوباما الإدارة الأمريكية الجديدة، لوحظ أن تصريحات بعض المسئولين الأمريكيين، وكذلك من كرزاي، تدل على توتر العلاقة بين كرزاي وأمريكا، يضاف إلى ذلك توجُهات كرزاي نحو روسيا والصين في بعض التصريحات والمواقف وفي مجال التسلح محاولاً الاستفادة من وجود أفغانستان كعضو شرف في منظمة شنغهاي، فهل العلاقة فعلا متوترة بمعنى أن أمريكا أصبحت لا تريد استمرار كرزاي، سواء أكان ذلك بمنع ترشحه، أو إسقاطه في الانتخابات الرئاسية المقبلة هذه السنة، أو حتى بقتله؟ أو هذه التصريحات والمواقف متفق عليها مع أمريكا لتحسين صورته أمام الناس لينتخبوه من جديد؟ ثم هل تجد أمريكا عميلاً مثله؟ وإن كان فمن هو؟
الجواب:
1- بدايةً لا بد من التذكير بأن سياسة الحزب الديمقراطي تجاه أفغانستان كانت مختلفة اختلافاً جذرياً عن سياسة إدارة بوش السابقة، وقبل وصول أوباما إلى الحكم، فجوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي الحالي كان أبرز وجوه الحزب الديمقراطي اهتماماً بأفغانستان وانتقاداً لسياسة إدارة بوش فيها.
فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية خبراً عن زيارة قام بها جوزيف بايدن وعضوان آخران من الكونغرس الأمريكي إلى أفغانستان في شباط (فبراير) من العام الماضي، "استجوبوا" فيها كرزاي بشأن الفساد المستشري في حكومته أثناء مأدبة غداء رسمية، ونفى كرزاي لزائريه وجود أي فساد، فرد بايدن عليه بالقول مغاضباً: "إن وقت المأدبة قد انتهى" وغادر قبل الوقت المحدد لانتهاء الزيارة!
وقالت الصحيفة ذاتها في 8/2/2009: "إن الأحوال تبدلت بالنسبة لكرزاي وبالنسبة لأفغانستان حيث أصبح كرزاي يرى في نفسه أنه غير مرغوب فيه لا من جانب واشنطن ولا من جانب شعبه" وأردفت الصحيفة قائلة: "إن أوباما وصف كرزاي بأنه غير جدير بالثقة"، ونقلت الصحيفة عن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون قولها: "إن كرزاي يترأس دولة مخدرات" وختمت الصحيفة بالقول: "إن الأمريكيين قلقون ويخشون الهزيمة في حربهم على أفغانستان، وأنهم ربما ينوون تجاوز كرزاي والتعامل مباشرة مع الحكام والمحافظين في الضواحي والمناطق الريفية".
وعليه فإنه من الواضح أن إدارة أوباما الحالية تضع أفغانستان على رأس سلم أولوياتها في سياساتها الخارجية، فهي تريد تغييراً جوهرياً في أفغانستان، خاصة وأن أوباما كان يركز في حملاته الانتخابية على إحداث التغيير فيها، ويدرك كرزاي هذه الحقيقة، ويعلم أيضاً أنه لا يستطيع كعميل أمريكي الاستعانة بأي دولة أخرى كروسيا أو الصين للاحتفاظ بكرسي الحكم، فهو لا يسيطر على أي مدينة في أفغانستان، وأن وجوده في الحكم مرهون بحماية القوات الأمريكية له.
2- ومن هنا يمكن تفسير وجود علاقات له مع روسيا والصين بأنها علاقات تقرها أمريكا وتوافق عليها للاستعانة بهذه الدول الكبرى في محاربة طالبان.
وأما قبول روسيا لأفغانستان كعضو شرف في منظمة شنغهاي فهذا لا يدل على أن كرزاي يتصرف باستقلالية عن أمريكا، بل يدل على أن روسيا تفتح المجال حتى للدول العميلة لأمريكا لدخول هذا النادي لتضمن هدوء الجبهة من جهتها، فلا تؤتى من تلك الجهة. وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن لا تحاول روسيا أن يكون لها نوع من النفوذ في تلك الدول العميلة لأمريكا، ولكن هذا الأمر مستبعد بالنسبة لأفغانستان...على الأقل في المدى المنظور.
وأما قبول روسيا بمساعدة أفغانستان في مجال التسليح، وما جاء في رسالة ميدفيديف الرئيس الروسي التي بعث بها إلى كرزاي حول استعداد روسيا مساعدة أفغانستان في القطاعات الدفاعية، فهو يعني أن أمريكا هي التي طلبت من روسيا تلك المساعدة لأن هناك أسلحة روسية بأيدي الجيش الأفغاني تحتاج إلى قطع غيار روسية.
وقد أكد هذا المعنى المتحدثُ باسم حكومة كرزاي همايون حامد زادة فقال: "على الرغم من دعوة كرزاي روسيا إلى تقديم معونات دفاعية فإن أفغانستان ملتزمة بروابطها مع حلف الناتو والولايات المتحدة"، وأضاف: "إن تجهيزات جيشنا الوطني ومروحياتنا ودباباتنا روسية الصنع، ومن ثم فإن هذا الطلب له طابع فني، ونحن نرتبط برباط استراتيجي بحلف الأطلسي والولايات المتحدة" وهو يشير هنا إلى وجود طائرات روسية الصنع موجودة في أفغانستان منذ غزو السوفيت لها.
وهذا يعني أن علاقة كرزاي بروسيا هي مسألة عادية، ولا علاقة لها بالصراع الدولي...
3- وبناء عليه يمكن القول بأن كرزاي نفسه يعلم أن دوره أوشك على الانتهاء في أفغانستان، ويعلم أن إدارة أوباما قرَّرت إحداث تغييرات جديدة تشمله شخصياً، وما اعتراضاته على السياسة الأمريكية الحالية سوى عمل مسرحي يريد إظهار نفسه من خلالها على أنه رئيس حقيقي.
وبمعنى آخر فإن إدارة أوباما تريد أن تجرب حظها مع شخص آخر غير كرزاي الذي استُهلك، ولم يعد يصلح للاستمرار في هذا المنصب.
أما بالنسبة للشخص المقترح، فإن أمريكا ستحاول إيجاد شخص يكون مقبولاً عند الشعب الأفغاني أكثر من كرزاي الذي ثبت للجميع أنه مجرد دمية أمريكية مبتذلة.
وشعبية أي رئيس لأفغانستان تحتم كونه منحدراً من أصول باشتونية لأنها تمثل أكثرية الأفغان، ومن هنا تستبعد أمريكا شخصيات مهمة وشعبية تنحدر من أقليات الأوزبك أو الطاجيك أو الهزارا كيونس قانوني أو قيم فهيم نائب أحمد شاه مسعود الذي اغتيل قبل سنوات أو إسماعيل خان حاكم هيرات أو رشيد دوستم أو برهان الدين رباني أو أي شخص آخر محسوب على تحالف الشمال الذي تآمر مع الأمريكان للإطاحة بطالبان إبان الغزو في العام 2001م.
ووفق المعطيات المتوفرة حتى تاريخه فإن الظاهر هو أن علي أحمد جلالي وزير الداخلية الأسبق هو الأوفر حظاً بالنسبة للأمريكان ليحل محل كرزاي في الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر آب (أغسطس) أو أيلول (سبتمبر) المقبلين وذلك لكونه من الباشتون أولاً، ولأنه رجل أمني ثانياً، وهذا هو المطلوب بالنسبة لأمريكا. أما الأسماء الباشتونية الأخرى المرشحة للرئاسة فلا نظن أنها تملك مثل هذه المؤهلات.
ومع ذلك فإن المعطيات السياسية تتحرك بتسارع، ومن المتوقع أنَّ أمريكا إذا لم تجد الشخص المناسب الذي يخلف كرزاي، فقد تؤجل الانتخابات، ويستمر كرزاي إلى أن تجد العميل الكفؤ لها، أي بقاء كرزاي هي مسألة وقت. أما التخلص منه بأن تقتله أمريكا، فهو مستبعد لأن الرجل موظف مخلص عندها أكثر من كونه عميلاً لها.
وخلاصة القول أن ما يبدو أنه خلاف بين كرزاي وإدارة أوباما ما هو إلا مجرد مسرحية هدفها الرئيس هو الإيحاء بأن منصب الرئيس في أفغانستان هو منصب حقيقي، وأنه ليس مجرد دمية، وبالتالي فلا يعدو هذا الخلاف كونه ضمن الهامش المسموح به في أمريكا.
وختاماً نقول: إن إدارة أوباما الحالية تريد أن تنتهج نهجاً جديداً في أفغانستان، مغايراً لنهج إدارة بوش الذي ثبت فشله، ومن مقتضيات هذا النهج الجديد تغيير الوجوه المحروقة مثل كرزاي والاستبدال بها غيرها، آملةً من وراء ذلك تحسين الأوضاع المتدهورة في أفغانستان، ومن ثم تخفيف الضغط الأمني على القوات الأمريكية وأحلافها...
|
|
16من صفر الخير 1430هـ |
|
10/2/2009م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال:حقيقة الانقلاب في غينيا
|
|
|
السؤال: بتاريخ 23/12/2008 أعلن في كونكري عاصمة غينيا عن قيام وحدات عسكرية بالتمرد، وذلك من بعد الإعلان عن وفاة رئيس الجمهورية الغينية الجنرال لانسا كونتي بأربع ساعات. وفي اليوم التالي أعلن الانقلابيّون عن تشكيل مجلس استشاري تحت اسم "المجلس القومي للتنمية والديمقراطية". وأعلن عن تعيين العسكري الذي أذاع بيان الانقلابيين في اليوم الأول عن طريق الإذاعة الرسمية للبلاد وهو النقيب موسى كامارا رئيسا لهذا المجلس. وقد عارض الانقلاب في بدايته رئيس مجلس الوزراء، وأيد قائد القوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء ودعا الانقلابيين للولاء للحكومة... ولكن رئيس مجلس الوزراء عاد واستسلم للانقلابيين بعد أقل من ثلاثة أيام!
فما حقيقة الأمر؟ وهل ما حدث هو أمر محليّ استغل الانقلابيون فيه موت رئيس الجمهورية، أو هو حدث إقليمي أو دولي؟
الجواب: إن تتبّع ما جرى، وكذلك المواقف الدولية التي أُعلنت تجاه الانقلاب، كلها تبين أن الصراع الدولي حول إفريقيا ليس بعيداً عن أحداث الانقلاب، ولتوضيح ذلك نذكر ما يلي:
1- لقد أعلن رئيس الانقلاب النقيب موسى كامارا باسم الانقلابيين أنهم "لا ينوون الاستمرار في الحكم أكثر من عامين إلى حين إجراء انتخابات رئاسية في نهاية عام 2010. (الإذاعة البريطانية 24/12/2008)، كما ذكر أن الأسباب الموجبة للانقلاب، هي، كما قال، "إن مؤسسات الجمهورية أظهرت عجزها عن مواجهة الأزمة القائمة في البلاد، ومنذ اليوم سيتم وقف العمل بالدستور ووقف الأنشطة السياسية والنقابية". وأضاف: "بأن البلاد تعيش في حالة من اليأس الشديد وكان لا بد من عمل شيء لوقف الفساد وتحسين الاقتصاد".(الإذاعة البريطانية 24/12/2008)، وهذا يدل على أن الانقلاب قد خُطِّط له من قبلُ ولم يكن وليد الساعات الأربع بعد وفاة الرئيس، ولا هو ردة فعل لموت رئيس البلاد. سيما وأن هذا النقيب الذي قاد التمرد الأخير قاد أكثر من تمرد وكان آخرها في شهر أيار الماضي من هذه السنة.
2- أما ردود الفعل الدولية فجاءت أولاً من فرنسا التي تُعدّ صاحبة النفوذ في غينيا مستعمرتها السابقة: "قالت فرنسا إنها ستقاوم أي محاولة انقلاب". (الإذاعة البريطانية 23/12/2008)، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إيريك شيفالييه في مؤتمر صحفي:" لن نقبل بأي وضع لا يحترم الدستور". وأضاف: "يبدو أن السلطات الشرعية تسيطر على الوضع في البلاد حاليا، لدينا ادعاء ويبدو أن الحقائق لا تسانده" (الجزيرة 23/12/2008). ويظهر من هذه التصريحات أن فرنسا متخوّفة من نجاح الانقلابيين وهي ترفض حركتهم، وقالت أنها ستقاومها! وقد هاجمت الصحف الفرنسية الانقلابيين وواصلت انتقاداتها لهم، بل إن بعضها سخِرت منهم كما فعلت ليفغارو حيث قالت "إن العساكر الغينيّين الذين يجوبون مدينة كوناكري وضعوا على رأس بلدهم رائداً غامضا كان رئيس قسم المحروقات"!
3- وأما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أعلن المتحدث باسم البيت الأبيض توني فراتو: "نحن نعمل مع شركائنا في المنطقة والدول الأخرى والاتحاد الإفريقي من أجل تشجيع المؤسسات في غينيا لاتخاذ كافة الخطوات اللازمة من أجل إرساء انتقال سلمي وديمقراطي للسلطة في غينيا". وأضاف: "من الواضح أن المنطقة مضطربة وتاريخها لم يرَ في الغالب هذا النوع من الانتقال السلمي والديمقراطي للسلطة." (الجزيرة 23/12/2004). وهذا يدل على أن قول الولايات المتحدة بأنها مع انتقال السلطة بشكل سلمي وديمقراطي قول كاذب للاستهلاك الديمقراطي، لأنها تقول في الوقت نفسه بأن المنطقة لا تعرف انتقال السلطة بالأسلوب السلمي والديمقراطي! فلا تبقي إذنْ غير طريق الانقلابات العسكرية التي طالما طبّقتها الولايات المتحدة في توصيل عملائها إلى السلطة...!
كما أن التصريح يدل على أن أمريكا راضية عما جرى وتُسنده ضمنيا. ولكنها لا تستطيع أن تسند الانقلابيين علناً بسبب تشدّقها بالديمقراطية وبالوسائل السلمية، ومعلوم أن لا قيمة لهذه الأمور عندها إلا إذا حققت لها مصالحها.
ويؤكد رضى أمريكا على الانقلاب وإسنادها الضمني له، ما صرح به المتحدث باسم الخارجية الأمريكية روبرت وود، فقد ذكر لإذاعة "سوا" الأمريكية "بأن الولايات المتحدة تريد أن تعود غينيا فورا إلى الحكم المدني الديمقراطي. وقال أن واشنطن مستاءة من عدم وجود عنصر مدني في عملية انتقال السلطة في غينيا في هذه المرحلة. وقال أن الولايات المتحدة لم تتخذ قرارا بعد بشأن الانقلاب في غينيا وهي تتشاور مع حلفائها في مسعىً لاتخاذ موقف منسَّق". (صفحة المحيط 25/12/2008). وتدل كلمات هذا المتحدث الرسمي الأمريكي على أن أمريكا ليست ضد الانقلاب، وهي ضمنيّاً تؤيده، وذلك لأنه قال إن أمريكا مستاءة من عدم وجود عنصر مدني في عملية انتقال السلطة ولم يقل أنها مستاءة من الانقلاب، وأيضاً فإن قوله إن بلده لم تتخذ قرارا بعدُ يعني موافقتها على الانقلاب ولكنها تنتظر الوقت المناسب للإعلان الصريح عن ذلك، ولو كان الانقلاب ليس في صالحها لأقامت الدنيا ولم تقعدها على الانقلابيين كما تفعل مع كثير من الانقلابات التي لا توافق مصالحها. يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة قد طلبت إجراء انتخابات في شهر أيار/مايو القادم. (الجزيرة 26/12/2008)، وهذا يظهر التأييد الأمريكي الضمني للانقلاب.
4- أما بريطانيا، فقد قال تعليق الإذاعة البريطانية في 24/12/2008، وهي تنقل الخبر، قال التعليق: "أن الانقسام (في الجيش الغينيّ) ربما يكون له عواقب وخيمة بالنظر إلى الانقسامات العِرقيّة في الجيش وفي البلاد". وأضافت الإذاعة: "أن الانقسامات ستؤثر على دول الجوار من سيراليون وليبيريا وساحل العاج". وأضافت أيضا: "ويؤكد المراقبون أيضا أن هناك مخاوف من أن تؤثّر هذه التطورات في غينيا على الأوضاع في غرب إفريقيا حيث تمتّعت الدول المجاورة مثل ليبيريا وسيراليون وساحل العاج مؤخرا باستقرار نسبي بعد سنوات من الصراع". وغمزت برئيس الانقلاب ناقلةً أن رفاقه قالوا عنه "إنه لم يكن طالبا نجيباً". وهذا يدل على أن الإنكليز غير راضين عن الانقلاب، وأنهم يدركون بأن الانقلاب ليس في صالحهم، وأن تغييراً سيحدث في المنطقة، وأن هذا التغيير ليس لصالح النفوذ الأوروبي، وإلا لما قالوا إن الانقلاب له عواقب وخيمة، وإنه سيؤثر على دول الجوار...
5- وفي ساعة متأخرة من ليلة الأربعاء 24/12/2008 أعلن قائد المتمردين موسى كامارا نفسه رئيسا للبلاد فقال: "أنا مقتنع، وأريد التأكيد على أنني رئيس الجمهورية وقائد المجلس الوطني للديمقراطية والتنمية". وردّ عليه رئيس الوزراء أحمد تيجان سواري بتصريح لراديو فرنسا الدولي قائلاً بأن حكومته لا تزال موجودة وستظل كذلك خلال الفترة الانتقالية. (الجزيرة 25/12/2008) وذكر المصدر نفسه أن قائد الأركان للقوات المسلحة ديارا كامارا سعى للتحاور مع المتمردين لإقناعهم بالتزام القواعد الدستورية التي تنص على أن يصبح رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان) رئيسا مؤقّتاً للبلاد. فيدل ذلك على أن هناك طرفين مختلفين أو متصارعين؛ أحدهما مكوّن من عسكريّين بزعامة موسى كامارا، والآخر بزعامة رئيس القوات المسلحة ومعه الحكومة والبرلمان. وقد أسرع قائد الانقلابيين بإعلان نفسه رئيساً للجمهورية ليثبِّت سلطته ويمنع غيره من أن يعلن نفسه رئيسا للجمهورية كرئيس القوات المسلحة مثلا، وليمنع تعيين رئيس البرلمان من أن يصبح رئيسا مؤقتا. والجدير بالذكر أن الرئيس المتوفّى لانسا كونتي قد سيطر على الحكم بانقلاب عسكري عام 1984 بعد وفاة الرئيس أحمد سكيوتوري السابق بأسبوع.
6- من كل ما سبق يتبين:
أنّ ما حدث هو داخلٌ ضمنَ صراعٍ دولي، بين أمريكا من جهة، وبين أوروبا "فرنسا وبريطانيا" وبخاصة فرنسا من جهة أخرى، وأن الولايات المتحدة هي وراء الانقلابيين، وأنها تسندهم، وأن فرنسا وبريطانيا ضد الانقلاب، وأنه سيتهدّد نفوذُهما في غرب أفريقيا إذا نجحت أمريكا في غينيا كونكري.
7- هذا عن كون ما حدث واقعاً في دائرة الصراع الدولي.
أما عن استسلام رئيس الوزراء لرئيس الانقلابيين بعد أن كان ضده، فإن حقيقة الأمر كالتالي:
أ- نعم، لقد قام رئيس الوزراء أحمد تيجان سواري ومعه 30 وزيراً بالاستسلام للانقلابيين وأعلن ولاءه لقائدهم قائلا له: "نشكرك ونضع أنفسنا تحت تصرفك". (الجزيرة 26/12/2008) وقد مدحه واصفاً إيّاه بالحكيم. (سي.إن.إن الأمريكية 26/12/2008) وكان رئيس الوزراء أحمد سواري قد عارض الانقلابيين في البداية. وقد كان قائد القوات المسلحة ديارا كامارا يؤيد رئيس الوزراء ويعتبره هو الذي يمثل البلاد حاليا ويطلب من المتمردين الاستسلام، وكون رئيس الوزراء قد استسلم، فإن هذا يدل على أن الانقلابيين قد نجحوا في مسك زمام الأمور.
ب- هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنه يدلّ على أن فرنسا وبريطانيا قد أدركتا أن الانقلاب قد نجح أو كاد، وأن معارضته لن تجدي نفعاً، وأنهما آثَرا قبول الفتات من أمريكا مقابل الإيعاز لرئيس الوزراء وقائد الجيش بالاستسلام للانقلابيين وكأنَّ فرنسا وبريطانيا قد حصلتا من أمريكا على الحفاظ على بعض مصالحهما في غينيا مع بقاء مصالح أمريكا في الصدارة في ذلك البلد، وهكذا كان الاستسلام.
8- ومن المعروف أن بوش في زيارته الاخيرة في شهر شباط/فبراير الماضي من هذه السنة قد زار خمس دول في إفريقيا ، بعضها في غرب إفريقيا، ما يدل على أن أمريكا تعطي أولويةً لغرب إفريقيا في محاولة لبسط نفوذها في كامل بلدان إفريقيا من غربها إلى شرقها ومن شمالها إلى جنوبها. ونذكِّر بتصريح بوش قبل تحرّكه إلى هناك حيث قال: "إن إفريقيا في غاية الأهمية بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية، وأن الوضع الإفريقي يُحدِث تأثيراً مباشرا في الأمن الأمريكي ذاته." (صحيفة الشعب الصينية في 25/2/2008)، فجعل إفريقيا قضية مصيرية بالنسبة للولايات المتحدة حيث ذكر أنها تؤثر على أمن أمريكا بشكل مباشر! وكأنه يريد أن يجعل ضفة الأطلسي الشرقية الجنوبية، أي غرب إفريقيا، وما وراءه نحو الشرق، يجعل ذلك مسألة أمريكية داخلية خاصة بأمريكا على غرار مبدأ مونرو الذي جعل ضفة الأطلسي الغربية قضية مصيرية للولايات المتحدة، وأن أيّ تعَدٍّ عليها هو تعدٍّ مباشرٌ على الولايات المتحدة. وموقف بوش هذا هو كموقف مونرو ضد حلفائه الأعداء المستعمرين الأوروبيين.
إن ثروات إفريقيا هائلة ومنه النفط حيث إن لديها احتياطات نفط كبيرةً يسيل لها لعاب الأخ الأكبر للمستعمرين الغربيّين! لقد جاء في تقرير الأهرام الدولية في 16/6/2007، أن مجلس الاتصال القومي الأمريكي يتوقع بأن ساحل غينيا سيقوم بإمداد الولايات المتحدة بحوالي 24-25% من إجماليّ وارداتها النفطية بحلول عام 2020. كما يتوقع مركز السياسة الدولية الإفريقية بأن أرباح بترول ساحل غينيا ستبلغ ترليون دولار بحلول 2020 إذا ظل سعر البرميل أعلى من 50 دولارا. وغينيا أكبر مصدر في العالم للمادة الخامة "بوكسيت" التى يصنع منها الألمنيوم، وموقعها استراتيجي على المحيط الأطلسي فيكون نقل الطاقة من هناك إلى امريكا بسرعة وبأمان أكثر أمناً من منطقة الشرق الأوسط المهددة بالسقوط بيد أهلها المسلمين من يد أمريكا والغرب المستعمرين، وبكلفة رخيصة حيث إن المسافة تُعدّ نسبيّاً قريبة إلى أمريكا، وهي مرشحة لنقل بترول كثير من الدول الإفريقية في المستقبل من خليجها إذا سيطرت أمريكا على المنطقة.
|
|
28 ذو الحجة 1429 |
|
2008/12/26م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
أعمال القرصنة في خليج عدن
|
|
|
السؤال: أعلن اليوم مسؤول أثيوبي بأنهم قرروا سحب قواتهم من الصومال مع نهاية هذا العام، جاء هذا التصريح بعد أن ازدادت عمليات القرصنة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ، وفي الأيام الأخيرة ازدادت بشكل ملحوظ أكثر حيث توجت بخطف سفينة سعودية تحمل مليوني برميل نفط. وفي الوقت نفسه نقلت وسائل الإعلام في 16/11/2008م تصريح عبدالله يوسف الرئيس المؤقت للصومال من أن حركة شباب المجاهدين تسيطر على أكثر البلاد وأنها على وشك أن تصل إلى العاصمة مقديشو. وأثيوبيا متذمرة من بقائها في الصومال وخسائرها فيها فادحة. فقد نشرت وكالات الأنباء تصريح وزير خارجية أثيوبيا بعيد مؤتمر لوزراء خارجية دول "الإيغاد" الذي عقد في أديس أبابا في 18/11/2008م بقوله أود أن أؤكد من جديد وبشكل جلي أن القوات الأثيوبية ليست مستعدة للاستمرار في تحمل مسؤوليات باهظة إلى أجل غير مسمى، من المهم توصيل الرسالة الصحيحة للزعماء الصوماليين في هذا الوقت الحرج...
فهل هذا يدل على انهيار عملاء أمريكا الذين يقاتلون عنها بالوكالة في الصومال وعدم قدرتهم على الصمود أكثر؟ ثم ما دور ما سمي باتفاق جيبوتي الذي وُقّع في 26/10/2008م في هذه المسألة؟ وأخيراً هل يمكن لمجموعات وحدها، مهما بلغت من أن تقوم بأعمال منظمة فنياً وعسكرياً كهذه، أو أن دولاً كبرى وراءها؟
الجواب:
نعم إن ازدياد أعمال القرصنة قد أصبح لافتاً للنظر في المدة الأخيرة، وبتدبر هذه المسألة يلاحظ ما يلي:
1- إن أغلب السفن المختطفة إما أوروبية أو ملك لدول أخرى، ولكن لا يوجد بينها أمريكية. والأمريكيون يرصدون كل ما يحصل دون أن يتدخلوا. فقد نقلت وكالات الأنباء بتاريخ 17/11/2008م تصريحاً لرئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مولن قوله بأن أي عمل عسكري سيكون معقداً لوجود رهائن، وذكر أن القراصنة كلهم مدربون تدريباً جيداً. وقالت قائدة الأسطول الخامس جين كامبيل للإذاعة البريطانية بتاريخ 18/11/2008 إننا لا نستطيع أن نكون في كل مكان...، ومع ذلك فإننا نشجع على اتخاذ جميع الإجراءات الوقائية. وقالت في تصريح آخر نقلته "العربية" في 19/11/2008 أنه لا توجد لهم نية للتدخل في الموقف، حيث إن هذه الأعمال ليست عسكرية، وإنما هي أعمال اجرامية. ونقل موقع الاذاعة البريطانية الاكتروني في 20/11/2008 تصريح المتحدث باسم البيت الأبيض جيف موريل الذي قال فيه إنه حتى لو انتشرت جميع القوات البحرية العالمية هناك لن تحل هذه المشكلة.
2- لقد أصبح وجود السفن الحربية الأجنبية في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية مكثفاً؛ فهناك سفن الأسطول الأمريكي الخامس، وسفن الناتو الذي قرر الشهر الماضي في 9/10/2008م إرسال قوة بحرية إلى هذه المنطقة، وسفن حربية تابعة للاتحاد الأوروبي الذي اتخذ قراراً في العاشر من هذا الشهر لنشر قوة بحرية وقوة جوية أطلق عليها اسم يونا فور أتلانتا مهمتها حماية الممرات البحرية جنوب البحر الأحمر من القراصنة، وقائدها هو أدميرال إنكليزي، وسيكون مقرها في نورثوود في بريطانيا؛ فعلى إثر هذا القرار أرسلت سبع سفن حربية أوروبية إلى قبالة السواحل الصومالية. وقد كونت من قبل قوة متعددة الجنسيات من حوالى 12 إلى 15 سفينة حربية بما يسمى بالتحالف البحري لمكافحة الإرهاب (تاسك فورس 150). ومع كل ذلك تزداد أعمال القرصنة!
3- إننا نرى الأوروبيين "محمومين" مما يحدث، وخاصة الفرنسيين، فتراهم ينشؤون قوة تلو الأخرى، كما أنهم كانوا وراء اتخاذ قرار في مجلس الأمن في 2/6/2008م تحت رقم 1816 يجيز دخول السفن الحربية إلى المياه الإقليمية الصومالية لمكافحة القراصنة وأعمال السطو المسلح على السفن لمدة ستة أشهر قابلة للتمديد، وقد تم ذلك بمبادرة فرنسية. وكانت فرنسا قد اقترحت في 16/9/2008م على لسان وزير خارجيتها كوشنير، كما ورد في وكالة الأنباء الفرنسية، شَنَ عملية عسكرية بحرية وجوية في شهر كانون الأول القادم لمكافحة القرصنة في منطقة جنوب البحر الأحمر أي في خليج عدن ومقابل السواحل الصومالية. وقد أوردت وكالة الأنباء الفرنسية (أ. ف.ب) أيضاً تصريحاً لقائد القوات البحرية الفرنسية في المحيط الهندي جيرار فالان أكد فيه بأن القراصنة في خليج عدن وبحر العرب أصبحوا قوة شبه عسكرية حقيقية مجهزين بشكل جيد ومحترفين. وألمانيا طالبت أيضاً بالقيام بأعمال عسكرية هناك. وفي 20/11/2008م أصدر مجلس الأمن بالإجماع قراراً، كانت من ورائه أوروبا أيضاً حيث صاغته بريطانيا، وهو يتضمن عقوبات على كل من يساهم في إشاعة الفوضى والعنف في بر الصومال وفي سواحله ليشمل القراصنة.
4- لقد نقلت الجزيرة في 18/11/2008م عن شيخ شرف أحمد، جبهة تحرير الصومال جناح جيبوتي، استغرابه من ازدياد أعمال القرصنة في ظل أساطيل حربية تابعة للقوى الكبرى الموجودة في المنطقة، وقال إنه لغز يستعصي على الفهم!. وفي التاريخ نفسه، وفي برنامج لقاء اليوم على الجزيرة، قال عمر إيمان أبو بكر، رئيس تحالف تحرير الصومال الذي يعرف بجناح أسمرة، قال إن القرصنة صناعة أمريكية، فنحن نعرف أن البوارج الأمريكية موجودة في الساحل الصومالي بكثرة وأن هؤلاء يقومون بهذه القرصنة مع وجود هذه السفن الأمريكية العملاقة على مرأى ومسمع منها، بل إن الأخبار تؤكد أن القوات الأمريكية تقوم بتدريب هؤلاء القراصنة الذين يأخذون هذه السفن المحملة بالبضائع إلى الصومال وإلى غيرها والبوارج الحربية الأمريكية تتفرج على ذلك!
5- إننا نخلص من كل ذلك إلى الأمور التالية:
الأمر الأول: إن أمريكا فشلت في تحقيق "نصر" في الحرب برّاً في الصومال، أي على أرض الصومال، سواء أكان ذلك بقواتها مباشرة كما فعلت عام 1993م حيث لم تقوَ على أن تبقى على أرض الصومال أكثر من ثمانية عشرَ شهراً، ثم ولت الأدبار يومئذٍ ذليلة هزيلة، أم كان بقوات عملائها عنها بالوكالة، كما فعلت أثيوبيا التي بدأت بلمِّ خيام عساكرها للرحيل! وكذلك فإنه من المستبعد أن تربحها في المستقبل القريب على الأقل.
بعد فشل أمريكا هذا، عمدت إلى تحقيق نصر سياسي عن طريق ألاعيب المفاوضات السياسية، وذلك بأن توجد حكومة مشتركة مكونة من تآلف مصطنع بين حكومة عبد الله يوسف وأجنحة المحاكم الإسلامية، ومع أنها نجحت في إيجاد اتفاق بين حكومة عبد الله يوسف وجناح جيبوتي للمحاكم الإسلامية الذي وُقِّع في 26/10/2008م، إلا أنه من غير المتوقع أن يصل هذا الاتفاق إلى غايته بسبب مقاومة حركة الشباب المجاهدين لهذه الاتفاقية سيئة الذكر، واستيلائهم على كثير من المناطق في الصومال، حتى كادوا يصلوا إلى العاصمة وفق تصريح عبد الله يوسف نفسه. ومن المعروف أن هذه الحركة قد انفصلت عن المحاكم الإسلامية، جناح أسمرة وجناح جيبوتي، حيث اتهمتهما بعد أن وقعا اتفاقية أسمرا في أيلول 2007م، اتهمتهما بأنهما تحالفا مع العلمانيين وتخلوا عن الجهاد في سبيل الله...
وهكذا فإن أمريكا قد فشلت في تحقيق نصر عسكري في بر الصومال، أو نصر سياسي كامل كما أرادت.
بعد فشل أمريكا هذا في بر الصومال، فكأنها عمدت إلى السيطرة على المنطقة من خلال البحر، فتجعل سواحل الصومال وعدن مركز اختطاف للسفن الدولية، أي أوروبا على وجه الخصوص، فتشغلها أمنياً بأعمال الخطف تلك، وبالتالي توجد "صداعاً" لأوروبا في البحر، يخفف عن أمريكا "الصراع في البر"، ومن ثم تنفذ هي عن طريق البحر إلى سواحل القرن الإفريقي، ومن ثم إلى داخله عن طريق الفوضى "الخطّافة" على غرار سياستها في منطقة الشرق الأوسط المسمى الفوضى "الخلاّقة"، وبالتالي تحقق من وراء هذه الفوضى البحرية أهدافها في السيطرة على ضفتي باب المندب في خليج عدن من جهة اليمن ومن جهة جيبوتي، وتسهل عليها مستقبلاً النفاذ إلى الصومال من جديد، وهكذا تصبح متحكمة بالبحر الأحمر ومنافذه وجوانبه، بعد أن تكون أشغلت أوروبا بسياسة الخطف وأبعدت سفنها وبوارجها عن تلك المنطقة. والمعروف أنها منطقة حساسة ومهمة استراتيجياً واقتصادياً حيث إن ثلث النفط المصدَّر يمر من هذه المنطقة، وكذلك عشر التجارة البحرية الدولية من مختلف البضائع، فهذه المنطقة ممر لآلاف السفن التجارية...
الأمر الثاني: إن الموقف الأمريكي غير مبالٍ من أعمال القرصنة، وأوروبا هي المهتمة بها، وهي المتضررة أكثر منها كما هو ملاحظ. حيث يعتبرها الأمريكيون أعمالاً إجرامية عادية وليست إرهابية ولا تستأهل القيام بعملية عسكرية ضدها، وهي غير مجدية وغير ناجعة وفق رأيهم، بل يضيفون أنه لو اجتمعت دول العالم كله لم تقدر على الحد منها!
وقد انعكس هذا الموقف على عملاء أمريكا في المنطقة، فقد استطاعت مصر في اجتماع القاهرة يوم 20/11/2008م الذي ضم خمس دول عربية مطلة على البحر الأحمر، استطاعت أن تؤثر في البيان الختامي حيث أشار إلى احترام سيادة الأراضي الصومالية ومياهها عند مواجهة القرصنة، وهذا يعني عكس المشاريع الفرنسية التي تدعو إلى القيام بعملية عسكرية في المنطقة متجاوزةً حدود الدول ومياهها...
هذا موقف أمريكا تجاه القرصنة، وأما الأوروبيون فإنهم يعتبرونها شبه عسكرية، وأنها صناعة حقيقية للجريمة، كما وصفها ساركوزي، وأنه يجب القيام بشن عملية عسكرية واسعة النطاق في الشهر القادم ضدها وفق رأيهم.
الأمر الثالث: إن أمريكا لم تغمض عينها عن جيبوتي، فهي حاولت وتحاول أن تكون موطئ قدم ثابت لها، إلا أن فرنسا تعُدُّ جيبوتي مركزها الرئيس في المنطقة، فإنَّ فيها أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في الخارج حيث يوجد فيها 2700 جندي فرنسي تنطلق منها جواً وبحراً لحماية نفوذها في المنطقة حتى أواسط أفريقيا. وإن فرنسا تدرك تطلع أمريكا إلى جيبوتي، ولهذا سمحت لأمريكا باستخدام قاعدة قديمة لها هناك اسمها لومونية، وأن تضع فيها أمريكا قوة بسيطة لا تتجاوز الألف جندي، على أمل الحد من تطلع أمريكا إلى جيبوتي والصراع عليها. غير أن أمريكا كانت تفكر بطريقة أخرى، فاعتبرت المئات الثماني من جنودها الموجودين حالياً في تلك القاعدة، اعتبرتهم منطلقاً لها وليس نهاية المطاف، وهي حالياً تعمل على توسيع هذه القاعدة حتى تتسع لألفي عسكري أمريكي بحجة مكافحة الإرهاب، حيث كانت هذه الحجة مدخلاً لسماح فرنسا بالتوسعة، فقد قالت وزيرة الدفاع الفرنسي كما ورد في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 28/10/2008م بأن هدف الولايات المتحدة هو إقامة قاعدة خلفية لمحاربة الإرهاب، وأضافت أن الوجود الأمريكي ليس دائماً بل هو مربوط بمحاربة الإرهاب، ثم ركزت على أن الوجود الفرنسي دائم، وهذا التصريح يلمح إلى أن هناك تخوفاً على ذهاب وجود فرنسا وامتداد الوجود الأمريكي في جيبوتي، وهو وإن كان تلميحاً في تصريح الوزيرة، إلا أنه ورد تصريحاً في قول لمسؤول فرنسي عسكري كبير في اليوم نفسه وفي الجريدة نفسها، حيث التقتهُ الوزيرة خلال زيارتها للقاعدة الفرنسية في جيبوتي، هذا المسؤول العسكري الكبير قال: إن هدف الولايات المتحدة من الانتشار في جيبوتي هو لضمان وجود أمريكي دائم في القرن الأفريقي وبؤر التوتر في اليمن والصومال وحتى السودان...
كما أن من مخططات أمريكا كذلك إقامة قاعدة دائمة لها في عدن كما كان لبريطانيا سابقاً، ومنها تنطلق لبسط نفوذها في سائر اليمن كما فعلت بريطانيا سابقاً. ولذلك تتخوف اليمن من التطورات الأخيرة. فقد نقلت الجزيرة في 18/11/2008م تصريحاً لوزير خارجية اليمن أبو بكر القربي عبر فيه عن مخاوفه من كثافة الأساطيل الغربية المنتشرة بخليج عدن بدعوى مكافحة القرصنة، واعتبر ذلك تهديداً للأمن القومي العربي وأن هذا الانتشار لتلك الأساطيل قد يؤدي إلى تدويل البحر الأحمر.
هذا التطلع الأمريكي إلى جيبوتي وعدن كذلك، هو من دوافع أمريكا لـ"إرهاب" السفن الدولية "الأوروبية" لإشغالها أمنياً هناك ومن ثم إبعادها عن تلك المنطقة أو تقليل وجودها.
وهكذا فإن أمر القرصنة مرتبط بنقطتين: الوضع داخل الصومال، والسيطرة على منطقة خليج عدن وسواحل الصومال. وأنه من الملاحظ أن أمريكا "تتفرج" على أعمال القرصنة، وأن عيونها تتطلع إلى القرن الأفريقي انطلاقاً من مياهه. وأن أوروبا مهتمة بإطفاء لهيب القرصنة ولو عسكرياً حفاظاً على مصالحها.
وكل ذلك يجعل وجهاً قوياً من الصحة لاتهام أمريكا بأن لها يداً، وليست يداً قصيرة، وراء أعمال القرصنة التي تدور هناك في المنطقة.
وأخيراً فإنه ليحز في النفس أن يكون البحر الأحمر وسواحل الصومال مرتعاً للدول الكافرة المستعمرة، في الوقت الذي تحيط البلاد الإسلامية بهذه الأماكن، إلا أن الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين من حول البحر الأحمر وسواحل الصومال هي أشبه بدمية تتقاذفها تلك الدول وتستعملها أداة من أدوات صراعها على الهيمنة على مياه وأجواء وأراضي المسلمين.
إن هؤلاء الحكام بحق رويبضات، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «يأتي على الناس سنوات خداعات... وينطق في الناس الرويبضة قالوا وما الرويبضة يا رسول الله قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة»
|
|
30 من ذي القعدة 1429 هـ |
|
الموافق لـ 28/11/2008م |
|
|
|
|
|
جــواب ســؤال
قضية البشير مع المحكمة الدولية
|
|
|
إلى أين وصلت قضية البشير مع المحكمة الدولية بالنسبة لأحداث دارفور؟ وهل ما يلاحظ من تخفيف حدة التصعيد بين أوروبا والولايات المتحدة يعني قرب وصولهم إلى حل وسط في هذه القضايا؟
الجواب:
أولاً: حتى يمكن الجواب على السؤال، فإنه يجب استعراض أحداث القضية ومتعلقاتها:
1- المحكمة الدولية هي من صنيع الأيادي الأوروبية كي تحفظ مصالحها تحت غطاء القانون الدولي ولكي تواجه الهجمة الأمريكية. وقد نشأت المحكمة الدولية في عام 1998 فيما يسمى بمعاهدة روما. وذلك لملاحقة الأشخاص الذين يقومون بجرائم خطيرة وذات اهتمام دولي، من مثل الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، بحيث تقوم بمحاكمة الشخصيات التي تقوم بتلك الجرائم كخيار أخير، بعد أن تفشل محاكم الدول المحلية من اتخاذ أي إجراء فاعل.
2- وقعت الولايات المتحدة الأمريكية على معاهدة روما في 31/12/2000 ثم صادق عليها كلينتون قبل مغادرته للمكتب الرئاسي، إلا أن الكونغرس الأمريكي لم يصادق على المعاهدة. وقبل افتتاح المحكمة بقليل في عام 2002 سحب جورج بوش توقيع بلاده من على المعاهدة. وبعد ذلك أصدر جورج بوش قوانين حماية الجنود الأمريكيين، ومنع اعتقال المحكمة للأمريكيين وعدم خضوعهم لإجراءاتها القضائية، ومنذ ذلك الحين أصبحت أمريكا معادية للمحكمة.
3- وعلى الرغم من عدم توقيع أمريكا على معاهدة روما، وكذلك عدم توقيع السودان عليها، إلا أن الاتحاد الأوروبي، وبخاصة فرنسا ثم بريطانيا، قد نجح في إيجاد ضغوط شعبية محلية وعالمية من أجل إصدار قرار من مجلس الأمن بتحويل قضية دار فور إلى المحكمة الدولية، مبررا تحويلها إلى مجلس الأمن مع أن السودان غير موقع على المعاهدة، مبررا ذلك بإحدى مواد المعاهدة التي تنص على حق المحكمة في متابعة أي قضية إذا رأت المحكمة أنها تهدد السلم والأمن العالميين. ولإثبات ذلك، فقد استغل الأوروبيون، وبخاصة فرنسا، أحداث دار فور، وضَخَّمت ما وقع فيها من جرائم...، وأوجدت رأيا عاما بأن ما يحدث في دارفور يهدد السلم والأمن العالميين بسبب ملايين المهجرين ومئات الألوف من القتلى والجرائم الفظيعة التي تصل للإبادة الجماعية وجرائم الحرب... وركَّزت فرنسا وبريطانيا على الجرائم المنسوبة إلى حكومة السودان ومنظمة الجنجويد المرتبطة بالحكومة، وتغاضت عن جرائم حركات التمرد المدعومة من أوروبا، وبخاصة من فرنسا.
4- وهكذا أوجدت فرنسا وبريطانيا تعاطفا شعبيا مع أحداث دارفور ضد حكومة البشير، لدرجةٍ ألجأت أمريكا عند التصويت على قرار مجلس الأمن رقم1593 في آذار 2005 القاضي بإحالة القضية إلى المحكمة الدولية، ألجأت أمريكا إلى الاكتفاء بالتغيب دون استعمال حق النقض مع أنها تعلم أن القرار هو صناعة أوروبية وموجه ضد نفوذها في السودان! وهكذا فقد حصل القرار المذكور على 11 صوتا من دون معارضة له، بل بغياب أربع دول هي "الجزائر والبرازيل والصين والولايات المتحدة"، مع أن أمريكا أثناء مداولات القرار كانت تهدد الدول بعدم التصويت، لكن الرأي العام الذي أوجدته فرنسا وبريطانيا ضد حكومة البشير بسبب جرائم دارفور، كان من القوة بمكان بحيث لم تجرؤ الولايات المتحدة على معارضة قرار إحالة قضية دارفور للمحكمة الدولية، بل اكتفت بالغياب.
5- في شباط 2007 طالب مدعي عام المحكمة الدولية "لويس مورينو اوكامبو" من المحكمة إصدار مذكرة اعتقال بحق كل من وزير الداخلية الأسبق أحمد محمود هارون، وعلي محمود علي قائد قوات الجنجويد والذي يعرف أيضا (بعلي كوشايب) ، إلا أن السودان رفضت مذكرة المحكمة. وفي نيسان 2007 أصدرت المحكمة مذكرة الاعتقال بحق الاثنين، واحتوت المذكرة على 42 تهمة من ضمنها تهمة القتل والاضطهاد والتعذيب بحق هارون، بينما احتوت المذكرة على 50 تهمة من ضمنها القتل والاعتداء على المدنيين عن قصد بحق علي. إلا أن السودان رفضت مباشرة تسليم كلا المتهمين.
6- أصرت السودان على عدم تسليم المتهمين خلال الشهور الثمانية التي تلت مذكرة الاعتقال بالرغم من الضغوط الأوروبية الشديدة عليها، وأخيراً وفي تشرين الثاني 2007 طالبت دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتهم بريطانيا مجلس الأمن ممارسة مزيد من الضغط على السودان. حيث قال السفير البريطاني جون ساورز"إنه من العار على مجلس الأمن أن يكون أحد المتهمين بانتهاك حقوق الإنسان معيناً وزيرا في الحكومة السودانية، وأنا قلق من أن تقرير المدعي العام الذي سيقدمه لمجلس الأمن الشهر القادم لن يحتوي على كثير من التفاؤل". وتبع هذا تحركات سريعة من قادة المتمردين في دارفور من الموالين لبريطانيا وفرنسا في مطالبتهم مجلس الأمن اتخاذ إجراءات سريعة. وصرح أحد قادة المتمردين في حركة تحرير الشعب السوداني عبد الواجد النور لصحيفة منبر السودان بالقول "إن تحقيق السلام في دارفور يتطلب إنهاء حالة ثقافة الحصانة للشخصيات في دارفور" وأضاف" بأن على مجلس الأمن التأكد من تعاون السودان مع مذكرة الاعتقال التي استندت لقرار مجلس الأمن رقم 1593. وحذر من أن عدم اتخاذ إجراءات حازمة من مجلس الأمن سيكون برهانا على عجز المجلس في حل المشكلة". وفي الثالث من كانون الأول 2007 دعت حركة التمرد في دارفور (حركة العدل والمساواة) المجتمع الدولي للوقوف مع المحكمة الدولية في عملها المتعلق بدارفور، حيث قال الناطق الرسمي باسم الحركة أحمد حسين أحمد لصحيفة منبر السودان " لا يمكن تحقيق السلام الدائم بدارفور من دون فرض العدالة" وفي هذه الأثناء قال المدعي العام "اوكامبو" بأنه يُحَضِر لقضية جديدة؟
7- بالإضافة إلى ذلك، فإن البرلمان الأوروبي قد دعا في 22/5/2008 إلى تجميد أرصدة القادة السودانيين الذين لا يتعاونون مع المحكمة الدولية. وكشف المدعي العام الرئيسي للمحكمة من أنه سيعلن عن قضية جديدة بحق مسئولين كبار في الحكومة السودانية. وفي اجتماع قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية قالت السفيرة الفرنسية لدى الأمم المتحدة جين-موريس روبرت " أن فرنسا والاتحاد الأوروبي جاهزتان لاتخاذ مزيد من الإجراءات القاسية ضد الحكومة السودانية إن استمرت السودان في عدم التعاون، إن جميع القادة الأوروبيين يساندونني، إنها المرة الأولى التي تفصح فيها الدول الأوروبية الست (الدول الست في الأمم المتحدة) على أن قرار مجلس الأمن يجب أن يُحترم"
8- وبالفعل ففي 14/7/2008 تمكن الاتحاد الأوروبي ومن خلال المحكمة الدولية من اتهام عمر البشير. فقد اسند المدعي العام مورينو اوكامبو عشر تهم لعمر البشير: ثلاثة منها إبادة جماعية، وخمسة جرائم ضد الإنسانية وجريمتا قتل. وتوقع القضاة بأنهم سيستغرقون شهوراً في دراسة البينات قبل إصدار قرار الاعتقال للبشير.
وهكذا نجح الأوروبيون بإصدار قرار بملاحقة البشير، وبالتالي توجيه ضربة إلى نفوذ أمريكا في السودان بإضعاف عميلها البشير الذي أصبح متهما بجرائم حرب وملاحقا من المحكمة الدولية!
9- قامت أمريكا خلال ذلك بمحاولات لعدم تفعيل قرارات المحكمة الدولية وبخاصة المتعلقة بالملاحقة الجدية للبشير، آخذة في الاعتبار نجاح أوروبا في إثارة الرأي العام ضد جرائم دارفور وضد حكومة البشير، وكذلك الاحترام الدولي لتحقيقات المحكمة...، ولهذا قامت بما يلي:
أ- صرحت إدارة جورج بوش في 26/04/2008م بان واشنطن تحترم تحقيقات محكمة لاهاي فيما يتعلق بالأعمال الوحشية في منطقة دارفور.
ب- دقت ناقوس الخطر على تطورات عملية السلام في دارفور إذا ما استمرت المحكمة الدولية في ملاحقة فعلية لمزيد من المسئولين في السودان، حيث صرَّح المبعوث الأمريكي السابق للسودان "اندرو ناتاسيوس" بالقول" إذا نفذت المحكمة الدولية تهديداتها التي وردت في الصحف عن عزمها على ملاحقة مزيد من الشخصيات الدبلوماسية في السودان فإننا ندفع بالبلد إلى حالة فوضى ودمار"
ثم ضاعفت من هذه التصريحات بعد اتهام المحكمة الدولية للبشير صراحة، وصارت الولايات المتحدة تركز على أن ملاحقة البشير ستجعل عملية السلام في دار فور في مهب الريح...
ج- حركت أمريكا عملاءها في أفريقيا والعالم العربي لتأجيل إصدار المحكمة مذكرة اعتقال البشير، وأرسلت أمريكا عمرو موسى لحث السودان على محاكمة "هارون وعلي" في محكمة افريقية أو محكمة سودانية، مستغلة في ذلك المادة رقم 16 في معاهدة روما التي تنص على أن المحكمة غير مخولة بالنظر في القضايا التي يُنظر فيها من قبل المحاكم المحلية. وقد ساند هذه الخطوة كل من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي وتنزانيا وكينيا وأوغندا...
10- لقد أثرت هذه المحاولات في ضغوطات أوروبا، ولذلك فقد سلطت عملاءها على انتقاد من يساند السودان حيث قال رئيس حركة العدل والمساواة " أخشى أن تتورط الجامعة العربية في التآمر مع الحكومة السودانية ضد أهل دارفور، مما يؤدي إلى كارثة على المدى البعيد " وقال منتقداً الاتحاد الأفريقي" المادة الرابعة من قانون الاتحاد تنص على تدخل الاتحاد في أي قضية يُنتهك فيها حقوق الإنسان من قبل أية دولة عضو في الاتحاد، ومن ضمن ذلك جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، فلماذا إذا لا يطبق الاتحاد هذه المادة؟ هل يظن الاتحاد أن الوضع في دارفور ليس مأساويا بما فيه الكفاية بعد خمس سنين؟"
11- ومع ذلك فقد أدركت أوروبا، وبخاصة فرنسا، أن تحريك أمريكا للإتحاد الإفريقي مؤثر، ولذلك عقدت لقاءات مع ممثلي الاتحاد الإفريقي، وعرضت في هذه اللقاءات أمورا "مكاسب" تريد تحقيقها في مقابل "تليين" موقفها ...، ثم خلصت إلى أنه لابد من الالتقاء مع أمريكا في منتصف الطريق، وان استمرارها في الشوط إلى منتهاه ليس مجديا، لا من حيث ملاحقة البشير، ولا من حيث الإصرار على تسليم المتهمين "هارون وعلي" للمحكمة الدولية، ولكن مقابل مكاسب تحققها في المباحثات، كما جاء في تصريحات مسئوليها. وهناك مؤشرات على ذلك:
أ- صرحت مؤخرا السفيرة الفرنسية لدى الأمم المتحدة جين- موريك روبرت " عقدنا لقاءات مكثفة مع ممثلين في الاتحاد الأفريقي،... ورسالتنا للسودان هي أن تُوقف السودان القتل و العمليات العسكرية في دارفور... وأن تقوم بما تستطيع لوقف المعاناة البشرية وتسهيل إيصال المعونات الإنسانية لدارفور... والسماح لجميع الأحزاب السياسية بالانضمام للتباحث السياسي... وتحسين علاقاتها مع تشاد"
ب- في 15/07/2008م قالت كل من السفيرة الفرنسية (جين- موريس روبرت) والسفير البريطاني (جون) "لم يفت الأوان بعد على السلطات السودانية لتتعاون مع المحكمة الدولية في اتهامها لوزير الداخلية الأسبق أحمد هارون وقائد قوات الجنجويد علي كوشايب"، أي أن البشير يستطيع تجنب اعتقاله إذا سلم كل من أحمد وعلي. ولتسويق هذا العرض أمرت بريطانيا ليبيا وأفريقيا الجنوبية وقطر بالتدخل في القضية.
ج- في 27/7/2008 كشف وزير خارجية السودان النقاب عن إرادة بريطانيا وفرنسا تعاون السودان مع المحكمة الدولية وتسليم كلا المشتبهين للمحكمة. وأشار إلى طلب كلا البلدين نشر قوات حفظ السلام وإيجاد حل سياسي سريع للنزاع.
د- موافقة كل من فرنسا وبريطانيا وأمريكا على التعديلات الليبية على مشروع القرار، ويدعو التعديل إلى تجميد أي اتهام من قبل المحكمة الدولية لعمر حسن البشير...
هـ- أعلن وزير العدل السوداني عبد الباسط سابدارات عن تعيين نائب عام يدعى نمر إبراهيم محمود خصيصاً للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت في دارفور منذ 2003، ثم قال: إن كوشايب سيستجوب، وسيحاكم في المحاكم المحلية السودانية. وفي 1/9/2008 أكد النائب العام نمر إبراهيم محمد أنه كان يحقق في المزاعم التي تتهم قائد قوات الجنجويد علي كوشايب في القيام بجرائم حرب في دارفور فقال " نستمر في استجواب علي كوشايب الذي أُتهم بالقيام بجرائم حرب..".
و - أبدت فرنسا بعض المرونة في مواقفها تجاه السودان وحكومة البشير، وتجاه هارون وعلي، فلم تعد تشترط تسليمهما إلى المحكمة الدولية، بل يكفي أن يحاكما أمام محاكم محلية، وأن لا يكونا وزراء في الحكومة...! فقد صرح ساركوزي مؤخرا في لقاء مع الصحفيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بخصوص تسليم المشتبه بهما فقال" لا نريد للمتهمين أن يبقوا وزراء في الحكومة السودانية" يشير بذلك إلى هارون. وكانت من قبل قد صرحت السفيرة الفرنسية لدى الأمم المتحدة جين- موريك روبرت" قلتها مراراً هنا بأن أي عمل يقومون به يجب أن يتضمن تعاونهم الرسمي مع المحكمة الدولية، فإن أرادوا أن يحاكموا مواطنيهم في بلدانهم فلهم ذلك بحسب معاهدة روما، ولكن يجب أن يقوموا بذلك باتفاق مع المحكمة الدولية، ولم يفت الأوان بعد على التعاون".
ز- في 15/10/2008 طلب القضاة في المحكمة الدولية مزيداً من الوقت قبل إصدار مذكرة اعتقال بحق عمر البشير.
ثانياً: والآن، على ضوء ما سبق، فإنه يمكننا الجواب على السؤال بالقول:
إن قضية البشير ودارفور مع المحكمة الدولية تتجه إلى الحل الوسط بين أمريكا وأوروبا، وهو يتضمن إيجاد مخرج للأزمة بان يحاكم "هارون وعلي" محليا، وبالتالي تخف الملاحقة عن البشير ثم تلغى، ولكن مقابل مكاسب لأوروبا، وبخاصة بريطانيا وفرنسا، بان يوجد لهما موطئ قدم في دارفور من خلال مباحثات تضمن إشراك الحركات المتمردة العميلة لهما في الحكم بشكل فاعل، بالإضافة إلى أمن تشاد...
ولأن القضية حسب مؤشراتها تتجه نحو مباحثات الحل الوسط، وهذا يقتضي تصارع القوى السياسي، واستعمال الضغوطات وتسخين الأجواء لتحسين شروط مباحثات الحل الوسط، أي أخذ ورد وشد وجذب... فإن هذا الحل ليس سهلا، على الأقل في المدى المنظور، وفي جميع الأحوال فليس من المتوقع إنجاز حل قبل مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة للبيت الأبيض في كانون الثاني 2009م. وحتى بعد مجيئها فإنها تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتداخل أكثر من قوة ذات تأثير في المنطقة.
|
|
26/شوال 1429هـ |
|
25/10/2008م |
|
|
|
|
|
أجــوبة أسئــة | انتخاب زرداري رئيسا | القمة دمشق الرباعية
|
|
|
السؤال الأول:
أعلن أن "زرداري" سيقسم اليوم قَسم رئيس باكستان، فهل يعني ذلك أنه فاق رضا جيلاني رئيس الوزراء في تقديم خدماته لتحقيق مصالح أمريكا ؟ وإن لم يكن كذلك فما الذي جعل أمريكا تدعمه لتوصيله إلى رئاسة باكستان؟
الجواب:
1ـ إن كلا الرجلين: "زرداري ", " جيلاني" في قبضة أمريكا، وكلاهما صرح عن استجابته لأمريكا والتعاون معها في أبرز قضية تدور مخططات أمريكا حولها في الهيمنة على المنطقة، وهي المسماة "الحرب على الإرهاب"، وتصريحات الرجلين ومواقفهما في ذلك معلنة جهارا نهارا سياسيا وميدانيا. هذا بالإضافة إلى أن أمريكا تمسك بقيادة الجيش فهي كانت وراء تعيين كياني في قيادة الجيش خلفا لمشرف.
2ـ إن " رضا جيلاني" هو أقوى شخصيةَ، وأقدر على تنفيذ مخططات أمريكا ، وأما "زرداري" فمعروف بفساده الظاهر وضعف شخصيته, حتى إنه لم يعرف في السياسة إلا بأنه زوج "بناظير بوتو"، وليس باسمه الشخصي, وهذا باعترافه هو من أنه لم يظهر في العمل السياسي، ولم يدخل الوسط السياسي إلا لأنه زوج, "بوتو"!
3ـ أما لماذا دعمته أمريكا وأوصلته إلى الرئاسة،فإن وراء ذلك سببين:
الأول: إرضاءً لبريطانيا وتهدئة للأجنحة الموالية لها في حزب الشعب، على اعتبار أن زرداري هو زوج "بوتو" التي مكثت سنين "منفية" في بريطانيا، وخلال تلك السنين استطاعت بريطانيا أن تكسب ولاءها , وبالتالي أن تؤثر في عدد من شخصيات حزب الشعب... وكون "زرداري" زوجها، فإن هذا يريح بريطانيا ويجعل عندها أملاً بتسهيل عملها في باكستان على الرغم من إعلان "زرداري" التعاون مع أمريكا والسير في ركابها.
الثاني: ما ظهر من مؤشرات على أن باكستان متجهة إلى تركيز الحكم في يد رئيس الوزراء، وبالتالي إنقاص صلاحيات رئيس الجمهورية، فيكون منصب رئيس الوزراء هو الأقوى وهكذا شاغله.
السؤال الثاني: ماذا وراء هذه القمة الرباعية في دمشق؟ وكيف تحضرها قطر وهي تختلف عن سوريا من حيث التبعية،فقطر للإنجليز، وليس لأمريكا كما هي سوريا وتركيا؟
الجواب:
إن هذه القمة هي لإيجاد أجواء تهدئة في المنطقة عن طريق الاستمرار في الأخذ والرد في المفاوضات إلى أن تأتي الإدارة الأمريكية الجديدة، وذلك حتى لا تحدث بؤر ساخنة تزعج أمريكا خلال انشغالها بالانتخابات.
وهكذا فقد أنابت أمريكا عنها ساركوزي ليقوم بملء الفراغ الناشئ في المنطقة بسبب انشغال أمريكا بالانتخابات.
وساركوزي الذي تقرب كثيراً من الأمريكان، ونافقهم....، فإن أمريكا تكافئه بالقيام بمهام سياسية نيابة عنها.
وهكذا فإن الاجتماع الذي حصل في دمشق بين الأسد وساركوزي وأردوغان وأمير قطر كان أبرز ما يهدف إليه هو إشعار دولة يهود بضرورة الاستمرار في المفاوضات بعد استقالة أولمرت. وفي ذلك يقول الرئيس السوري: "حددنا ست نقاط ووضعناها وديعة عند الجانب التركي بانتظار أن تسلمه إسرائيل نقاطها وسيكون ردنا الإيجابي على النقاط التي تطرحها إسرائيل وننتقل إلى المفاوضات المباشرة وسيحصل هذا الانتقال بعد قيام إدارة أمريكية جديدة".
إن الأسد وأردوغان عملاء لأمريكا وتستخدمهم الإدارة الأمريكية برعاية فرنسية لاستمرار المفاوضات مع الكيان اليهودي حتى تقوم الإدارة الجديدة وتتخذ القرار الذي تراه يحقق هيمنتها ونفوذها.
وأما قطر فيمثل الإنجليز في القمة وهو يراعي المطالب الأمريكية واليهودية بطريقة تجعل منه طرفاً مرغوباً في أية مفاوضات أو اتفاقات أو مصالحات في المنطقة.
|
|
9 رمضان 1429هـ |
|
2008-09-09 |
|
|
|
|
|
جواب سؤال: إزاحة مشرف عن الحكم
|
|
|
السؤال: لقد تردد على لسان المسئولين الأمريكيين سابقاً أن مشرف ( كنز) للولايات المتحدة الأمريكية , في حفظ مصالحهم وتقوية نفوذهم في المنطقة, وأنه كان عاملاً حاسماً لهم في احتلال أفغانستان..., وأمس 18/8/2008م تتركه أمريكا يزاح عن الحكم (يستقيل) , فكيف ذلك؟ أو أن هناك صراعاً سياسياً مع بريطانيا, نتج عنه نجاح بريطانيا في إزاحة مشرف؟ ثم من هو المتوقع أن يحل محل مشرف في رئاسة الجمهورية؟
الجواب: نعم, إن مشرف كان ( كنزاً) للولايات المتحدة , كنزاً بحق, فهو قد قدم خدمات لأمريكا في أفغانستان والمنطقة, قد لا نبالغ إذا قلنا إن أمريكا ما كانت لتحتل أفغانستان لولا مساعدة مشرف, هذا بالإضافة لتصديه للمسلمين المقاومين للاحتلال, بذريعة (مكافحة الإرهاب) ما سهَّل لأمريكا اعتقال عدد من المسلمين المقاومين للاحتلال...
كل هذا صحيح , ولكن مشرف في السنوات الأخيرة, وبخاصة منذ سنة أو نحوها لم يعد قادراً على تنفيذ مخططات أمريكا, فقد أصبح عاجزاً عن ذلك لاهتزاز موقعه سواء أكان ذلك بين الناس, أم في الجيش, أم في البرلمان. وذلك لكثرة جرائمه تجاه المسلمين, وبخاصة مجازره في منطقة القبائل ووادي سوات, ومجازره في المسجد الأحمر, وتهالكه المفضوح على الارتماء في أحضان أمريكا, وتقديمه كل ما يمكنه من خدمات لها متحدياً ليس فقط أفكار المسلمين ومفاهيمهم بل حتى مشاعرهم...
وقد كشفت تصريحات بعض المسئولين الأمريكان عجز مشرف عن أداء مهماته على الوجه الذي تريده أمريكا نتيجة اهتزاز موقعه في الحكم والجيش والأمة. ومن هذه التصريحات ما قاله قائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال ديفيد ماكيرنان في 7/8/2008م لمحطة التلفزيون الأمريكية (سي إن إن): "هل أعتقد أن هناك شكلاً من أشكال التواطؤ من جانب جهاز الاستخبارات الباكستانية؟ نعم أعتقد"، وأضاف ماكيرنان: "شاهدنا عدداً متزايداً من المقاتلين الأجانب في جنوب وشرق أفغانستان السنة الحالية وننتظر من السلطات في باكستان التحرك ضد ملاذاتهم الآمنة".
وكانت صحيفة (نيويورك تايمز) ذكرت أن ستيف كيبس وهو الرجل الثاني في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) توجه إلى إسلام آباد ليطلب توضيحات من السلطات الباكستانية ويقدم لها أدلة على تواطؤ الاستخبارات الباكستانية مع شبكة التمرد التي يقودها جلال الدين حقاني.
وأكدت الصحيفة: "أن الأمريكيين رصدوا اتصالات تثبت على ما يبدو تورط بعض عناصر الاستخبارات الباكستانية في الاعتداء على سفارة الهند في كابول الذي أسفر عن مقتل ستين شخصاً".
وهكذا اتضح لأمريكا أن اهتزاز موقع مشرف في علاقته مع الجيش والحكومة والناس لا يمكنه من أداء واجبه كما تريد أمريكا على الرغم مما يبذله مشرف من تضحية وتفانٍ في خدمة أمريكا.
وعليه فقد رأت أمريكا أن مشرف قد استنفذ دوره, ولابد من البديل الذي يبدو للناس منقذاً لهم من دكتاتورية مشرف, ثم يحقق مصالح أمريكا ويحفظ نفوذهم ويستمر في محاربة المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب... أي يعيد سيرة مشرف في خدمة أمريكا عندما كان ممسكاً بقوة في الحكم, وقبل أن يهوي نجمه ويستقيل!
ومن الجدير ذكره أن إزاحة ( استقالة) مشرف أمس لم تكن بنت يومها, بل إن نجم مشرف بدأ بالتهاوي تدريجياً ضمن محطات أربع, كان يخفت نجمه شيئاً فشيئاً عند كل محطة إلى أن انطفأ بإعلان استقالته في 18/8/2008م
وهذه المحطات هي:
المحطة الأولى : كانت عندما عقدت أمريكا صفقة مع بريطانيا سمحت بموجبها لبناظير بوتو زعيمة حزب الشعب أن تعود من منفاها في بريطانيا إلى باكستان, وكان أبرز ما في الصفقة أمران:
الأول:ـ أن لا يعترض حزب الشعب على إعادة انتخاب مشرف رئيساً للجمهورية.
والثاني:ـ تقاسم السلطة مع مشرف, بأن تكون هي رئيسة وزراء بصلاحيات فاعلة.
أي أن أمريكا أدركت أن مشرف لا يمكن استمراره في الحكم إلا بدعم حزب بناظير العلماني له, وذلك بسبب مجازر مشرف ضد المسلمين وكراهيتهم له. وهكذا رأت أمريكا في هذه الصفقة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صلاحية مشرف حتى ولو كانت منقوصة.
ومن الجدير ذكره أن حزب الشعب هو حزب (تجميعي) وليس حزباً تكتلياً, أي ليس له أفكار محددة يؤمن بها أفراده, ويتكتلون حولها, بل هو تجميع لأشخاص وفق مصالح معينة وظروف ذات علاقة, ولهذا فإن اختراقه سهل, وهذا ما ظهر عليه , فإن حزب الشعب في عهد بوتو الأب كانت أمريكا وراءه , ولكن بريطانيا استطاعت خلال سنوات منفى بناظير بوتو هناك, استطاعت أن تكسب ولاءها وولاء قادة مؤثرين في حزب الشعب, وأصبحت بريطانيا تؤثر فيه إلى جانبها, بعد أن كان في عهد بوتو الأب يوالي أمريكا.
وعليه فإن المحطة الأولى كانت هذه الصفقة التي أعادت بناظير بوتو لباكستان, مع إنقاص صلاحية مشرف.
أما المحطة الثانية: فكانت يوم سمحت أمريكا لنواز شريف بالعودة لباكستان, فإن نواز شريف هو من رجال أمريكا , ولكنها غضبت عليه عندما لم يمنع الجيش الباكستاني من احتلال مرتفعات كارغيل في الهند في عهد حكم حزب جاناتا بزعامة فاجبايي رئيس وزراء الهند السابق.
ومن المعروف أن أمريكا بذلت الوسع حتى كسبت ولاء حزب جاناتا بعد سنوات من حكم حزب المؤتمر الطويلة للهند, وهو حزب موال للإنجليز.
لقد كانت أمريكا تدعم فاجبايي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لإطالة عهده , فجاء احتلال مرتفعات كارغيل بمثابة دق إسفين في شعبية حزب جاناتا.
لذلك فإن أمريكا كانت وراء انقلاب مشرف على نواز شريف وطرده, وبقيت أمريكا غاضبة عليه ولا تسمح له بالعودة.
غير أن ارتفاع أسهم حزب الشعب إلى عنان السماء "وبخاصة بعد اغتيال بوتو ", هذا الارتفاع قد أوجد خشيةً عند أمريكا من أن يكتسح حزب الشعب أصوات الناخبين, ومن ثم لا يلتزم ببنود الصفقة ويستولي على الحكم وحده, ويعود نفوذ بريطانيا...
لذلك فقد سمحت لنواز بالرجوع إلى باكستان ليتقاسم حزبه نقمة الشعب على مشرف, يتقاسمها مع حزب الشعب, فلا تكون الأصوات كلها لحزب الشعب بل تكون الأكثرية موزعة على حزب بوتو وحزب نواز شريف.
هذه المحطة الثانية وكان واضحاً من عودة نواز شريف أن الأمور بدأت تُعَدُّ لما بعد مشرف.
أما المحطة الثالثة: فكان إيعاز أمريكا لمشرف بأن يتخلى عن قيادة الجيش لتسهيل انتخابه, وهو الذي كان يستغله من حيث القوة عند كل أزمة شعبية أو برلمانية تواجهه.
وأما المحطة الرابعة الفاصلة: فهي زيارة رئيس وزراء باكستان الحالي رضا جيلاني إلى أمريكا , واجتماعه ببوش مطولاً ثم رجوعه لباكستان ومباشرته بإجراءات عزل مشرف.
إن المتابع للزيارة يرى أن رضا جيلاني قد خضع لأمريكا, وأن أمريكا ضمنت تأييد حزب الشعب للمرشح الذي تعرضه أمريكا لرئاسة الجمهورية, وبطبيعة الحال فإن حزب نواز شريف مضمون.
وكنتيجة لتلك الزيارة, فإن أمريكا قد أعطت الضوء الأخضر للائتلاف الحكومي بإجراءات عزل مشرف , وذلك بعد أن ضمنت موافقة رضا جيلاني, وبالتالي حزب الشعب, على تأييد مرشح أمريكا لرئاسة الجمهورية, بحيث لا يعمل حزب الشعب على عرقلة وصول من تريده أمريكا لرئاسة الجمهورية.
إن رضا جيلاني كعميل إنجليزي قد يكون أظهر الموافقة لبوش بعدم عرقلة وصول من تريده أمريكا لرئاسة الجمهورية, على نحو ما يفعله الإنجليز في سياستهم من عدم مجابهة أمريكا , ولكن الأرجح هو أن أمريكا أغرته بمنصب ذي شأن في السلطة الجديدة, وأنه أصبح قريباً من أمريكا.
غير أن المتوقع هو أن بريطانيا لن تسكت على إضاعة فرصة سنحت لها بالمشاركة في الحكم في باكستان منذ الصفقة المذكورة, ولذلك فهي ستعمل عن طريق قيادات في حزب الشعب موالين لها بعرقلة انتخابات رئيس الجمهورية القادم إلا إذا ضمنت لها مشاركة فاعلة في الحكم على غرار الصفقة السابقة.
إن بريطانيا لا تطمع بالنفوذ الكامل في باكستان , ولكنها لن تترك فرصة سنحت لها أن تضيع , فلذلك فإن عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية الذي تريده أمريكا, هذه العرقلة واردة وبشدة إلا أن تعود مباحثات الصفقة الجديدة.
أما من هو الرئيس القادم المتوقع, فبغض النظر عن الأسماء, فإن الدور الفاعل في ترشيح الرئيس وانتخابه سيكون لأمريكا, وهناك ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول:ـ أن يكون هو رضا جيلاني, وذلك إذا اطمأنت أمريكا أنه أصبح موالياً لها فعلاً, وليس شكلاً على طريقة الإنجليز الجديدة في الظهور بمظهر الموافق لسياسة أمريكا, ثم يطعنها في الخفاء, فإذا اطمأنت أمريكا بأن رضا جيلاني قد أصبح موالياً فعلاً لها, فهو الأوفر حظاً. ولكن هذا الأمر يحتاج إلى تهدئة بريطانيا التي لن تسكت بسهولة على هذا الأمر وقد تثير مشاكل لرضا جيلاني من قيادات حزب الشعب الموالية لبريطانيا.
الاحتمال الثاني:ـ من حزب نواز شريف, والأولوية لأحد قياداته, وليس لنواز شريف نفسه, على الرغم من إنه من رجالات أمريكا لكنه مكروه نسبياً بين الناس, فضلاً عن أن أزمة كارجيل لازالت آثارها لم تمح من ذاكرة أمريكا, ولن تعمد أمريكا لترشيح نواز شريف إلا إذا عدمت مرشحاً قوياً آخر من حزبه, عندها قد تعمد إليه.
الاحتمال الثالث:ـ وهو إذا تعذر الاحتمالان السابقان, فإن أمريكا قد تعمد إلى الجيش من جديد, وبخاصة أن كياني قد عين قائداً للجيش بترشيح من مشرف وبموافقة من أمريكا, ولن تعدم أمريكا وسيلة لتسييس العسكر وفق ديمقراطية أمريكا غريبة الأطوار!
وأخيراً نقول لو يعقل العملاء ويعتبرون بما يجري لأسلافهم بفعل الدول المستعمرة التي تلفظ عميلها كما تلفظ النواة عند ما يستنفد دوره, حيث يخسر هذا العميل الملفوظ دنياه بعد أن كان قد خسر دينه بسبب عمالته للكفار وخيانته لأمته,
نقول لو يعقل العملاء هذا لحفظوا دنياهم على الأقل بالتقرب إلى شعوبهم وليس إلى المستعمرين, لكنهم لا يعقلون.
|
|
18 من شعبان 1429هـ |
|
19/8/2008م |
|
|
|
|
|
أجــوبة أســئلة
الانقلاب العسكري في موريتانيا | الحرب الروسية الجورجية
|
|
|
1- في 6/8/2008 أعلن في موريتانيا عن انقلاب عسكري قام به الجيش بقيادة رئيس الحرس الجمهوري الجنرال محمد ولد عبد العزيز ضـد رئيس الجـمهورية سيد محمد ولد الشيخ عبد الله وضد رئيس وزرائه يحيى ولد أحمد الواقف. وذلك بعد مرور 16 شهراً على الانتخابات التي سمح الجيش بإجرائها في آذار/مارس 2007م بعد مرور أقل من سـنتين على انقلاب الجيش عام 2005م ضد معاوية ولد الطايع والإطاحة به وتسلم الجيش زمام السلطة بقيادة العقيد علي ولد محمد فال الذي حقق وعده بتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة. فما حقيقة هذا الانقلاب وما الدافع وراءه؟
الجواب: تغلبت فرنسا المستعمِرة على المسلمين في موريتانيا بعد مقاومة شرسة, وذلك في عام 1920م حيث أعلنتها فرنسا مستعمرة فرنسية. وفي عام 1946 أعلنوها محافظة في ما وراء البحار تابعة لفرنسا، وبقي فيها هؤلاء المستعمرون فعلاً حتى عام 1960م حيث منحوها الاستقلال الشكلي. ولكنهم بقوا مسيطرين على زمام الأمور فيها وأنشأوا جيشاً لها حسب عقيدتهم، وخرَّجوا ضباطاً حسب ثقافتهم. وبدأت الانقلابات فيها منذ عام 1978م ضد أول رئيس عينه الفرنسيون لها وهو مختار ولد داده. وتوالت الانقلابات التي بلغت خمساً حتى الآن، ما عدا محاولات الانقلاب التي بلغت تسعاً في مدة ثلاثين عاماً.
وجاء الانقلاب الأخير بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز بعدما أصدر رئيس الجمهورية ولد الشيخ عبد الله مرسوماً يقضي بعزل هذا الجنرال من رئاسة الحرس الجمهوري وعزل رئيس الأركان ولد الغزواني وكذلك عزل قائد الدرك. مع العلم أن الرئيس ولد الشيخ عبد الله هو الذي رقَّى هؤلاء من رتبة عقيد إلى رتبة جنرال. أي أنه كان راضياً عنهم أو كان يعيش تحت ضغطهم أو كان يعمل على استرضائهم بترقيتهم حتى يكسب ولاءَهم له, والأخيرة هي الأكثر احتمالاً.
وعليه فإنه يستغرب منه أن يعود ويعزل قادة الجيش بهذه السهولة والسرعة! مع العلم أنهم كانوا هم المتمكنين من السلطة، وهو رئيس منتخب حديثاً ولأول مرة يأتي رئيس عن طريق الانتخابات! وكأنه ظن أنه أصبح متمكناً من ذلك وأنه يلاقي دعماً محلياً ودولياً بسبب ما يسمى بالعملية الديمقراطية وأن فرنسا لا تستطيع أن تشجع الضباط على الانقلاب, وبخاصة وأنه شعر بدعم أمريكي له.
وكان الرد الفرنسي الأولي على لسان الناطق الرسمي باسم الخارجية رومان نادال بقوله نحن على اتصال دائم مع سفارتنا في نواكشط ونتابع الوضع بكثير من الاهتمام بالتنسيق مع كافة شركائنا. وقال إنه من المبكر لأوانه وصف الوضع. وكانت أول دولة أعلنت عن وجود انقلاب في موريتانيا هي فرنسا. وكان أول سفير يستقبله زعيم الانقلاب هو السفير الفرنسي. وهذا يدل على علم فرنسا بالانقلاب. وقد ورد في الأخبار أن فرنسا علمت بالانقلاب قبل ساعتين على الأقل من حدوثه.
أما الرد الأمريكي على لسان الخارجية الأمريكية فهو إدانة الانقلاب ومطالبة دول العالم بإدانته والترحيب بإدانة المفوضية الأوروبية له وكذلك الاتحاد الأفريقي، والمطالبة بإطلاق سراح الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله ورئيس وزرائه يحيى ولد محمد وإعادة الحكومة المنتخبة إلى الحكم فوراً. وكذلك فقد أعلنت تعليق مساعداتها لموريتانيا غير الإنسانية.
ولكن بعد مرور يوم أصدرت الرئاسة الفرنسية في بيان لها بصفتها رئيس الاتحاد الأوروبي أن رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي تدين بكل حزم الانقلاب الذي نفذه الجنرال محمد ولد عبدالعزيز في موريتانيا. ويظهر أن هذه الإدانة جاءت متأخرة وليس باسم فرنسا وإنما باسم الاتحاد الأوروبي الذي يظهر سياسة دعم الانتخابات والديمقراطية كخط فكري عام يختلف عن مواقف كل دولة من دوله. وخاصة بعد إدانة أمريكا للانقلاب ومطالبتها للجميع بأن يدينوا الانقلاب. فلا يمكن أن تقول أوروبا أننا ندعم الانقلاب، فيظهر أنها تتناقض مع الديمقراطية التي تتشدق بها.
ولم يصدر عن بريطانيا ولا عن صحافتها وإعلامها أي شيئ, ما يدل على أن بريطانيا غير منزعجة من عملية الانقلاب, فلم تدنه ولم تؤيده ولم تروج ضده أو له, حتى لا تحرج فتظهر كأنها ضد الديمقراطية ومع الانقلاب!
والانقلاب الموريتاني هذا حصل بعد حدوث نزاع بين الجيش وبين رئيس الجمهورية ومعه رئيس وزرائه، حيث أحدث الجيش بلبلة عندما طلبوا من أعضاء في مجلس البرلمان وفي مجلس الشيوخ الاستقالة من حزب الرئيس الحاكم والذي يعرف اختصاراً باسم حزب عادل, فاستقال 48 عضواً من هذا الحزب يوم 5/8/2008م, وبعد ذلك قام رئيس الجمهورية بعزل قادة الجيش ورئيسهم زعيم الانقلاب الأخير ولد عبد العزيز. فقام قادة الجيش بانقلاب رافضين قرارات عزلهم واعتبروها لاغية وذلك في أول بيان لهم. وقد صرح زعيم الانقلاب ولد عبد العزيز لفضائية الجزيرة هذا اليوم 9-8-2008, أن الانقلاب كان ردة فعل على إجراءات فاشلة للرئيس السابق. وأما الناطق الرسمي باسم الرئاسة السابقة عبدالله ماما دوبا فقد قال: «إن العسكر كانوا يرون الرئيس دمية، واتضح لهم عكس ذلك، فزرعوا البلبلة داخل الحزب الحاكم، وعندما حاول الرئيس تشكيل غالبية جديدة مع أحزاب أخرى, حرك الضباط الآلة العسكرية».
وقد بدأت الأزمة البرلمانية في 30/6/2008م حيث اتهم نواب في البرلمان الحكومة بالفشل وطالبوا بحجب الثقة عنها أي إسقاطها. وفي 1/7/2008 كانت قد صدرت تقارير تقول بأن فرنسا هي وراء حركة البرلمانيين هؤلاء وأنها غير راضية عن أداء الحكومة والرئاسة وعن الخطوات التي تخطوهما؛ وذكرت بعض الأسباب عن عدم رضى فرنسا عن إطلاق سراح سجناء من المسلمين المحسوبين على التيار السلفي والسماح بتأسيس حزب يمثل ما يُعتبرون من الإسلاميين, وإظهار الرئيس ميوله الدينية حيث أقام مسجداً في القصر الجمهوري, وإظهاره حساسية للعلاقات مع دولة يهود وأنه سيعرض هذه العلاقة على الاستفتاء الشعبي حتى يتمكن من قطعها، وكذلك سماحه بزيادة الوجود الأمريكي في موريتانيا وهو العامل الأبرز.
والخلاصة, فإنه يمكن القول بناءاً على ما سبق ذكره أن هناك توجهات سياسية جديدة بدأت تظهر من الرئيس لم ترضَ عنها فرنسا, وأن هذه التوجهات هي التي شجعت الضباط على الانقلاب عليه، وأن أمريكا راضية عن توجهاته ضد الوجود الفرنسي والسماح لها، أي لأمريكا، بزيادة وجودها في موريتانيا تمهيدا لإزالة النفوذ الفرنسي وإحلال الوجود الأمريكي مكانه، وأنه أراد أن يتخلص من سلطة الجيش والإتيان بضباط يستطيع أن يتحكم بهم وإبعاد الضباط المواليين لفرنسا.
|
2- ما الذي دفع جورجيا للمبادرة بالهجوم على أوسيتيا الجنوبية؟ ألم تكن تتوقع رد فعل قوي من روسيا؟ ثم إلامَ تؤدي هذه الحرب؟
الجواب: من الواضح أن أمريكا هي التي أشعلت فتيل الحرب في جورجيا حيث إن القوات الجورجية التي قامت باجتياح أوسيتيا الجنوبية لا يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل الكبير لولا وجود ضوء أخضر من الأمريكان.
فالهجوم الجورجي كان مدبراً ومفاجئاً للروس، وقد يكون بداية لحرب طويلة سيكون القوقازيون من جورجيين وأوسيتيين هم وقودها بالدرجة الأولى. وروسيا لن تسكت عن هذا الهجوم لأنها إن سكتت فستسقط هيبتها كما أنها لن تسلم لجورجيا بسيادتها على إقليم أوسيتيا الجنوبية خاصة وأن معظم سكانه الذين يتراوح تعدادهم السبعين ألفاً من الروس أو من الموالين لروسيا ويحملون جوازات سفر روسية ويعتبرون امتداداً طبيعياً لأوسيتيا الشمالية التابعة لروسيا.
وجورجيا لن تتنازل بسهولة عن أوسيتيا الجنوبية لأنها جزء من أراضيها وفقاً للخرائط الرسمية والدولية، وهي من جهة ثانية تريد أن تنتقم من الأوسيتيين الذين هزموا جورجيا في حرب عام 1992م وانفصلوا عنها بدعم روسي طيلة الست عشرة سنة الماضية. ومن المرجح أن تنتقل الحرب أيضاً إلى إقليم أبخازيا وهو إقليم أكبر من أوسيتيا الجنوبية من حيث المساحة والسكان وانفصل عن جورجيا في العام نفسه وفي الظروف نفسها.
والتصريحات الأمريكية الأولى بعد اندلاع المعارك تدل بالفعل على وقوف أمريكا إلى جانب جورجيا، فالمتحدث باسم الخارجية الأمريكية غونزالو غاليغوس قال: «نحن على اتصال مع مسؤولين كبار في روسيا وجورجيا»، وأضاف: «ندعو موسكو إلى ممارسة الضغط على قادة الأمر الواقع في أوسيتيا الجنوبية لكي يوقفوا إطلاق النار» فاعتبر قادة الانفصاليين بمثابة قادة الأمر الواقع، وفي تصريح آخر قال مسؤول في الإدارة الأمريكية بأن حل مشكلة أوسيتيا الجنوبية يجب أن يرتكز على أساس وحدة الأراضي الجورجية في إشارة إلى وجوب ضم إقليم أوسيتيا الجنوبية إلى جورجيا.
أما روسيا فإنها بعد استقلال إقليم كوسوفو وانفصاله عن صربيا فإنها هدّدت بأن ردَّها على ذلك سيكون باستقلال إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وانفصالهما عن جورجيا. ويرى بعض المراقبين أن إدخال جورجيا في حلف الناتو متوقف على حل مشكلة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ويبدو أن الرئيس الجورجي سكاشفيلي يتعجل الأمور ويسابق الزمن للانضمام إلى الحلف، فقام بهذه الحرب متكئاً على الوعود الأمريكية للتخلص من تدخل الروس في شؤون دولته الداخلية وليرقى إلى مستوى دول مثل لاتفيا ولتوانيا وأستونيا حيث تخلصن من النفوذ الروسي كليةً؛ وعليه فليس من المتوقع أن يتوصل الطرفان الروسي والجورجي إلى حل نهائي, خاصة وأن الجورجيين قد ملّوا الانتظار في حل تلك المشكلة, فيما الروس يعتبرون المسألة تخص مجالهم الإقليمي ولا يتصور تنازلهم عن الانفصاليين, ولذلك فإن أقصى ما يتوقع من حلول هو أقرب إلى الهدنة "استراحة المحارب" وليس حلاً نهائيا.
إن أمريكا سوف تكون المستفيدة الأولى من هذه الحرب وليس لديها ما تخسره، لأنها على الأقل ستبقي هذه المشكلة شوكة في خاصرة روسيا تستنزف الكثير من طاقاتها وتشغلها بها مدة طويلة على حساب قضايا أخرى.
|
|
10 من شعبان 1429هـ |
|
09/08/2008م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
الصراع في لبنان يدخل مرحلة جديدة
|
|
|
السؤال :
هل صحيح ما أعلن من أن الصراع في لبنان دخل مرحلة جديدة ؟ وإن كان ذلك صحيحاً فما الذي تغير من شروط (اللعبة) اللبنانية, حتى تبدأ مرحة جديدة؟
الجواب:
إن القول بدخول لبنان مرحلة جديدة له وجه قوي من الصحة. وحتى تتضح الصورة تماماً نستعرض المسألة من بدايتها :
1ـ إن أمريكا كانت هي صاحبة النفوذ في لبنان منذ اتفاق الطائف وحتى اغتيال الحريري, وفد حفظت سوريا نفوذ أمريكا في لبنان منذ دخول الجيش السوري في لبنان بإذن أمريكي .
2ـ بعد اغتيال الحريري وجدت فرنسا (شيراك) في ذلك فرصة ذهبية أَمِلَتْ منها إعادة نفوذها إلى لبنان , فَصعَّدَ شيراك الأحداث, وحرَّك أتباعه في لبنان ونحج في إثارة الرأي العام على أمريكا وسوريا وأتباعها, إلى أن وافقت أمريكا على إخراج الجيش السوري من لبنان ومن ثم نفذت سوريا ذلك.
واستمر الصراع السياسي ساخناً بين أمريكا وسوريا وأتباعها من جهة , وبين فرنسا وأتباعها من جهة أخرى , وكانت بريطانيا وأتباعها في لبنان تساند فرنسا من وراء ستار دون المجابهة العلنية لأمريكا وفق سياسة بريطانيا التي لا تناصب العداء علناً لأمريكا وإنما من وراء ستار.
3ـ استمر الحال هكذا حتى جاء سركوزي للحكم في فرنسا , وهو معروف بصداقته للإدارة الأمريكية كما اتضح ذلك أثناء حملته الانتخابية , ولذلك زال الصراع الساخن الذي كان بين أمريكا وفرنسا (شيراك), وحل محله التنافس بروح رياضية بين أمريكا وأتباعها, وبين فرنسا وأتباعها, وأمل سركوزي أن يحصل (تفاهم) مع أمريكا حول حل في لبنان يأخذ في الاعتبار مصالح فرنسا, ونشطت فرنسا سركوزي في الذهاب والإياب إلى لبنان والجد والاجتهاد في الحل.
4ـ لقد كان من المتوقع الوصول إلى هذا الحل , والذي كان يعيقه هو عدم رضى بريطانيا وأتباعها في لبنان , فهي لم تكن ترضى أن تتقاسم الحل أمريكا وفرنسا وحدهما, وتصبح هي في هامش الأحداث , ولأنها تمتاز بدهاء سياسي لذلك أصبح رجالها في لبنان كلما اقترب أي حل, فإنهم يثيرون زوبعة , ولكن لم يكن يؤثر هذا على الطرفين لا على فرنسا والحكومة , ولا على أمريكا وسوريا والمعارضة, لذلك بقي التنافس بروح رياضية , يثور هذا ويثور ذاك , ثم يهدأ هذا ويهدأ ذاك دون التصعيد إلى الصراع السياسي الساخن ناهيك عن وصوله إلى الصراع المادي الساخن.
5ـ استمر هذا الحال, أمريكا وفرنسا وأتباعهما في تنافس رياضي في لبنان و(مشاغبة) من بريطانيا ورجالها , ولكن دون توتير العلاقة بين فرنسا وأمريكا, ودون نجاح بريطانيا في تغيير (اللعبة) الرياضية بين الفريقين, استمر هذا إلى 27/3/2008م عند اجتماع الرئيس الفرنسي نيكولا سركوزي رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على أثر أزمة شركات الرهن العقاري الأمريكية, وما سببته من انعدام ديون ضخمة مستحقة للمصارف والشركات الأوروبية بفعل انهيار شركات الرهن العقاري الأمريكية.
ويبدو أن بريطانيا قد نجحت بدهائها السياسي وسذاجة سركوزي السياسية أن (توغر) صدر سركوزي تجاه أمريكا في موضوع الخسارة الضخمة التي حلت بالمصارف والشركات الأوروبية نتيجة أزمة شركات الرهن العقاري الأمريكية, وانعكس ذلك على العلاقة في لبنان, وبخاصة وأن فرنسا لاحظت أن أمريكا تماطل في الحلول لكي تهيئ الظروف لاستعادة أمريكا نفوذها الكامل في لبنان دون السماح بأية قطعة ولو صغيرة من (الكعكة) اللبنانية لفرنسا.
منذ ذلك التاريخ لوحظ أن العلاقة الفرنسية الأمريكية في لبنان أصبحت تتجاوز التنافس الرياضي, وأصبحت أعمال بريطانيا ليست فقط (مشاغبات) لا يعبأ بها رجال فرنسا في الحكومة. وبعد أن كانت الحكومة تأخذ مشاغبات جنبلاط... على قدرها دون التأثير في سياسة الحكومة وقراراتها, انقلبت الصورة وأصبحت تأخذها بجدية.
6ـ خلال شهر نيسان 2008م أخذت قضية شبكة الاتصالات وكمرات المطار مساراً تمهيدياً لاختيار وقت التسخين حتى الغليان... إلى أن كان المؤتمر الصحفي لجنبلاط وإثارته شبكة الاتصالات وكمرات المطار ومدير أمن المطار...
7ـ وبدل أن تتعامل الحكومة مع (إثارة) جنبلاط كما كانت تتعامل من قبل أي مجرد (مشاغبات) لا تؤثر في القرارات , تجاوبت هذه المرة بسبب تقارب بريطانيا وفرنسا, واجتمعت الحكومة واتخذت قرار الشبكة والكمرات وقرار مدير أمن المطار.
8ـ والخلاصة أن بريطانيا بعد تفجير موضوع شبكة الاتصالات ومدير أمن المطار, استدرجت فرنسا لتأييدها في ذلك, على اعتبار أن ردود الفعل من أمريكا وسوريا والمعارضة لن تكون ردوداً ماديةً ساخنة, وبخاصة وأمريكا مشغولة في ذروة الحملات الانتخابية... ومن ثم تؤدي المشكلة إلى وضع الجيش أمام المعارضة... ثم يكون الحل تسوية يكون لفرنسا وبريطانيا والموالاة نصيب ملحوظ فيها.
9ـ إن فرنسا وبريطانيا قد أخطأتا الحساب, فإن أمريكا وسوريا والمعارضة تمسك بخطوط قوية, عدداً وعدة , والسياسي الحكيم يدرك أن ردود الفعل لن تقف لا عند التنافس الرياضي ولا عند الصراع الساخن بل تتجاوزه إلى الصراع المادي الساخن. وليس من المستبعد على بريطانيا أن تكون مدركة لذلك, ولكن الراجح أنها فجرت الأمر لخلط الأوراق بين فرنسا وأمريكا وأتباعهما !
10ـ والمتوقع الآن أن هذه الأحداث ستنتهي بتسوية, ولكنها على الأرجح ستكون في صالح أمريكا وسوريا والمعارضة في لبنان, وستكون هذه الكفة هي الراجحة, وستكون كفة أوروبا والموالاة في لبنان كفة مرجوحة هابطة, وليس بعيداً أن تتمخض الحلول عن طائف جديد سواء أكان ذلك بتغييره اسماً ومسمى... شكلاً وموضوعاً, أم بتغييره في موضوعه حتى لو بقي اسمه ذا صلة بالاسم الأول كأن يسمى (طائف2)!
11ـ ولذلك فإن القول بالمرحلة الجديدة له وجه من الصحة .
|
|
5 جمادى الأولى 1429هـ |
|
9/5/2008م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
أزمة الدولار وارتفاع أسعار النفط والمعادن والمواد الغائية
|
|
|
السؤال: لازالت أزمة الدولار مستمرة, فهو في انخفاض لافت للنظر, وقد تبع ذلك ارتفاع في أسعار النفط والذهب ومعادن أخرى, ثم تبع ذلك أيضاً ارتفاع في أسعار المواد الغذائية, وكل ذلك حدث في سابقة لم يحدث مثلها من قبل من حيث استمرارها وشدتها, وكونها شملت عدة أزمات...
فهل هذه الأزمة هي نتيجة مشكلة اقتصادية فعلية, أو أن أيدي السياسية الأمريكية هي التي حركتها وصعدتها؟
أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً
الجواب:
إن هذه المشكلة لها جانب اقتصادي حقيقي, ولكن دخلت على هذا الخط أيدٍ سياسية صعدت المشكلة, ووسعت مسارها, وجعلتها تأخذ هذا الحجم الذي نراه.
وحتى تتضح الصورة تماماً سنبين كيف نشأت الأزمة, وكيف دخلتها الألاعيب السياسية, ثم كيف أثرت على ارتفاع أسعار النفط والذهب والمعادن, ثم نشوء الأزمة الغذائية.
أولاً: إن هناك أزمة حقيقية في الاقتصاد الأمريكي أثرت على فاعلية الدولار وقوته, وبالتالي أصابه هذا الانخفاض الشديد, وقد نشأت هذه الأزمة بفعل الأسباب التالية:
العجز التجاري الأمريكي
تستورد أمريكا من بضاعة وخدمات أكثر مما تصدره. فشهية المستهلك الأمريكي مفتوحة للاستيراد. فمثلاً استوردت أمريكا في عام 2003م بضائع وخدمات بقيمة $1,652 بليون، بينما كانت صادراتها تعادل $1,203 بليون أي أن العجز التجاري 449 مليار دولار, وقد تصاعد هذا العجز حتى وصل 816 مليار دولار. وقد كان الفارق بين المستورَد و المصدَّر عبارة عن أوراق مطبوعة (دولارات) أمريكية أو سندات حكومية أمريكية, وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى انخفاض فعلي في الدولار, حتى ولو لم يعلن رسمياً.
إن أمريكا لم تمر بمثل هذا العجز التجاري. بل على العكس من ذلك فان أمريكا مرت بفائض تجاري ولعقود عديدة، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بدأ هذا الفائض يتناقص... وبخاصة بسبب المنافسة من البلدان الأوروبية والآسيوية, التي تنتج السلع بأسعار أقل, ما زاد استيراد المستهلك الأمريكي من بضائع وخدمات من تلك الدول, ثم تواكبت هذه الظاهرة مع حجم النفقات العسكرية على الحرب الفيتنامية ما أدى إلى رفع فاتورة المدفوعات، ومن ثم اضطرت أمريكا عام 1971 لإلغاء دعم الدولار بالذهب، فكانت هذه أول الهزات. وفي الثمانينات عندما نمت التجارة العالمية ورحلت المصانع من أمريكا إلى البلدان ذات الأيدي العاملة الرخيصة، زاد ظهور العجز الاقتصادي. كما أن الاستيراد من البلدان المصدرة للبضائع الرخيصة من مثل المكسيك والصين وماليزيا بشكل ثابت أدى إلى اتساع الفارق التجاري.
وهكذا فإن عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات قد خلقا الشكوك وعدم الثقة في الاقتصاد الأمريكي عند المستثمرين، وفيما بعد أدى إلى هبوط الدولار.
المديونية: أظهرت إحصاءات وزارة الخزانة الأميركية ارتفاع الديون الحكومية (الإدارة المركزية والإدارات المحلية) من 4.3 تريليونات دولار في عام 1990 إلى 8.4 تريليونات دولار في عام 2003 وإلى 8.9 تريليونات دولار في عام 2007. وأصبحت هذه الديون العامة تشكل 64% من الناتج المحلي الإجمالي. وبذلك يمكن تصنيف الولايات المتحدة ضمن الدول التي تعاني بشدة من ديونها العامة. ولا يتوقف ثقل المديونية الأمريكية على الإدارات الحكومية بل يشمل الأفراد والشركات أيضاً. فقد بلغت الديون الفردية مؤخرا إلى مبلغ قدره 6.6 تريليونات دولار. أما ديون الشركات فتحتل المرتبة الأولى من حيث حجمها البالغ 18.4 تريليون دولار. وبذلك يكون المجموع الكلي نحو 34 تريليون دولار أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. هذه الديون بذاتها أزمة اقتصادية خطيرة.
ارتفاع اليورو:
منذ أن تم صك اليورو، أصبح اليورو ثاني احتياطي عالمي بعد الدولار. وقد ورث اليورو هذه المكانة عن المارك الألماني، بل وزاد من مكانته، وكان ذلك على حساب الدولار, وهكذا أصبحت الثقة باليورو تزيد, وهي بالنسبة للدولار تنقص, وكل هذا أثر في الطلب على الدولار فانخفضت قيمته, وبسبب فقدان الدولار قيمته دفع بالعديد من المستثمرين لاعتماد اليورو في استثماراتهم بدل الدولار.
إلى ذلك فإن أميركا تعاني من مشاكل اقتصادية أخرى في مقدمتها التضخم الذي تجاوز 4% والبطالة التي تشكل 5% والصناعة التي تتراجع, والفقر وسوء الخدمات التعليمية...
كل هذه العوامل أدت إلى انخفاض قيمة الدولار.
وقد أدى هذا الانخفاض إلى أن تعمد بعض البنوك المركزية لتخفيض مخزونها من الدولارات
ويقول بول ماكل، وهو استراتيجي عملات في بنك «إتش إس بي سي» إن البنوك المركزية «أدركت منذ فترة أنها لا ترغب في زيادة مفرطة لما تمتلكه من دولارات. فقد انخفض إجمالي ممتلكات البنوك المركزية في أنحاء العالم الموجودة في صورة دولارات من 73 في المائة إلى 64 في المائة».
هذا هو الأساس الاقتصادي الحقيقي لأزمة الدولار.
ثانياً: بعد ذلك دخلت الأيدي السياسية الأمريكية في تحريك الأزمة لتخدم مصالحها, ولتنقل الأزمة من أزمة محلية أمريكية إلى أزمة دولية... وكان ذلك على النحو التالي:
1ـ إن انخفاض عملة البلد المصدر تزيد من صادراته لأن أسعار السلع تصبح رخيصة نسبياً حيث إن المستوردين سيدفعون قيمة نقدية أقل على اعتبار أن أسعار تلك المواد بعملة بلدها أصبحت أقل نتيجة انخفاض العملة, فمثلاً إذا كان المستورد يدفع (1000)$ ثمن السلعة وكانت تساوي (1000) يورو مثلاً, فإذا انخفض الدولار (10)% مثلاً فإن المستورد سيدفع (900) يورو بدل ال (1000)$ السابقة, ولذلك يقبل التجار على استيراد سلع تلك الدولة بسبب انخفاض عملتها.
غير أن هذا يكون جيداً إذا كان الانخفاض لا يتجاوز 5%, ويكون مقبولاً حتى 10%. أما إن زاد عن ذلك, فإنه سيشكل عبئاً على المصانع المنتجة بسبب التضخم الناتج عن التخفيض, أي زيادة أسعار المواد في تلك البلد نتيجة تخفيض عملتها حيث تنخفض القدرة الشرائية لها. وبسبب هذا التضخم تزيد الكلفة على المصانع, فتزيد أسعار منتجاتها المصدرة, أي أن ثمن السلعة لن يبقى (1000)$ مثلاً بل سيزيد, وهكذا فإن انخفاض العملة إذا زاد عن حدٍ معقول, فإنه سيزيد من كلفة الإنتاج فيزداد سعر السلعة, وبالتالي تقل كمية التصدير بسبب التضخم الناتج عن التخفيض. وفي حالة أمريكا فإن انخفاض الدولار قد زاد عن الحد المعقول فمثلا: أصبح اليورو يزيد عن 1,6 دولار بعد أن كان في عام 2000م يعادل نحو0,8 $ , أي أن انخفاض الدولار تجاوز الحدود الاقتصادية القصوى بأكثر من خمسة أضعاف...
ولذلك فإن الصادرات الأمريكية نتيجة هذا التخفيض لم تزد إلا بقدر ضئيل, أي أن العجز التجاري, مع أنه قل قليلاً, إلا أنه بقي موجوداً.
ومع ذلك فإن أمريكا لم تتخذ إجراءً لتصحيح هذا العجز, فهي لم تخرج جزءاً من مخزونها النفطي للاستعمال وذلك لتخفيض سعر الطاقة بالنسبة للمصانع المنتجة فتنخفض كلفة الإنتاج, فيزيد التصدير, بل رفضت إدارة بوش إخراج جزء من مخزونها النفطي ووضعه للاستعمال لتخفيض سعر الطاقة الذي تصاعد بشكل كبير, أي أنها لم تعالج موضوع العجز التجاري اقتصادياً.
وكذلك هي لم تعالج المديونية بل عملت على زيادتها بسبب استمرار عدوانها الإجرامي على أفغانستان والعراق الذي يكلفها أكثر من (2) ترليون دولار. كما أن إدارة بوش أعطت قروضاً للأغنياء الرأسماليين الأمريكان بنحو ترليون دولار من خلال استقطاع الضرائب عنهم وذلك لدوافع سياسية وانتخابية..., ما جعل المديونية على حالها وتزيد.
وهكذا أبقت أمريكا على تخفيض الدولار ولم تتخذ أي إجراء اقتصادي لتصحيحه, ثم استعملت هذا التخفيض استعمالاً سياسياً بابتزاز الدول ذات الاحتياطي الكبير من الدولار ..., مثل الصين التي تملك احتياطاً دولارياً نحو ألف مليار دولار مما يجعلها تخسر نتيجة التخفيض مبالغ طائلة, ثم الهند والدول الأوروبية والدول النفطية... ما أجبر تلك الدول على محاولة إسناد الدولار بتعويم بعض عملاتها, وشراء الدولار أي زيادة الطلب عليه, فتقلل شيئاً من انخفاضه...
2ـ ثم كانت الخطوة السياسية الأمريكية التالية أمام انهيار أسهم شركات الرهن العقاري, حيث تمكنت أمريكا بواسطتها من نقل الأزمة من أزمة أمريكية إلى أزمة دولية!
لقد قدمت الدولة قروضاً بفائدة مخفضة للشركات العاملة في الإسكان وبخاصة شركات الرهن العقاري التي تبيع المساكن مقابل رهنها حتى تسديد أقساط ثمن البيع. ولذلك أصبحت السيولة متوفرة بشكل كبير عند هذه الشركات, ما دفعها لتيسير شروط بيع المساكن..., وبأسعار ميسرة بل مخفضة حيث إن السيولة المادية عند الشركات العاملة في الإسكان والرهن العقاري أصبحت متوفرة بفعل القروض المقدمة من الدولة بفوائد مخفضة... فأقبل الناس في أمريكا على شراء المساكن... وفتحت أمامهم سبل تسديد الدفعة الأولى من قروض ميسرة يأخذونها من المصارف الأمريكية التي صارت تعطي القروض لأصحاب المساكن بفوائد مناسبة, بل إنها تعطي قروضاً للإسكان بكامل سعر المسكن المرهون, وليس كما تفعل المصارف الأوروبية بأن تعطي قرضاً في حدود 60% من سعر العقار المرهون, وكل ذلك لأن الدولة كانت تعطي قروضاً للشركات والمصارف بفوائد مخفضة, ما جعل قطاع العقار يزدهر بشكل ملحوظ.
وبسبب سياسة العولمة وانفتاح الشركات على بعضها كلما وجدت ازدهاراً وربحاً, أقبلت الشركات العالمية والبنوك الخاصة والمركزية وكذلك الأفراد على شراء الأسهم في شركات الرهن العقاري الأمريكية سعياً وراء الربح..., حيث أخذت قيم العقارات وبالتالي أسهم الشركات العقارية المسجلة بالبورصة بالارتفاع بصورة مستمرة في جميع أنحاء العالم خاصة في الولايات المتحدة حتى بات شراء العقار أفضل أنواع الاستثمار في حين أن الأنشطة الأخرى بما فيها التكنولوجيا الحديثة معرضة للخسارة. كما حدث سابقا حين كان الإقبال شديد على الاستثمار في مجال تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات. وأقبل الأميركيون أفراداً وشركات على شراء العقارات بهدف السكن أو الاستثمار الطويل الأجل أو المضاربة. واتسعت التسهيلات العقارية إلى درجة أن المصارف منحت قروضاً حتى للأفراد غير القادرين على سداد ديونهم بسبب دخولهم الضعيفة.
بقي هذا الأمر جارياً دون مشاكل حتى العام المنصرم, وبخاصة عندما زاد عبء الديون على الدولة, فتوقفت أمريكا عن إعطاء قروض ميسرة لشركات الرهن العقاري وللمصارف, بل وطالبتها بسداد القروض التي أخذتها سابقاً عند حلول مدتها... وصارت شركات الرهن العقاري والمصارف تطالب أصحاب المساكن, وحيث البطالة والتضخم والوضع الاقتصادي السيئ في أمريكا, فلم يستطع أصحاب المساكن لا تسديد ثمن البيع, ولا قروض الدفعات التي أخذوها من المصارف... وهبطت قيمة العقارات ولم يعد الأفراد قادرين على سداد ديونهم حتى بعد بيع عقاراتهم المرهونة, فالبيت الذي كان يساوي نصف مليون دولار أصبحت قيمته 200 ألف ولا يجد من يشتريه كما ورد في الأنباء, وفقد أكثر من مليوني أميركي ملكيتهم العقارية وأصبحوا مكبلين بالالتزامات المالية طيلة حياتهم. ونتيجة لتضرر المصارف الدائنة نتيجة عدم سداد المقترضين لقروضهم هبطت قيم أسهمها في البورصة, وتكبدت شركات الرهن العقاري خسائر فادحة تقدر بألفي مليار دولار, وأعلنت شركات عقارية عديدة عن إفلاسها.
وبالتالي أصبح الكثير من الديون معدوماً، ولا يمكن استرداده.
وفي عرض للمصارف الكبرى التي تعرضت أخيرا إلى هزة عنيفة في قطاع الرهن العقاري الأميركي أشارت مجلة «سوق»، الدورية، الصادرة عن غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية في برلين إلى بنك «سيتي غروب» الأميركي الذي كشف مطلع السنة الجديدة عن خسائره في الربع الأخير من العام الفائت، بلغت 9.83 بلايين دولار (6.6 بلايين يورو في حينه), وارتفعت خسارة البنك المذكور في المجال العقاري حتى الآن، إلى أكثر من 18.1 بليون دولار.
وحصل التطور السلبي ذاته، مع مصرف «مــيريل لينــش» الأميركي الذي أعلن شطب 14.1 بليون دولار من أصوله، ما يعني أن خسائره للربع الأخير من ٢٠٠٧ بلغت بدورها 9.8 بليون دولار، وهي الخسارة الأكبر في تاريخه.
والأمر ذاته حصل مع مصرف «يو بي إس» السويسري الضخم الذي حصل على بلايين الدولارات من صندوق سنغافورة السيادي (GIC) ليتفادى الإفلاس.
وهكذا انهارت أسهم الشركات العقارية في البورصة, وبالتالي هبطت أسهم الشركات والمصارف في كثير من دول العالم حيث كانت ذات صلة بالاستثمار أو الأسهم في الشركات العقارية الأمريكية أو بأعمال مباشرة في قطاع العقار الأمريكي , حتى إن العدوى أصابت القطاعات التي لا تتعامل في الأنشطة العقارية, ولكن بسبب العولمة وتداخل أعمال القطاعات الاقتصادية فقد حصل التأثر فيها.
وما إن انخفضت قيم الأسهم في وول ستريت في أمريكا حتى انخفض المؤشر العام للقيم بنسبة 7.1% في فرانكفورت و 6.8% في باريس و 5.4% في لندن و 7.5% في مدريد و 3.8% في طوكيو و 5.1% في شنغهاي و 6% في ساوباولو و 9.8% في الرياض و 9.4% في دبي و 3% في بيروت و 4.2% في القاهرة.
و لعظم الخسارة و حجم الديون المعدومة تقرر أن يحث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني غوردن براون البنوك ضمن لقائهما في 27/03/2008م على القيام بكشف كامل وفوري للديون المعدومة لديها. وكان براون قال في يناير/ كانون الثاني الماضي إن بريطانيا تواجه اختبارا عصيبا مع اقتصاد عالمي في وضع صعب وخطير بسبب أزمة الائتمان الناجمة عن أزمة القروض العقارية الأميركية, وقد جاء ذلك بعدما تعرض نورذرن روك -خامس مؤسسة مصرفية بريطانية في قطاع التسليف المتعلق بالرهون العقارية- لضرر بالغ بسبب تداعيات أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.
وهكذا نقلت أمريكا أزمة شركات الرهن العقاري من أزمة أمريكية إلى أزمة دولية لدرجة أن قامت البنوك المركزية في أوروبا بضخ أكثر من 150 مليار دولار العام الماضي لدعم شركات الرهن العقاري حتى لا تتضرر منها وتنهار البورصات في العالم ومنه أوروبا بسبب امتداد الشركات العالمية في كل الدول وتشابكها بعضها ببعض بسبب نظام العولمة. وبذلك ابتزت أمريكا أوروبا ودعمت شركاتها أي شركات الرهن العقارية الأمريكية بهذه الوسيلة.
و الخلاصة أن للأزمة الأمريكية أبعاداً عدة اقتصادية وسياسية؛ فأمريكا تمر بأزمات حقيقية أدت إلى انخفاض الدولار, فقامت بمناورات أو ( مؤامرات ) سياسية لجعل العالم كله يشاركها في أزماتها وإلا فالعالم كله سيغرق معها، خاصة بعد انتشار العولمة وانفتاح الأسواق كلها على بعضها البعض تحت مسمى اقتصاد السوق وامتداد الشركات كلها عبر العالم وتداخلها مع بعضها البعض. فأصبحت أكثر بلدان العالم بأسواقها مفتوحة على بعضها البعض.
وهكذا استغلت أمريكا انخفاض دولارها بسبب أزمتها الاقتصادية للتخفيف من عجزها التجاري وللابتزاز السياسي وبخاصة بالنسبة للدول التي لديها مخزون كبير من الدولارات. وكذلك استطاعت أن تنقل أزمة شركات الرهن العقاري إلى أزمة دولية, وهي ليست بعيدة عن هذه الأزمة.
ومع ذلك فكل هذه الأعمال السياسية الأمريكية لن تعيد الاقتصاد الأمريكي إلى ازدهاره بل هي فقط قد توقف انهياره, ولولا سياسة العولمة والسوق المفتوح, ولولا النظام الرأسمالي الاقتصادي المتحكم في اقتصاد العالم... ولولا أن دولاً لازالت تعتمد الدولار احتياطياً مركزياً, لولا ذلك لما بقي الاقتصاد الأمريكي واقفاً على قدميه حتى الآن.
|
ثالثاً: أما سبب ارتفاع أسعار المنتجات المعدنية كالنفط والذهب والحديد... فإنه بعد انهيار شركات الرهن العقاري, وانخفاض سوق الأسهم والسندات, وانخفاض مؤشرات البورصات, فإن ثقة المستثمرين قد قلت في وسائل الاستثمار غير ذاتية القيمة, أي التي لا تحمل قيمتها الذاتية, كالسندات والأسهم والبورصات, فانصرف المستثمرون عنها إلى وسائل استثمار ذاتية القيمة, كالذهب والمعادن المهمة الأخرى, وهذا ما زاد الطلب على الذهب, فارتفع سعره ارتفاعاً هائلاً, فوصل سعر الذهب 1000$، وهو مرشح للارتفاع نحو 1500$ أو يزيد وفق الظروف الجارية...
إن أشد المتضررين من ارتفاع أسعار الذهب هي الولايات المتحدة, حيث إن هذا الأمر إذا استمر فسيعيد الدولار إلى قيمة لا تساوي أكثر من قيمة الورق والكتابة عليها, ولهذا فمن المحتمل أن تقوم أميركا في الفترة المقبلة بكبح أسعار الذهب. وقد بدأت تظهر إشارات ذلك, حيث قام صندوق النقد الدولي باتخاذ قرار بيع 403 طن ذهب بسبب العجز في الميزانية، إلا أن صندوق النقد الدولي أعلن أنه سيقوم بذلك البيع في فترات متباعدة طويلة الأمد. وهذا الإعلان هو إعلان (مضاربة) من شأنه أن يؤثر في خفض سعر الذهب. وهنالك احتمال أن يتم بيع الذهب إلى البنوك المركزية، ما قد يتسبب بقيام البنوك المركزية برفع نسبة الفائدة، ومما سيتسبب برفع سعر الصرف. ومجدداً فإن تصريحات صندوق النقد الدولي في 09 نيسان/أبريل 2008 من أن الأزمة المالية ستكلف تريليون دولار أكثر من كونها شرح الواقع بإنصاف وصدق فإنها كانت بمثابة مضاربة لتغيير جهة سير الاقتصاد والمالية. وكما جاء في تعليق أوردته صحيفة التلغراف الإنجليزية فإن صندوق النقد الدولي هو آخر عنوان يمكن طرقه للخروج من الأزمة المالية الموجودة. لذا فإن هذا التصريح هو بمثابة تحضير لذلك.
وهكذا فإن هبوط قيمة الدولار وأزمة فقدان ثقة المستثمرين في سوق الأصول الأمريكية دفع بالعديد من المستثمرين إلى عدم الاستثمار في النقود الورقية الائتمانية. والتقدير العقلي لهذا أن النقود الورقية الحالية غير مسنودة بشكل كلي لأصول محسوسة. أي انه وفي هذه الأجواء فان انتقال أزمة الثقة تنتشر بشكل سريع لباقي العملات. ولهذا السبب فان بعض البنوك المركزية من مثل البنك المركزي الصيني بدا بشراء الذهب ، ما أدى إلى ارتفاع سعر الذهب إلى أعلى مستوياته. وهذا هو نفس سبب ارتفاع أسعار بعض المعادن من مثل الفضة والبلاتينيوم. كما انه بسبب زيادة طلب الهند والصين على النحاس والزنك والألمنيوم والنيكل قد أدى إلى زيادة في أسعارها، وهذا الطلب على هذه المعادن من قبل الهند والصين بسبب النمو المتسارع لاقتصاد البلدين. فهذا الطلب على هذه المعادن استمر ل 12 سنة من قبل الصين وآخر 4 سنوات من قبل الهند. فقد أنفقت الصين $1 تريليون على البنية التحتية، وستنفق $50 بليون أضافيات في كل عام للسنين الخمسة عشرة القادمة. وقد بدأت الهند بإعادة بناء بنيتها التحتية منذ ستة سنوات. وقد كانت بداية الاستثمارات ضعيفة، ولكن بلغ حجم الاستثمارات في السنوات الأربعة الأخيرة $50 بليون. وقد وضعت خطة لاستثمار ما بين $30 -$40 بليون سنويا للسنين العشر القادمة. إلا انه لا يوجد من المعادن ما يكفي لتغطية هذه الخطة. وزيادة على ذلك فان ارتفاع أسعار البترول زاد من كلفة الإنتاج وبالتالي زاد من ارتفاع الأسعار عموما.
إن سبب ارتفاع أسعار النفط يعود إلى هبوط في قيمة الدولار، وزيادة في القوة الشرائية للنفط من قبل الدول من مثل الاتحاد الأوروبي، والصين والهند لسد زيادة الطلب عليه من اجل سد حاجة تلك البلدان للنفط، إلا أن السبب المهم الذي أدى إلى ارتفاع سعر النفط هو المضاربة. فمضاربات أمريكا على النفط أدت إلى ارتفاع أسعاره، وذلك كي يتم جمع الدولارات الموجودة في السوق ممن يطلب شراء النفط، حتى تتمكن أمريكا من تجنب انهيار عملتها. وهذا هو سبب عدم ثبات المعلومات عن المخزون النفطي الأمريكي.
وللمضاربات دور في رفع الأسعار؛ فمثلا زادت المضاربات في العقود الآجلة في النفط. وكذلك المضاربات في أسعار المعادن وعلى رأسها الذهب. فيعزى ارتفاع أسعار الذهب نتيجة إقبال دول مثل الصين وروسيا وبعض دول آسيا على شراء الذهب للتخلص من كميات الدولارات الهائلة لديها. فالدول لم تعد تثق بالدولار، وانخفاضه يسبب لها خسائر فادحة. وكذلك إقبال الصين على شراء الحديد وباقي المعادن اللازمة للصناعة مما زاد من أسعار الحديد والمعادن الأخرى. فهنا في ألمانيا مثلا صار إقبال كبير على الحديد الخردة، وارتفعت أسعاره، بل تضاعفت لان الكثير منه أصبح يصدر إلى الصين.
ومن المعلوم أنه كلما انخفض الدولار ارتفع سعر النفط في علاقة عكسية معروفة منذ زمن، وهذا واقع الحال اليوم، ففي 17/04/2008م سجلت أسعار النفط مستويات تخطت عتبة 115 دولاراً للبرميل, ثم استمرت بالارتفاع حتى تجاوزت هذا اليوم 5/5/2008م مقدار 120 دولاراً.
وهكذا تكون أسعار النفط قد ارتفعت لأكثر من أربعة أمثالها منذ العام 2002, حيث ازداد الطلب ولاسيما في الصين وسائر الاقتصاديات الصاعدة, وإن التوقعات تشير إلى أن الأسعار ستصل إلى 130دولارا في نهاية شهر ديسمبر المقبل.
رابعاً: أما أزمة الغذاء العالمية فإنه في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية و التي أحدثتها أزمة الرهن العقاري الأميركي, فقد نتجت أزمة أخرى أشد خطورة تهدد الأمن الغذائي العالمي، ففي شتى أنحاء العالم، ارتفعت أسعار الأغذية من الخبز حتى الحليب.
لقد ظهرت الأزمة خلال الآونة الأخيرة بعد ارتفاع أسعار القمح والذرة والأرز وباقي المواد الغذائية الأساسية في السنوات الأخيرة ، وتصاعدت بوتيرة مقلقة في الأشهر القليلة الماضية.
في 6/12/2008م نشرت مجلة الـ إيكونوميست البريطانية تقريراً جاء فيه أن أسعار الحبوب ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ تأسيس مؤشر الـ إيكونوميست لأسعار المواد الغذائية عام 1945، بلغت الزيادة حسب الـ إيكونوميست 75%. أما بورصة مجلس شيكاغو للتجارة التي تمثل المقياس العالمي الأول فيما يتعلق بأسعار الحبوب في العالم فقد ذكرت أن القمح ارتفعت أسعاره بنسبة 90%، فول الصويا 80%، الذرة 20%, ولازالت الأسعار ترتفع منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.
وأما أسباب ارتفاع الأسعار, وبالتالي حدوث أزمة الغذاء, فأبرزها:
1ـ ارتفاع أسعار النفط وانخفاض أسعار الدولار:
إن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى ارتفاع في أسعار المستلزمات الزراعية من مثل البذور والسماد والمبيدات الحشرية والآلات والنقل. فارتفاع كلفة الإنتاج والنقل أثرت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وبخاصة القمح والأرز والذرة فعلى سبيل المثال فقد ارتفع سعر الأرز في الفلبين بنسبة 70% خلال السنة الماضية.
هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فإن أسعار المواد الغذائية تقدر غالباً بالدولار, فلما انخفضت قيمة الدولار ارتفعت الأسعار تلقائياً.
قال جراتسيانو «غياب الثقة في الدولار جعل صناديق الاستثمار تبحث عن عوائد أعلى في السلع الأولية... أولا في المعادن ثم في الأغذية». وقد قام العديد من المضاربين في السنوات الخمس الأخيرة بتحويل أموالهم إلى أسواق السلع الأولية بحثا عن عوائد أعلى مما يحصلون عليه من أسواق الأسهم والسندات.
2ـ الظروف المناخية : التي تؤثر في تخفيض الإنتاج الزراعي كالفيضانات والأعاصير ثم الجفاف فمثلاً إن واحدة من أكبر المصدرين للحبوب وهي أستراليا تواجه أكثر حالات الجفاف خطورة في تاريخها... وقد صاحب هذه الظروف المناخية في السنوات الأخيرة طفرة اقتصادية في بعض الدول كالصين والهند والبرازيل أدت إلى زيادة في استهلاك اللحوم.
ومن المعلوم أنه لإنتاج قطعة لحم تحتوي على مائة سعر حراري يتعين إطعام الحيوانات المنتجة للحم 700 سعر حراري من الحبوب, ومن بين ال 2,13 بليون طن من الحبوب فان 1,01 بليون طن فقط مخصص لإطعام الناس وذلك حسب إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتّحدةِ. وبالتالي فان تربية الماشية تزيد من ارتفاع الأسعار العالمية.
3ـ إنتاج الوقود الحيوي من الحبوب:
اعتبر جان زيغلر المقرر الخاص للأمم المتحدة للحق في الغذاء في تصريح لإذاعة ألمانية أن الإنتاج الكثيف للوقود الحيوي يمثل اليوم "جريمة ضد الإنسانية" بسبب تأثيره على ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العالم.
والوقود الحيوي قائم على المنتجات الزراعية, وقد استخدم, في السنوات الأخيرة, كثير من الدول الصناعية المحاصيل الزراعية والأراضي الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي للتخفيف من الاعتماد على النفط الذي ارتفعت أسعاره إلى أرقام قياسية، ما أدى إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي، وبالتالي ارتفاع أسعار الحبوب.
ففي بلدان من مثل الولايات المتحدة والبرازيل تحولت الأراضي الزراعية إلى زراعة الذرة وفول الصويا لإنتاج الايثانول. فمنذ العام 2001 زادت كمية الذرة المستخدمة في إنتاج الايثانول الحيوي في الولايات المتحدة بنسبة 300%. كما أن أمريكا تسعى إلى إنتاج 35 بليون جالون (133 بليون لتر) من الايثانول بحلول عام 2017. وقد اقر الكونغرس الأمريكي في وثيقة الطاقة لعام 2005 على زيادة إنتاج الايثانول المستخرج من الذرة من 4 بليون جلون في العام 2006 إلى 7,5 في العام 2012.
وفي آذار 2007 التقى الرئيس الأمريكي "جورج بوش" بنظيره البرازيلي "لويز انيسيا لولا سلفا" لتوقيع معاهدة بين البلدين "معاهدة الايثانول" للتعاون المشترك بين البلدين لإجراء بحوث وتطوير الجيل القادم من إنتاج الوقود الحيوي, وتشكيل اتحاد تجاري للوقود الحيوي وخصوصا في بلدان وسط أسيا. لقد كانت اتفاقية "الايثانول" بين الرئيسين بداية لنمو ظاهرة زراعة الحبوب من اجل استخدامه في إنتاج الوقود الحيوي. فقد قضت مزارع قصب السكر وزيت النخيل والصويا المخصصة لإنتاج الوقود الحيوي على الأراضي العشبية والغابات في البرازيل والأرجنتين كولومبيا والإكوادور والايرغواي. فقد احتلت مزارع الصويا في البرازيل ل21 مليون هكتار من أراضي الغابات، و14 مليون هكتار في الأرجنتين، ولا يبدو أن هذه الظاهرة ستنحسر ما دامت أسعار الحبوب في ارتفاع. وسيقتطع 100 مليون طن من الحبوب من مجموع 2,13 بليون طن في استخراج الوقود الحيوي في العام 2008 ، وبعبارة أخرى ستستخدم هذه الأطنان لإطعام السيارات.
4ـ الفشل الإداري والسياسي :
أما عن إنتاج القمح و الذي يعتبر منتجا إستراتيجيا فالاتحاد الأوروبي ينتج 122 مليون طن، الصين تنتج 106 مليون طن، الهند تنتج 75 مليون طن، الولايات المتحدة تنتج 56 مليون طن، روسيا تنتج 48 مليون طن. كما أن الولايات المتحدة تصدر 32 مليون طن، كندا تصدر 15 مليون طن، الاتحاد الأوروبي عشرة مليون طن، الأرجنتين عشرة مليون طن.
أما الدول العربية فكلها عدا سوريا مستوردة للقمح وعلى رأسها مصر بلد النيل أكبر مستورد للقمح في العالم، مصر 7 مليون طن، الجزائر بلد جبال الأطلس والمزارع التي كانت تشتهر بها في عهد الفرنسيين تستورد 5 مليون طن، العراق بلد دجلة والفرات تستورد 3 مليون طن، المغرب 3 مليون طن، اليمن فيستورد ما يقرب من 3 مليون، وتونس 1من عشرة طن، والأردن 500 ألف طن.
و في ظل انخفاض الدولار وارتفاع أسعار النفط فإن تكلفة استيراد القمح سترتفع أكثر فأكثر، ما سيكلف ميزانيات تلك الدول أموالا طائلة حتى لو حصلت على القمح و الحبوب بـأسعار تفضيلية.
هذا على الرغم من ما تمتلكه هذه الدول من مصادر مياه و أراضٍ خصبة! أفليس من المستهجن أن تكون بلاد النيل والنهرين و جبال أطلس من أكبر بل أكبر المستوردين للقمح في العالم!!!.
ولعل ما جاء من توصيات مؤخرا في تقرير للبنك الدولي حول مصادر المياه في الشرق الأوسط و شمالي لإفريقيا، يبين كيف ترسم السياسة الخبيثة للدول العربية! فقد خلص التقرير إلى أنه لتوفير المياه يجب تبنى سياسات زراعية تقلل من استهلاك المياه، فأوصى بزراعة الطماطم و البطيخ... وبعدم زراعة القمح ! ، و بطبيعة الحال فإن توصيات البنك الدولي التي قال عنها بير فرنشيسكو مانتوفاني خبير المياه في البنك الدولي إنها لا تتعلق بإجراءات تقنية يقررها مهندسون بل بإصلاحات سياسية عميقة!
ومع العلم أن كثيرا من الدول لديها إمكانية زراعة القمح، ولكن السياسة الاستعمارية التي اتبعها صندوق النقد الدولي تحول دون ذلك, حيث إن الصندوق يشجع زراعة التبغ والقطن لدى الدول التي تتبع سياسته ، ويعطي القروض والمساعدات لزراعتهما, في حين يمنع القروض والمساعدات لزراعة القمح, وذلك من أجل تمويل المصانع الغربية بهاتين المادتين.
إن بلاد المسلمين قد حباها الله بأراض خصبة ومياه وفيرة, وهي لو أحسن استغلالها تجعل المسلمين في بحبوحة من العيش, ولكن هذا يحتاج إلى نظام صالح من لدن حكيم خبير, نظام الإسلام, الخلافة الراشدة, التي تملأ الأرض عدلاً وخيراً, وعسى أن يكون ذلك قريباً بإذن الله.
|
|
1 جمادى الأولى 1429هـ |
|
الموافق في 05/05/2008م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال: آية {ولتكن منكم أمة...}
|
|
|
السؤال : أثناء دراستي لتفسير الآية الكريمة { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }, وكيف أن (من) هي للتبعيض, استوقفني قوله تعالى { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} . إن هذا العمل أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب من كل المسلمين , ويمكن إتيانه من الأفراد , وكذلك يمكن إتيانه من الجماعات , فلماذا إذن قلنا إنه يحتاج إلى جماعة متكتلة من بين المسلمين تقوم به حتى تكون (من ) للتبعيض؟
ثم إن (من) التبعيضية والبيانية تختلطان أحياناً ببعضهما, أفلم يستعمل العرب في لغتهم أدوات تصاحب (من) البيانية أو التبعيضية للتمييز بينهما بشكل واضح؟
أرجو جلاء هذا الأمر وجزاكم الله خيراً.
الجواب :
إن (مِنْ) لها معانٍ عدة، من بينها:
(للتبعيض) مثل {منهم من كلم الله}، أي بعضهم، ومثل {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} أي بعض ما تحبون.
و(للبيان) مثل {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ومثل {يحلون فيها من أساور من ذهب}.
وكثيراً ما يحدث التباس بين هذين المعنيين أي للتبعيض والبيان، ولكن سياق الكلام والقرائن توضح المعنى المقصود.
والآن لنر الآية الكريمة:
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}
أولاً: من حيث سياق الآيات الكريمة، ما قبلها وما بعدها,أي من حيث اللفظ الذي بُدئ به الخطاب في الآيات الكريمة السابقة واللاحقة:
الآيات كالتالي:
{ واعتصموا بحبل الله جميعاً ... ولتكن منكم أمة ... ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا...}
إن اللفظ الذي بدئ به الخطاب في الآية السابقة هو للجمع (واعتصموا)، وفي الآية اللاحقة كذلك للجمع (ولا تكونوا)، ولكن الآية موضع البحث الواردة بين الجمعين هي خطاب بلفظ المفرد (ولتكن)، وليس (ولتكونوا).
وفي فقه اللغة إذا اختلف السياق على هذا النحو, أي لفظ جمع فمفرد ثم جمع، هذا يعني أن بدء الخطاب بلفظ المفرد هو مقصود وأنه على غير سابقه ولاحقه.
فالخطاب في الآية السابقة بدئ بلفظ جمع للمسلمين أن يعتصموا، وفي الآية اللاحقة بلفظ جمع للمسلمين أن لا يتفرقوا، وأما ما بينهما فقد بُدئ بلفظٍ مفردٍ للمسلمين, أي ليس لجميعهم.
ولا يقال لماذا قلنا عن (ولتكن) إنها لفظ مفرد, مع أنها تعود إلى (أمة), وأمة جماعة أي ليست فرداً؟
والجواب على ذلك أننا نتكلم عن الناحية اللفظية لبدء الخطاب, ولا يؤثر في اللفظ تابعُه, فمثلاً:
الآية الكريمة { هذا فوجٌ... }, فإن (فوج) هي أكثر من فرد, ولكن هذا لا يعني أن اللفظ (هذا) قد أصبح لفظ جمع, بل هو يبقى لفظاً مفرداً حتى وإن تبعه معنى الجماعة. وكذلك إن قولي لك: " أنتم أكرمكم الله عالمٌ فاضل" فإنَّ "أنتم" هنا لفظ جمع حتى وإن تبعه معنى الفرد "عالم فاضل".
وهكذا (ولتكن) فهي لفظ مفرد, فالآية { ولتكن منكم أمة ...} وليست (كونوا أمة)
ولا يؤثر في ذلك تأنيثها أو تذكيرها لتناسب كلمة (أمة) بعدها, فإنها تبقى لفظاً مفرداً: (ولتكن), وليس (ولتكونوا).
فنحن هنا نتناول الناحية اللفظية, أي نسق الكلام, فالموضوع يتعلق باختلاف نسق الكلام من حيث الألفاظ الثلاثة التي بدئ بها الخطاب في الآيات الثلاث:
( واعتصموا , ولتكن , ولا تكونوا )
وحتى تتضح صورة اختلاف نسق الكلام, خذ مثلاً قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ... إلى قوله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس...}
إنك تلاحظ هنا أن خبر (لكن) هو مرفوع, وهكذا جاءت كلمة (والموفون), ولكن ما بعدها كان منصوباً (والصابرين), فهي جاءت بلفظ مغاير لخبر (ولكنَّ), وكذلك بلفظ مغاير للمعطوف عليه (والموفون), واختلاف نسق الكلام هذا في فقه اللغة يعني أن نصب (والصابرين) هو أمر مقصود للرفع من شأنهم, وأنهم خصوا بمدح زائد عما قبلهم, أي أن اختلاف نسق الكلام عندهم جعلهم مقصودين على غير ما سبقهم ... وهكذا في كل اختلافٍ لنسق الكلام من العربي الفصيح, فإن له هذا المعنى في فقه اللغة.
وعلى هذا النحو ما جاء في الآية الكريمة من اختلاف نسق الكلام فهو يعني أن الخطاب في الآية الوسطى هو مقصود في اختلافه عما سبقه وما لحقه من خطاب, فهو ليس خطاباً للجميع بل لجزء منهم، أي أن (من) حسب السياق هي للتبعيض وليست للبيان.
ثانياً: من حيث موضوع الآية الكريمة
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتأتى إلا من أفراد قادرين وليس من جميع الأفراد, ومع ذلك فإن الآية ليست أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فحسب، ولو كانت كذلك لكان هذا ممكناً إتيانه من الأفراد, ولكان الخطاب للجميع. ولكن الآية أمر بالدعوة إلى الخير بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والخير في الآية {يدعون إلى الخير} هو الإسلام وهو أي الخير محلّىً بالألف واللام فهو عام أي الإسلام كله، والإسلام كله يشمل العبادات والمعاملات وكذلك يشمل العقوبات والحدود, والدولة التي تطبق العقوبات والحدود ... وما دام (الإسلام كله) يشمل الدولة أي الخليفة لتطبيق الأحكام، وحيث لا يمكن أن تقام الخـلافة بعمل فردي بل بكتلة، وهذا واضح، فتكون الآية توجب قيام (أمة) بمعنى جماعة متكتلة من بين المسلمين تدعو إلى الإسلام كله بإقامة دولته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ومن الجدير ذكره أنه بدون الدولة لا يتأتى تطبيق الإسلام كله حيث إن الأحكام الشرعية منها ما يقوم به الأفراد كالصلاة والصيام .. ومنها ما لا بد من الإمام أو الخليفة لتطبيقه كالحدود .. فالدعوة إلى الإسلام كله تعني إقامة الخـلافة، وهذه تحتاج العمل الجماعي أي عمل كتلة وليس عمل أفراد.
ولا يقال إن الدعوة لإقامة الدولة غير العمل لإقامة الدولة, فالعمل لإقامة الدولة صحيح يحتاج إلى جماعة متكتلة , وإنما الدعوة لإقامة الدولة فلا تحتاج إلى جماعة بل تتأتى من الأفراد...
لا يقال ذلك لأن الدعوة لإقامة الدولة لا تنفصل عن العمل لإقامتها, فالدعوة في الإسلام ليست ترفاً فكرياً منفصلاً عن العمل. إن الدعوة لإقامة الدولة تلازم العمل لإقامتها, ولا تنفصل عنه. هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعا ... وعمل ... وطلب النصرة... وأقام الدولة... و اقتداءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم, فنحن ندعو ونعمل بالطريقة نفسها... حتى نقيم الدولة بإذن الله.
وهكذا فإن موضوع الآية أي الدعوة إلى الإسلام كله تجعل الخطاب ليس للمسلمين أفراداً غير متكتلين، لأن إقامة الدولة لا تتأتى من دعوة أفراد يعملون غير متكتلين في جماعة, بل دعوتهم ليعملوا ضمن جماعة متكتلة من بين المسلمين قادرة على هذا العمل، فتكون (مِن) للتبعيض وليست للبيان.
ثالثاً: من حيث اللغة
إن هناك أموراً ذكرها علماء اللغة كأدلة على تمييز (من) البيانية عن غيرها، ومن هذه الأمور علامات ثلاث تدل على (من) البيانية, ولا تكون مع (من) التبعيضية, وهي:
1 – العلامة الأولى ل (من) البيانية هي أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها، مثلاً:
{واجتنبوا الرجس من الأوثان} فتصلح الأوثان خبراً عن الرجس فتقول: الرجس هي الأوثان.
{أساور من ذهب} فتصلح كلمة (ذهب) خبراً للأساور فتقول: الأساور هي ذهب.
ولكن في الآية موضوع البحث لا تصلح هذه العلامة:
(ولتكن منكم أمة)، فما بعد (مِنْ) هو الضمير (كم) المخاطب، وما قبلها هي من أخوات كان (ولتكن)، و(كم) لا تصلح خبراً لكان السابقة بل تصلح اسماً لها أي لتكن أنتم أمةً. وعليه فلا تكون (مِنْ) هنا للبيان.
هذه هي العلامة الأولى.
2 - العلامة الثانية
[(مِنْ) ومجرورها في موضع الحال لما قبلها إذا كان معرفةً، وفي موضع النعت لما قبلها إذا كان نكرةً].
فمثلاً (أساور من ذهب), فإن (من ذهب) تصلح أن تكون في موضع وصف فتقول هذه أساور مذهبة أو نحو ذلك, لأن أساور نكرة.
وكذلك (الرجس من الأوثان), فإن (من الأوثان) تصلح أن تكون في موضع حال لـ (الرجس) لأنه معرفة, فتقول (الرجس وثناً أمر منكر), فإن (وثناً) هو لبيان هيئة الرجس.
ولا يقال إن (وثناً) لفظ جامد فهو أقرب للتمييز, وليس حالاً لأن الحال وصف مشتق... لا يقال ذلك لأمرين :
الأول أنه صحيح أن الحال في الغالب وصف مشتق { فخرج منها خائفاً}, {وأرسلناك للناس رسولا}... لكن الحال يأتي أحياناً لفظاً جامداً (بعه مداً بدرهم), فإن (مداً) حال. وكذلك ( كر زيدٌ أسداً) , فإن (أسداً) حال ... ولكن الغالب في الحال أنه مشتق.
وكذلك فإن التمييز يأتي جامداً , وهو الغالب (عشرون درهماً) , ( رطلاً زيتاً)... ولكنه يأتي أحياناً قليلة مشتقاً (لله دره فارساً) , ( لله دره راكباً).
هذا هو الأمر الأول, أن ليس بالضرورة أن كل جامد يكون تمييزاً ولا يكون حالاً.
وأما الأمر الثاني, وهو المهم , فهو أن الحال هو لبيان الهيئة لصاحبه أي هو هيئة من هيئاته وليس منفصلاً عنه لتمييزه عن غيره.
فمثلاً: (عشرون درهماً) ف (درهماً) تمييز لأنها لا تبين هيئة العشرين بل هي أمر آخر يميز العشرين من غيرها. وكذلك (رطلاً زيتاً) فهنا (زيتاً) تمييز لأن الزيت ليس هيئة الرطل بل هو شيء آخر مفصول عن الرطل وإنما يميزه.
في حين أن (وثناً) في (الرجس وثناً أمر منكر) هو لبيان هيئة الرجس فإن الرجس هنا هو الوثن , وليس الوثن أمراً آخر غير الرجس كالدراهم غير العشرين, والزيت غير الرطل.
هذه هي العلامة الثانية
وفي الآية الكريمة ما قبل مِنْ ومجرورها كلمة (ولتكن) والضمير فيها يعود إلى (أمة) أي إلى نكرة، ولا تصلح (منكم) لتكون في موضع نعت لأمة.
ولا يقال إن (أمة) معرفة لأنها نكرة موصوفة, ومع أن المسألة ليست في كون (أمة) معرفة أو نكرة , بل في صلاحية (من) ومجرورها لتكون نعتاً إذا اعتبرت (أمة) نكرة , أو حالاً إذا اعتبرت (أمة) معرفة . و (منكم) لا تصلح حالاً لـ (أمة) ولا نعتاً لها, فمهما اعتبرت (أمة) نكرة أو معرفة فإن (من) ومجرورها لا يصلحان لا نعتاً ولا حالاً. فالمسألة هي في صلاحية (من) ومجرورها لتكون حالاً إذا كانت (أمة) معرفة أو نعتاً إذا كانت (أمة) نكرة, وليست في تعريف أو تنكير (أمة).
ومع ذلك , ومع أن البحث في كون الوصف الذي يجعل النكرة معرفة, هو ليس موضوع البحث, ولكني أقول إن الوصف الذي يجعل النكرة معرفة هو الوصف الخاص وليس الوصف العام, فلو قلت: جاء رجل كان ينادي في السوق على بيع السلع, فهذا الوصف لا يجعل كلمة (رجل) معرفة بل تبقى نكرة لأن الوصف عام لكل من ينادي في السوق على بيع السلع وليس خاصاً برجلٍ معين.
وفي الآية الكريمة, فإن الوصف الذي تبع (أمة) هو وصف عام, ولذلك فهو لم يخرجها عن كونها نكرة, وهذا واضح من معنى (أمة) في كتب التفسير, فستجد اختلافاً كبيراً في معناها.... ولذلك فإن الراجح في كلمة (أمة) هو أنها نكرة وليست معرفة, مع أن علامة (من) البيانية هنا ليست هي كون التابع لها نكرة أو معرفة بل صلاحية (من) ومجرورها لتكون نعتاً إن كانت (أمة) نكرة, أو حالاً إن كانت (أمة) معرفة , و (من) هنا ومجرورها لا يصلحان لا حالاً ولا نعتاً, فإذن (من) ليست بيانية بل تبعيضية.
3 - العلامة الثالثة, وهي علامة مرجحة أي إذا استوت كل العوامل الأخرى بين (من) البيانية و(من) التبعيضية, فهذه العلامة إذا وجدت ترجح (من) البيانية, لأن هذه العلامة لا تأتي مع (من) إلا أن تكون بيانية. والعلامة هي: إذا سبقتها (ما، مهما) فإنهما يرجحان (مِن) بيانية] مثل {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} فهنا سبقها (ما) فترجح أن (من رحمه) للبيان.
ومثل {مهما تأتنا به من آية}، فهنا سبقتها (مهما) فترجح أن (من آية) للبيان.
ونقول عامل مرجح لأنه ليس بالضرورة أن تسبق (ما، مهما) مِن البيانية.
وفي الآية الكريمة موضع البحث فإن عوامل (من) البيانية والتبعيضية ليست مستوية, بل هي تدل على أن (من) هي تبعيضية وفق الأدلة المتعلقة بسياق الخطاب أي اللفظ الذي بدئ به الخطاب, والمتعلقة بموضوع الطلب في الآية. ومع ذلك فحتى لو تساوت (جدلاً), وأشكل معرفة (من) البيانية من التبعيضية, فإننا نعمد إلى هذه العلامة المرجحة (ما , مهما), فنجد أنه لم يسبق (منكم)، لا (ما) ولا (مهما) لتكون مرجحةً للبيان.
ونكرر هذه العلامة هي علامة مرجحة استعملها العرب للتفريق بين (من) التبعيضية والبيانية إذا تساوت كل العوامل الأخرى, وأما إن لم تتساو, فلا يعمد لهذه العلامة المرجحة.
بناءً على هذه الأمور، فإن (من) في الآية الكريمة: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، هي للتبعيض أي لتقم من المسلمين أمة (جماعة متكتلة) لأداء الفروض المذكورة في الآية.
|
|
3 من ربيع الثاني 1429هـ |
|
8/4/ 2008م |
|
|
|
|
|
الحملة العسكرية التركية في شمال العراق
|
|
|
ذكرت وسائل الإعلام أن الحكومة التركية قد أخذت موافقة الولايات المتحدة المحتلة للعراق بما فيها كردستان العراق، أخذت موافقتها على القيام بحملتها العسكرية في شمال العراق (كردستان العراق)، وقد أكدت هذا الأمر مصادر رسمية تركية وأمريكية. ومع أن أمن العراق المحتل ومنه كردستان هو مسئولية الولايات المتحدة، إلا أنها قد سمحت لتركيا بشن حملة عسكرية عليه !
فهل هذا يعني أن أمريكا قد (باعت) كردستان العراق من أجل مصالحها في تركيا ذات الأهمية الأكثر لأمريكا من كردستان العراق ؟
الجواب:
صحيح أن العراق محتل من أمريكا، وأن العدوان الخارجي على العراق يكون (عدواناً) على أمريكا في بعض مظاهره، ويترتب على ذلك في العادة أن لا تسمح أمريكا لأية دولة بأن تشن حرباً على العراق مادامت أمريكا تحتله.
وصحيح كذلك أن تركيا مهمة لأمريكا، ولكن العراق و(كردستانه) كذلك مهم لأمريكا، حتى وإن اختلفت درجة الأهمية. لكن ما هو ليس بصحيح هو القول (إن أمريكا باعت كردستان العراق من أجل مصالحها في تركيا)، فمصالح أمريكا مؤمنة في تركيا من حكومة حزب العدالة، ومصالحها كذلك مؤمنة في العراق وفي كردستانه لأن حكومة العراق صناعة أمريكية ...
وأما سماح أمريكا للحكومة التركية بحملتها العسكرية على شمال العراق، فهو تثبيت لهذه المصالح في البلدين، تركيا والعراق، وليس بيعاً لواحدة على حساب الأخرى.
أما كيف ؟ فعلى النحو التالي:
1ـ منذ أن تخلت أمريكا عن عبد الله أوجلان، وسلمته إلى السلطة التركية وفق الصفقة المشهورة التي أدارتها أمريكا مع تركيا حفاظاً على سورية، ثم بعد وصول حزب العدالة الموالي لأمريكا إلى الحكم في تركيا، أصبحت إستراتيجية أمريكا، وبالتالي حكومة حزب العدالة، هي التعامل مع القضية الكردية كقضية سياسية ... وبدأت مباحثات وزيارات لمسئولي الحكومة التركية للمناطق الكردية التركية، وما تبع ذلك من محادثات ثقافية حول برامج باللغة الكردية في وسائل الإعلام ...
2ـ أما كبار قادة الجيش الموالون للإنجليز، فقد استمروا في التعامل مع القضية الكردية كقضية أمنية يستغلونها لإثارة المشاكل في وجه حكومة حزب العدالة، كلما لاحظوا زيادة وزن حكومة أردوغان وبالتالي زيادة نفوذ أمريكا في تركيا على حساب نفوذ العلمانيين الإنجليز في الجيش.
3ـ قبل حكومة حزب العدالة، وقبل ازدياد النفوذ الأمريكي في تركيا، كان الكماليون الإنجليز في الجيش يقومون بانقلاب على أية حكومة تركية يرونها تخرج عن الخط الكمالي الإنجليزي في تركيا ... والانقلابات المتكررة التي قام بها الجيش في النصف الأخير من القرن الماضي معروفة مشهورة.
4ـ ومع أن حكومة حزب العدالة توالي أمريكا بشكل ظاهر واضح، ومع أنها تقوم (بقصقصة)نفوذ الكماليين الإنجليز في الجيش عن طريق التشريعات القانونية كما عملت في مجلس الأمن القومي، والمجلس القضائي (المحكمة الدستورية العليا) ... وانتخاب رئيس الجمهورية وغير ذلك ...، ومع هذا لم يستطع الجيش القيام بانقلاب بسبب أجواء الحكم المدني (الديموقراطي) الذي ركزت عليه أمريكا في تركيا، وأعلت الصراخ فيه حكومة حزب العدالة،وكذلك اتجاه الحكومة نحو قوات الاتحاد الأوروبي لتسهيل انضمامها ... كل ذلك أبعد إمكانية عمل انقلابي من الجيش، إن لم يكن نهائياً فعلى الأقل في المدى المنظور.
5ـ لذلك عمد الجيش إلى الاستغلال الأمني العسكري للموضوع الكردي، وبخاصة جناح حزب العمال الكردستاني الموجودة قواعده شمال العراق، وهذا الجناح يتبنى العمل العسكري، وليس فقط العمل السياسي، لمعالجة قضية الأكراد في تركيا كما يعمل الجناح الآخر. وجناح حزب العمل الكردستاني الذي في شمال العراق له ارتباط بالبرزاني ذي الخلفية الإنجليزية، وبالتالي فهو يلتقي مع علمانيي الجيش الانجليز في تركيا من حيث التحريك الأمني العسكري للقضية، وإن اختلفت الأغراض، في حين أن الطالباني وحزبه موالٍ لأمريكا، ولذلك فإن جناح حزب العمال الكردستاني موجود في المناطق الشمالية المحاذية لمناطق البرزاني، وليس في مناطق الطالباني.
وكان الجيش يقصد من ذلك، إحراج حكومة حزب العدالة مع الولايات المتحدة المحتلة للعراق، فقيام الجيش بعمل عسكري ضد حزب العمال الكردستاني في العراق (كردستان) سيؤثر على العلاقة الأمريكية مع حكومة حزب العدالة، وكلما ازداد توسع التدخل العسكري كلما ازدادت خلخلة العلاقة الأمريكية التركية أي يضعف حكومة حزب العدالة ويوقعها في مأزق.
6ـ لهذا قام علمانيو الإنجليز من قادة الجيش بتهيئة المسرح لذلك، فقاموا بإرسال دوريات راجلة أو بآليات خفيفة دون حماية مناسبة (كما حدث أواخر العام الماضي) ويرسلونها قرب المواقع الحدودية الساخنة القريبة من مواقع حزب العمال الكردستاني في العراق ... ما أدى إلى قتل وأسر عدد من الجنود الأتراك ... ثم بدأت أصوات الجيش الإعلامية (تضخم) ما حصل ... وأنه إهانه للجيش، وأن الواجب عمل عسكري واسع في شمال العراق لضرب قواعد حزب العمال ... والتلميح القريب من التصريح باتهام حكومة حزب العدالة بأنها لا تقيم وزناً لدماء الجنود ولا لأَسْرهم ما أوجد رأياً عاماً مؤيداً للهجوم على معاقل حزب العمال في العراق، ثم التنديد بتقاعس الحكومة.
7ـ أخذت الحكومة بالمماطلة حول الموضوع ... ثم لما زاد الصراخ حول الجنود القتلى والأسرى بالإضافة لما حدث، سواءً أكان مفتعلاً أم حقيقياً، في بعض المناطق المتفرقة ونسبتها لمقاتلي حزب العمال ... كل ذلك جعل الحكومة تتحرك، فعرضت قانوناً على البرلمان فأجازه، ونص على الموافقة على القيام بعملية عسكرية في الوقت الذي تراه الحكومة مناسباً.
وكان هذا (تنفيساً) وإن كان ليس حاسماً، لأنه لم يحدد وقتاً بل تركه للوقت الذي تراه الحكومة مناسباً.
8ـ كان علمانيو الإنجليز في الجيش يرون أن القيام بحملة عسكرية واسعة في كردستان العراق التي يحتلها الأمريكان، يرون أن هذا سيسبب للحكومة أزمة ساخنة مع أمريكا إذا وافقت على إدخال الجيش للعراق، أما إن لم توافق على إدخال الجيش للعراق حتى لا تصطدم مع أمريكا، فإن أزمة ساخنة ستحصل للحكومة أمام الرأي العام التركي لأنها لم تثأر لدماء الجنود ! وفي الحالتين كان يرى قادة الجيش الموالون للإنجليز، والذين يعدون أنفسهم حماة للكمالية الإنجليزية، كانوا يرون حدوث أزمة ساخنة لحكومة حزب العدالة في الحالتين.
9ـ غير أن زيارة أردوغان الأخيرة إلى أمريكا، وما تبعها من لقاءات سياسية في أنقرة وفي مقر القوات الأمريكية في بغداد، قد أوجد اتفاقاً بأن تأذن أمريكا للحكومة التركية بحملة عسكرية محدودة الزمان والمكان، تظهر الحكومة فيها أنها لا ترضى (الضيم)، ولا تقبل ذهاب دماء جندها هدراً! وفي الوقت نفسه تعمل على (تنفيس) نهائي لخطة قادة الجيش الموالي للإنجليز.
10ـ وهكذا بدأت الحملة في جو التأييد الأمريكي، والطالباني، والمالكي، فقط تذمرت منها حكومة البرزاني في شمال العراق، ونددت بها على استحياء أوروبا.
11ـ إن المتوقع هو ما يلي:
من طرف الجيش: أن يحاول الجيش توسيع الرقعة للاصطدام بقوات حكومة كردستان (البرزانية)، وبالتالي إعادة خلط الأمور، وتسخين مأزق الحكومة التركية مع أمريكا ... وتنشيط تدخل أوروبا في الموضوع ... وما ينتج عن ذلك من هزة عنيفة لحكومة حزب العدالة.
ومن الطرف الآخر: أن تعمل أمريكا مع حكومة حزب العدالة والأطراف المساعدة في العراق، على جعل العملية محدودة الزمان والمكان ... فتعلن أنها أدت أهدافها وتنسحب، وبالتالي تضيف حكومة حزب العدالة نقاطاً لصالحها ..
12ـ الراجح أن العوامل القاضية بمحدودية الحملة وعدم توسعها، الراجح أن هذه العوامل هي الأقوى، وهي: أمريكا، حكومة حزب العدالة، بعض الأطراف المساعدة في العراق، ثم وهو عامل رابع مهم، وأعني به الظروف القاسية، سواء أكانت الجوية من ثلوج ونحوها، ما يعيق التوسع، أم كانت الجيولوجية والتضاريس الجبلية، ما يعرض الجيش التركي لخسائر.
وواضح من هذه العوامل أنها أكثر تأثيراً في حصر الحملة في مكان محدود وزمان محدود.
ويمكن أن تسجل حكومة حزب العدالة نقاطاً لصالحها خلال هذه الحملة إلا في حالتين:
الأولى أن تفلت الأمور فيمتد القتال زماناً ومكاناً.
والثانية أن يقتل عدد لافت للنظر من الجنود الأتراك.
وفي هاتين الحالتين تحدث أزمة توقع حكومة حزب العدالة في مأزق.
لهذا السبب قلنا (الراجح) لان احتمال حدوث هاتين الحالتين يبقى احتمالاً وارداً، وإن كان مرجوحاً.
والخلاصة هي أن أمريكا عندما أذنت لتركيا بحملتها العسكرية على حزب العمال في كردستان العراق، لم تتخل بإذنها هذا، لا عن كردستان، ولا عن تركيا، بل هي أذنت حفاظاً على مصالحها في تركيا وكذلك على مصالحها في العراق وكردستان العراق.
|
|
19 من صفر الخير 1429هـ. |
|
25/02/2008م. |
|
|
|
|
|
الانتخابات الباكستانية | اعتراف أميركا باستقلال كوسوفو | جولة بوش الإفريقية
|
|
|
أولاً:ـ وفق النتائج الأولية للانتخابات الباكستانية التي نشرت أمس بعد فرز الأصوات لـ 222 من مقاعد الجمعية الوطنية البالغ عددها 272، فاز حزب الشعب الذي كانت تقوده بنازير بوتو بـ 73 مقعداً، وحزب الرابطة جناح نواز شريف بـ 63 وحزب الرابطة جناح قائد الذي يدعم مشرف بـ 29 مقعداً فقط ... وهذه صوره قريبة من الصحة عن النتائج النهائية ... وهذا كاف ليبين مدى تراجع التأييد لمشرف، فهل يعني ذلك أن نفوذ أمريكا في باكستان قد تراجع لدرجة الانحسار من باكستان في مقابل عودة النفوذ البريطاني إلى باكستان عن طريق حزب بوتو؟
للجواب على هذا السؤال لا بد من ذكر الأمور التالية:
1ـ لقد كان واضحاً أن مشرف قد فقد شعبيته تجاه المسلمين منذ رمى بنفسه في أحضان أمريكا ودعمها في الحرب على أفغانستان، وهيأ لها أجواء باكستان منطلقاً للعدوان على أفغانستان ... ثم ما قام به من مجازر في منطقة القبائل والمناطق الحدودية مع أفغانستان، ومن بعد ما قام به من مجزرة المسجد الأحمر ... وما تبع ذلك من أحداث دموية قام بها في (سوات) وغيرها..
2ـ لهذا رأت أمريكا أن لا بد من دعم مشرف بالحركات العلمانية، فعقدت صفقة مع بريطانيا وبالتالي بين مشرف وبنازير بوتو التي كانت (منفية) في بريطانيا عدد سنين، وكانت خلالها قد سارت مع بريطانيا وبالتالي أصبح تأثير بريطانيا في حزبها قوياً. وكانت الصفقة تقضي أن ترفع تهم الفساد ... التي كانت موجهة إلى بوتو وتعاد (نظيفة) إلى باكستان، ويساعد حزبها في انتخاب مشرف رئيساً للجمهورية وفق الهيئة الانتخابية البرلمانية السابقة، أي قبل الانتخابات البرلمانية الحالية، ثم تصبح بوتو رئيسة للوزراء ... أي تقاسم للسلطة: فمشرف رئيس للجمهورية، وبوتو رئيس للحكومة. ولقد اضطرت أمريكا لذلك حفاظاً على بقاء مشرف في الحكم ضماناً لمصالحها، وقبلت بأن تتنازل شيئاً ما لبريطانيا أي لبوتو، لأنها كانت تخشى أن تخسر معظم نفوذها، إن لم يكن كله، بخسارتها لمشرف نظراً للحملة الشعبية من المسلمين ضده في باكستان.
وسارت الأمور وفق الصفقة، فرجعت بوتو، وانتخب مشرف رئيساً للجمهورية، حيث تخلى حزب الشعب في البرلمان عن الوقوف ضد انتخابه ... وبدأت بوتو تجوب باكستان بحملاتها المحسوبة جيداً.
3ـ لكن بوتو لاحظت مدى كراهية الناس لمشرف، فاستغلت هذه النقطة على طريقة الانجليز، وركبت الموجة وصارت حملاتها مركزة ليس على حدود الصفقة بل لإسقاط مشرف وقد نجحت في ذلك لدرجة أقلقت أمريكا وبالتالي مشرف ... ثم اغتيلت بوتو ...، ومع ذلك زادت شعبية الحزب ولم تنقص، وكاد الحزب يستقطب، ليس مؤيديه فحسب، بل كل معارضي مشرف، ليس حباً في حزب الشعب،بل كراهية لمشرف.
4ـ وكان هذا جرس إنذار لأمريكا فخشيت أن تكتسح بوتو الانتخابات، ليس فقط بأن تفوز بالأغلبية، بل قد تصل إلى الثلثين، ما يجعل إمكانية قلع مشرف وبالتالي النفوذ الأمريكي وعودة النفوذ الانجليزي، جعل ذلك ممكناً بل ميسوراً. عندها قررت السماح لنواز شريف بالعودة إلى باكستان، واشتراك حزبه في الانتخابات، والظهور بمظهر المعارض لمشرف، وبالتالي استقطاب قسم من المعارضين لمشرف، فلا تذهب أصوات المعارضين كلها إلى حزب بوتو.
5ـ إن نواز شريف هو من عملاء أمريكا السابقين، وقد غضبت عليه أمريكا عندما لم يستطع، وهو رئيس للوزراء، منع الجيش الباكستاني من نصرة مجاهدي كشمير في احتلال مرتفعات كارغيل في أواخر القرن الماضي (1999م)، ما وجه ضربة قاصمة لحزب جاناتا الحاكم في الهند بزعامة فاجبايي الموالي لأمريكا.
لقد كسبت أمريكا ولاء فاجبايي بعد ما بذلت الوسع في ذلك، لأن حزب المؤتمر الموالي للانجليز كان يقود حكم الهند لسنين عدة، فلما وصل فاجبايي الموالي لأمريكا للحكم كانت أمريكا تدعمه عسكرياً واقتصادياً وأمنياً، آملة أن يدخل نفوذها ويستقر في الهند (أو على الأقل تشارك بريطانيا) بعد أن تفرد حزب المؤتمر عقوداً عدة بحكم الهند.
وكان احتلال مجاهدي كشمير لمرتفعات كارجيل بمساعدة الجيش الباكستاني نكسة بل نكبة لحكم فاجبايي، ... وهكذا غضـبـت أمريكا على نـواز شـريف، ثم كانت حركة مشرف الانقلابية، ثم سحب الجيش الباكستاني ومجاهدي كشمير من مرتفعات كارجيل.
وبقي نواز شريف (منفياً) من باكستان نحو ثماني سنين، وأمريكا لا تقبل عودته تأديباً له، إلى أن كان تعاظم شعبية حزب بوتو، وإخلالها بشروط الصفقة، وبالتالي توقع نيلها ثلثي الأصوات أو على الأقل الغالبية، ما يمكنها من تشكيل الحكومة وحدها وتغيير قواعد اللعبة وحدها.. عندها (رضيت) عن نواز شريف وأعادته إلى باكستان بطريقه أظهرته معارضاً لمشرف في تصريحاته المتناغمة مع بوتو، حتى إنهم أظهروه أكثر معارضة من بوتو حيث لم يرفعوا عنه قيد ترشيح شخصه، ولكنهم دعموا ترشيح حزبه!
6ـ ثم أجريت الانتخابات في هذا الجو، فتقاسم حزب بوتو وحزب نواز أصوات المعارضة لمشرف، وأظهرت النتائج الأولية أن حزب بوتو لم يحصل لا على الثلثين ولا على الأغلبية بل هو مضطر إلى حكومة ائتلافية!
7ـ مما سبق يتبين أن كفة أمريكا لا زالت هي الراجحة:
أ) فمشرف هو رئيس الجمهورية، وكان قد أدخل تعديلات دستورية أعطت الرئيس بعض الصلاحيات الفعلية على حساب صلاحية رئيس الحكومة.
ب) حزب نواز شريف ذو مقاعد مؤثرة (تقارب حزب بوتو)، ولا يمكن استبعاده من التأثير، سواء استطاع حزب بوتوتشكيل حكومة ائتلافية معه أم مع حزب الرابطة الجناح الموالي لمشرف، أم حتى مع مستقلين وأقليات أخرى ... فإن حزب بوتو في جميع الحالات سيجد نفسه محاصراً بقوى أمريكية فاعلة.
ج) ثم إن حزب بوتو هو "تجمع" حزبي وليس "تكتلاً "حزبياً ذا مبادئ ثابتة محددة، لهذا فمن السهل تغير ولاءاته، فمثلاً قد مر الحزب سابقاً في تقلب في الولاء فكان قريباً من أمريكا قبل نفي بوتو إلى بريطانيا وبقائها تلك السنين هناك حيث كسبت بريطانيا ولاءها ... ولذلك فهو حزب عرضة للتقلب.
8ـ مما سبق يتبين أن نفوذ أمريكا لازال في باكستان، وأقصى ما هنالك أن بريطانيا قد وجدت مكاناً لا بأس به في باكستان (تدس) أنفها فيه، ما يجعل شيئاً من الصراع السياسي بين أمريكا وبريطانيا يدور في الخفاء: تأثير أمريكا في حزب بوتو أو توسيع بريطانيا للمكان الذي (تدس) أنفه فيه في باكستان ...
9ـ والخلاصة أنه لا يمكن القول أن نفوذ أمريكا في باكستان قد تراجع إلى درجة الانحسار بسبب نتائج الانتخابات، وإن كانت درجة حرارة هذا النفوذ قد خفت بعض الشيء.
-------------------- |
ثانياً: أعلنت (كوسوفو) أمس استقلالها، وسارعت الولايات المتحدة للاعتراف بها. والمعروف أن أمريكا هي كانت وراء هذا الاستقلال، فهل يعني هذا أن إدارة بوش تريد بمساعدة مسلمي كوسوفو إصلاحَ موقفها من المسلمين في الشرق الأوسط بعد جرائمها في العراق وأفغانستان نتيجة عدوانها المستمر هناك؟
الجواب:
1ـ إن الولايات المتحدة لم تدعم استقلال كوسوفو من أجل الإسلام والمسلمين، بل إن هذا ليس وارداً عندها لا من قريب ولا من بعيد.
إن المسألة تتعلق بصربيا، فقد شكلت صربيا شوكة في حلق أمريكا التي تريد بسط نفوذها في البلقان، حيث إن وجود أمريكا في البلقان يمكنها من التأثير والتحكم بفاعلية في المنطقة، فالبلقان بوابة روسيا وآسيا الوسطى وكذلك بوابة ما تسميه أمريكا (أوروبا الجديدة) في البلقان وأوروبا الشرقية، وهذا التحكم يخدم مصالح أمريكا سياسياً واقتصادياً وأمنياً وحتى عسكرياً.
وقد كانت صربيا عائقاً صلباً (أو على الأقل مضايقاً) أمام هذا الأمر، ولذلك اهتمت أمريكا بإضعاف صربيا، فكانت وراء فصل الجبل الأسود عن اتحاده مع صربيا، وكانت وراء حملة الحلف الأطلسي على الجيش الصربي في كوسوفو وفي صربيا نفسها، وكانت وراء مشاريع فصل كوسوفو..
2ـ إن استقلال كوسوفو هو عملياً ليس من نوع استقلال الدول المعروف، فهو وفق قرار دولي يبقي كوسوفو تحت وصاية دولية باسم الأمم المتحدة، ولكنها فعلياً وصاية أمريكية تتحكم في رئيس كوسوفو، ورئيس وزرائها وكل حكومتها ...
3ـ أما ما أظهر الأمر وكأنه مساعدة للمسلمين وإنقاذ لهم، فهو فظاعة الجرائم الوحشية التي ارتكبتها حكومة صربيا ضد مسلمي كوسوفو، فقد ارتكبت فيها من المجازر ما جعل المسلمين في كوسوفو ينظرون إلى حلف الناتو وبخاصة أمريكا كناصر لهم، وهذا ما ظهر في الاحتفالات، فقد كانت أعلام أمريكا مرفوعة في الاحتفالات بقدر يكاد يساوي أعلام كوسوفو (المستقلة) إن لم تكن أعلام أمريكا أكثر.
والخلاصة أن أمريكا بذلت الوسع في موضوع كوسوفو إضعافاً لصربيا المحسوبة على روسيا، وذلك لتصبح البلقان بأكملها قلعة من قلاع أمريكا دونما عوائق، ولم يكن ذلك نصرة للمسلمين ولا تصحيح موقع أمريكا عند المسلمين في الشرق الأوسط، فجرائم أمريكا في بلاد المسلمين في تصاعد مستمر.
إن نصرة المسلمين وإنقاذهم من جرائم الكفار، سواء أكان المجرمون أمريكيين، أم بريطانيين، أم يهوداً، أم روساً أم صرباً أم هندوساً ... في أفغانستان، والعراق، وفي فلسطين، والشيشان وكوسوفو والبوسنة والهرسك، وكشمير ... لا يقوم به الكفار، فالكفر ملة واحدة، وإنما يقوم بالنصرة والإنقاذ المسلمون الصادقون المجاهدون بقيادة خليفتهم، في دولة الخلافة الراشدة.
وإنه لمما يحز في النفس أن الجرائم الوحشية ترتكب في بلاد المسلمين، ولا يجدون لهم حاكماً مسلماً صادقاً ينصرهم، لدرجة أن بلغ بهم الهوان أن يلتمسوا إنقاذهم من الكفار!
--------------------
|
ثالثاً: يقوم بوش بزيارة إلى خمس دول في أفريقيا بنين، وراواندا، وتنزانيا، وغانا، فهل يعني ذلك أن أمريكا تشن حملة سياسية (ساخنة) ضد أوروبا في أفريقيا من خلال هذه الزيارات؟
الجواب: إن الأمر ليس كذلك، حيث إن الدول الخمس التي زارها بوش هي من أتباع الولايات المتحدة دونما منازع أوروبي، فهو لم يجعل في جدول زيارته دولاً محسوبة على فرنسا أو بريطانيا، ليس هذا فحسب، بل هو لم يجعل في جدول زياراته دولاً متنازعاً عليها بين أمريكا وأوروبا مثل تشاد أو كينيا ... وحيث إنه اقتصر في زياراته على الدول التابعة لأمريكا تبعية مستقرة، فهذا يعني أن زيارته تلك ليست حملة سياسية ضد أوروبا لا ساخنة ولا باردة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في سنة الانتخابات يكون (مقصقص) الأجنحة من حيث فاعلية السياسة الخارجية، فهم يصفونه بالبطة العرجاء، هذا في حالة الرئيس الناجح، فكيف لرئيس مثل بوش؟ فهو بطة (كسحاء)!
إن الراجح في زيارات بوش هذه أنها لأغراض انتخابية لدعم الحزب الجمهوري في الانتخابات، فان حملة الحزب الديمقراطي تركز على فشل سياسة الحزب الجمهوري الخارجية، ولذلك فإن بوش يتقصد زيارة الدول التي له فيها (احترام) لإبراز الوجه (غير القبيح) في السياسة الخارجية. فهو يزور دولاً خمساً في أفريقيا التي لأمريكا (تأييد) فيها، تماماً كما زار فلسطين المحتلة وسلطة عباس، ودول الخليج ... لأغراض انتخابية.
ومثل هذه الزيارات عادة لا تكون لإقرار مشاريع أو حلول، بقدر ما هي لإبراز حرارة الاستقبال، والبساط الأحمر المفروش له ...
|
|
14 صفر الخير 1429هـ |
|
20/02/2008م |
|
|
|
|
|
الكفاح السياسي والصراع الفكري
|
|
|
جاء في نشرة التحريك السياسي الصادرة من الحزب أن الكفاح السياسي هو أسلوب وليس طريقة. فإذا كان الأمر كذلك، أي (الكفاح السياسي، الصراع الفكري) هو أسلوب وليس طريقة، فهل يعني هذا أن مرحلة التفاعل هي التي من الطريقة، وأن ما يجري خلالها من أعمال سياسية وفكرية هي أساليب ؟ علماً بأن هناك آيات في القرآن الكريم واضح فيها الكفاح السياسي والصراع الفكري مع رؤوس الكفر في قريش ؟
الجواب:
نعم، إن التفاعل هو من الطريقة.
ومن الجدير ذكره أن العمل السياسي والفكري هما كذلك من الطريقة، فمرحلة التفاعل تقتضي ذلك، ولا تتم بدونه، بل هي ليست تفاعلاً دون العمل السياسي والفكري.
وأما (الكفاح) السياسي و(الصراع) الفكري، فهما تحد صارخ بالعمل السياسي والفكري. وهذا التحدي هو أسلوب، فقد يلزم هنا ولا يلزم هناك.
وحتى أقرّب المسألة فإن توزيع نشرة قد يكون بأسلوب كفاحي فتوزع علناً في تحدٍ صارخ ... وقد تكون توزيعاً عادياً ...
فالصراع والكفاح لهما مدلول فيه التحدي الصارخ مع ملحقات هذا التحدي ... وهذه أساليب.
أما ما ذكر في القرآن الكريم فهو حالات محدودة كانت موجهة لرؤوس الكفر بسبب أمور زائدة في السوء عن مجرد الكفر، فهم كانوا يحاربون الإسلام والمسلمين بشدة رغم الأدلة الناطقة بالحق ... فذكرت مهاجمتهم الساخنة القوية في تلك الآيات الكريمة ... ومع ذلك فلو أحصيتهم لوجدتهم أعداداً محدودة مع أن الكفار كانوا كثيرين.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعمل أساليب تختلف في القوة تجاه الكفار، فمثلاً لما ذهب إليه صلى الله عليه وسلم أحد رؤساء قريش (كأنه عتبة)، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عرض عليه الإسلام بالحجة المقنعة والحكمة البالغة بأسلوب هادئ مؤثر ... حتى عاد الرجل إلى قريش بهيئة غير التي ذهب فيها كما وصفه رؤساء قريش الذين أرسلوه، وبخاصة وقد مدح أمامهم الكلام الذي سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ...
في حين أن أحد رؤساء قريش (كأنه وائل) لقي الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رأس الكفر ذاك يحمل في يده رميم عظام، فأبرزه للرسول صلى الله عليه وسلم وسأله: هل ربك يستطيع أن يعيد هذا إلى الحياة ؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم ويبعثه حياً، ثم أضاف الرسول صلى الله عليه وسلم: ويدخلك جهنم ... فهنا لم يجبه الرسول صلى الله عليه وسلم عن سؤاله فحسب بل أضاف إليه تعنيفاً ...
وهكذا فإن الأسلوب يشتد قوة أو يخف قوة وفق ما يناسب الجهة المقابلة.
ولأوضّح الصورة أكثر:
اقرأ هذه الآية {اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} فواضح في هذه الآية أن المطلوب هو النقاش الفكري الهادئ اللين.
والآن اقرأ هذه الآية الكريمة في الموضوع نفسه، وكذلك هي بين موسى وفرعون أيضاً، لكن في موقف آخر، فبعد أن عرضت على فرعون البَيِنات والدلائل ... ومع ذلك بقي مستكبراً متمادياً في الطغيان ... عندها لم يكن قول موسى عليه السلام له ليناً، بل عنيفاً بأن وصفه (مثبوراً) أي هالكاً ملعوناً ...
وهذه هي الآية الكريمة {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال لقد علمت ما أنزل هاؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً}
فالنقاش اللين كان في البداية لعرض الأدلة والبينات، ولكن بعد أن قدمت البينات والأدلة القاطعة بصائر، ومع ذلك استمر الاستكبار والطغيان،عندها كان النقاش العنيف ...
آمل أن أكون قد وضحت الصورة تماماً.
ولذلك تجدنا نقول في كتبنا عن الأعمال السياسية في مرحلة التفاعل: (... يبرز في هذه الأعمال السياسية الصراع الفكري والكفاح السياسي ...).
فالصراع والكفاح يبرزان في هذه المرحلة بسبب الصدام مع رؤوس الكفر عادةً فيناسبهم هذا الأسلوب. ولكن مع كفار آخرين، أو في وقت آخر، قد يلزم العمل السياسي والفكري بأسلوب آخر.
وأكرر إن العمل السياسي والفكري من الطريقة، حيث مرحلة التفاعل تقتضيهما ولابد، فقط تصعيد العمل السياسي والفكري، أي الكفاح والصراح، هو الأسلوب، ويستعمل في الزمان والمكان المناسبين.
|
|
14 صفر الخير 1429هـ |
|
20/02/2008م |
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال: إعطاء الزكاة لذوي الحاجات غير الأساسية
|
|
|
السؤال: ورد في كتبنا أن الفقير هو من لا مال عنده يكفي حاجاته الأساسية (مطعمه وملبسه ومسكنه)، ومن كان كذلك فإنه يعطى من الزكاة. غير أن هناك حاجاتٍ أخرى تقرب من الأساسية، وكانت الدولة الإسلامية تسدها لذوي الحاجات هذه من بيت مال المسلمين مثل (طلبة العلم، الإعانة للزواج، توفير العلاج). ولكن في أيامنا هذه لا توجد الدولة الإسلامية التي تسد هذه الحاجات، والسؤال هو:
هل يمكن سدها من الزكاة من باب:
1 - عدم وجود الدولة الإسلامية لسد هذه الحاجات
2 - هناك أقوال لبعض الفقهاء يجيزون ذلك بشروط معينة
3 - إنها حاجات ليست كماليةً بل هي أقرب للحاجات الأساسية
ثم هل لو اتبعنا رأي فقيه يقول بإعطاء الزكاة لسد هذه الحاجات، هل نكون خالفنا المتبنى؟
الجواب: نحن عندما عرَّفنا الفقير الذي يعطى من الزكاة بأنه هو من لا مال عنده لسد الحاجات الأساسية، قد قلنا ذلك بناءً على أدلة وأوردناها في النظام الاقتصادي ص213 سطر 4 - 13 حيث قلنا: (وقد اعتبر الإسلام الفقر اعتباراً واحداً للإنسان في أي بلد وفي أي جيل. فالفقر في نظر الإسلام هو عدم إشباع الحاجات الأساسية إشباعاً كاملاً. وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاثة أشياء هي: المأكل، والملبس، والمسكن. قال تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } وقال: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ } روى ابن ماجه عن أبي الأحوص قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» مما يدل على أن الحاجات الأساسية، التي يعتبر عدم إشباعها فقراً، هي: الطعام، والكسوة، والمسكن.)
وكذلك في الأموال ص197 سطر 10 - 13 حيث قلنا (الفقراء: وهم الذين لا يأتيهم مالٌ يكفيهم، لسد حاجاتهم الأساسية التي هي المأكل، والملبس، والمسكن. فمن يدخل عليه أقلُّ مما يحتاجه، لسد حاجاته الأساسية، اعتبر فقيراً، تحل عليه الصدقة، وله أن يأخذ منها،)
وهذا هو الراجح لدينا في المسألة.
وأما قول السائل أن لا وجود لدولة الآن تسد هذه الحاجات، فنعم لا توجد دولة، ولكن يوجد مسلمون، الأصل أن يدفعهم إسلامهم لأن يساعدوا هؤلاء المحتاجين بالتبرع لهم من أموالهم وليس من مال الزكاة، بل يعطون مال الزكاة للفقراء لسد الحاجات الأساسية، ويتبرعون من فضل أموالهم لمساعدة المحتاجين للحاجات المذكورة (التعليم والزواج والعلاج).
أما هل هي مخالفة للمتبنى إذا اتبع السائل رأي مجتهد أو فقيه يقول بجواز إعطاء الزكاة لسد تلك الحاجات غير الأساسية (العلم والزواج والعلاج) وليس قصر الزكاة على سد الحاجات الأساسية (المطعم والملبس والمسكن)، فنعم هي مخالفة للمتبنى. ولكننا لا نعاقب إدارياً عليها، فمن أعطى من زكاته لأصحاب الحاجات غير الأساسية المذكورة (العلم والزواج والعلاج) بناءً على اتباعه رأي مجتهد أو فقيه يطمئن إليه، فإننا لا نعاقبه إدارياً وحسابه عند ربه سبحانه وتعالى.
|
|
13 من محرَّم الحرام 1429هـ |
|
21/01/2008م |
|
|
|
|
|
المانع والعلة في موضوع القتل العمد والإرث
|
|
|
السؤال: كأنَّ هناك تعارضاً بين ما ذكر في الشخصية ج3 ص55 سطر 1 من أنَّ القتل العمد العدوان هو مانع من الإرث، وبين ما هو مذكور في ص353 سطر 5، 6 من أن القتل العمد العدوان هو علة فأيهما الصحيح؟
الجواب:
إن المانع هو من خطاب الوضع، أي مما يقتضيه خطاب التكليف من حيث السبب والشرط والمانع والصحة والبطلان والفساد والرخصة والعزيمة.
وما يقتضيه خطاب التكليف من أوضاع يكون أحياناً وصفاً مفهماً للعلية، وعندها يكون خطاب الوضع هذا علةً دلالةً.
فمثلاً: هناك مانع للإرث وهو القتل العمد بنص الحديث:
«ولا يرث القاتل شيئاً»
لكن (القتل) وصف مفهم للعلية، أي لمنع القاتل من الإرث، فهو قَتَل عمداً مورِّثه فسقط حقه في الإرث، وإذن نقول إن القتل العمد علة عدم الإرث.
لكن مثلاً لو كان النص (لا يرث الطويل شيئاً)، هنا لفظ الطويل ليس وصفاً مفهماً لعدم الإرث، لذلك يبقى مانعاً (طبعاً هذا لو كان هناك نص) ولا يكون علة.
وهكذا في كل أنواع خطاب الوضع وليس فقط في المانع.
فمثلاً: بيع الحاضر للبادي فاسد، والفساد خطاب وضع.
ولكنه وصف مفهم للفساد، أي لفظ (بادٍ) مفهم لماذا الفساد، فهو قادم من البادية ولم يصل السوق بعد، فتلقاه الحاضر في أطراف البلد، فالبادي في هذه الحالة لا يعرف السعر، ولهذا فالبيع فاسد وفساده أن تلقى الحاضر للبادي قبل أن يعرف سعر السوق، فهذا خطاب وضع اسمه (الفساد).
وفي الوقت نفسه كون المشتري (بادياً) أي من البادية لا يعرف سعر السوق هو علة دلالة.
ولذلك يصح القول بيع الحاضر للبادي فاسد، وكذلك هو علة الفساد لأنه يجهل سعر السوق.
وأنت ترى في بحث خطاب الوضع (الصحة والبطلان والفساد) ص58 سطر 7 مذكور: (.. بيع الحاضر لباد فإنه بيع فاسد لجهالة البادي للسعر ..)
وتجـد كذلك في بحـث العـلة دلالةً ص356 سطر 3 من الآخر إلى ص357 سطر3 مذكـور: (.. «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد ...» ... أخرجه البخاري، فقد ذكر النهي عن بيع الحاضر لباد، فذكر مع النهي في البائع كونه حاضراً أي من أهل الحضر، وفي المشتري كونه بادياً أي كونه آتياً من البدو، وكل منهما وصف مفهم أنه للتعليل في النهي عن البيع، ومفهم أنه كان علة للنهي لما عند البادي من جهالة السعر في السوق، فدل ذلك على أن كونه بادياً علة؛ لأنه يجهل سعر السوق ...)
فكونه بادياً (ص58) يعني الفساد، وفي (ص357) كونه بادياً علةً.
لكن مثلاً لو كان (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع الأسمر للأبيض) فهو هنا فقط خطاب وضع أي بطلان هذا البيع، ولكن لا يكون علةً لأن اللون ليس وصفاً مفهماً للعلية أي علة بطلان البيع، فلا مناسبة بين اللون في صحة البيع أو بطلانه أو فساده ..
والخلاصة إن خطاب الوضع إذا كان وصفاً مفهماً مناسباً للتعليل فيكون خطاب وضع ويكون علةً، وهذا كما ترى يكون في الوصف المفهم للعلية أي العلة دلالةً.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: يبدأ جورج بوش الرئيس الأمريكي غداً الأربعاء جولته الشرق أوسطية بدءاً من فلسطين في 9/1/2008 ثم إلى الكويت والبحرين والإمارات والسعودية ثم مصر في 16/1/2008 ومن بعد يعود إلى واشنطن.
لقد صاحبت هذه الزيارة حملة دعائية وبخاصة من سلطة عباس بأن بوش قادم لإيجاد دولة للسلطة ذات سيادة وسلطان بجانب دولة يهود فما مدى صحة ذلك؟
الجواب: إن المتتبع لظروف الزيارة التي يقوم بها بوش يجد ما يلي:
1 - أنها تتم في السنة الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية حيث قدرة الرئيس الأمريكي في اتخاذ القرارات الدولية تكون في الحدود الدنيا، ولهذا فإن بريطانيا عندما كانت تلعب دوراً مباشراً منافساً لأمريكا في السياسة الدولية، وبخاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، كانت تفتعل الأحداث في مواجهة أمريكا في السنة الانتخابية لولاية الرؤساء الأمريكان، حيث يكون انشغال الرؤساء وأحزابهم موجهاً في جزء كبير منه للأغراض الانتخابية. وقلّما نجح رئيس أمريكي في قرار حيوي في السياسة الدولية في سنة الانتخابات.
2 - أنها تتم ودولة يهود قلقة من (برودة) الولايات المتحدة عسكرياً تجاه الأزمة النووية الإيرانية وبخاصة بعد تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي (برَّأ) إيران من سعيها لامتلاك السلاح النووي. وهذا الأمر هو مركز تنبه عند دولة يهود، ولذلك فإنهم أعدوا لزيارة بوش ملفاً خاصاً بالموضوع النووي الإيراني، بعد مداولات (سرية) بين الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية عقدتْ في 6/1/2008 كما نقلت ذلك صحيفة (يديعوت أحرنوت). لقد صرفت دولة يهود جهوداً مضنيةً في تسخين الأجواء الدولية وبخاصة الأمريكية تجاه ما تزعمه من السلاح النووي الإيراني، في الوقت الذي لا تريد الولايات المتحدة التسخين العسكري تجاه إيران، فترتيب الأوضاع مع إيران بالعمل السياسي أمر مهم عند أمريكا، وذلك لموقف إيران الإيجابي تجاه أمريكا في موضوع أفغانستان، وكذلك من أجل المراحل التفاوضية المتكررة تجاه العراق.
لقد أدرك البهود بعد التقرير المذكور أن أمريكا وجدت في التقرير مخرجاً مناسباً لعدم التسخين العسكري تجاه إيران ما أقلق دولة يهود، واوجد ردة فعل عند اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ولم يهدِّئ منها تصريح بوش الأخير (من المهم أن يدرك سكان المنطقة أن الخيارات كلها بالنسبة لإيران ما زالت مطروحةً) ملمحاً إلى الخيار العسكري، لكنه أضاف بعد ذلك (إلا أنني أعتقد أن بإمكاننا تسوية هذه المشكلة دبلوماسياً).
3 - جاءت الزيارة في ظرف يشن الحزب الديمقراطي حرباً (انتخابيةً) شعواء على فشل بوش والحزب الجمهوري في السياسة الخارجية، وقوله إن أمريكا أصبحت مكروهةً في المنطقة الشرق الأوسطية الحيوية لأمريكا لما تحويه من خزان بترولي، هذا بالإضافة لما يثيره الحزب الديمقراطي عن تعريض إدارة بوش الجنود الأمريكان في مناطق النزاع للخطر وعدم الاهتمام بهم.
في هذا الوقت جاءت زيارة بوش إلى فلسطين المحتلة وإلى الخليج ثم مصر:
أما إلى فلسطين المحتلة، أي إلى دولة يهود، فبوش يريد تخفيف قلق دولة يهود نتيجة تقرير الاستخبارات، وتقديم الوعود والضمانات لهم بأن أمريكا لن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي، بالإضافة إلى تزويدهم بالأسلحة المتطورة والمنح المالية.
هذا إضافةً إلى توفير الأمن لهم عن طريق تصدي سلطة عباس لأي إزعاج أمني لدولة يهود في الضفة، ثم قيام بوش بتكليف مبارك بمباحثات التهدئة مع حماس في غزة بالإضافة إلى موضوع الأسير شاليت.
ويكون بذلك قد هدَّأ من روع اليهود تجاه السلاح النووي الإيراني، وأدى لهم خدماتٍ أمنيةً: من سلطة عباس في الضفة بمنع أي إزعاج أمني لدولة يهود، ومن حماس في غزة عن طريق مباحثات مصر معها في موضوع التهدئة والأسير شاليت.
وكل هذا ينعكس على اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة من حيث الوضع الانتخابي.
وأما إلى الخليج، فالزيارة موجهة إلى ما يثيره الحزب الديمقراطي، فبوش يُظهر لهم بزيارته أن أوضاع أمريكا في المنطقة مقبولة بشكل ودي وليست مكروهةً كما (يزعم) الحزب الديمقراطي، هذا بالإضافة إلى زيارة بوش إلى الجنود الأمريكان في هذه البلاد وإظهار الاهتمام بهم، وليس من المستبعد أن يقوم بزيارة إلى العراق، وإن لم تكن معلنةً في جدول زياراته، والالتقاء بالجند هناك.
وأما مصر فهي مسك الختام عند بوش فمبارك هو المؤتمن على المصالح الأمريكية في المنطقة والغطاء العربي لها، (والزنبرك) السياسي لإقصاء أو (الحد من) أي نفوذ أوروبي مزاحم للنفوذ الأمريكي.
إن ما تقوم به السلطة الفلسطينية من إيهام الناس أن زيارة بوش ستجلب لهم المن والسلوى، وتوجد لهم كياناً ودولةً، وحدوداً وسيادةً .. هو كالباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه! إن بوش جاء لإرضاء يهود بتقديم خدمات مادية وأمنية لهم وليس لإيجاد سيادة وسلطان لمحمود عباس، حتى إن ما يشاع عن إخلاء مستوطنات، فهذه التي عنها يتكلمون، هي بيوت متناثرة متحركة أنشئت لمثل هذا الغرض لتقايض مع التنازل المذل من السلطة مقابل بيت متحرك هنا وبيت هناك، حتى إن اليهود أنفسهم يسمونها بؤراً استيطانيةً عشوائيةً غير (قانونية)!
أما مبادرة بوش التي أعلنها بإيجاد دويلة للسلطة بجانب دولة يهود المحتلة لفلسطين، فإن بوش نفسه بات يدرك أن سنة الانتخابات ليست سنة تنفيذ مبادرته على سوئها، فهو صرح قبيل رحلته بقوله «حتى لو لم يتوصل الزعماء الإسرائيليون والفلسطينون إلى اتفاق سلام مع حلول نهاية هذه السنة، فإني متفائل بأننا نستطيع تحديد الخطوات العريضة لدولة فلسطين»! ومعروف أن الخطوط العربضة تعني الاستمرار في التفاوض المذل مع يهود بتنازلٍ وراء تنازل حتى تصبح الخطوط العريضة شوارع عريضة مليئةً بالتنازلات.
إن بوش يأتي لفلسطين للتهدئة وتوفير الأمن ليهود، والتطمين لهم بأن بوش ويهود في قرن ملتصقان، وهما في خط دفاع واحد تجاه السلاح النووي الإيراني المزعوم،
وهو يأتي للخليج تسفيها لآراء الحزب الديمقراطي في حملته الانتخابية بأن الإدارة الأمريكية مكروهة في منطقة البترول الحيوية،
وهو يختم زيارته لمصر أكبر دولة عربية في المنطقة ليُظهر كم هو وزن إدارة بوش والحزب الجمهوري!
إن بوش يقوم بالحملة الانتخابية للحزب الجمهوري منطلقاً من بلادنا: من فلسطين المباركة، والخليج الحيوي ومصر الكنانة ... لقد أصبحت بلادنا ليست فقط من السياسة الخارجية للدول المستعمرة بل كذلك من السياسة الداخلية! إن هذا الذل ما كان ليكون لولا حكامٌ في بلادنا باعوا دينهم بدنياهم بل بدنبا غيرهم، فلهم الويل مـمَّـا يصنعون.
إن فلسطين لا يعيدها زحف الحكام والسلطة لاستقبال بوش، ولا لتهالكهم على التفاوض مع يهود، بل الذي يعيد فلسطين هو زحف الجيوش، وانطلاقها مجاهدةً عبر الحدود.
إن الذي يعيد فلسطين هو الحاكم المخلص المجاهد الذي يسأل الله سبحانه إحدى الحسنيين.
إن الذي يعيد فلسطين هو الخليفة الذي يُتقى به ويقاتَل من ورائه.
إن الذي يعيد فلسطين هو حكم عزيز كريم، خلافة راشدة على منهاج النبوة.
هكذا تعود فلسطين، وهذا هو الطريق المستقيم الموصل لفلسطين كل فلسطين.
{إن هذا لهو حق اليقين}
|
|
في 30 من ذي الحجة 1428هـ. |
|
08/01/2008م. |
|
|
|
|
|
حزب العمال الكردستاني والصراع بين الجيش التركي والحكومة
|
|
|
السؤال: نعلم أن الجيش التركي والحكومة التركية على طرفي نقيض، فكيف اتفقا على قرار الهجوم العسكري على حزب العمال الكردستاني في العراق؟ علماً بأن هذا الهجوم سيزيد من أسهم الجيش في الوقت الذي يوجِد حرجاً للحكومة التركية أمام أمريكا التي تحتل العراق وبخاصة كردستان، نظراً للعلاقة المتميزة بين الحكومة التركية والولايات المتحدة؟ ثم لماذا أقر الكونغرس (مجلس الشيوخ) قانون إبادة الأرمن في هذا الوقت ما زاد الحرج لحكومة أردوغان؟ |
الجواب: لكي يكون الجواب واضحاً، فلا بد من معرفة واقع حزب العمال الكردستاني، والجيش التركي، والحكومة التركية الحالية.
أما حزب العمال الكردستاني ودوره مع الجيش والحكومة:
أُسِّس الحزب في 1979، ولكنه برز فعلاً بتوجيه من أمريكا سنة 1984 في عهد أوزال (1983 - 1993) حيث قام بأولى عملياته ضد الجيش في سيرت (مدينة كردية شرق تركيا)، وكان مقصوداً منه التضييق على الجيش أمنياً، بشكل متزامن مع تضييق أوزال على الجيش عسكرياً بإنشاء (شرطة مسلحة تسليحاً قوياً ثقيلاً) حيث استمرت في عهد أوزال إلى انتهاء عهده، فقام الجيش بعد عهده بمصادرة الأسلحة الثقيلة الخاصة بأجهزة الأمن.
استمر وضع حزب العمال على هذا النحو: سلاحاً أمنياً في يد أمريكا في وجه الجيش التركي إلى أن كانت سلسلة الأحداث ما بين 1997، 1998، حيث حركة شباط 1997، وحكومة أجاويد رجل إنجلترا المخضرم حزيران 1997، وتهديده بشكل جدي لسوريا بسبب دعمها حزب العمال 1998، وأخيراً رأت أمريكا أن مصلحتها تقتضي أن تعقد صفقةً مع الجيش التركي عن طريق الحكومة التركية الجديدة، حيث أصبحت السلطة السياسية والعسكرية في تركيا من جنس واحد، بالتخلي عن حزب العمال الكردستاني كمنظمة (عسكرية) وإنهاء الأزمة مع سوريا حفاظاً على عدم اهتزاز نفوذ أمريكا في سوريا. وهكذا كان حيث انعكس هذا على سوريا فجرت محادثات تهدئة بين تركيا وسوريا تُوِّجَتْ بعقد اتفاقية أضنة في تشرين الأول 1998. ووفقاً للاتفاقية قبلت سوريا بإيقاف دعمها لحزب العمال الكردستاني وطرد عبد الله أوجلان وتسليم عدد من القادة الآخرين في سوريا إلى تركيا.
وخرج أوجلان من سوريا إلى روسيا فرفضت لجوءه، فغادرها إلى اليونان فإيطاليا ثم استقر به المقام في كينيا حيث قامت وحدة من القوات الخاصة في الجيش التركي بالذهاب إلى كينيا واستلامه بترتيب من المخابرات الأمريكية.
وبعدها نشطت أمريكا في تركيا بالعمل السياسي والشعبي والديمقراطي ... إلى أن نجحت في إيصال أردوغان وحزبه إلى الحكم في 2002.
أما حزب العمال الكردستاني فقد انقسم: قسم سار حسب نهج العمل الأمريكي الجديد أي إلى العمل السياسي بقيادة عثمان أوجلان، وقسم استحوذ عليه الإنجليز، وتأثير اليهود واضح في سيره وتدريبه وزعمائه. وأصـبح هـذا القسم تحت جناح الجيش التركي، حيث يستغله في إيجاد القلاقل ضد حكومة أردوغان الموالية لأمريكا، وفي الوقت نفسه لإيجاد مبرر للجيش لفرض وجـوده كلما لزم بحجة القضاء على القلاقل. وهكذا فإن السياسة الأمريكية بالنسبة لحزب العمال، وبخاصة في عهد حكومة حزب العدالة، هي أن تكون قضية الأكراد قضيةً سياسيةً، وأما السياسة الإنجليزية بالنسبة لحزب العمال، وبخاصة في عهد حكومة حزب العدالة، فهي أن تكون قضية الأكراد قضية أمنية أي عكس ما كانت عليه الحال قبل اتفاقية أضنة. وهذا يفسر الأعمال المسلحة التي يشنها في الوقت الحالي حزب العمال الكردستاني الجناح الإنجليزي.
وأما الجيش التركي فهو صنيعة مصطفى كمال الذي منذ أن نفذ مخططات الإنجليز بهدم الخلافة، عمد إلى تكوين الجيش من حيث قياداته وثقافته على الولاء للإنجليز وسياسته، وعلى حرب الإسلام بأفكاره وحتى بمشاعره، واستعمل كل الأساليب الوحشية في تصفية عناصره التي يرى عليها أية بوادر لاحترام الإسلام، ولم يكتفِ بعدم احترام عنصر الجيش للإسلام حتى يبقى ويحصل على ترقية، بل حتى إن احترام نساء تلك العناصر وأقربائهم للإسلام أدخلها في الحسبان.
وهكذا نشأ الجيش على العلمانية وعلى الولاء للإنجليز وسياساته، وكان يعدُّ نفسه حامي أسس الجمهورية التي وضعها مصطفى كمال، القائمة على الخطين الأساسيين السابقين: العلمانية ومحاربة الإسلام، والولاء للإنجليز، وكان الجيش يعدُّ نفسه حارساً أميناً لهاتين الجريمتين!
لقد حاولت أمريكا بجد النفاذ إلى تركيا باختراق الجيش الذي تراه القوة الفاعلة الممسكة بزمام البلد، فلم تستطع، فهو مشبع بنهج مصطفى كمال (الإنجليزي)، وكانت في كل مرة تصطدم بانقلاب الجيش على الحكم إذا تجاوز عملاء أمريكا ليس الخطوط الحمر بل حتى إذا تجاوزوا الخطوط الصفر أو اقتربوا منها! وهكذا قام الجيش بانقلابات 1960، 1971، 1980، 1997 وحجتهم في كل مرة المحافظة على النظام العلماني الإنجليزي.
أما الحكومة التركية الحالية، فإن أمريكا لها باع طويل في إنشائها ودعمها، وذلك منذ أن استطاعت أن يكون لها وزن مؤثر في حزب العدالة والتنمية حيث تولى قيادته رجلا أمريكا أردوغان وعبد الله غل منذ إنشائه في آب 2001.
بعد ذلك بدأت تهيئة المسرح لوصول أردوغان، فقد قامت أمريكا بسحب (5-7) بليون دولار من البنك المركزي التركي عام 2001، ذلك أن الامتيازات الاقتصادية التي وضعت أساساتها في فترة أوزال مكنت أمريكا من القيام بهذه العملية بيسر وسهولة، فأوجدت هزةً اقتصاديةً، وبدأ تذمر الناس لأن القوة الشرائية لليرة انخفضت اتخفاضاً شديداً، وازدادت نقمة الناس على أجاويد وحكومته.
في هذه الأثناء تمكنت أمريكا من النفاذ إلى حزب صغير كان مؤتلفاً مع حزب يلماز وحزب أجاويد وهو حزب الحركة القومي برئاسة دولت بهشالي، وأوعزت إليه بطلب إجراء انتخابات مبكرة، وأن يهدد بالاستقالة إن لَم تتم الانتخابات، وهكذا أعلنت انتخابات مبكرة في 3/11/2002، حيث فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات فوزاً ساحقاً، وبخاصة وأنه كان في دعايته الانتخابية يمزج بين العلمانية وبين شيء قليل من مسحة إسلامية، ولكنها على قلتها كانت تجذب إليه أصوات عامة المسلمين لما لاقوْه من عداء علمانيي الجيش والكماليين الاستفزازي للإسلام، وهكذا فاز وضَمِنَ الأغلبية البرلمانية، فشكَّل الحكومة وحده.
بدأ أردوغان بتنفيذ الخطة المرسومة بتقوية الروابط مع أمريكا وإضعاف نفوذ الإنجليز وبخاصة الجيش، وكان من باكورة أعماله أن عرض على البرلمان قانوناً بتقليص صلاحية تدخل مجلس الأمن القومي في الحكم، وكذلك جعل المجلس مختلطاً من أعضاء عسكريين ومدنيين. وقد تضايق الجيش من ذلك حتى إن بعض الأخبار تسربت أن تفجيرات استانبول أواخر 2003م كان وراءها (العسكر) لإيجاد خلخلة أمنية يستغلونها للتدخل مثل حركة شباط السابقة، لكنهم لَم ينجحوا في ذلك. وفي السنوات الأخيرة أقدمت حكومة أردوغان على توقيع وثيقة الرؤية المشتركة بين الحكومة التركية وحكومة الولايات المتحدة التي وقعها عبد الله غل مع رايس في 05/07/2006، وقد جاءت خطوطها العريضة، كما ظهرت في البيان الصحفي الذي نشر في 05/07/2006 على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، مبدوءةً بمقدمة جاء فيها «إننا مشتركون في القيم والأفكار المتعلقة بالأهداف الإقليمية والعالمية: تطور السلام، الديمقراطية، الحريات، الرفاه».
والآن بعد إدراك هذا الواقع لحزب العمال، والجيش، والحكومة الحالية يمكن فهم الأحداث الجارية، وهي ليست بدعاً من الأحداث، فقد اعتاد عليها الجيش بعد أن فقد إمكانية تغيير الحكومات التي ليست على هواه بالانقلابات. إن ضعف إمكانية قيام الجيش بالانقلابات جعلته يعمد إلى تفجير الأوضاع أمنياً لزعزعة حكومة أردوغان لتستقيل أو تقال وبخاصة عندما تقدم على ما يعده الجيش خطوطاً حمراً.
وقبل تناول الأحداث الأخيرة بالتحليل نذكِّر بأمرين مهمين:
الأول واقع رئيس أركان الجيش التركي الحالي يشار بيوك آنيت:
إن بيوك آنيت هو من رجالات الإنجليز في الجيش بل هو من الصقور الذي يعقد عليه علمانيو الإنجليز الآمال العريضة في إعادة الجيش إلى قوته وهيمنته. وقد استعجلت هيئة الأركان تعيينه قبل انتهاء اجتماع مجلس الشورى العسكري في 4/8/2006 كما هو معتاد في مثل هذه الحالات، فأصدر مجلس الشورى القرار في 1/8/2006، وذلك لأن قرار تعيين الجنرال بيوك آنيت يتطلب إرساله إلى رئاسة الوزراء للمصادقة عليه عقب انعقاد اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى (YAŞ) في 04 آب/أغسطس 2006، إلا أن استعجال الجنرالات في ذلك كان نتيجة لتخوفهم من قيام أردوغان بتنظيم حملة مضادة في اللحظة الأخيرة،
فقد تخوف الجنرالات من أن يقوم أردوغان بإطالة زياراته الخارجية متذرعاً بالأزمة اللبنانية، مما يعيق انعقاد اجتماع مجلس الوزراء، بالإضافة إلى أن معظم الوزراء خارج أنقرة، والبرلمان في عطلته السنوية، وكل هذا يؤدي إلى المماطلة وتأجيل المصادقة على قرار تعيين الجنرال بيوك آنيت. فقد كان أردوغان الذي غادر تركيا في 02 آب/أغسطس لحضور اجتماع المؤتمر الإسلامي في ماليزيا ينوي الاستمرار في زياراته الخارجية لتأخير المصادقة على قرار تعيين الجنرال بيوك آنيت. إلا أن الجنرالات الذين أدركوا ذلك أجبروا أردوغان للمصادقة على القرار قبل البدء بجولته الخارجية، أي في 1/8/2006، وقبل إصدار مجلس الشورى العسكري قراراته في 4/8/2006!
إن الأوساط العلمانية في تركيا كانت تنتظر قدوم بيوك آنيت لرئاسة الأركان على أحر من الجمر. ولذلك فإن المتوقع أن تكون فترة رئاسته الأركان البالغة سنتين إلى آب 2008، فترةً عصيبةً على أردوغان، وقد تؤدي إلى تعثر سير حكومة حزب العدالة والتنمية وفق قوة الصراع المتوقع.
وللعلم فإن هذا الجنرال شديد العداوة للإسلام مثل غيره بل هو أشد، فقد بدأ عهده بطرد (ترميج) سبعة عشر من مراتب القوات المسلحة التركية لأن عندهم بعض المشاعر الإسلامية معتبراً ذلك كما جاء في أسباب ترميجهم (عدم ملاءمتهم للجيش).
والثاني: إن حكومة حزب العدالة جادة في تقليص صلاحية الجيش بالقوانين البرلمانية والأساليب الديمقراطية ... تماشياً مع السياسة الأمريكية، لأن الجيش هو عمدة الإنجليز في تركيا، والحد من صلاحيتهم، وجعل السلطة فعلاً للحكومة، كل هذا يضعف نفوذ الإنجليز ويقوّي نفوذ أمريكا.
وقد سارت الحكومة فعلاً في هذا الطريق، كما فعلت في مجلس الأمن القومي سنة 2003 حيث جعلت سكرتير المجلس القومي مدنياً بعد أن كان من الجيش فأضعفت صلاحية الجيش في المجلس. وكذلك فعلت في المحكمة الدستورية فأنقصت عدد الموالين للجيش في المحكمة ... وهكذا فإن حكومة حزب العدالة ماضية في تقليص صلاحية الجيش عن طريق سن القوانين بالأساليب الديمقراطية ...
بعد ذلك نجيب على ما جاء في السؤال حول الأحداث الأخيرة، والقرار المتعلق بالأرمن.
|
|
18 من شوال 1428هـ |
|
29/10/2007م |
|
|
|
|
|
بوتو ومشرف وتطورات الأوضاع في الباكستان
|
|
|
السؤال: ما الذي جعل أمريكا، وهي المهيمنة على الحكم في باكستان، توافق على العفو عن بوتو وإعادتها إلى باكستان وهي التي أُشرِبت الولاء للإنجليز خلال السنوات الثماني التي قضتها في لندن وأتباعها؟
ثم إلى أين تسير باكستان في خضم تلك الأحداث المتلاحقة؟
|
الجواب: إن الجواب على هذا السؤال يقتضي الرجوع قليلاً للوراء:
1 - لقد بدأت الأمور تتسارع في باكستان بعد وصول بوش والمحافظين الجدد إلى سدة الحكم في أميركا وخاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، حيث كان الغزو الأميركي لأفغانستان عاملاً حاسماً في قيام الرئيس الباكستاني عميل أميركا الأكبر في المنطقة برويز مشرف بالوقوف مع الأميركيين في غزوهم لأفغانستان، وفي حربهم ضد المسلمين المجاهدين داخل الباكستان نفسها. وكان انضمام مشرف إلى أميركا في حربها المعلنة ضد الإرهاب (الإسلام) بمثابة الإعلان عن تجريد حملة عسكرية صليبية جديدة ضد التيارات والحركات الجهادية الكشميرية والباكستانية التي كانت تتخذ من الباكستان معقلاً ومنطلقاً لها.
ونجح مشرف بتحالفه هذا مع الأميركيين في حرمان هؤلاء المجاهدين لمعقلهم وقاعدتهم الآمنة في الباكستان، فنجح فيما فشلت فيه جميع الحكومات الباكستانية السابقة في محاولاتها لإغلاق معسكرات المجاهدين وملاحقتهم واعتقالهم واعتبارهم إرهابيين.
وقدم هذا الخائن أكبر هدية للهند التي عجزت لعشرات السنين أن تثني الباكستان عن دعم هؤلاء المجاهدين. وأُثلج صدر الهندوس بذلك واندمجوا تماماً مع المفردات الجديدة التي أطلقتها إدارة بوش في محاربة (الإرهاب الإسلامي) -كما يصفونه- واعتبروا المقاومة الكشميرية الجهادية لوناً من ألوان الإرهاب، ولم تختلف في هذا الاعتبار حكومة المؤتمر الحالية ذات النزعات الإنجليزية عن حكومة جاناتا السابقة ذات الميول الأميركية.
2 - كما أن المسؤولين الأميركيين لم يتوقفوا عن مطالبة مشرف بالمزيد، لأن من يهن يسهل الهوان عليه، فقد هدَّد مسؤول في الاستخبارات الأميركية في صحيفة نيويورك تايمز في 23/7/2007م بدكِّ منطقة القبائل، وقال مدير الاستخبارات الأميركي مايك ماكونل بعد ذلك بيومين بأن أسامة ابن لادن موجود في منطقة في باكستان على الحدود مع أفغانستان، وحثَّ (مشرف) على بذل المزيد في حشد الجيوش في منطقة الحدود.
نعم لم تكتف الإدارة الأميركية بما قدَّمه الجيش الباكستاني من خدمات للأميركيين على الحدود بل تُطالبه بالمزيد ليقوم هو بالنيابة عنها بالمهام الصعبة والقذرة.
إن الإدارة الأمريكية تريد من مشرف أن يستمر في سلوك النهج نفسه الذي اتبعه في محاربته للتيارات الإسلامية كالقاعدة وطالبان وحركة المجاهدين (الأنصار سابقاً) وتنظيم مجاهدي جيش محمد وغيرها من الحركات، وتأمين الحدود الأفغانية الباكستانية التي تبلغ 1500 كيلو متراً ومنع المقاتلين من استخدام الأراضي الباكستانية للانطـلاق ضـد الاحتـلال الأميركي والأطلسي في أفغـانسـتان، وإعلان الحرب الشاملة والقاطعة ضد القبليين المساندين لطالبان والقاعدة.
ولعل زيارة نيغروبنتي مساعد وزيرة الخارجية الأميركية المتخصص في إشعال الحروب الأهلية وسفك الدماء في يوليو تموز 2007 إلى إسلام آباد، كانت تصب في تحقيق هذه الأهداف من خلال استمرار وجود مشرف في السلطة الذي مرد على خيانة المسلمين، وكرَّس نفسه لخدمة الأميركيين. وقد اعترف نيغروبنتي بأنه ناقش في زيارته للباكستان مسألة توجيه ضربة عسكرية داخل المقاطعات القبلية.
3 - إن مشرف قد اعتاد على سياسة العصا الغليظة التي تستخدمها أميركا ضده، فهو عميل مطيع وينفذ الأوامر ولو كانت ضد مصلحة شعبه وبلده بشكل فاضح، لهذا وصفه الأمريكان بأنه (كنز)، فهو عميل مضمون ويستوفي جميع الشروط الأميركية في منطقة ملتهبة كالباكستان.
لقد تحدى مشاعر المسلمين، فوقف مع أمريكا في عدوانها على أفغانستان، وجعل من باكستان خطاً أمريكياً متقدماً في العدوان على أفغانستان.
وهو يحشد الجيوش في منطقة القبائل على الحدود الأفغانية في وزيرستان وبلوشستان وقد تم رفع تعداد القوات العسكرية الباكستانية المرابطة على الحدود الباكستانية-الأفغانية من 80 ألفاً إلى 90 ألفاً. وهو اليوم 26/10/2007 يشـن هجـوماً عنيفاً على المسلمين في وادي سوات شمال شرق بيشاور لأنهم يريدون تطبيق رفع شأن الإسلام.
كل ذلك لإشعال الحرب الدموية التي تريدها واشنطن وتدفع عميلها مشرف لتنفيذها باستمرار بين المسلمين: الجيش الباكستاني من جهة والقبائل المسلمة من جهة أخرى، بصورة استفزازية لتبقى النار مشتعلةً، فقد تعامل مشرف مع التحركات الاحتجاجية على ارتباط مشرف بأمريكا، تعامل معها معاملةً الذي يريد إشعال حرب أهلية لا معاملة الذي يريد الوصول إلى حل للتحركات الاحتجاجية كما فعل عندما عمد إلى قتل زعيم التحرك في بلوشستان اكبر خان بوغتي البالغ من العمر 79 سنة في أغسطس آب /2006م، فزادت التحركات وازدادت اشتعالاً ما زاد الأزمة تفاقماً. وكان بوغتي يعرف بلقب «الأسـد العـجـوز»، وتولى منصب الحاكم وكبير الوزراء في أواخر السبعينيات بإقليم بلوشستان.
4 - ولما اضطر الجيش الباكستاني على أثر قتل بوغتي وتصاعد التحركات بشكل مؤثر ضد جيش مشرف، لما اضطر الجيش لعقد اتفاق مع القبائل لتهدئة الأمور في أيلول 2006، لم ترض أمريكا بذلك. فقامت أمريكا تحت مسمى الناتو قامت بهجوم دموي في منطقة باجور الحدودية في تشرين الثاني 2006 لتفسد الاتفاق مع القبائل. ثم كثف المسئولون الأمريكان من تصريحاتهم المنتقدة للاتفاق، وحثوا (مشرف) على حشد الجيوش في منطقة القبائل، كل ذلك من أجل عدم استقرار الاتفاق. وهذا ما كان: فقد انتقدت رايس الاتفاق في كلمتها أمام الكونغرس في 16/2/2007، كما انتقده تشيني نائب الرئيس الأمريكي في اليوم نفسه أثناء زيارته لباكستان. وكذلك نفذ مشرف رغبة واشنطن بحشد الجيوش على الحدود بشكل استفزازي للقبائل، في خطوات تصاعدية لإلغاء الاتفاق، ما يتبيَّن بوضوح أن أمريكا لا تريد تهدئة المنطقة سلماً بل أن تبقى الحرب مشتعلةً بين المسلمين لينصرفوا عن مقاومة احتلالها لأفغانستان، وقد وجدت في مشرف كنزاً كما وصفوه لتنفيذ مآربهم.
بعد ذلك، ولتحفيز باكستان على بذل المزيد في مهاجمة القبائل والقاعدة فقد صرح الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض توني إسنوا بأن القاعدة تشكل تهديداً كبيراً لباكستان لذا فهم يدرسون إمكانية القيام بعملية نوعية ضد أهداف محددة للقاعدة داخل باكستان.
وهذا ما دفع رئيس الوزراء الباكستاني شوكت عزيز لأن يصرح بأنهم قادرون على القيام بمثل تلك العملية بأنفسهم وأنهم أبداً لن يسمحوا باستخدام الأراضي الباكستانية منطلقاً لفعاليات أي تنظيم إرهابي. وهكذا حاول تبرير العمليات التي تشنها الباكستان ضد المسلمين بذريعة أنه ما لم نحن بالعمليات فإن أميركا ستتدخل لتقوم هي بها!
5 - وعقب ذلك وقع الهجوم الشنيع على مسجد لال (المسجد الأحمر) في منتصف تموز 2007، وعلى أثر ذلك انتهى الاتفاق السابق المعقود بين الجيش والقبائل، ووجدت حالة حرب فعلية، لكن ليس بين أمريكا المعتدية والمسلمين كما يجب أن يكون، بل بين القبائل المسلمة والجيش الباكستاني الذي عزز قواته في وجه القبائل بأوامر مشرف وإدارته الخائنة. وقد أعلنت أميركا من خلال مستشار الأمن القومي لبوش ستيفن هادلي أنها تنظر لهذه التعزيزات العسكرية بإيجابية وأنها تؤيدها.
وهكذا ظهرت عدوانية مشرف تجاه منطقة القبائل، وما صعَّد الأمور أكثر ما انكشف خلال عدوان مشرف على المسجد الأحمر من قسوة وإجرام ومجازر ورفض تام لأي مفاوضات، وقطعها فجأة بعدما كانت هناك وساطات ناجحة، وما تبع ذلك من إذلال المشايخ والملالي خلال وبعد اعتقالهم أو قتلهم!
هذا عن عدوانية مشرف تجاه القبائل.
6 - أما بالنسبة لكشمير فالحل المعروض أميركيا هو بقاء الحال على ما هو عليه بالنسبة للحدود إرضاءاً للهند التي ترغب أميركا في أن تصبح نداً للصين في الشرق الأقصى و جنوب شرق آسيا، وقد سار مشرف بخطوات عدة لتطبيع الأمر الواقع وذلك بعدما توصل البلدان إلى وقف لإطلاق النار في كشمير في نوفمبر 2003، واستأنفا مفاوضات (السلام) بينهما في يناير 2004، ما سمح بإعادة فتح معابر رمزية خاصة بالحافلات في كشمير بين الهند وباكستان، و سار الجانبان في خطوات تعزز العلاقات التجارية الاقتصادية لتطبيع الوضع الحالي. و هذا الحل هو المعروض من جانب الهند حاليا حيث قال مانوموهان سينغ رئيس الوزراء الهندي بتاريخ 15/07/2007م ان منطقة كشمير المقسّمة يمكن أن تصبحَ رمزاً للتعاون بين الهند وباكستان، وان المحادثات التي تهدف لإنهاء 60 عاما من الصراع سوف تستمر. وأكد مانموهان سينغ على موقفه بأن: «الحدود لا يمكن تغييرها لكن يمكن جعلها غير ذات أهمية» يعني ليست حدوداً عدائية. وقال في خطاب له أثناء تلقيه درجة فخرية في جامو العاصمة الشتوية لولاية جامو وكشمير، أُرسلت نسخة منه لرويترز عبر البريد الالكتروني، قال: «لا يمكن أن يكون هناك شك في بقاء الانقسامات والحواجز لكن خط السيطرة ـ الحدود، يمكن أن يصبح خطا للسلام مع تدفق أكثر لحرية الأفكار والبضائع والخدمات للناس». وأضاف سينغ: «آمل وأثق بأن جامو وكشمير يمكن أن تصبح في يوم ما رمزا للتعاون بين الهند وباكستان بدلا من الصراع.»
والواقع الراهن يشهد أن هذا الحل هو الذي يسير فيه مشرف مع الهند و كافة التصريحات المتعلقة بكشمير من الجانب الباكستاني في الفترة الأخيرة لم تعد تخرج عن هذا الإطار، فمنذ مفاضات 2004م لم يعد حق تقرير المصير لأهالي كشمير موضع بحث عند باكستان مشرف، و لم تطالب به كما كانت تفعل، ولم تعد حكومة مشرف كالماضي تطالب بالمفاوضات على أساس القرارات الدولية ناهيك عن إعادة كشمير بالجهاد، ما يعني أن الأمور تسير نحو التنازل عن كشمير وترسيخ الوضع القائم كحل نهائي لكشمير.
7 - وهكذا فإن مشرف قد قطع روابطه بالإسلام والمسلمين:
وقف مع أمريكا في عدوانها على أفغانستان، وجيَّش الجيوش في هجوم دموي في منطقة القبائل مرتكباً المجازر في وزيرستان وبلوشستان، وقذف المسجد الأحمر بأسلحة التدمير، وأضاع كشمير، وأذل العلماء وطلاب المدارس الإسلامية، واعتقل حملة الدعوة الإسلامية ...
وعليه فقد أصبح منبوذاً مطروداً من المسلمين، ووجد نفسه مكشوفاً دون (شعبية) أمام رغبته في الرئاسة لفترة ثانية. عندها لم يكن أمام أمريكا للحفاظ على (كنزها) إلا الاتجاه إلى علمانيي الإنجليز، أي إلى بناظير بوتو وحزبها بعقد صفقة معها تصبح من خلالها بوتو نقيةً نظيفةً من فسادها وإفسادها الذي سبق واتهمها به مشرف، ومن ثَمَّ نفاها من البلاد. وبموجب الصفقة، فقد أصدر مرسوماً بالعفو عنها في 5/10/2007 أي قبل الانتخابات الرئاسية التي قدمها في 6/10/2007، بعد أن كان الواجب أن تتم بعد الانتخابات البرلمانية في كانون الثاني 2008. ولكنه خشي أن يسقط أشياعه في الانتخابات البرلمانية القادمة في كانون الثاني 2008، ما يجعل انتخاب الهيئة البرلمانية الجديدة له في رئاسة ثانية بعيد المنال، فقَدَّمَ انتخابات الرئاسة على انتخابات البرلمان، حيث إن البرلمان القديم قد تم قبل انتشار فضائحه، ما جعل بعض الناس ينخدعون به ويصوتون لصالحه في الانتخابات السابقة. وهكذا فاز في الانتخابات التي جرت في 6/10/2007 وفق الهيئة الانتخابية البرلمانية السابقة!
8 - لقد برز انقسام في الحكومة الباكستانية على مشروع العفو عن بوتو، إذ اعتبر عدد من أعضاء حزب «الرابطة» الحاكم أن إسقاط التهم «غير منصف». وقال وزير الشؤون الدينية إعجاز الحق "نجل الديكتاتور العسكري السابق ضياء الحق الذي أَعدم ذا الفقار علي بوتو، والد بناظير، سنة 1979"، قال: «أبدينا تحفظاتنا على عرض العفو المقترح، ولا نؤيده». وشدد على وجوب «عدم منح العفو للسياسيين الفاسدين، خصوصاً المتهمين بنهب 1.5 بليون دولار»، في إشارة إلى الزعيمة المعارضة.
وليس بالغريب أن تظهر المعارضة من داخل حزب مشرف، ذلك أن كيفية نشأة هذا الحزب توضح ذلك، فقد أوجد مشرف حزبه (حزب الرابطة الإسلامي الباكستاني) من سياسيين جعلهم ينشقون عن حزب الرابطة الإسلامي الباكستاني (نواز شريف)، وكذلك من سياسيين إنشقوا عن حزب الشعب الباكستاني (بناظير بوتو)، وذلك بتهديدهم بالفساد إن لن ينصاعوا له، وحزبٌ مثل هذا ليس من المستغرب أن تظهر فيه آراء متضاربة عند الأزمات.
9 - ولكن لأن الأمر أكبر من حزب مشرف، فلم تؤثر المعارضة شيئاً، بل رغم معارضة بعض عناصر حزبه، فقد قام الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيسة الوزراء السابقة بناظير بوتو بالتوصل في 04/10/2007م الى اتفاق الصفقة التي أدارتها أمريكا وبريطانيا تمهيداً لتقاسم السلطة بينهما، وقد تبعه مرسوم العفو آنف الذكر في 5/10/2007 أي قبل 24 ساعة من الانتخابات الرئاسية التي أقرت المحكمة إجراءها في موعدها. وقد ترتب على هذا العفو أن حزب بوتو لم يقاطع انتخاب الرئيس كما فعلت أحزاب المعارضة، وبذلك تأمن النصاب، ومن ثم الفوز لمشرف برئاسة ثانية!
لقد كان ذلك العفو جزءاً من مرسوم (المصالحة الوطنية) الذي ينص على إسقاط ملاحقة السياسيين أمام القضاء بسبب جرائم تتعلق بالفساد. وقبل التوقيع الرئاسي على ذلك المرسوم، صادقت عليه الحكومة.
ويسمح المرسوم بالعفو عن السياسيين الذين تعود التهم المنسوبة إليهم للفترة الممتدة من 1988 وحتى 1999. وقد تمت صياغته على هذا النحو حتى لا يشمل رئيس الوزراء السابق نواز شريف الذي أطاح به مشرف في انقلاب أبيض عام 1999، لأن القضايا الجرمية المرفوعة بحقه تعود إلى عام 2000.
وهكذا صيغ العفو بحيث لا يشمل نواز شريف، على الرغم من أنه عميل سابق لأمريكا، لكنها غضبت عليه عندما لم يستطع منع تحرك مشاعر الجيش الباكستاني من نجدة المجاهدين الكشميريين ضد الجيش الهندي في مرتفعات كارغيل ما ألحق هزيمةً بالجيش الهندي حينها سنة 1999، وكاد استمرارها أن يقوض حكم فاجبايي الموالي لأمريكا، لذلك أسقطته أمريكا على يد مشرف سنة 1999، ونفَّذ مشرف أمر أمريكا فأعاد الجيش الباكستاني إلى مواقعه قبل احتلال مرتفعات كارغيل. إن أمريكا لم تتجاوز عن (زلة) نواز شريف تلك رغم خدمته لها سنين، ولو كان العملاء يعقلون لأخذوا عبرةً من غيرهم ولعلموا أن الدولة المستعمرة تلفظ عميلها مهما خدمها إذا استنفدت أغراضها منه.
بعد قرار العفو المذكور الصادر في 5/10/2007، وبعد تأمين انتخاب مشرف في 6/10/2007 ثم بعد نظر المحكمة العليا في صحة الانتخابات الرئاسية ابتداءً من 17/10/2007 ولم تنقض صحة الانتخابات (حتى اليوم رغم اجتماعاتها المتكررة لدراسة نتائج الانتخابات)، عادت بوتو في 18/10/2007 التي شغلت رئاسة الوزراء مرتين من 1988 إلى 1990 ومن 1993 إلى 1996 وهي تطمح إلى رئاسة الوزراء للمرة الثالثة بعد انتخابات البرلمان في كانون الثاني 2008.
10 - لقد بذلت أمريكا جهداً في عقد الصفقة مع بوتو، وكل ذلك ضماناً لبقاء (كنزها) مشرف في الحكم، ولو قاطعت بوتو كما فعلت المعارضة لما أمكن لمشرف الفوز برئاسة ثانية.
لقد بدأت أمريكا مباحثات الصفقة مع الإنجليز وبوتو في لندن لشهور عدة، إلى أن تم ترتيب الخطوط العريضة في تقاسم السلطة مستقبلاً بين مشرف رئيساً للدولة وبوتو رئيسةً للوزراء. وقد فعلت أمريكا ذلك وهي تعلم أن بوتو لا تقبل أن تكون رئيسة وزراء بصلاحياته الحالية، بل بأن يكون لها سلطة فعلية تتقاسمها مع سلطة رئيس الجمهورية، لكنه كما يقال (مكره أخوك لا بطل)، فأن يبقى مشرف مع خسارة بعض الصلاحيات لبوتو خير من أن يزول نفوذ أمريكا في باكستان.
بعد ذلك، وعلى ضوء الخطوات الأساسية التي قامت بها أمريكا، بدأت المباحثات بين مشرف وبوتو تارةً مباشرةً، وأخرى بين مبعوثيهما، وأحياناً في لندن وأحياناً أخرى في الإمارات ... وهكذا لإيجاد خطوات متوازنة بين الطرفين بتنازلٍ هنا ومكاسبَ هناك: وافق مشرف على إزالة أي عوائق قانونية أمام رجوع بوتو (نظيفةً) من كل تهم الفساد، وكذلك سنّ تشريعات - إذا لزم - لتسهيل تولي بوتو رئاسة الوزراء للمرة الثالثة حيث هي تولتها سابقاً مرتين، وعدم مضايقة حزبها في خوض الانتخابات الجديدة مطلع العام القادم ...، ووافقت هي أن لا يقاطع حزبها البرلمان كما فعلت المعارضة، وأن لا يقف أتباعها في المحكمة العليا أمام ترشح مشرف للرئاسة قبل أن يخلع بزته العسكرية إلا بعد نجاحه ...
وسارت الأمور وفق ما اتفقا عليه:
فقد امتنع نواب حزب الشعب الذي تقوده بوتو، امتنعوا عن مقاطعة البرلمان كما فعل النواب المعارضون الآخرون.
قامت لمحكمة العليا (لجنة الانتخابات) بإعادة تنظيم قوانين انتخاب رئيس الدولة الصادر عام 1998، وغاب رئيس المحكمة المعارض لمشرف، والموالي لبوتو، ليسهل على باقي الأعضاء إلغاء المادة (63) التي كانت تشكل عقبة أمام مشرف، وبالتالي أجيز له الترشح قبل خلع بزته العسكرية، وفي الوقت ذاته قام سكرتير حزب مشرف حزب الاتحاد «الرابطة» الإسلامي الباكستاني بالتصريح أنه بعد أن يتم انتخاب مشرف للمرة الثانية سيخلع بزته.
وفي 27 أيلول/سبتمبر، عندما ابتدأ الترشح لانتخابات رئاسة الدولة، صرح مشرف أنه سيلتزم قرار المحكمة العليا حول جواز رتشيحه بعد أن كان مضموناً هذا الجواز! وكانت المحكمة العليا (لجنة الانتخابات) قد أصدرت في آخر يوم للترشح قراراً لصالح مشرف. وفي 29 أيلول/سبتمبر نظرت لجنة الانتخابات في 43 طلباً، ومن بينهم تم اختيار 6 طلبات أحدها طلب مشرف، ومن بين الذين قبلت طلباتهم أمين فهيم أحد أنصار بنازير بوتو، إلا أنه قال أنه في حال ترشح مشرف فسيسحب هو ترشحه. فبقي بذلك مشرف ومنافسه وجيه الدين أحمد بالإضافة إلى ثلاثة مرشحين آخرين.
وفي 01 تشرين أول/أكتوبر عندما تم الإعلان عن قوائم المرشحين الرسمية النهائية، استقال 85 نائباً برلمانياً بمن فيهم أنصار نواز شريف، ولكن استمر نواب بوتو! وفي 02 تشرين أول/أكتوبر أعلن أحد وزراء مشرف أنه لن يتم تجريم بنازير بوتو، وبعد ذلك مباشرة أعلن مشرف أنه في حال انتخابه رئيساًَ للدولة من جديد فسيتخلى عن رئاسة الأركان، وقد رشح أحد المقربين منه ليخلفه في رئاسة الأركان، وهو رئيس الاستخبارات السابق أشفق كياني، حيث إن مشرف يرى أنه يمكن قبول كياني من بوتو، أو على الأقل دون اعتراض عليه عندما تتسلم هي رئاسة الحكومة، وذلك لأن كياني كان هو الذي قاد الوفد الحكومي باسم مشرف خلال شهور المحادثات مع مساعدي بوتو.
ثم صدر قرار العفو في 5/10/2007 وفاز مشرف في الانتخابات في 6/10/2007 ولم تنقض المحكمة العليا نتائج انتخابات الرئاسة وحضرت بوتو في 18/10/2007، وسارت الأمور بشكل سلس لم يعكر من صفوها سوى ما تعرضت له بوتو من محاولة اغتيال أثناء سير موكبها. ومن المستبعد أن يكون مشرف وراء المحاولة لحاجته إليها (على الأقل) لتجاوز مرحلة الانتخابات الجديدة في بداية السنة القادمة ومع ذلك، فكما ذكرنا، فإن بعض أجنحة الحكم وبخاصة تلك المنسوبة إلى ضياء الحق، قد احتجت على العفو عن بوتو، ولولا أن صفقة بوتو أمر حيوي لأمريكا ومشرف في الوقت الحالي، لما عقدت تلك الصفقة.
مما سبق تتبين الأسباب والدواعي التي جعلت أمريكا تقبل عقد الصفقة مع بوتو، وهي تعلم تماماً أنها أشربت الولاء للإنجليز خلال السنوات الثماني التي قضتها في المنفى.
أما إلى أين تسير باكستان في خضم تلك الأحداث، فإن باكستان منذ إنشائها قبل نحو ستين سنة لم تحكم بلونين بل بلون واحد: رجال الإنجليز ثم رجال أمريكا، وهي لأول مرة في تاريخها ستحكم برأسين: مشرف وولاؤه لأمريكا، وبوتو وولاؤها للإنجليز، هذا إذا استمر الالتزام بتنفيذ الصفقة التي عقدت، ما يجعل الوضع في باكستان معرضاً للصراع والاضطراب بعد مدة ليست بعيدة.
كما سبق بيانه فإن أمريكا اضطرت إلى صفقة بوتو لإنقاذ مشرف من السقوط وبالتالي للمحافظة على نفوذها في باكستان حتى ولو كان منقوصاً بعض الشيء بسبب نقل بعض الصلاحيات إلى بوتو والإنجليز.
والمتوقع استمرار (حُسْن) التنفيذ للصفقة المعقودة (على الأقل) حتى الانتخابات القادمة، فمشرف وبوتو بحاجة إلى ذلك:
مشرف لإيجاد تحالف في البرلمان من حزبه وحزب بوتو وذلك لتمكين مشرف من إصدار القرارات اللازمة، وبوتو لإيجاد وزن في البرلمان لحزبها يمكنها من الوصول لرئاسة الحكومة بتشكيل قانوني (حزب الأغلبية).
وهما وإن كانا (علمانيَّـيْن) ويحاربان الإسلام والمسلمين، وتصريحاتهما تكشف ذلك وما تخفي صدورهم أكبر، إلا أن كونهما عميلين لجهتين مختلفتين، فهذا لن يجعل التقاءهما يستمر طويلاً.
وذلك لأن صراع الدول الكبرى على النفوذ لا يقبل التوقف في منتصف الطريق، وبخاصة عندما يكون أحد طرفيه أمريكا وعنجهيتها وغرورها، ولذلك فإن أمريكا ومشرف سيفتعلون المشاكل لبوتو قانونياً ومادياً لتقليص حجمها بل وإلى إعادة نفيها إن استطاعوا. وفي الوقت نفسه فإن الإنجليز وبوتو بالخبث الإنجليزي المعهود وكذلك بالدهاء السياسي سيعمدون إلى تحريك الأشياء السيئة من تصرفات مشرف (وفيها الكثير الكثير) لتُـتَّخذ منها قضية، بل قضايا، لزعزعة بقاء شرف في رئاسة الجمهورية، بل وإلى إزالته إن استطاعوا، سواء أكان ذلك بالأعمال السياسية أم بالأعمال القضائية بتحريك رجالهم في المحكمة العليا في وجه مشرف من جديد ...
وهكذا فإن المتوقع هو الصراع بين الطرفين، سياسياً، ومادياً، وهذا له وجهان:
سلبي حيث إن القلاقل وعدم الاستقرار نتيجة الصراع تجعل حياة الناس صعبةً وقلقةً،
وإيجابي حيث تنهك قوى الطرفين بإذن الله، وينتقم الله بظالم من ظالم ثم ينتقم من كليهما والله عزيز حكيم.
وفي هذا الخير إن شاء الله للنصره وأهلها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
|
|
15 من شوال 1428هـ. |
|
26/10/2007م |
|
|
|
|
|
بيع الرهن عند عجز المدين عن السداد
|
|
|
السؤال:
(لقد تعارف شعبنا أن يأخذوا ضمانا على الدين، فإن لم يدفع المَدينُ دينه فى أوانه، يمتلك الدائن الضمان، أى الشئ الذى وضع ضمانا فى مقابل الدين و فى أكثر الحالات يكون الضمان أغلى بكثير وحتى أضعافا من الدين المأخوذ فما حكم الشرع فى ذلك؟ فهل يجوز شرعا أخذ أو إعطاء الدين بالضمان؟)
الجواب:
يجوز للدائن أن يأخذ (رهناً) من المدين لضمان سداد دينه، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً بنسيئة فأعطاه درعاً له رهناً» أخرجه مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها.
ولكن الدائن (المرتهن) لا يملك الرهن إذا عجز الراهن عن سداد الدَّين، فالرهن يبقى لصاحبه وفق الحديث «لا يُغلَق الرهن من صاحبه الذي رهنه» رواه الشافعي من طريق سعيد بن المسيِّب. ومعنى (لا يُغلَق الرهن من صاحبه) أي لا يصبح ملكاً للدائن إذا عجز المدين عن السداد، بل يباع ويسدد الدين منه ويعاد الباقي لصاحبه.
وتفصيل ذلك كما يلي:
إذا حل الدَّين فإن المرتهن (الدائن) يطالب الراهن (المدين) بسداد الدَّين، فإن كان للمدين مال غير المرهون وسدد منه الدينَ انفك المرهون وعاد لصاحبه. وإن لم يكف ماله لسداد الدين، كله أو بعضه، فقد وجب على الراهن بيع المرهون بإذن المرتهن ويسدد دَيْن المرتهن أولاً قبل غيره من الثمن، ويعاد باقي الثمن لصاحبه.
مما سبق يتضح أنه لا يجوز للمرتهن أن يستولي على المرهون إذا عجز المدين عن سداد الدين، وكذلك لا يجوز له أن يبيع بنفسه الرهن، بل عن طريق القضاء فهو الذي يجبر الراهن على بيع الرهن، لأن الرهن يبقى ملكاً لصاحبه وفق الحديث «لا يغلق الرهن من صاحبه»، فهو الذي يبيعه ويسدد من ثمنه الدين، فإن امتنع أجبره الحاكم على البيع والسداد، وما زاد عن سداد الدين يعاد لصاحبه.
|
|
5 من شوال 1428هـ. |
|
16/10/2007م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: شركة تجارية للمنتجات الصحية تتعامل مع زبائنها على النحو التالي:
إذا اشترى منها زيون منتجاً صحياً يكون له الحق أن يأخذ (عمولةً) على اثنين من المشترين يحضرهما للشركة. وكل من الاثنين اللذين يحضرهما، بمجرد شرائهما منتجاً صحياً من الشركة، يكون لكل واحد منهما الحق في أن يحضر اثنين ويأخذ (عمولةً عنهما)، بالإضافة إلى حق المشتري الأول أن يأخذ (عمولةً مخفضةً) عن الأربعة الذين أحضرهما المشتريان اللذان أحضرهما الأول.
وهكذا دواليك، فهل هذا جائز؟
الجواب: إن العقود في الإسلام واضحة ميسَّرة لا تعقيد فيها، وجامعها أن تكون المعاملة معلومةً من حيث واقعها وجهة التعاقد، ثم معرفة النصوص المتعلقة بها ودراستها واستنباط الحكم باجتهاد صحيح.
وبدراسة واقع المسألة المفروضة والنصوص المتعلقة بها يتبيَّن:
أ - شراؤك للمنتج الصحي (Health product) من الشركة لا شيء فيه فهو واقع تحت البيع {وأحل الله البيع} فهو صحيح. وكذلك أن تأخذ من الشركة مبلغاً من المال عن اثنين من المشترين الذين تحضرهم للشركة ليشتروا منها. فهذا كذلك واقع تحت السمسرة وهي جائزة لإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم للسمسرة المعروفة وهي عقد بين طرفين: الشركة (هنا) طرف والذي يُحضر لها المشترين طرف آخر. وهو هنا المشتري الأول، مقابل أجرة تدفع للمشتري الأول (السمسار).
كل هذا جائز أي الشراء من الشركة وإحضار زبونين للشركة يشترون منها ويأخذ المشتري الأول (الذي أحضرهما) مبلغاً من المال عمولةً له بدل إحضارهما أي سمسرة.
ولكن هذا كله بشرطين:
الأول: أن يكون سعر الشراء من الشركة دون غبن فاحش أي دون زيادة فاحشة عن سعر السوق، مثلاً لا يكون السعر ألفاً أو ألفين وهي في السوق بخمسمائة مثلاً. والراجح أن الغبن الفاحش موجود، فالمشتري يقدم على شراء السلعة بأي سعر لأنه سيأخذ مبلغاً من المال عن المشتريين الاثنين اللذين سيحضرهما للشركة، وكذلك عن السلسلة اللاحقة. وعلى كلٍّ فالغبن الفاحش حرام إلا إذا علم المشتري سعر السوق ومع ذلك وافق على شرائها بالسعر الغالي من الشركة. وهذه قد تتوفر هنا أي أن المشتري قد يعلم سعر السوق ومع ذلك يوافق على شرائها بالسعر المرتفع من الشركة لأنه سيكسب مالاً بعد ذلك.
الثاني: أن لا يكون الشراء مشروطاً بالسمسرة أي لا يكون العقدان مشروطين ببعضهما، فيكون عقد الشراء وعقد إحضار الزبونين مقابل عمولة، مشروطين ببعضهما كعقد واحد ففي هذه الحالة لا يصح لأنهما صفقتين في صفقة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة. أي كأن أقول لك: إذا بعتني أستأجر منك أو أسمسر لك، أو أشتري منك...الخ. ويبدو أن هذا موجود هنا (حسب السؤال) فالبيع والسمسرة في عقد واحد أي تشتري من الشركة وتحضر لها.
فإذا خلا الشراء من الشركة من هذين أي: إذا كان الشراء دون غبن فاحش أو يكون هذا الغبن بمعرفة المشتري لسعر السوق والرضا به، وإذا كانت السمسرة غير مشروطة مع الشراء أي أن يكون الشراء منفصلاً عن السمسرة، فإذا أحضر المشتري زبائن ووافقت الشركة أن تعطيه أعطته، وإذا لَم يحضر أو لَم توافق الشركة أن تعطيه لا تعطيه، بمعنىً آخر أن يكون هناك فصل تام بين الشراء والسمسرة.
إن كان كذلك فيجوز هذان الأمران: الشراء الأول، وأخذ المبلغ سمسرةً عن الزبونين الذين يحضرهما المشتري الأول.
ب - بعد ذلك حسب السؤال فإن الاثنين اللذين أحضرهما المشتري الأول يحضران أربعةً، أي كل واحد يحضر اثنين، ثم يأخذ المشتري الأول كذلك مبلغاً عن الزبائن الذين يحضرهم الاثنان اللذان أحضرهما المشتري الأول.
هذا لا يصح لأن السمسرة هي بين البائع ومن يحضر له الزبائن وهذا يعني أنَّ أجرة السمسرة هي عن الذين يحضرهما الشخص للشركة وليس عن الذين يحضرهم غيره.
لكن يجوز للشركة أن تعطي هبةً للمشتري الأول عن الزبائن الذين يحضرهم غيره، ولكن ليس على سبيل الإلزام.
والخلاصة:
1 - إن شراء المنتج الصحي من الشركة صحيح إذا كان غير مشروطٍ بصفقة أخرى، وإذا كان دون غبن فاحش أو إذا رضي المشتري بهذا الغبن أي أن يكون المشتري قد عرف سعر السوق، ثم وافق ورضي.
2 - يجوز للمشتري الأول أن يأخذ عمولةً من الشركة عن كل زبون يحضره لها، (عن الاثنين اللذين يحضرهما أولاً). ولكن لا يجب له أن يأخذ عن الزبائن الذين يحضرهم غيره إلا من باب الهبة أي ليست عقداً ملزماً. وهذا ينطبق على كل مشترٍ من الشركة، سواء المشتري الأول أو المشترين الآخرين اللذين يحضرهم.
|
|
الثاني من شوال 1428هـ. |
|
13/10/2007م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
جاء في المفاهيم ص36 أن العقوبات تعلل، ولكننا نعلم أن الحـدود - وهي عقوبات - لا تعلل، فلا يزاد فيها ولا ينقص ولا يقاس عليها، فكأنّ في المسألة تناقضاً، فكيف ذلك؟ ونريد بعض الأمثلة على تعليل العقوبات لو تكرمتم.
1 - ما جاء بالمفاهيم من أن العقوبات تعلل، وما ذكر من أن الحدود لا علة لها ولا يقاس عليها، كل هذا لا تناقض فيه:
فالحدود محدَّدة في الشرع فلا علة لتحديدها فلا يقاس عليها فلا يزاد حد ولا ينقص حدّ.
لكن العقوبات ليست كلها (حدوداً) بل هناك أمور غيرها وهناك أمور تتعلق بالحدود يلتمس لها علَّة:
مثلاً: روي أن عمر رضي الله عنه كان يشك في قود القتيل (أي قتل القاتل) إذا اشترك في القتل سبعة، فقال له علي رضي الله عنه يا أمير المؤمنين أرأيت لو أن نفراً (أي أكثر من واحد) اشتركوا في سرقة أكنت تقطعهم؟ قال نعم. قال فكذلك. فهنا قاس قتل السبعة الذين اشتركوا في قتل القتيل على قطع السارقين كلهم إذا اشتركوا في السرقة. فهنا كانت العلة (الاشتراك في الفعل الموجب للحد) وهي في العقوبات، واستعملت في قياس قتل الشركاء في حد القتل على قطع الشركاء في حد السرقة.
وكذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مئة من الإبل أريعون في بطونها أولادها». فهنا استنبطت علة من القتل بالسوط والعصا عمداً وهي (القتل العمد بما لا يقتل غالباً) واستعملت في قياس القتل العمد بالحجر الصغير أو بتكرار الضرب أي بكل ما لا يقتل غالباً. وأصبح القتل به لا قود فيه بل دية مغلظة. ولَم يقتصر الحكم على السوط والعصا بل بكل ما لا يقتل غالباً. لكن لو قتله بما يقتل غالباً مثل سكين أو حجر كبير أو بندقية فهذا عمد فيه قتل القاتل.
فهنا استعمل القياس، ففي المثال الأول قسنا قتل الشركاء في القتل العمد على قطع الشركاء في السرقة بعلة (الاشتراك في الفعل الموجب للحد).
وفي المثال الثاني قسنا اعتبار القتل بالحجر الصغير شبه عمد على اعتبار القتل بالعصا شبه عمد كما في الحديث بعلة (القتل بأداة لا تقتل غالباً).
وعليه فالتماس علة في العقوبات لا يناقض كون الحدود لا يقاس عليها ولا يلحق بها غيرها.
|
|
1 من شوال 1428هـ. |
|
12/10/2007م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
بعض الأحداث التي مرت في الفترة الأخيرة على تونس تثير علامات استفهام حول ما إذا كانت تبعية تونس الحالية في طريقها نحو التغيير أم لا، ومن بين تلك الأحداث ما يلي:
- تناولت الأوساط الإعلامية التونسية وخصوصاً جريدتا "تونس نيوز" و"الوسط التونسية" أنباءً مفادها أن زين العابدين قد أصيب بمرض سرطان البروستاتا الذي لا يؤمل شفاؤه وأنه سافر خفية لأوروبا لتلقي العلاج فيها.
- في شهر آب/أغسطس 2005 تم تعيين الدبلوماسي التونسي كمال مرجان الذي كان يعمل في مفوّضية الأمم المتحدة للاّجئين لترؤُّس وزارة الدفاع التونسية. وبعد أن باشر كمال مرجان أعماله كوزير ابتدأ حملة دبلوماسية متسارعة كان من ضمنها عقد اتفاقيات مهمة مع أميركا.
- وفي شهر شباط/فبراير 2006 قام دنوالد رامسفلد بزيارة بلاد المغرب العربي ومن ضمنها تونس، وقام كمال مرجان في العام نفسه بإجراء زيارة لأميركا.
- وفي عام 2007 كانت زيارة ساركوزي رئيس الوزراء الفرنسي الجديد -المعروف بقربه من أميركا- الأولى خارج أوروبا لبلاد المغرب العربي.
- وفي شهر تموز/يونيو المنصرم قام وفد من الكونغرس الأميركي بزيارة تونس.
- وفي أواخر شهر تموز/يونيو المنصرم تم الإفراج عن مجموعة من قيادات حركة النهضة التونسية.
- ومؤخراً قام مساعد رئيس الأركان الأميركي الأدميرال إدموند جام باستيان زار تونس الأسبوع الماضي والتقى مع كبار المسؤولين التونسيين، كما تبعه وفد من الضباط الأميركيين زيارة لتونس.
فهل ذلك كله يعني أن أميركا بدأت تضع موطئ قدم لها في تونس؟
الجـواب
حتى يتبين الجواب نذكر ما يلي:
1 - تونس هي واحدة من المناطق المرشحة لصراع نفوذ القوى الاستعمارية، وذلك لموقعها الاستراتيجي ومميزاتها الخاصة بالإضافة إلى أنها تعد إحدى المختبرات السياسية للدول الغربية، وهي قد خضعت لنفوذ إنجلترا بعد خروج الاستعمار العسكري الفرنسي منها.
وبعد أن تم إزاحة الحبيب بورقيبة عام 1987 حيث بات هرماً عاجزاً عن القيام بمهام الحكم، خلفه في الحكم زين العابدين بن علي، والذي كان كسلفه محتفظاً بتبعيته المطلقة للإنجليز دون تردد.
2 - استغلت أمريكا توتر العلاقة بين تونس وليبيا عام 1988 وحاولت ممارسة ضغط وإغراء بالنسبة لزين العابدين، وذلك لاختراق تونس، فقامت بتقديم مساعدات أمنية سخية إلى تونس بقيمة 61 مليون دولار تحت شعار (ردع العدوان) وكان القصد منها إغراء الرئيس التونسي من أجل إشعال جبهة ضد العقيد القذافي والوقوف مع أميركا ضد نظامه. لكن زين العابدين بن علي سرعان ما ظهر على حقيقته وقلب لأميركا ظهر المجن وأعاد تحسين علاقاته مع القذافي، فقلصت أميركا بعد ذلك دعمها لتونس إلى مستوى 8 مليون دولار فقط. وهكذا لم تنجح أمريكا في اختراق عمالة ابن علي لبريطانيا، بل استمر على نحو ما كان في عهد سلفه بورقيبة من قبل..
3 - لقد بذلت أمريكا مساعي عدةً في كانون أول/ديسمبر 1994 من خلال ما أطلق عليه "حوار البحر الأبيض المتوسط" تحت مظلة حلف الشمال الأطلسي (الناتو) التي استطاعت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي استخدامه بصورة بالغة التأثير، وتجدر الإشارة إلى أن هذا "الحوار" يشمل كل من الجزائر ومصر و(إسرائيل) والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس على الرغم من أنهم ليسوا أعضاءً في الناتو.
4 - في المقابل قام الاتحاد الأوروبي وأثناء اجتماع برشلونة في تشرين ثاني/نوفمبر 1995 بتجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول المحيطة بالبحر المتوسط (الجزائر، مصر، (إسرائيل)، الأردن، لبنان المغرب، سوريا، تونس، تركيا، السلطة الفلسطينية) من خلال ما أطلق عليه "مشروع اليوروميد (EUROMED)"، وكان الاتحاد الأوروبي قد أنفق على مشروعه هذا في الفترة الواقعة بين 1995-2000 ما مقداره تسعة مليارات يوروا. وفي وقت لاحق تم إيجاد اتحاد بين خمسة دول أوروبية جنوبية (فرنسا، إيطاليا، أسبانيا، البرتغال، مالطة) وبين خمسة دول شمالي إفريقيا من بينها دول المغرب العربي (الجزائر، المغرب، تونس، ليبيا، موريتانيا) والذي أُطلق عليه اسم (5+5)، وكان قد ركز ذلك الاتحاد جهوده على مكافحة الإرهاب والهجرة غير القانونية، وحال هذا دون تمكن أميركا من التأثير على تلك المنطقة مجدداً، وعلى سبيل المثال ففقط 2% من التجارة الأميركية الخارجية وأقل من 1% من الاستثمارات الأميركية الخارجية تتعلق بهذه المنطقة.
5 - وخلال هذه الفترة أيضاً استطاع نظام زين العابدين صد محاولة الرئيس الأميركي السابق بل كلينتون لاختراق الجدر التونسية في العام 1995م حيث فشل مساعد وزير الخارجية الأميركية آنذاك بيلليترو في زيارته لتونس من دمج النظام التنوسي ضمن الأنظمة التي وافقت على السير في المشاريع الأمنية الأميركية في شمال أفريقيا.
6 - في عام 2000 عندما تغيرت الإدارة الأميركية، باتت النظرة الأميركية نحو المنطقة أكثر حدية، وارتفعت نسبة ضغوطاتها عليها لإحداث إصلاح تم تقديمه لدول المنطقة من خلال "مشروع الشرق الأوسط الكبير"، وعلى الرغم من ذلك فلم تتمكن أميركا من جني نتائج ملموسة.
7 - وأما أول نجاح لأميركا في شبه اختراق الحاجز التونسي الأمني المنيع فكان بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في العام 2001م حيث أصبح الحديث عن إقامة قواعد عسكرية أميركية أمراً مألوفاً، فقد نشرت صحيفة (الوول ستريت جورنال) في 10‹‹ جوان ›› حزيران⁄ يونيو 2003م تقريراً أوردت فيه عن مسؤولين رسميين في وزارة الدفاع تفكيرهم في إمكانية إقامة قواعد عسكرية (شبه دائمة) في تونس والجزائر والمغرب وذلك في إطار التحويرات الكبيرة المزمع إدخالها على (الانتشار العالمي للقوات الأميركية) ومنها خطط تتعلق بتخفيض عدد القوات الأميركية المتمركزة في ألمانيا ونقلها إلى أماكن أخرى.
ولقد أكدت الأوساط التونسية المعارضة للنظام في الخارج هذه الأنباء وقالت بأن قاعدة أميركية في منطقة بنزرت يُعتزم بناؤها بحيث يكون قسم منها في سيدي أحمد ويستخدم كقاعدة جوية وقسم آخر منها في باشاطر يستخدم كقاعدة بحرية.
وتشارك تونس في السنوات الأخيرة في اجتماعات أمنية دورية بمشاركة باقي دول شمال أفريقيا مع أميركا وهدفها المعلن هو مكافحة الإرهاب وملاحقة مسلحي تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا.
ومارست أميركا ضغوطاً أخرى على حكام تونس لكي يقدموا دعماً لها في العراق، فقد صدر تقرير في 30 ديسمبر 2003 عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي تحت عنوان (أفريقيا: محميات الإرهاب) ورد فيه إدراج تونس إلى جانب مصر والجزائر ضمن الدول التي تمثل تهديداً متوسط المدى لتطور التهديدات الإرهابية فيها.
وزيارات رجال الكونجرس والمسئولين الأمريكان في السنيتن الأخيرتين هي ضمن هذا السياق أي بالضغط والإغراء من أجل الاختراق.
ومع ذلك فلم تفلح هذه الضغوط الأمريكية في جر تونس إلى السير مع أمريكا، بل هي لا تعدو كونها تكتيكاً على الطريقة الإنجليزية بعدم الصدام مع أمريكا علانيةً بل إزعاجها عملياً من وراء ستار.
إن الإنجليز يدركون اهتمام أمريكا الجدي بتونس، بل بشمال إفريقيا كله، ولذلك فإن الإنجليز كما رتبوا نقل السلطة من بورقيبة إلى محل ثقته زين العابدين، كذلك فهم يرتبون الآن مسبقاً احتمال انتقال السلطة من زين العابدين إلى خلف له يستمر في التبعية للإنجليز، وفي الوقت نفسه يظهِرون هذا الخلف المعيَّن للسلطة بعد زين العابدين على أنه غير مستفز أو معادٍ لأمريكا، وبهذا يقطعون الطريق على ضغوط أمريكا المتصاعدة على تونس. وهكذا وقع اختيار بريطانيا على كمال مرجان لتهدئة ضغوط أمريكا على اعتبار أن هذا الرجل أكثر قبولاً بالنسبة لأمريكا من زين العابدين. هذا مع العلم أن مرض زين العابدين ليس (مستفحلاً) واحتمال بقائه إلى نهاية ولايته في 2009 احتمال وارد، ولكن الغرض من التلويح بكمال مرجان كخلف له هو تهدئة ضغوط أمريكا على تونس. وهذا تكتيك إنجليزي وفق طريقتها التقليدية لتثبيت نفوذها في بلد ما إذا لاحظت ضغوطاً عليه. وهو شبيه بما فعلته في المحافظة على النظام الليبي عندما زادت ضغوط أمريكا عليه فأوعزت إنجلترا له بأن ينحني لأمريكا ويتخلى عن التسلح ويجنح للاستسلام في قضية لوكربي ودفع التعويضات المطلوبة ... وكل ذلك لقطع الحجج أمام أمريكا من الاستمرار في الضغوط على القذافي أو على الأقل تهدئتها.
وهذا التلويح بكمال مرجان، وأنه الخلف لزين العابدين المريض الذي لن يطول وقته، وبخاصة وقد ضخمت بريطانيا خبر مرضه كأنه في النزع الأخير! هو للغرض المذكور آنفاً في قطع الطريق على ضغوط أمريكا. ولإدراك ذلك جيداً نذكر بعض المعلومات عن كمال مرجان الذي يشغل وزارة الدفاع:
1. إن كمال مرجان، هو رجل دبلوماسي متمكن.
2. على الرغم من شهرته نتيجة لتوليه وظائف خارجية إلا أن عضويته الفعَّالة في الحزب الحاكم غير ظاهرة.
3. تربطه صلة نسب وقرابة وعشائرية مع رئيس الدولة الحالي زين العابدين بن علي، فكلاهما من مدينة حمام سوسه، وزوجة كمال مرجان تكون ابنة أخت زين العابدين، وزين العابدين المشهور بمكر الثعالب والمعجون بحقد السياسية الإنجليزية يثق بكمال مرجان لذا كان قد سلمه منصب مهم ألا وهو منصب وزير الدفاع.
4. بسبب المهام الخارجية التي تقلدها لسنوات طوال اكتسب شهرة ومكانة مرموقة في المجتمع الدولي.
5. نتيجة لبعده عن سياسات الدولة التونسية الداخلية فلم يتلوث اسمه بجرائم النظام ضد البلد وأهله بالرغم من مدافعته عن تونس في كلماته خصوصاً تلك التي ألقاها في الأمم المتحدة، لذا ومن هذا الجانب يمكن قبوله عالمياً ومحلياً بسهولة ويسر.
وهكذا فإن الظن بأن كمال مرجان يمكن استمالته من أمريكا هو ظن مرجوح جداً.
وقد لوحظ مؤخراً أن كمال مرجان يبذل كل ما في وسعه لاستخدام كل وسيلة تلوح له من أجل ترويج نفسه أمام القوى التي يرى أنها ستكون ضده ليقبلوا به وبخبراته وبمكانته العالمية وبنفوذه الداخلي. إن الهجوم السياسي الذي ابتدأه كمال مرجان مليء بالرسائل المطمئنة حول شخصه، ومن أنه لن يعمل ضد المجتمع الدولي والمصالح الأميركية خصوصاً، آملاً أن يتمكن بذلك من تحييد أميركا عن القيام بأعمال ضده أو وضع عراقيل أمامه.
هذا عن كمال مرجان.
أما بالنسبة لساركوزي الذي كانت أول زيارة له خارج أوروبا إلى بلاد المغرب العربي، فلم يظهر على زيارته تلك أي تأثير ملحوظ على تغيير السلطة في تونس، حيث كان قد ركز في زيارته على "شراكة البحر الأبيض المتوسط"، لدرجة أن المغرب رفضت زيارة ساركوزي متمعذرة بمعاذير لا اعتبار لها. والراجح أن زيارته هي من قبيل تقوية النفوذ الثقافي الفرنسي وليس من قبيل ممارسة النفوذ السياسي على النظام التونسي، وهي امتداد لجولات ساركوزي في مناطق النفوذ الإنجليزي وبالتنسيق مع البريطانيين أنفسهم، فهي تشبه زيارته إلى ليبيا قبل فترة إلى حد كبير.
أما بالنسبة للإفراج عن 21 معتقلاً سياسياً في نهاية شهر تموز المنصرم عقب قيام ساركوزي بالتحدث أثناء زيارته لتونس عن حقوق الإنسان والمعتقلين السياسيين؛ فإن هؤلاء المعتقلين أفرج عنهم بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لإقامة الجمهورية التونسية، واقتران الإفراج بتلك المناسبة أبعده عن كونه نتيجة لزيارة ساركوزي. وعلى كل فإن التوظيف السياسي لها أقرب (لمناغمة) دعوات أمريكا لحقوق الإنسان والإصلاح والديمقراطية من كونها استجابة إلى ساركوزي، في ما عدا الإفراج عن المدافع عن حقوق الإنسان المحامي محمد أبُّو. حيث إن ساركوزي قد تناول هذه المسألة أثناء لقائه بزين العابدين بن علي. أما بالنسبة للعشرين الآخرين الذين أفرج عنهم فهم من أعضاء حركة النهضة. وقد أُخلي سبيلهم ضمن قيود وضعت عليهم من قبل وزارة العدل التونسية.
وفي الختام؛ فيمكننا القول إن كمال مرجان أحضر لوزارة الدفاع "مبكراً" بتعليمات إنجليزية، لتهدئة الضغوط الأمريكية على النظام في تونس وليكون معدّاً عند اللزوم لاستلام رئاسة الدولة دون أن يواجه أي مفاجآت أو عقبات داخلية أو خارجية، وهذا كـ "إنضاج الوليمة على نار هادئة جداً".
ومع ذلك فيمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أنه من المنتظر القيام بإصلاحات في تونس (تناغماً) مع الرغبة الأميركية وإن لم تكن مرضية تماماً لها، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات تحسينية فيما يتعلق بحقوق الإنسان ... ونحو ذلك. إلا أنه من المبكر جداً القول إن أميركا أوجدت نفوذاً لها في تونس أو إنها على وشك إيجاد نفوذ لها هناك، أي أن تونس لا زالت مضمونة الولاء للإنجليز وللأوروبيين، ويبقى الجدار الأمني التونسي خطاً دفاعياً متيناً أمام محاولات الاختراق الأميركية، وطالما بقي العسكر وأجهزة الأمن في حالة تماسك تحت قيادة عملاء الإنجليز فمن الصعب أن تنجح المحاولات الأميركية في كسر ذلك الجدار الممانع.
|
|
21 من شعبان 1428هـ |
|
في 03 أيلول/سبتمبر 2007م |
|
|
|
|
|
تقليد مذهب أبي حنيفة في الصلاة
|
|
|
السؤال: أنا مقلدة لمذهب أبي حنيفة، والأحكام الشرعية في المذهب سبعة، وليست خمسةً كما هو متبنىً في الحزب عندنا، وهذه تؤثر في أركان الصلاة وغيرها، فكف أعمل بالنسبة لتبني الأحكام، مثلاً الفرض والواجب ...؟ وهل يصح لي البقاء في الصلاة على مذهب أبي حنيفة مع أن عدد الأحكام الشرعية يختلف عن عدده في المتبنى عندنا؟
الجواب: تبقين في الصلاة على ما أنت عليه، لأن جعل الأحكام الشرعية للتكليف (7) كما يقول أبو حنيفة أو (5) كما نقول نحن ليس لاختلاف الجزم أي ليس لاختلاف (الاقتضاء) الوارد في تعريف الحكم الشرعي. فأبو حنيفة يقول إن الفرض والواجب طلب جازم لكن الأول دليله قطعي والثاني ظني فالموضوع في الدليل وليس في الطلب الجازم. فالفرض والواجب كلاهما طلب جازم فلا نختلف مع أبي حنيفة في كونهما طلباً جازماً. وهكذا الحرام والمحظور فهما نهي جازم، فنحن وأبي حنيفة نتفق في كونهما طلباً جازماً، والاختلاف في الدليل.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: ما هذا الذي يجري في تركيا؟ انتخاب رئاسة في البرلمان، ثم انتخاب من الشعب، ثم انتخابات برلمانية، وتحركات لافتة للنظر في أوساط الجيش والحكومة، وبيانات وبيانات مضادة، ودخول المحكمة الدستورية على الخط، وموافقة رئيس الجمهورية وعدم موافقته ... وما دور الصراع الأمريكي البريطاني في الموضوع؟ وهل للحزب الكردستاني دور وبخاصة وقد لوحظت أعمال من تفجير وخلافه نسبت إليه خلال هذه المعمعة، ونحن نعلم أن أمريكا هي التي أنشأته؟ وأخيراً كيف هي موازين القوى للأحزاب التركية في انتخابات البرلمان الشهر القادم؟
الجواب:
حتى تتضح الصورة يلزم الرجوع إلى تاريخ نشوء تركيا العلمانية:
أولاً: منذ أن نفّذ المجرم مصطفى كمال مخططات الإنجليز بهدم الخـلافة بعد الحرب العالمية الأولى، سار ضد الإسلامِِ: أفكارِِه ومشاعرِِه، وسار في خط (علماني) أكثر من العلمانيين حقداً على الإسلام والمسلمين، كما أنه حَرَصَ هو وزمرته على جعل تركيا ركيزةً لبريطانيا في المنطقة. أي أنه سار في خطين جعلهما منهجَه:
محاربة الإسلام، والولاء لبريطانيا.
واستمر هكذا حتى خرجت أمريكا إلى العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تستغل انتصارها لتكون هي الدولة الأولى المهيمنة التي تحل محل الاستعمار السابق (بريطانيا وفرنسا) في مستعمراتهما، ومن ثَمَّ كان اجتماع سفراء أمريكا في الشرق الأوسط في اسطنبول سنة 1950.
لقد حاولت أمريكا بجد النفاذ إلى تركيا باختراق الجيش الذي تراه القوة الفاعلة الممسكة بزمام البلد، فلم تستطع، فهو مشبع بنهج مصطفى كمال (الإنجليزي)، فرأت أن الوسيلة الوحيدة أمامها هي أن تلجأ إلى التقرب من مشاعر المسلمين الناقمين على الجيش والعلمانيين، وهكذا كان في الخمسينات حيث عدنان مندريس، وفي الثمانينات حيث أوزال، وبينهما في السبعينات ثم في التسعينات ديميرال، مع أنه في أواخر عهده أصبح يتقن لعبة شد الحبل بين أمريكا والإنجليز. على كلٍّ، لقد كانت أمريكا في كل مرة تصطدم بانقلاب الجيش على الحكم إذا تجاوز عملاء أمريكا ليس الخطوط الحمر بل حتى إذا تجاوزوا الخطوط الصفر أو اقتربوا منها! وهكذا قام الجيش بانقلابات 1960، 1971، 1980، 1997 وحجتهم في كل مرة المحافظة على النظام العلماني الإنجليزي).
لقد كانت أمريكا تتعلم من كل انقلاب شيئاً جديداً، فقد اقتنعت بعدم إمكان اختراق الجيش، فحاولت في عهد أوزال أن توجد قوةً موازيةً فبدأ أوزال بتسليح الشرطة تسليحاً قوياً، علماً بأنه كان ذا مشاعر إسلامية واضحة عليه فهو على الطريقة النقشبندية ما جعله محبوباً لعامة المسلمين، لكنه لم يكتفِ برئاسة الوزارة في 1983، بل أصبح رئيساً للجمهورية في 1989، وهذا مركز حساس عند العلمانيين والجيش، ولا يقبلون وصول غيرهم إليه، والذي زاد الطين بِلةً أنه استقبل في بداية وصوله لرئاسة الجمهورية طالباتٍ محتجاتٍ على منعهن من دخول الجامعة بسبب لبس الخمار فتعاطف معهن ... فعجَّل كلُّ هذا نقمةَ العلمانيين والجيش.
كان أوزال قد أنشأ حزب الوطن الأم وكسب رأياً عامّاً لأنه بدا للناس، وبخاصة أهل القرى، واقفاً في صف الإسلام الذي يدينون به في مواجهة العلمانية التي يحملها رجال الجيش، وصار يعمل بحنكة بمساعدة أمريكا، وكاد ينجح في إضعاف سلطة الجيش بإيجاد قوىً عسكرية موازية، لكنه مات أو قُتل بمؤامرة عليه من العلمانيين صنائعِ الإنجليز كما تسربت بعض الأخبار في حينه.
ثانياً: بعد ذلك أصبح الحكم غيرَ مستقرٍّ لطَرَف، فرجال الإنجليز يعملون في الوسط السياسي وكذلك الأمريكان. وقد بدأ الجيش في ترتيب وضع حزب الوطن الأم (حزب أوزال)، فأوصلوا مسعود يلماز إلى رئاسته، وأصبح الحزب موالياً للإنجليز لأن مسعود يلماز من رجالهم. وقام بإخراج جماعة أوزال من الحزب. وفي المقابل انضمت العناصر التي تم طردها من حزب الوطن الأم. لولائهم لأوزال وأمريكا، انضموا إلى حزب الرفاه، لميولهم الإسلامية، وأصبح لهم تأثير قوى في حزب أربكان، ورجحت كفة أمريكا فيه رغم أن أربكان كان أقرب إلى رجال الإنجليز، وهذا ما جعل حكومة الائتلاف في التسعينات - من حزب الطريق القويم (تشيلر) الموالي لأمريكا، وحزب الرفاه (أربكان) الذي تأثر بدخول عناصر أوزال إليه - تبدو وكأنها تُسيَّر من أمريكا، وخشي الجيش على عودة أمريكا إلى الإمساك بالسلطة كما كانت في عهد أوزال، لذلك تدخل الجيش وأنهى حكومة الائتلاف واستولى على السلطة. وكان ذلك في 28 شباط 1997، ودخلت هذه الحادثة التاريخ باسم حركة 28 شباط، وكان من أوائل أعمالها أن عمدت إلى حزب الرفاه فحلَّته، وأُعيد تشكيله باسم حزب الفضيلة بعد أن أخرجت منه كل جماعة أمريكا سواء الذين انضموا إليه من حزب أوزال أو الذين كانوا أصلاً فيه ولكنهم ساروا مع أمريكا مثل عبد الله غل وأردوغان. بعد انهيار حكومة الائتلاف أَوْكَلَ الجيش إلى بولنت أجاويد تشكيل الحكومة، وهو أحد أساطين السياسة الإنجليزية في تركيا، وزوجته من يهود الدونمة، فشكّل حكومة ائتلاف مع حزب مسعود يلماز زعيم حزب الوطن الأم الذي أصبح سائراً مع الإنجليز. وهكذا عاد علمانيو الإنجليز للإمساك بالحكم بعد حادثة 28 شباط.
ثالثاً: لقد تبين لأمريكا أن التصدي المباشر للجيش أمر صعب، وإيجاد قوة موازية أمر محفوف بالمخاطر، فرأت أسلوباً آخر بأن تعمل على إقصاء الجيش عن طريق (الديمقراطية) بأن توصل أحد رجالها للحكم بأغلبية برلمانية بحيث يستطيع تشريع القوانين التي تحد من سلطة الجيش. وهكذا كان، فقد وقع اختيارها على أردوغان وغل وهما كانا قد أُخرِجا من حزب الفضيلة بعد حادثة 28 شباط وبدءا العمل مع أوساطهم، وشكلوا حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، وهو يتمتع بصفات مشابهة لأوزال، فأردوغان صوفي الطريقة، وتظهر عليه المشاعر الإسلامية رغم أنه علماني، ومن رجال أمريكا المخلصين لها، فقد سار معها منذ رئاسته لبلدية استانبول. وعلى الرغم من ملاحقته قضائياً من الجيش بسبب قصيدته الشعرية التي نظمها، ومضايقته سياسياً إلا أنه بقي ينشط في ولائه لأمريكا والعمل في هذا الاتجاه.
بعد ذلك بدأت تهيئة المسرح لوصول أردوغان، فقد قامت أمريكا بسحب (5-7) بليون دولار من البنك المركزي التركي عام 2001، ذلك أن الامتيازات الاقتصادية التي وضعت أساساتها في فترة أوزال مكنت أمريكا من القيام بهذه العملية بيسر وسهولة، فأوجدت هزةً اقتصاديةً، وبدأ تذمر الناس لأن القوة الشرائية لليرة انخفضت انخفاضا شديداً، وازدادت نقمة الناس على أجاويد وحكومته.
في هذه الأثناء تمكنت أمريكا من النفاذ إلى حزب صغير كان مؤتلفاً مع حزب يلماز وحزب أجاويد وهو حزب الحركة القومي برئاسة دولت بهشالي، وأوعزت إليه بطلب إجراء انتخابات مبكرة، وأن يهدد بالاستقالة إن لَم تتم الانتخابات، وهكذا أعلنت انتخابات مبكرة في 3/11/2002. ولما لم يستطع علمانيو الإنجليز تأجيل الانتخابات، حركوا مجموعة جيم أوزان التجارية، وهي إحدى ركائز العلمانيين (الإنجليز) المالية، للقيام بحملة مكثفة سلبية بالنسبة إلى انتخاب حزب العدالة، وقد صرف أوزان خلالها ملايين الدولارات في فترة قصيرة نسبياً، ومع ذلك فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات فوزاً ساحقاً، وبخاصة وأنه كان في دعايته الانتخابية يمزج بين العلمانية وبين شيء قليل من مسحة إسلامية، ولكنها على قلتها كانت تجذب إليه أصوات عامة المسلمين لما لاقوْه من عداء علمانيي الجيش والكماليين الاستفزازي للإسلام، وهكذا فاز وضَمِنَ الأغلبية البرلمانية، فشكَّل الحكومة وحده، وقد كان حزب المعارضة تجاهه في البرلمان قسم انشق عن أجاويد باسم (حزب الشعب الجمهوري - دينـز بايكال)، وبقي حزب أجاويد تحت اسم الحزب الديمقراطي اليساري. ولما وصل أردوغان للسلطة قام بتوجيه ضربة قاضية لمجموعة أوزان التي عملت جهدها لعدم فوز حزب العدالة، متهماً المجموعة بالفساد ... وأصبحت كافة ممتلكاتهم في دائرة القضاء.
رابعاً: بدأ أردوغان بتنفيذ الخطة المرسومة بتقوية الروابط مع أمريكا وإضعاف نفوذ الإنجليز وبخاصة الجيش، وكان من باكورة أعماله أن عرض على البرلمان قانوناً بتقليص صلاحية تدخل مجلس الأمن القومي في الحكم، وكذلك جعل المجلس مختلطاً من أعضاء عسكريين ومدنيين. وقد تضايق الجيش من ذلك حتى إن بعض الأخبار تسربت أن تفجيرات استانبول أواخر 2003م كان وراءها (العسكر) لإيجاد خلخلة أمنية يستغلونها للتدخل مثل حركة شباط السابقة، لكنهم لَم ينجحوا في ذلك. ثم كانت الخطوة التالية بتوقيع وثيقة الرؤية المشتركة بين الحكومة التركية وحكومة الولايات المتحدة التي وقعها عبد الله غل مع رايس في 05/07/2006، وقد جاءت خطوطها العريضة، كما ظهرت في البيان الصحفي الذي نشر في 05/07/2006 على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، مبدوءةً بمقدمة جاء فيها «إننا مشتركون في القيم والأفكار المتعلقة بالأهداف الإقليمية والعالمية: تطور السلام، الديمقراطية، الحريات، الرفاه»، وبعد المقدمة ذكرت الخطوط العريضة، ونحن هنا نثبت عناوين تلك الخطوط:
((الولايات المتحدة وتركيا تتعهدان بالعمل سوية في كافة المسائل التالية:
- "تطوير السلام والاستقرار من خلال الطريق الديمقراطي في الشرق الأوسط الموسع".
- "دعم المساعي العالمية الرامية لإحلال حل دائم للصراع العربي-’الإسرائيلي‘، والمساعي العالمية الرامية لإحلال حل دائم للصراع الفلسطيني-’الإسرائيلي‘ قائم على أساس الدولتين".
- "دعم تطوير الاستقرار والديمقراطية والرفاه في العراق الموحد".
- "دعم المساعي الدبلوماسية تجاه البرنامج النووي الإيراني و(5P+1)".
- "المساهمة في إحلال الاستقرار والديمقراطية والرفاه في منطقة البحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى وأفغانستان".
- "دعم الحل النهائي المتكامل الشامل والْمُرضي لكلا الطرفين تحت رعاية الأمم المتحدة فيما يتعلق بالقضية القبرصية، وإنهاء المقاطعة المفروضة على قبرص الشمالية التركية".
- "رفع المستوى الأمني حول مصادر الطاقة من خلال تنويع المصادر والخطوط، بما فيها الخطوط القادمة من بحر قزوين".
- "تقوية العلاقات مع منطقة المحيط الأطلسي (عبر المحيط الأطلسي) والتغيرات في حلف الناتو".
- "محاربة الإرهاب وتوابعه، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني".
- "منع انتشار أسلحة الدمار الشامل".
- "حظر تهريب: الناس، السلاح، المخدرات".
- "رفع مستوى التفاهم والاحترام والتقدير بين الأديان والثقافات وداخلها".
- "تطوير ودعم الأعمال المستمرة والمؤثرة والمشتركة التي تصب لإيجاد حلول للأزمات التي تشكل قلقاً مشتركاً، وللتحديات الدولية".
|
خامساً: أما حزب العمال الكردستاني ودوره مع الجيش والحكومة:
1 - أُسِّس الحزب في 1979، ولكنه برز فعلاً بتوجيه من أمريكا سنة 1984 في عهد أوزال (1983 - 1993) حيث قام بأولى عملياته ضد الجيش في سيرت (مدينة كردية شرق تركيا)، وكان مقصوداً منه التضييق على الجيش أمنياً بشكل متزامن مع تضييق أوزال على الجيش عسكرياً بإنشاء (شرطة مسلحة تسليحاً قوياً ثقيلاً) حيث استمرت في عهد أوزال إلى انتهاء عهده، فقام الجيش بمصادرة الأسلحة الثقيلة الخاصة بأجهزة الأمن.
استمر وضع حزب العمال على هذا النحو - سلاحاً أمنياً في يد أمريكا في وجه الجيش التركي - إلى أواخر سنة 1997 وأوائل سنة 1998، حيث ظهر عاملان:
الأول: حركة 28 شباط 1997 التي أعادت للحكم أجاويد رجل إنجلترا المخضرم فأصبح رئيساً للوزراء، وجاء معلناً في برنامجه القضاء على حزب العمال الكردستاني بشكل حاسم.
والثاني: التهديدات التركية لسوريا بإعلان الحرب عليها قائلةً (إن سوريا تشن حرباً غير معلنة على تركيا وذلك عن طريق دعمهم لحزب العمال). ثم أعلنت تركيا أنها سترد على هذه الحرب السورية غير المعلنة، وقد صرح أحد جنرالات تركيا: (بمقدورنا دخول سوريا من جهة والخروج من جهتها الأخرى)، وتأزمت المسألة بشكل جدي، فقررت أمريكا: حفاظاً على بقاء سوريا تحت نفوذها هذا أولاً، وإدراكاً منها بفشل الأسلوب الأمني في النفاذ إلى تركيا ثانياً، ووجوب تغيير هذا الأسلوب إلى العمل السياسي بمفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ... في تركيا ثالثاً، قررت أن تعقد صفقةً مع الجيش التركي عن طريق الحكومة التركية الجديدة، حيث أصبحت السلطة السياسية والعسكرية في تركيا من جنس واحد، بالتخلي عن حزب العمال الكردستاني كمنظمة (عسكرية) وإنهاء الأزمة مع سوريا. وهكذا كان حيث انعكس هذا على سوريا فجرت محادثات تهدئة بين تركيا وسوريا تُوِّجَتْ بعقد اتفاقية أضنة في تشرين الأول 1998. ووفقاً للاتفاقية قبلت سوريا بإيقاف دعمها لحزب العمال الكردستاني وطرد عبد الله أوجلان وتسليم عدد من القادة الآخرين في سوريا إلى تركيا.
وخرج أوجلان من سوريا إلى روسيا فرفضت لجوءه، فغادرها إلى اليونان فإيطاليا ثم استقر به المقام في كينيا حيث قامت وحدة من القوات الخاصة في الجيش التركي بالذهاب إلى كينيا واستلامه بترتيب من المخابرات الأمريكية.
وبعدها نشطت أمريكا بالعمل السياسي والشعبي والديمقراطي ... إلى أن نجحت في إيصال أردوغان وحزبه إلى الحكم في 2002 كما بيَّـنَّا سابقاً.
أما حزب العمال الكردستاني فقد انقسم: قسم سار حسب نهج العمل الأمريكي الجديد أي إلى العمل السياسي بقيادة عثمان أوجلان، وقسم استحوذ عليه الإنجليز ومعظم زعمائه من أصل يهودي، وأصـبح هـذا القسم تحت جناح الجيش التركي. وهذا القسم بزعامة زبير إيدار، فصار يُستغل في إيجاد القلاقل ضد حكومة أردوغان الموالية لأمريكا، وفي الوقت نفسه لإيجاد مبرر للجيش لفرض وجـوده كلما لزم بحجة القضاء على القلاقل. وهكذا فإن السياسة الأمريكية بالنسبة لحزب العمال، وبخاصة في عهد حكومة حزب العدالة، هي أن تكون قضية الأكراد قضيةً سياسيةً، وأما السياسة الإنجليزية بالنسبة لحزب العمال، وبخاصة في عهد حكومة حزب العدالة، فهي أن تكون قضية الأكراد قضية أمنية أي عكس ما كانت عليه الحال قبل اتفاقية أضنة. وهذا يفسر الأعمال المسلحة التي يشنها في الوقت الحالي حزب العمال الكردستاني الجناح الإنجليزي.
سادساً: لقد استطاعت أمريكا بالأعمال (الديمقراطية) التي قام بها حزب العدالة أن تتجاوز الخطوط الحمر التي لا يسكت عليها العلمانيون الكماليون.
فإن الجيش، الذي يَعُدُّ نفسه حامي العلمانية الكمالية، يمسك بزمام الأمور في البلد بواسطة أمور أربعة في مؤسسات الدولة لا يسمح باختراقها:
الأول: منصب رئاسة الجمهورية، فهو وإن كان حالياً أقرب للرمز المعنوي للدولة إلا أنهم يعتبرونه الصبغة (الأتاتوركية) للدولة.
الثاني: المحكمة الدستورية فهم يمسكون بواسطتها التبرير القانوني للتدخل العسكري ولإبطال القوانين التي يعُدُّونها تخرق الدستور وفق مصالحهم.
الثالث: مؤسسة التعليم فهي مهمة لديهم للتحكم في ثقافة الأجيال.
الرابع: مجلس الأمن القومي الذي يمسكون بواسطته التبرير الأمني للتدخل العسكري.
والذي حدث أن حكومة حزب العدالة والتنمية باستعمال الوسائل الديمقراطية وتشريع القوانين في مجلس النواب، استطاعت أن تخترق المحكمة الدستورية باثنين من رجالها حالياً، فقضاة المحكمة عددهم (11)، اثنان منهم من غير مناصري الجيش، والحكومة مستمرة في هذا المجال.
ومجلس الأمن القومي استطاعت أن تدخل فيه ما يقرب من المناصفة بين العسكريين والمدنيين.
وهي حاولت، ولا زالت تحاول، بالنسبة لمؤسسة التعليم العالي (YOK)، وهي وإن لم تسطتع اختراقها بشكل له وزن حتى الآن ولكنها مستمرة في ذلك.
|
وقد كانت حكومة حزب العدالة حتى الآن تكتفي بالعمل في المجالات الثلاثة السابقة، لكنها اليوم امتدت إلى رئاسة الجمهورية، وهذا الرمز مهم وحساس عند الجيش حماةِ النظام العلماني، فحاولت الحكومة بالأساليب الديمقراطية حيث الأغلبية في البرلمان لهم أن توصل عبد الله غل إلى الرئاسة. إلا أن الجيش اعتبر هذا الأمر تجاوزاً لأكبر الخطوط الحمر، فقام بقوة في وجه ذلك مستعملاً أساليب التهديد والوعيد جنباً إلى جنب مع الأساليب الديمقراطية ... لذلك حشد جماهيره من كل مكان لتحريك الرأي العام العلماني، وفي الوقت نفسه أصدر بياناً باسم رئاسة الأركان في الساعة 23:15 من ليلة يوم الجمعة 27/04/2007 - الذي اجتمع فيه البرلمان التركي لعقد الجلسة الأولى لانتخاب عبد الله غُل رئيساً للجمهورية، ولم يتوفر فيها الثلثان، ما دفع حزب الشعب الجمهوري للاعتراض على الجلسة ورفع دعوى إلى المحكمة الدستورية- أصدر بياناً يحمل طابع المذكرة العسكرية عبر موقع رئاسة الأركان الرسمي على شبكة الإنترنت، وكان البيان قد أُعلن بصورة مستغربة لم يحدث مثلها في أي وقت سابق، حيث تم إبلاغ الأوساط الإعلامية مطالعة موقع رئاسة الأركان العامة على شبكة الإنترنت، وأهم ما ركز عليه البيان: "إن المشكلة التي ظهرت أولويتها في الأيام الأخيرة حول رئاسة الجمهورية تتمحور في جعل العلمانية موضع نقاش، إن هذا الوضع نُظِر إليه من قبل القوات المسلحة التركية بقلق بالغ، ويجب أن لا يُنسى أن القوات المسلحة التركية هي حامية العلمانية وهي ضد هذا النقاش وهذه الملاحظات السلبية، لذا فإن القوات المسلحة التركية ستضع ثقلها ومنهجها في الوقت المناسب بصورة واضحة بيِّنة، وهذا ما لا يجوز لأحد أن يشك فيه" وجاء في الفقرة الأخيرة من البيان تهديد علني بالتلميح إلى انقلاب عسكري: "والخلاصة، كل من يقف في وجه شعار ’’كم هو سعيد من يقول أنا تركي‘‘ الذي خطه لنا مؤسس الجمهورية أتاتورك الموقر فهو عدو للجمهورية التركية وسيبقى كذلك. إن القوات المسلحة التركية محافظة على تصميمها (قرارها) الذي لا يتزعزع في تنفيذ مهامها المعلنة الممنوحة لها قانونياً فيما يتعلق بالمحافظة على هذه الصفات (صفات الجمهورية والأسس التي تقوم عليها) وارتباطها واعتقادها بهذا التصميم مقطوع به".
إن هذا البيان كان للعلمانيين المتذمرين من وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم، حيث عدم قدرتهم على فعل أي شيء سوى المراقبة، كان لهم بمثابة عامل ثقة بأن الجيش يستطيع التهديد وليس فقط المراقبة والوقوف متفرجاً. لذا فبعد أن صدر البيان/المذكرة ظهر للعيان مدى (الغرور) والقوة التي انتابت الأوساط العلمانية.
ولولا أن أمريكا والحكومة قد شحنوا الأجواء بـ«الديمقراطية» و«نبذ الانقلابات»، واستغلال أجواء مباحثات الاتحاد الأوروبي والحريات وحقوق الإنسان ... ما ساعد في جعل الظروف تمنع أو تحد من الانقلابات العسكرية، لولا ذلك لقام الجيش بانقلاب كالمعتاد في السابق.
ونظراً لإدراك الحكومة ذلك، فإنها لم تترك بيان رئاسة الأركان يمر بسلام، بل في الساعة 15:00 من يوم 28/04/2007 قامت بإصدار بيان صحفي شديد اللهجة ترد فيه على ما جاء في البيان/المذكرة العسكرية، وقد جاء في بيانها الصحفي عبارات لافتة للنظر مثل "رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة التركية من الناحية التشريعية هو تحت أمر/سلطة رئيس الوزراء"، ونحو ذلك. لقد أرادت الحكومة أن تفسد على الجيش (غروره) الوارد في بيانه العسكري، وتُشعره بان تهديده هو تهديد معنوي وليس تهديداً فعلياً، فهو لا يملك القدرة على القيام بانقلاب عسكري كالأيام السابقة. كما أن بيان الحكومة كان بمثابة رسالة رد اعتبار لقواعد الحزب التي اهتزت عقب صدور بيان/مذكرة الجيش، فأوحت إلى هذه القواعد بأن الحكومة لازالت قادرة على الوقوف. ومع ذلك فإن الحكومة كانت تدرك أن قرار المحكمة الدستورية سيكون بجانب طلب الجيش إبطال الجلسة، حيث إن المحكمة مكوَّنة من رجال الإنجليز باستثناء اثنين، وهكذا كان فإن الدعوة التي رفعها حزب الشعب الجمهوري قد صدر قرار المحكمة بشأنها في 01 أيار/مايو 2007 بإبطال الجولة الأولى من انتخابات رئيس الجمهورية، وتم إقرار شرط وجوب حضور ثلثي النواب في كل جولة من الجولات الانتخابية الثلاث.
وكان أردوغان ومن حوله قد صرحوا بدايةً أنهم يحترمون قرار المحكمة الدستورية، إلا أنهم بعد أن درسوا واقع الحال أظهروا حنقهم على القرار بعد أن لمسوا شدة الصفعة التي وجهت لهم. وأبرز ما في ذلك كان ما صرح به أردوغان عندما وصف القرار بأنه: "رصاصة أطلقت على الديمقراطية"، ولم تخفف من أثر التصريح محاولة أردوغان التراجع بقوله إن تصريحه لم يكن موجهاً للمحكمة الدستورية بل لرئيس حزب الشعب الجمهوري دنيز بيكال الذي كان يسعى لإثارة المحكمة!
ومع ذلك فإن أردوغان لم (يستسلم)، بل أدلى بتصريح في 01/05 عقب الإعلان عن قرار المحكمة، أعلن فيه أنه سيتقدم بمشروع قرار إلى مجلس النواب بانتخاب رئيس الجمهورية مباشرةً من الشعب، مفصلاً ذلك على النحو التالي:
- إجراء تعديلات دستورية تمكن الشعب من انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً وليس كما هو حاصل الآن حيث يتم عن طريق البرلمان.
- إجراء تغييرات على فترة رئاسة الجمهورية من فترة واحدة مدتها سبع سنوات إلى فترتين مدة كل فترة خمس سنوات.
- إجراء تغييرات تتعلق بالانتخابات العامة لتصبح مرة كل أربع سنوات، وليس كما هو حاصل الآن بأن تجرى الانتخابات العامة كل خمس سنوات.
- إجراء تغييرات في عمر النائب بحيث تجوز نيابته إذا بلغ 25 سنةً بدل 30 سنةً المعمول به حالياً.
- تخفيض عدد النواب الذين يجب حضورهم لكافة جلسات البرلمان بما فيها جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من الثلثين إلى الأغلبية فقط.
إن أهم المواد التي وردت ضمن الإصلاحات/التغييرات الدستورية التي صرح عنها أردوغان هي تمكين الشعب من انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً، بالإضافة إلى خفض عدد النواب الذين يجب حضورهم لكافة جلسات البرلمان من الثلثين إلى الأغلبية.
وهكذا قدَّم أردوغان مشروعاً إلى البرلمان بهذه المقترحات، ولأن إقرارها في البرلمان يحتاج إلى الثلثين أي (367) نائباً في حين أن حزب العدالة يملك الأغلبية لكنه لا يملك الثلثين، لذلك بدأ البحث لتأمين هذا العدد، فاتجه نحو حزب الوطن الأم الذي يملك عشرين نائباً، وبالاتفاق معه يوفر الثلثين.
وحزب الوطن الأم هو الذي أسَّسه أوزال، لكن بعد حادثة قتله قام الجيش بحملة تمزيق للحزب والتخلص من عناصره المناوئة، وجعل رئاسته إلى مسعود يلماز حيث الولاء للجيش (الإنجليز). ولما هُزم الحزب في انتخابات 2002م التي فاز فيها حزب العدالة استقال مسعود يلماز من رئاسة الحزب بسبب هزيمته. بعد ذلك دخل حزب الوطن الأم في أزمة رئاسة إلى أن رَأَسه (إركان مومجوا) العضو المشهور السابق في حزب الوطن الأم في عهد مسعود يلماز، وكان قد استقال منه ودخل انتخابات عام 2002 تحت اسم حزب العدالة والتنمية وليس تحت اسم حزب الوطن الأم، وهكذا أصبح عضواً برلمانياً عن حزب العدالة ومن ثم شغل منصب وزير السياحة. فلما استفحلت أزمة الرئاسة في حزب الوطن الأم، وبناءً على مفاوضات معه برئاسة الحزب استقال من عضوية حزب العدالة وعاد أدراجه لحزب الوطن الأم رئيساً. ورغم دخوله السابق للانتخابات على قوائم حزب العدالة، إلا أنه لم يستطع تأييد حزب العدالة في جلسة التصويت لانتخاب غل للرئاسة، وذلك بسبب ضغط مجموعة مسعود يلماز في الوطن الأم لخلفية هذه المجموعة الإنجليزية، ولو فعل بنوابه العشرين لحصل نصاب الثلثين في انتخاب غل للرئاسة.
على أثر ذلك نقمت عليه الأوساط التي انتخبته عندما ترشح على قوائم حزب العدالة، وعدَّت تصرفه بعدم المشاركة في التصويت طعنةً في الظهر، ولأن الانتخابات النيابية أصبحت على الأبواب (22 تموز 2007)، لذلك استعمل صلاحياته كرئيس للحزب وأقنع إدارة الحزب على التصويت لصالح مشروع حزب العدالة في انتخابات الرئيس من الشعب حرصاً على الفوز في الانتخابات القادمة، وترضيةً لجمهور حزب العدالة الذي انتخبه سابقاً. وهكذا فاز في البرلمان مشروع حزب العدالة لانتخاب الرئيس من الشعب بتأمين نصاب الثلثين، وذلك في تصويت البرلمان بتاريخ 10/5/2007.
وكانت هذه محاولة أخرى لمضايقة الجيش وعلمانيي الإنجليز، وذلك لأن الجمهورية العلمانية منذ أن تأسست في تركيا لم تستطع تسويق نفسها للشعب المسلم الذي ما انفك يرفض تبني نهجها الذي تسير عليه. وعلى الرغم من استعمال كافة أنواع الشدة والقمع بقبضة حديدية لجعل الشعب يقبل هذا النظام ويتبناه، وعلى الرغم من قيامها بأربعة انقلابات عسكرية خلال ما يقارب خمسين عاماً منذ الانفتاح السياسي عقب الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، بالرغم من ذلك، فإنها لم تتمكن من جعل هذا الشعب المسلم يحتضنها ويتبناها ولا بشكل من الأشكال. ولهذا فإن الجيش وعلمانيي الإنجليز لا يقبلون أن يُنتخب الرئيس من الشعب، ولا أن تُقر تلك التعديلات الدستورية في هذا الوقت. لهذا لجأوا إلى خط دفاعهم الأخير وهو حاجة القانون الذي صدر من البرلمان بالثلثين، إلى توقيع سيزار ليكون نافذاً، ومعلوم أن سيزار الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية في سنة 2000م جاء من المحكمة الدستورية فقد كان رئيسها، ولذلك فهم يتوقعون أن يستغل هذه الصلاحية المعطاة له (التوقيع) بأكبر قدر ممكن: إما لعدم تمرير القانون، وإما لتعديله. ومع أن الرئيس لا يملك حق الاعتراض إلا مرتين، لكنه يملك وسائل أخرى للتعطيل كأن يعيد الموضوع للمحكمة الدستورية بترتيبات قانونية يستطيع المحامون بـ(ألاعيبهم) أن يوجـِدوا لها مداخل أو مخارج، أو إذا ضاقت عليه الأمور فقد يلجأ الجيش إلى حزب العمال الجناح الإنجليزي لإيجاد تصعيد أمني يستغله الجيش في إيجاد حالة طوارئ عسكرية تؤثر على مجريات الانتخابات الرئاسية من الشعب مباشرةً أو بالعودة ثانيةً إلى مجلس النواب إن فشل مشروع إصلاحات أردوغان ... وفي المقابل فإن مساعي الحكومة وأمريكا لن تسكت عن فرصة قانونية أتيحت لها ...، أي أن الصراع هو صراع ساخن يستعمل فيه كل فريق أقصى ما عنده من أسلحة.
|
سابعاً: بعد ذلك سارت الأمور على النحو التالي:
1 - رفع قرار مجلس النواب حول الإصلاحات وانتخاب الرئيس من الشعب مباشرةً، رفع إلى رئيس الجمهورية، فرفضه الرئيس وأعاده للبرلمان بعد خمسة عشر يوماً وهي الفترة المسموحة له بموجب القانون.
2 - اجتمع البرلمان في 29/5/2007 وعاد فأقر المشروع للمرة الثانية ونال (369) صوتاً حيث صوت الوطن الأم معه، أي نال أغلبية الثلثين المطلوبة للمرة الثانية.
3 - ثم اعيد المشروع إلى رئيس الجمهورية، والآن وبعد هذه المرة الثانية فإن رئيس الجمهورية لا يستطيع رفضه وإعادته، بل إما أن يوافق عليه وإما أن يلجأ إلى الاستفتاء عليه ولكن بطرق (ملتوية) حتى يضمن إفشال الاستفتاء، وإما أن يلجأ إلى مخرج من المحكمة الدستورية وإما أن يوجد حالة طوارئ عسكرية بافتعال أعمال عسكرية باستغلال أعمال الجناح الإنجليزي في حزب العمال وبخاصة الذين يستندون إلى مسعود البرزاني في العراق ذي الخلفية الإنجليزية.
وقد بدت بوادر التحركات العسكرية التي تناقلتها الأنباء مؤخراً ضمن هذا السياق فقد حدثت تفجيرات في شرق أنقرة بتاريخ 22/5/2007 نسبها الجيش إلى حزب العمال الكردستاني تسببت في قتل سبعة أشخاص، ثم حشد نحو 60 ألف جندي بأسلحة ثقيلة تشمل الدبابات، وهي في تصاعد، متوجهة إلى الحدود مع العراق (كردستان)، وضخَّم الجيش الأمر للتأثير على أجواء الانتخابات القادمة وبخاصة قيامه بمناورات عسكرية في إقليم سيرناك التركي المجاور في 7/6/2007 باستعمال قذائف الدبابات، غير أن موقف الحكومة كان يحاول التهدئة لتمرير الانتخابات في جو هادئ، أي أن الجيش والحكومة في مناورة ساخنة: الجيش يحاول التصعيد العسكري وتضخيم خطورة حزب العمال على كيان الدولة، يحاول بذلك إحراج الحكومة لإيجاد غطاء سياسي لحالة عسكرية متوترة ما يجعل الانتخابات البرلمانية والرئاسية تتأخر أولوياتها وتبقى الأوضاع الراهنة في يد الجيش. والحكومة تحاول التخفيف من غلواء الجيش، وتهبيط سقف خطر حزب العمال، وفي الوقت نفسه تحاول أن لا تظهر بأنها غير مهتمة بأمن البلد، وهكذا دواليك. أما أمريكا فهي من جانب آخر تشدد على عدم تدخل الجيش التركي في كردستان، بل فوق ذلك اجتازت طائراتها الحدود التركية وهي تراقب حشود الجيش التركي، وكان موقفها (مُنَفِّساً) للعمل العسكري للجيش التركي، ما جعل رئيس الأركان التركي يشار بيوك أنيت يغتاظ من هذا الموقف ويصرح في 31/5/2007 قائلاً: [(بعض حلفاء) بلادنا يقدمون مساعدات إلى المتمردين الأكراد في منطقة الأناضول]. مضيفاً خلال ندوة في اسطنبول (الذين يعطوننا دروساً في حقوق الإنسان يدعمون «الإرهاب»)، كما نقلت ذلك وكالة الأنباء الفرنسية، وكما بثته قناة إن تي في التلفزيونية التركية. وقد رد وزير الدفاع الأمريكي على ذلك بطريقة غير مباشرة في كلمة له ألقاها في مؤتمر أمني عقد في سنغافورة بتاريخ 3/6/2007 لافتاً نظر الجيش التركي إلى عدم القيام بأي عمل عسكري على الحدود العراقية.
وإن المتوقع هو أن يحاول سيزار بكل الوسائل التي يستطيعها هو والجيش عدم تمرير قانون انتخاب الرئيس من الشعب للأسباب التي ذكرناها سابقاً.
وقد تبقى الأزمة تراوح بين أخذ ورد إلى أن تجرى الانتخابات البرلمانية، فإن استطاع حزب العدالة الفوز بالثلثين، فإنه يستطيع عندها انتخاب الرئيس في البرلمان، وإن لم يستطع أخذ الثلثين فقد تستمر تركيا فترةً دون استقرار (رئاسي) وقد يلجأ الطرفان إلى حل توافقي:
أن يتنازل الجيش عن فرض الرئيس الذي يريد.
وأن تتنازل الحكومة عن انتخاب الرئيس من الشعب.
ولن يكون هذا الحل سوى مهدئ فقط، فإن الجيش لن يقبل بسهولة أن لا ينصِّب الرئيس الذي يريد، وحيث إن الانقلاب صعب حالياً فقد يفتعل أعمالاً عسكرية للتأثير على مجريات الأمور.
وكذلك فإن الحكومة لن تترك فرصة أتيحت لها أن تمر دون استفادة.
وهذا يعني أن الوصول إلى أزمة سياسية أمر متوقع ما لم يحصل حزب العدالة على الثلثين وحده في الانتخابات البرلمانية القادمة في 22 تموز.
ثامناً: أما ميزان القوى في الانتخابات القادمة فكما يلي:
إن الراجح أن ثلاثة أحزاب ستتمكن من الدخول إلى البرلمان أي تحصل على نسبة العشرة بالمائة المقررة فما فوق: وهي حزب العدالة والتنمية (AKP)، حزب الشعب الجمهوري (CHP)، الحزب الديمقراطي (DP) الذي أعلَن عن تشكيله حزبا الطريق القويم (ANAP) والوطن الأم (DYP) بإيجاد اتحاد بينهما.
أما حزب العدالة فسيفوز بالأغلبية وقد يحصل على الثلثين إذا استطاع أن يظهر نفسه للناس بأنه (مظلوم) وأن العلمانيين الإنجليز لم يمكِّنوه من انتخاب رئيس الجمهورية بأغلبيته في البرلمان، وكذلك رفضوا (رفض سيزار توقيع انتخاب الرئيس من الشعب، مع العلم بأن القانون صدر من النواب بالثلثين، وأنه وأنه ... بالإضافة إلى الأعمال السياسية والاقتصادية التي تدعمه بها أمريكا ...، ثم إذا استطاع معالجة انكشافه أمام الوسط الإسلامي الذي انتخبه في المرة الأولى حيث تبين لهذا الوسط أن حزب العدالة لم يصنع لهم شيئاً إسلامياً، حتى الخمار لم يستطع أن يزيل المنع عنه ...، أقول إذا استطاع أن يتقن هذه الأساليب فقد يفوز بالثلثين. لكن ما ظهر مؤخراً من إخراج ذوي التوجه الإسلامي من قوائم المرشحين لإرضاء العلمانيين، فإنه سيؤثر على نسبة فوز الحزب.
أما حزب الشعب الجمهوري فلن يواجه مشكلةً في اجتياز السقف الانتخابي (10%) لدخول البرلمان، إلا أن عدد المقاعد التي سيتمكن من حيازتها في البرلمان ستتوقف على استطاعته بناء تحالف انتخابي (كما يريد الجيش) مع الحزب الديمقراطي اليساري (DSP) وباقي الأحزاب اليسارية الأخرى، أي يعود حزب الشعب كما كان سابقاً قبل انشقاق دنيز بايكال عن أجاويد، غير أن التي تعيق ذلك هي رهشان أجاويد (زوجة بولند أجاويد والرئيسة المعنوية للحزب الديمقراطي اليساري)، إلا أن الراجح هو أنها تهدف إلى تأخير الاتفاق لا الحيلولة دونه، وهدفها من ذلك هو تحريك الرأي العام تجاه الحزب الديمقراطي اليساري من باب الدعاية له، وكذلك حتى تتمكن من مساومة حزب الشعب الجمهوري من مركز قوة حول اقتسام المقاعد التي يحوزها الاتحاد في الانتخابات. وعلى الرغم من أن حزب الشعب الجمهوري وافق على إعطاء الحزب الديمقراطي اليساري عشرين مقعداً برلمانياً إلا أن هنالك ستين مسئولاً حزبياً في الحزب الديمقراطي اليساري يتطلعون لأن يكونوا نواباً برلمانيين! وعلى كل، فإن استطاع الجيش إعادة اللحمة بين الجناحين المنشقين عن بعضهما فإن حظهما سيكون كبيراً نسبياً، وسيكون على حساب الثلثين اللتين يأمل حزب العدالة بنيلهما.
وأما الاتحاد الجديد لحزبي الطريق القويم والوطن الأم تحت اسم الحزب الديمقراطي، وهو اسم حزب عدنان مندريس السابق حيث اختاروه اسماً لهما من باب التكتيك الدراماتيكي لدغدغة مشاعر الناس، فهذا الاتحاد لن يتجاوز في الغالب التحالف الانتخابي، فهو أشبه بالأحزاب التي تقوم على أساس المناسبات الطارئة، وهذا الاتحاد يتوقع له اجتياز النسبة المطلوبة وبالتالي دخول البرلمان. هذا إن بقي اتحاد هذين الحزبين قائماً (وقد ظهر مؤخراً تصدع في هذا الاتحاد وهو في بداية سيره، وعليه فإن أصبح التصدع انفصالاً فإن فرصة كل حزب على حدة ستضعف بشكل لافت للنظر).
يأتي بعد ذلك أحزاب أخرى أقل احتمالاً:
حزب الحركة القومية (MHP)، فمن المتوقع أن يصل السقف الانتخابي وأن يكون رابع الأحزاب السياسية التي ستتمكن من دخول البرلمان، وذلك إذا استطاع توظيف عمليات حزب العمال الكردستاني لمصلحة تحريك المشاعر القومية والوطنية لدى الناس، وإلا فقد لا يصل إلى النسبة التي تمكِّنه من دخول البرلمان.
حزب الأكراد المسمى بحزب المجتمع الديمقراطي (DTP)، وهذا من المستبعد أن يصل إلى النسبة المطلوبة لأن أنصاره والمصوتين له لا يتجاوزون 7% وفق تقديرات المطلعين. ولأنه يدرك ذلك فهو يحاول المشاركة في الانتخابات عن طريق مرشحين مستقلين.
حزب الاتحاد الكبير (BBP) وحزب أربكان حزب السعادة (SP) اللذان يخاطبان الوسط الإسلامي، فما لم يتحالفا فيما بينهما فإنه يُستبعد حصول أي منهما على النسبة المقررة.
ومن الجدير ذكره أن أية مستجدات عسكرية، أمنية، اقتصادية أو سياسية تحدث فإنها ستغير المعطيات المذكورة أعلاه.
ومهما يكن من أمر فإن العلمانيين الكماليين الإنجليز، والعلمانيين الأمريكان الذين يغلفون علمانيتهم بشيء من (رتوش) إسلامية، كلهم الآن في دوامة صراع فعلي. وهذه طبيعة الدول التي تتحكم فيها سلطة عسكرية وسلطة سياسية مختلفتان في الولاء، حيث إن هذه الدول تواجه نوعين من الأزمات السياسية:
1 - أزمة الحكومات الائتلافية: وفي هذه الحالة إما ان تكون الأزمة بين شركاء الائتلاف بسبب اختلاف أو أكثر بينهم، وإما أن تكون هناك أزمة عدم تفاهم بين الحكومة الائتلافية والجيش. فإن كانت بين شركاء الائتلاف ولا يمكن تلافيها، فإن الحكومة تتبعثر وتسقط، وتنتهي الأزمة ببناء حكومة جديدة أو بالتوجه إلى صناديق الاقتراع لإجراء انتخابات مبكرة. وإن كانت بين الحكومة الائتلافية والجيش ولم يمكن تلافيها فإن انقلاباً أو تدخلاً عسكرياً يحدث، كما حدث في الانقلاب العسكري الأبيض في 28 شباط 1997، وفيما سبقه من انقلابات عسكرية في 1960، 1971، 1980.
2 - أزمة حكومة الحزب الواحد: وفي هذه الحالة إما أن يكون الحزب الحاكم يحوي أزمةً داخليةً تظهر في انقسام داخل الحزب، وإما أن تكون الأزمة بين حكومة الحزب الواحد والجيش. فإن كانت ناجمةً عن داخل الحزب ولم يمكن تلافيها فإن الأزمة تنتهي بإنهاء العوامل السلبية داخل الحزب او عن طريق انقسام الحزب على نفسه بحيث يقوم القسم الأقوى بتشكيل حكومة جديدة أو التوجه لإجراء انتخابات مبكرة. وإن كانت بين حكومة الحزب الواحد والجيش فهذه من أخطر الأزمات، وسيصحبها صراع ساخن يؤدي إلى انقلاب عسكري إن لم تَحُلْ دون ذلك ظروف ضاغطة على الجيش محليةً ودولية. وهذه هي الأزمة الحالية لكونها بين حكومة الحزب الواحد (حزب العدالة والتنمية) وبين الجيش وأتباعه. وهذه الأزمة ستبقى تتفاعل بحرارة لغاية ظهور ميزان قوى جديد أو تكريس ميزان القوى الحالي وفق قدرة الجيش على المناورة العسكرية لإيجاد ظروف طوارئ، أو قدرة الحكومة على استغلال الظروف الدولية لإحباط ظروف الطوارئ العسكرية التي يحاول الجيش إيجادها.
|
والخلاصة:
1 - إن واقع ما يجري هو صراع ساخن بين علمانيي الإنجليز الكماليين، وعلى رأسهم الجيش للمحافظة على مركز الرئيس بيدهم، ومحاولةِ إعادة الإمساك بمجلس الأمن القومي، والمحافظة على عدم اختراق المحكمة الدستورية، وبين علمانيي أمريكا المغلِّفين علمانيتهم بشيء من (رتوش) إسلامية لجذب عامة المسلمين، نظراً لعداء علمانيي الإنجليز للإسلام بشكل مستفِز لمشاعر المسلمين، وذلك لإضعاف تحكم الجيش (الإنجليز) في مفاصل القوة في تركيا، والاستمرار في توسيع تدخل الحكومة في مجلس الأمن القومي، ومن ثَمَّ إيجاد منافذ ولو ضيقة للدخول إلى (حصن) الإنجليز في الجيش، مع توسيع حجم رجال الحكومة في المحكمة الدستورية، وإقصاء تحكم الجيش في الإمساك برئيس الجمهورية.
2 - إن حزب العمال الكردستاني منشق إلى جناحين: جناح إنجليزي يُستغل من الجيش لتسخين الأجواء أمنيّاً عندما يحتاج الجيش إلى إيجاد وضع طوارئ عسكري نتيجة حشره سياسياً في الزاوية من قبل الحكومة، وذلك لنقل القضية إلى الناحية العسكرية، كما هو حادث الآن في حشد الجيش التركي باتجاه الحدود العراقية.
وأما الجناح الثاني فهو مع أمريكا وخطه العـريض الحالي هو أن تبقى القضية سياسيةً منسجمةً مع الخط الأمريكي لسير الحكومة.
3 - إن موضوع رئاسة الدولة سيبقى عالقاً على الأرجح إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المبكرة في 22/7/2007، وعلى ضوء نتائجها سيُحسم موضوع الانتخابات الرئاسية.
|
|
في 22 من جُمادى الأولى 1428هـ. |
|
08/06/2007م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال الأول: هل يجوز أن تقفَل أماكن الوضوء الملحقة بالمسجد، أو يؤخذ مبلغ بدل استعمالها؟ وهل يجوز بيع جزء من فناء المسجد للناس وينفَق ثمنه لمصلحة المسجد؟ أو يقام في الفناء بيوت أو دكاكين تؤجَّر لمصلحة المسجد؟
الجواب: 1 - المسجد هو المكان المعد للصلوات الخمس وهو يشمل الجزء المسقوف وكذلك فناء المسجد، وحكم المسجد أنه وقف، فهو لا يباع ولا يمنع مسلم من الصلاة فيه.
2 - وهذا المكان لا يجوز أن يقتطع منه شيء لغبر الصلاة أي لغير ما وقف لأجله، فلا يبنى في فنائه (دكاكين) أو تقتطع منه مساحة للبيوت أو نحوها ...
3 - فإذا كان موقوفاً معه مساحات أخرى كبيوت للإمام أو للمؤذن أو منافع للوضوء ونحوه، أو دكاكين ملحقة فجائز. أي إذا كان منصوصاً في مخططات بناء المسجد الموقوف: المساحة (أ) للصلاة، المساحة الملحقة به (ب) للسكن، والمساحة الملحقة به (جـ) للمنافع العامة .. دورات المياه ... والمساحة (د) دكاكين ... وهكذا فجائز. والمسجد وملحقاته كلها وقف لأمور المسجد، أي تنفق عليه (ريعها لمصلحة المسجد).
4 - كما ذكر أعلاه فملحقات المسجد هي وقف عليه، ولذلك فإن الأصل أن دورات المياه هي لاستعمال المصلين دونما بدل، ولذلك فخلال أوقات الصلاة أي إذا كان الوقت الغالب أن استعمال دورات المياه هي من أجل الصلاة فلا يؤخذ بدل الاستعمال، لأن أخذه يوجد حرجاً وقيداً على المصلين وهذا حرام. ولكن في غير أوقات الصلاة أي إذا غلب على الظن أن الاستعمال في وقت ما هو ليس لأجل الصلاة فيجوز أخذ بدل ويكون لمصلحة المسجد أي ضمن الوقف.
أي أن الأصل أن لا يؤخذ بدل عن استعمال المصلين لدورات المياه، والاستثناء أن يؤخذ في غير أوقات الصلاة ويكون لمصلحة المسجد. والاستثناء يعني أن هناك سبباً لذلك كأن يكون للمحافظة على دورات المياه فينظّم الاستعمال العام في غير أوقات الصلاة لتبقى نظيفةً صالحةً لاستعمال المصلين ونحو ذلك.
مع ملاحظة أن هذا في المساجد غير المطروقة للصلاة إلا في مواعيدها المعتادة أما المساجد في أمهات المدن المطروقة للصلاة بشكل مستمر فيكون الغالب هو استعمال دورات المياه من أجل الصلاة، فلا بدل.
والخلاصة: استعمال دورات المياه في الأوقات التي يغلب على الظن أنها للصلاة يكون دون بدل لأن وضع قيود على المصلين في وضوئهم من منافع المسجد الموقوفة لا يصح وهو حرام.
وإذا كان استعمال دورات المياه في الأوقات التي يغلب على الظن أنها ليست للصلاة فيجوز أخذ بدل لمصلحة المسجد، ويجوز أن لا تكون ببدل.
أما في مساجد أمهات المدن المطروقة للصلاة بشكل شبه دائم للذي يحضر الجماعة عند الأذان والذي يصلي بعد ذلك، أي أن الغالب في استعمال دورات المياه هو للصلاة فلا بدل.
|
السؤال الثاني: نعلم أن القياس يحتاج إلى علة شرعية أي تكون واردةً في الدليل، فهل يصدق هذا على الدليل إذا كان إجماعَ صحابة؟ وإذا كان كذلك فهل هناك قياس علته واردة في الإجماع؟
الجواب: إجماع الصحابة يكشف عن دليل أي أن هناك حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم عمل الصحابة بموجبه ولم يرووه، ولذلك فما ينطبق على الدليل ينطبق على الإجماع. فكون القياس حتى يصح يجب أن تكون العلة شرعيةً أي واردةً في الدليل فهذا ينطبق على كل دليل سواء أكان من الكتاب أم من السنة أم من الإجماع، فحيثما وجدت العلة في النص صح استعمالها في القياس أما إن لم تكن في النص أي كانت علةً عقليةً فلا تصح في القياس.
أما المثال على إجماع فيه علَّة وقيس عليه، فإليك ما يلي:
أ - ثبت بالإجماع أن يُقطَع المشتركون في السرقة، وقد قيس على ذلك قتل المشتركين في القتل. وقد وردتْ هذه القصة في عهد عمر رضي الله عنه، فقد عرضت له قضية قتل اشترك فيها عدد (سبعة)، فشك عمر في قود القتيل الذي اشترك في قتله سبعة. فقال له علي: «يا أمير المؤمنين، أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضواً وهذا عضواً، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم. قال: فكذلك» أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، أي أن قود المشتركين في القتل قِيس على قطع المشتركين في السرقة بعلة الاشتراك في موجب الحد.
ب - ثبت بالإجماع أن ميراث الجدة لأم (أي أم الأم) السدس، وقد قيست عليها الجدة لأب (أي أم الأب)، فقد وردت هذه القضية في عهد أبي بكر فبعد أن قضى بميراث الجدة لأم السدس، ومنع الجدة لأب، فقال له بعض الأنصار لقد ورَّثت امرأةً من ميت لو كانت هي الميتة لم يرثها، وتركت امرأةً لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت، فعاد أبو بكر وأشرك بينهما في السدس.
(وذلك لأن الجدة لأب أي أم الأب لو توفيت وبقي ابن ابنها فهو يرثها، في حين أن الجدة لأم أي أم الأم لو توفيت وبقي ابن بنتها فإنه لا يرثها).
|
السؤال الثالث: اعتاد التجار في أيامنا هذه أن يضعوا في سلعهم هدايا على شكل رقم يُسحب عليه، والرقم الفائز له جائزة (محترمة). أو على شكل ورقة مسجل عليها اسم هدية لتستلم من التاجر. أو تكون الهدية بعينها موجودةً داخل السلعة. أو يعلن التاجر أن من يشتري بمبلغ كذا فله واحدة زيادة مثلاً. أو نحو ذلك.
فهل هذا يدخل في بيع الغرر أو هو جائز؟
الجواب: إن بيع الغرر باطل، فالسلعة المشتراة يجب أن تكون معلومةً. فإذا كانت السلعة معلومةً صح البيع، وإلا فجهالة السلعة تبطل البيع.
أما الحالات التي ذكرتها فهي مختلفة في واقعها وبالتالي في أحكامها:
1 - فإعطاء من يشتري كميةً معينةً، إعطاؤه زيادةً، هديةً أو نحوها فهذا جائز، فالبيع صحيح، والزيادة واقعة تحت الهبة وهي صحيحة.
2 - ووضع هديةً معلومة في سلعة معلومة؛ ملعقة، ساعة أطفال، ... أو يضع فيها ورقةً مكتوباً عليها اسم الجائزة ليذهب المشتري الذي يجدها في السلعة إلى التاجر لاستلام الهدية أو الجائزة المعلومة والمكتوبة على الورقة، فهذا جائز، فالبيع صحيح ما دامت السلعة المشتراة معلومةً مثلاً (صندوق كلينكس وفي داخل بعض عِلَبه هدية)، فالبيع صحيح لأنه دفع ثمن علبة كلينكس فوجد داخلها ساعةً فهي هدية وإن لم يجد فجائز كذلك، لأنه اشترى علبة كلينكس ودفع ثمنها، فالبائع غير ملزم أن يعطيه هديةً عليها فإن وجد فيها فجائز وإن لم يجد فجائز.
3 - أما بيع صندوق مقفل غير معروف ما في داخله، فقد يكون فارغاً، أو به مادة ذات قيمة فوق ما يدفعه، أو به مادة تساوي ما دفعه، أو أقل مما دفعه .. فهذا بيع غرر وهو غير جائز.
4 - ووضع رقم في سلعة معلومة يخَوَّل صاحبه الاشتراك في السحب على جائزة، فهذا يُرجَّح دخوله في باب الميسر، وذلك لأن الميسر (القمار) أن يأخذ الغالب من المغلوب أو يأخذ الخاسر من الفائز، وكل أمر يشترك فيه أطراف بحيث إن الفائز فيه يأخذ من الخاسر فهو داخل في الميسر.
فلو لعب أشخاص بالورق فأخذ الفائز من المغلوبين فهذا قمار وهو حرام. وإذا تسابق اثنان على الخيل أو الدراجات أو السيارات .. وأخذ الفائز في السباق من الخاسر فهو قمار.
وإذا وضع عشرة أشخاص أسماءهم على ورقة أو أرقام، ثم وضعوها في صندوق وسحبوا ورقةً فأخذ صاحبها من الذين لم تخرج أوراقهم فهو قمار، وهو حرام وهكذا ..
والآن نأتي للأرقام الموضوعة في السلعة المشتراة ثم يُسحب عليها. الراجح أن البائع يكون قد أدخل في حسبانه ثمن الجائزة. مثلاً الجائزة التي يُسحب عليها مقدارها ألف دينار، ورقمها (50) فهو يضع رقمها مع كل عشرة آلاف علبة، أي يضع في هذه 1، وتلك 2، .. إلى 10000 يكون فيها رقم 50، وهو يُدخل قيمة الجائزة (ألف دينار) في سعر العشرة آلاف علبة، فبدل بيع سعر العلبة بدينار هو يبيعها بزيادة عشرة قروش وعند السحب بعد بيع عشرة آلاف علبة يكون قد زاد 10000 × عشرة قروش أي ألف دينار قيمة الجائزة التي يدفعها للفائز، فيكون الفائز قد أخذ الجائزة من أموال خاسري الأرقام وإن كان الأمر غير معلن.
وهنا قد يقول قائل إن التاجر يبيع السلعة بيعاً عادياً كما لو لم يضع أرقاماً يسحب عليها بجائزة، لتشجيع الزبائن وإغرائهم لشراء سلعته، وإنه لا يُدخل في الحسبان تحصيل ثمن الجائزة من فرق الأسعار.
إن هذا وإن كان محتملاً أي أن الجائزة توضع دون زيادة في الأسعار إغراءً للزبائن ولكنه احتمال ضعيف وبخاصة عندما تكون الجائزة كبيرةً كالسحب على سيارة أو نحوها ..
وعلى كلٍّ، فهي إن لم تكن على حساب الأرقام الخاسرة فهي واقعة تحت الأمور المشتبهات.
ولذلك فإني أنصح بأن لا يشترك الإخوة الذين يشترون سلعاً تحوي أرقاماً، أن لا يشتركوا في السحب وأن يمزقوا الرقم الموجود في السلعة حتى لا يغرَّهم الشيطان فيهتموا بالسحب.
|
|
27 من ربيع الآخر 1428هـ. |
|
الموافق 14/05/2007م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: ورد في الشخصية ومشروع الدستور حول أقسام الكفار اختلاف في نفصيل هذه الأقسام، وكأنه يشبه التناقض فكيف يفهم ذلك؟
الجواب:
مشروع الدستور قسم الكفار إلى ثلاثة أقسام:
(دول بيننا وبينها معاهدات "ثانيها"، ودول ليس بيننا وبينها معاهدات "ثالثها"، ودول محاربة فعلاً "رابعها").
وما جاء في الشخصية الجزء الثاني قسم الكفار إلى ثلاثة أقسام:
(دول بيننا وبينها معاهدات "فإن عقدت معاهدة... كونهم كفاراً حربيين فعلاً"، ودول ليس بيننا وبينها معاهدات "لم تكن بيننا وبينهم معاهدة فهم كفار حربيون حقيقة لا حكماً". وهؤلاء جعلهم نوعين: الحرب غير قائمة بيننا وبينهم، والحرب قائمة بيننا وبينهم "فهم كفار حربيون حقيقة لا حكماً سواء أكانت حالة الحرب قائمة بيننا وبينهم بالفعل أم لم تكن قائمة").
وأنت تلاحظ هنا أن الكفار ثلاثة أقسام في الدستور والشخصية، والأقسام هي هي، غير أن الصياغة في مشروع الدستور صياغة قانونية، وفي الشخصية صياغة فقهية:
في الدستور:
دول معاهدة، دول محاربة حكماً، دول محاربة فعلاً.
ومع أن الدول المعاهدة هي محاربة حكماً لكننا لم نذكر صفة الحرب لوجود المعاهدة.
وفي الشخصية:
دول معاهدة وهي شرعاً محاربة حكماً.
دول غير معاهدة وهي شرعاً محاربة حقيقةً لعدم وجود معاهدة. وهي نوعان:
دول غير معاهدة والحرب معها غير قائمة
ودول غير معاهدة والحرب معها قائمة فعلاً.
وإذا لاحظت من حيث التعامل الشرعي فإنك تجد لا خلاف بين مشروع الدستور والشخصية:
فالمعاملة مع المعاهدة هي وفق المعاهدة وهذه هي هي في الدستور والشخصية.
والمعاملة مع غير المعاهدة في حالة الحرب غير القائمة بالفعل، لا يدخل رعاياها إلا بأمان خاص لكل سفرة .. وهي هي في الدستور والشخصية.
وفي حالة الحرب القائمة بالفعل فلا يعطى الأمان لأحد من رعاياها ... وكذلك هو هو في الدستور والشخصية.
ولذلك فلا تعارض، وشبهة التعارض آتية من التقسيم.
|
|
|
|
|
|
كافل اليتيم والجمعيات الخيرية
|
|
|
السؤال: هل ينطبق لفظ (كافل اليتيم) على الجمعيات الخيرية التي تكفل اليتامى؟
الجواب:
كافل اليتيم هو القيم بأمره ومصالحه، قال في النهاية (الكافل هو القائم بأمر اليتيم المربي له).
وفي الحديث «أنا وكافل اليتيم في الجنة وقال بإصبعه السبابة والوسطى» أخرجه البخاري من طريق سهل بن سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرجه الترمذي كذلك وغيره.
وفي رواية للطبراني من طريق أم سعيد بنت مرة الفهرية عن أبيها: «.. وكافل اليتيم له أو لغيره» أي كافل اليتيم سواء أكان من أقربائه كأن يكون جداً أو عماً أو أخاً ..، أم من غير أقاربه.
وفي جميع الحالات الكفالة متعلقة بشخص يرعى اليتيم ويقوم بأمره ومصالحه. أما الجمعيات فلا ينطبق عليها لفظ (كافل اليتيم) لأنها جهة معنوية وليست شخصيةً حقيقيةً، إلا أن تعيِّن شخصاً حقيقياً يكفل اليتيم في أموره وفق أحكام الشرع. وينطبق على هذه الجمعيات لفظ مساعدة اليتامى، فلو أعطت يتيماً مساعدةً دون شروط مخلة بأحكام الشرع فإنه يجوز لليتيم أخذها من باب التبرع أو الهبة ونحوها.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال الرابع: هل إذا عوقب السارق بصبح المال المسروق حلالاً له بتصرف فيه بالبيع أوالهبة أو الهدية ...؟
الجواب:
المال المسروق هو لصاحبه، يجب أن يعاد إليه حتى لو قطعت يد السارق، أي أنه لا يصح الاحتفاظ بالمال المسروق، بل يجب أن يُرَدَّ المال المسروق لصاحبه، وحتى لو كان باعه فإنه يعاد لصاحبه، ويعود المشتري للمال المسروق على السارق الذي باعه. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من وجد عين ماله فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه» وفي رواية «ويرجع المشتري على البائع بالثمن». وإذا كان العين المسروق قد تلف أو استهلك فإنه ضامن ويدفع ثمنها.
ولذلك فإن السارق لا يملك أن يهدي منه أو يعمل وليمةً منه، ومن علم أن الوليمة من المال المسروق، أو أن الهدية من المال المسروق أو أن المعروض للبيع هو من المال المسروق أو .. فلا يجوز قبول هذا المسروق لا هديةً ولا وليمةً ولا شراءً .. وإن فعل فقد أَثِم وعليه عقوبة وفق أحكام الشرع.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال الثالث: ما جاء في النظام الاقتصادي حول القيمة والثمن ليس واضحاً، وبخاصة موضوع تسجيل المهر بالقيمة والثمن. نرجو توضيح ذلك بشيء من التفصيل وبارك الله فيكم وبكم؟
الجواب:
القيمة يا أخي هي مقدار المنفعة الموجودة في داخل السلعة وهي ثابتة في كل زمان ومكان، فمنفعة الإبريق تقدر في ذاته بالمواد المصنوع منها، ملاءمته لنقل الماء به، لاستعماله في الشرب، في الوضوء .. وهذه استعمالات لا تنفك عنه اليوم أو غداً، غلا سعره أو رخص. فإذا قدرته بقيمة سلعة أخرى يجب أن تكون المنفعة في السلعة الأخرى تساوي منفعة الإبريق حين التقدير، فإذا قدرت قيمة الإبريق بقيمة الكرسي، فإن الواجب أن تكون المنفعة الذاتية للإبريق تساوي المنفعة الذاتية للكرسي، من حيث المواد المكونة له، الاستعمال له، ..الخ وهذا التقدير بالقيمة لا يختلف من زمان إلى زمان أو من مكان إلى مكان فإذا كانت منفعة الإبريق للإنسان كإنسان تساوي منفعة نصف كرسي فإن هذه القيمة تبقى هي هي في كل وقت لأنها مقدرة بالمكونات المادية للسلعة واستعمالاته وهي ثابتة فيها مهما ارتفع السعر أو قل.
فلو ارتفع سعر الإبريق لا يعني أن مكوناته زادت أو استعمالاته زادت، فقيمته ثابتة مع أن سعره زاد أو نقص. وهكذا الخزانة، فمكوناتها ثابتة واستعمالاتها كذلك سواء ارتفع سعرها أو نقص.
وكذلك لو قدرت قيمة الخزانة بقيمة سلعة أخرى مثلاً بالذهب فوجدت أن المنفعة للخزانة تساوي ضعف منفعة قطعة ذهبية، فهذه القيمة تبقى ثابتةً لأنها قدِّرت بمكونات مادة الخزانة ومكونات مادة الذهب وانتفاع الإنسان بالخزانة وانتفاعه بالذهب، فالقيمة هي حسب مكونات السلعة الذاتية وانتفاع الإنسان بها. لذلك تبقى قيمة الخزانة تساوي نصف قيمة القطعة الذهبية مهما زاد أو نقص سعر الخزانة أو سعر القطعة الذهبية لأن القيمة تتوقف على المكونات الداخلية للسلعة وانتفاع الإنسان بالسلعة من حيث الاستعمال.
وأما تقدير السلعة بالثمن فهو ليس بالضرورة أن يتساوى مع مكونات السلعة الذاتية ونفعها للإنسان كإنسان بل يتحكم فيها العرض والطلب.
والملاحظة المهمة في الموضوع أن تقدير السلعة بالثمن لا ينظر إلى المنفعة الذاتية في السلعة بل قد تقدر ثمن القمح بالنقد الورقي، بغض النظر عن منفعة المادة الذاتية للقمح التي هي كبيرة، منفعة المادة الذاتية للورقة النقدية التي هي تقريباً لا شيء يذكر سوى نوع الورقة والرسوم التي عليها والناحية الفنية في إخراجها، لأن الثمن متعلق بالعرض والطلب، فقد يبيع فاسق كيساً من القمح ليشتري به قارورة خمر، مع البون الشاسع بين منفعة المادة الذاتية لكيس القمح ومنفعة المادة الذاتية للقارورة.
أما عند تقدير القيمة فتقدر بمنفعة متساوية في الطرفين لذلك لا تقول قيمة كيس قمح تساوي عشرين ديناراً ورقياً لأن المنفعة الذاتية في مادة القمح في الكيس، تساوي آلاف المنفعة الذاتية في مادة العشرين ورقةً.
فالقيمة تقدر بالمنفعة الذاتية في السلعة لذلك تقدر قيمة كيس القمح بكذا دينار ذهبي أو بكذا سلعة فيها نفع متساوٍ.
وهكذا ففي حين تقدر الثمن بأية سلعة مهما كان في مادتها من نفع، فإنك لا تقدر قيمة السلعة إلا بمادةلها نفع ذاتي في مادتها مثل الأولى.
وأظنك الآن قد وصلت للجواب في موضوع الخزانة تلقائياً.
فلعلك ظننت ما ورد في الكتاب (فلو تزوج رجل امراةً وجعل من مهرها خزانةً معينةً موصوفةً وذكر أن قيمتها خمسون دينار ..) ظننت أن الخمسين ديناراً هي نقد ورقي، إنها ليست كذلك لأن القيمة لا تتغير في منفعة مادتها، فالدنانير هنا هي هي دنانير ذهبية.
وفي هذه الحالة فإن لها عليه خزانةً قيمتها خمسون ديناراً ذهبياً في كل زمان ومكان، فإذا هلكت الخزانة فلها خمسون ديناراً ذهبياً. فإن ذَكَر خزانة قيمتها خمسون ديناراً أردنياً مثلاً فيكون لفظ القيمة هنا لغو والمقصود الثمن.
وللعلم فإنَّ هذه التفرقة ليست موضحةً في كتب الفقهاء كما هي عندنا، وكثيراً ما تستعمل القيمة بمعنى الثمن.
والذي أبرزها في أبحاثنا هو (مسخ) القيم عند الرأسماليين وجعلها اعتبارية ترتفع وتهبط وفق الجشع والبطش والاستغلال، فأبرزنا هذا الأمر ووضحناه تماماً. لذلك لو ذكر في عقد زواج خزانة قيمتها كذا ووصلت للقضاء يجب سؤال الأطراف ذات العلاقة إن كانوا يدركون هذا المعنى أو يقصدون به الثمن، فالجهل في هذه الحالة يعذر لأنه يجهل مثله على كثير من الناس، فإذا سمعوا (قيمة السلعة عشرون ديناراً) ظنوا أن ثمنها عشرون. وأظن الآن أن الفرق بين الحالتين واضح:
1 - إذا سجل قيمتها خمسون ديناراً (أي نقد له نفع ذاتي، ذهب ولا يصح أن يسجل ديناراً ورقياً ..)، فالوفاء بهذا هو وفق نص العقد: إعادة الخزانة التي اغتصبها وفق الحديث «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» رواه ابن ماجه وأحمد والدارمي والحديث «وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليرْدُدْها عليه» رواه أحمد، فإذا هلكت دفع قيمتها وهي خمسون ديناراً ذهبياً. ولا غير، لأن القيمة لا تتغير مع الزمن أو المكان أو العرض أو الطلب .. وليست القمية ثمناً حتى يشتري خزانةً بهذا الثمن.
2 - إذا سجل ثمنها خمسون ديناراً (وهو هنا يصح أن يسجل ورقاً، ذهباً، أو ... لأن الأثمان لا علاقة لها بالنفع الذاتي في مادة النقد)، فالوفاء بهذا هو وفق نص العقد:
إعادة الخزانة التي اغتصبها وفق الأحاديث السابقة، فإذا هلكت دفع الثمن المسجل، أو اشترى خزانةً بهذا الثمن.
هكذا يكون قد وفَّى بنص العقد.
وأما سؤالك الذي تفرع عنه وهو قولك: (لو افترضنا أن الزوج جعل لها جزءاً من مهرها مصاغاً أو حلياً بدل الخزانة وسجل القيمة خمسين ديناراً ...)، في هذه الحالة يا أخي لا يصح تسجيل القيمة بالورق فهو إما أن يسجل في العقد: المهر مصاغ قيمته خمسون ديناراً ذهباً، وفي هذه الحالة يعيد لها المصاغ فإن هلك أعاد لها خمسين ديناراً ذهباً، لأن القيمة ثابتة حيث تقدر بالمنفعة الموجودة في مادة السلعة للإنسان كإنسان.
وإما أن يسجل مصاغاً ثمنه خمسون ديناراً ويصح له أن يسجل خمسين ديناراً ورقاً أو ذهباً أو ما شاء.
وفي هذه الحالة يعيد لها المصاغ، فإن لم يكن، اشترى لها مصاغاً بخمسين ديناراً وهو الثمن المسجل، أو يدفع لها الخمسين ديناراً المسجلةثمناً. فإذا كانت الدولة قد خفضت نقدها الورقي بنسبة أعلنتها بعد العقد، فإن هذه النسبة تؤخذ في الحسبان عند الاقتضاء.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أولاً: امرأة كانت كافرة ثم أسلمت، وأراد أحد المسلمين أن يتزوجها فهل يجوز لأبيها الكافر أن يكون وليها في عقد الزواج؟ وإن لم يجز فمن يكون وليها؟
الجواب: لا ولاية للكافر على المسلمة، فإذا أسلمت المرأة فلا ولاية لأبيها الكافر على تزويجها. أما سؤالك عن الكافرة عندكم التي تسلم كيف تتزوج، ومن وليّها، فالجواب كما يلي:
إذا كان لها قريب من عصبتها (أخوها، عمّها...) قد أسلم مثلها فهو وليها، فإن كان لها أكثر من قريب أسلم من عصبتها فأقربهم إليها هو وليها في زواجها، فأخوها المسلم أولى من عمها المسلم...
فإن لم يكن لها أقـربـاء من عصبتها قد أسلموا مثلها، ولم تكن في بلد يُحكَم بالإسلام كما هو واقع السؤال، فالقاضي الشرعي المسلم إذا وجد في البلد بشرط أن يكون مأموناً أي يشجعها في إسلامها ولا يقف في وجه إسلامها ولا يعين أهلها الكفار عليها، فإن لم يكن مأموناً، فيجـوز للذي أسلمت على يديه أن يكون وليها في الزواج، أو تخـتار رجلاً مسلماً عدلاً تطـمـئـن إلى تقواه فيكون وليها في زواجها، ويكمل لها عقد الزواج على وجهه الشرعي، ثم يعمل الزوج على توثيق العقد حفظاً للحقوق.
(وللعلم فإنه في حال وجود حكم الإسلام في بلد المرأة، فالسلطان هو وليها بعد انقطاع أوليائها من عصبتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له» أخرجه أحمد من طريق ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، فالسلطان أولى من القاضي ومَنْ بعده مما ذكر آنفاً)
----------
ثانياً: أراد شاب خطبة فتاة، فهل يجوز له أن يطلب منها أن تكشف له عن شيء من عورتها مثل أن تكشف عن شعرها أو ساقها، وهل يجوز لها أن تجيبه إلى ذلك، على اعتبار أن للخاطب أن ينظر لمن يريد خطبتها زيادةً على غير الخاطب، أي زيادةً على الوجه والكفين حيث هما مباحان؟
الجواب: إذا عزم شاب على خطبة فتاة، فإن له أن ينظر إليها، وإن استطاع أن يرى غير الوجه والكفين فليس حراماً عليه، ولكن دون علمها، كما ورد في الحديث:
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» أخرجه أبو داود وحسنه ابن حجر.
يقول جابر راوي الحديث (فخطبت امرأةً فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها). وكذلك أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
وورود (فإن استطاع أن ينظر ...) في منطوق الحديث يدل على أن المنظور هو غير المباح (أي غير الوجه والكفين) لأن المباح مكشوف للخاطب وغيره، والنظر للمباح لا يناسبه لفظ (فإن استطاع) وكذلك فقول جابر رضي الله عنه (فكنت أتخبأ لها) كذلك يدل على أن المنظور غير المباح من المرأة.
وفي الوقت نفسه فإن دلالة هذين اللفظين: (فإن استطاع) وتعقيب الصحابي على ذلك بقوله (فكنتُ أتخبأ لها) يدل على أن النظر إلى ما يزيد عن الوجه والكفين هو دون علم المرأة.
أما إذا كان بعلمها أي بإذنها أو إذن وليها فلا يجوز أن تكشف للخاطب إلا المباح فقط أي الوجه والكفين لأن نصوص ستر العورة بالنسبة للمرأة لم تخصَّص في غير الخاطب، مثل قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ... الآية} و{ما ظهر منها} أي الوجه والكفان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» ... ولم يرد تخصيص لها في غير الخاطب بل المرأة تستر عورتها أمام كل رجل أجنبي عنها، الخاطب وغير الخاطب.
إن الذي ورد هو تخصيص تحريم نظر الرجل لعورة المرأة في غير الخاطب. فالآية: {قل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ..}، والحديث الذي أخرجه مسلم «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري» أي إذا التفت فوقع نظره على عورة فجأة فعليه صرف بصره. والحديث الذي أخرجه البخاري «كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر» وفي رواية النسائي «فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأةً حسناء وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فحول وجهه من الشق الآخر» أي أن الرسول منع الفضل من النظر إلى وجه المرأة لأنه كان نظراً بشهوة ...
كل هذه الأحاديث خُصصت في غير الخاطب ما دام حديث جابر أجاز للخاطب أن ينظر إلى الوجه والكفين وغير الوجه والكفين .. بما يدعوه للنكاح.
مما سبق يتبين أنه لم يرد أي نص يجيز للمرأة أن تكشف شيئاً من عورتها للخاطب، فهو لم يُستثنَ من نصوص تحريم كشف المرأة عورتها للرجال الأجانب، إنما الذي استُثني هو جواز نظر الخاطب إلى شيء من عورة مَن يريد خطبتها، إن استطاع، كأن يختبئ لها أي دون علمها.
ولذلك فإن استطاع أن ينظر الخاطب إلى غير المباح من عورة المرأة دون علمها فله ذلك، أما أن تكشف هي له غير الوجه والكفين سواء أكان ذلك بموافقة أبيها أم بغير موافقته فلا يجوز.
والخلاصة: أنه يجوز للخاطب أن يرى المباح من المرأة التي يريد خطبتها، أي الوجه والكفين، وذلك بدون إذنها كأن يراها في الشارع، أو بإذنها (وبإذن وليها) كأن يذهب إلى بيتها لخطبتها فيطلب من وليها أن يراها فللولي أن يحضرها بحضور وليها وخاطبها، فتحضر (ضيافةً) مثلاً وتجلس وينظر الخاطب إلى وجهها وكفيها. أي أن للخاطب أن ينظر إلى المباح (الوجه والكفين) بعلمها ويدون علمها أي بإذنها وبدون إذنها.
أما نظر الخاطب إلى غير الوجه والكفين فلا يصح أن يكون لا بإذنها ولا بإذن وليها بل إن كشف المرأة عورتها هو حرام على الخاطب وغير الخاطب، لكن يجوز للخاطب أن يرى غير الوجه والكفين إن استطاع أي دون علمها (دون إذنها) كأن يختبئ لها كما ورد في الحديث.
وكل هذا في النظر، فهو المستثنى للخاطب. وأما غير هذه من الأحكام الشرعية، كتحريم الخلوة مثلاً فهي لم تُستثنَ بل هي حرام لكل أجنبي عنها سواء أكان خاطباً أم غير خاطب.
----------
ثالثاً: هل يجوز دخول السينما لمشاهدة الأفلام العادية؟ ثم هل يجوز مشاهدة الأفلام المثيرة الإباحية علماً بأنها مشاهدة صور وليست أجساماً حقيقية؟ وما هو التصرف الواجب تجاه المسلم الذي يدخلها: هل نأمره وننهاه، أو نتركه وشأنه؟
الجواب: يجوز دخول السينما لمشاهدة الأفلام الجادَّة النافعة، بشرط أن تكون صفوف النساء في القاعة مفصولة عن صفوف الرجال. فهي مثل حضور محاضرة أو ندوة، فذلك جائز بشرط انفصال صفوف الرجال عن النساء.
لكن هذا الجائز بالشروط المذكورة، الأَوْلى تركه خشية وقوع العين على بعض عورات النساء الحاضرات في القاعة، وخشية سماع الأذن لأصوات غير مستقيمة من المشاهدين في القاعة.
أما مشاهدة الأفلام المثيرة الإباحية فلا يجوز حتى وإن كانت صوراً وليست أجساماً حقيقية، وذلك لأن القاعدة الشرعية في هذا الباب هي (الوسيلة إلى الحرام حرام) ولا يشترط في هذه القاعدة أن تؤدي الوسيلة إلى الحرام قطعاً بل غلبة الظن تكفي.
وهذه الأفلام تقود غالباً من يحضرها إلى الحرام، ولذلك فإن القاعدة تنطبق عليها.
ولذلك فلا يجوز حضورها ولا اقتناؤها.
أما ماذا يتصرف شباب الحزب تجاه المسلمين الذين يحضرون تلك الأفلام، فإن غالب من يحضرون هذه الأفلام هم من سقط المتاع الذين لا ينفع معهم أمر أو نهي إلا من رحم ربك، ومع ذلك فإنْ وجد الشباب أسلوباً قوياً رادعاً حكيماً فليأتوه، ولعل السائل يقصد بعض أقاربه ممن يحزنه أن يراهم في هذا السلوك السقيم، فيحب أن يبعدهم عن ذلك، فإن كان الأمر هكذا، فليأمرهم وينهاهم ويتخير الأسلوب المناسب لعل الله يهديهم، ويكون له بذلك أجر بإذن الله.
والمسلمون اليوم تحيط بهم المآسي من كل جانب بسبب غياب خلافتهم، والجدير بالمسلم أن لا يكون في وقته متسع حتى للهو المباح فكيف إذا قضاه في اللهو المحرم والعياذ بالله؟ إن الواجب عليكم، أيها الإخوة، أن توجهوا المسلمين بقوة، ولكن بحكمة، إلى أن يملأوا وقتهم بفعل الخيرات، والجد والاجتهاد في العمل لإعادة الخـلافة، وإنقاذ الأمة من هذه المآسي.
---------- |
رابعاً: هل يجوز للمرأة دون محرم ركوب سيارة خاصة إذا كان السائق من معارف أهلها؟
الجواب:
1 - السيارة الخاصة حكمها حكم البيت لأنها تحتاج إلى إذن للدخول (للركوب).
2 - لذلك لا يجوز أن يوجد فيها مع المرأة إلا محارمها أو زوجها، كما هو في البيت.
3 - ولا يستثنى من ذلك إلا ما استثناه النص في البيوت مثل صلة الأرحام للأقارب سواء أكانوا محرماً مثل العم، أو من غير المحارم دون خلوة مثل ابن العم، فيجوز الزيارة لأرحامهم صلةً للرحم في العيد مثلاً أو نحو ذلك، لورود النصوص العامة في صلة الرحم: وجوب الصلة للمحارم، ونَدْب الصلة للأرحام غير المحارم دون خلوة.
- وأية حالة أخرى إذا وجد لها نص يجيز اجتماع الرجال والنساء في البيت.
4 - وقد ورد استثناء آخر في وسيلة النقل الخاصة (التي هي كالبيت لحاجتها إلى الإذن) وهي جواز ركوب المرأة فيها مع سائقها إن كان يدلي لها برحم، على أن لا تكون خلوة، بل في السيارة غيرها من معارفها أو معارف السائق، سواء أكانوا محارم لها أم لا.
ودليل هذا الاستثناء هو الحديث الذي روته أسماء رضي الله عنها وأخرجه البخاري من طريق أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ... وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى ...». والفرسخ نحو ثلاثة أميال أي نحو 5.5 كيلومتر.
ويفهم منه:
أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز لأسماء أن تركب خلفه على راحلة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي راحلة خاصة وليست للنقل العام.
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسير مع عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في قافلة، يسيرون معاً.
وواضح منه أن السفر كان قاصداً أي ليس طويلاً يوجب المحرم.
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم توقف لها ليركبها لأنها تدلي له عليه الصلاة والسلام برحم فهي أخت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتَوَقُّفُ الرسول صلى الله عليه وسلم لها يفهم منه المعرفة المستغرقة للمرأة فهي تدلي له برحم، ويدخل في حكمها المرأة التي أهلها يتحقق فيهم الصداقة لصاحب الراحلة أو السيارة الخاصة استئناساً بالآية الكريمة التي أدخلت الصديق مع الأرحام في موضوع الأكل من البيوت (الحياة الخاصة) قال تعالى: {... أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ}.
والصديق هو الذي تتحقق فيه الصداقة أي المودة والألفة.
والخلاصة: يجوز للمرأة أن تركب في السيارة الخاصة إذا كانت تدلي للسائق برحم أو أهلها في حكم الصداقة الحقة للسائق، وأن لا تكون خلوة، أي أن يكون مع السائق آخرون غيرها من (معارفها أو معارف السائق) المأمون جانبهم لأن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم هم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع ملاحظة أنه إذا كان مع السائق في السيارة واحد فقط من معارفها أو معارفه فلا بد أن يكون محرماً لها، إلا أن يكون أكثر من واحد من معارفها أو معارفه المأمونين، وذلك جمعاً بين الأدلة: فالرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء كان معه نفر من الأنصار أي أكثر من واحد وليس منهم محارم لأسماء، لكن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع الخلوة بواحِد اشترط أن يكون محرماً حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. وعليه فإذا كانت هناك حالة تجيز وجود الرجل مع المرأة في السيارة الخاصة كأن تدلي له برحم أو يكون صديقاً لأهلها، فإن قطع الخلوة يكون إما بأكثر من واحد من معارف السائق ومعارفها المأمونين، وإما بواحد محرم لها. وأن يكون سفراً قاصداً أي ليس طويلاً يوجب المحرم.
هذا بالنسبة لقطع الخلوة بين صاحب السيارة الخاصة والمرأة الأجنبية عنه - التي تدلي له برحم أو أهلها في حكم الصديق - بوجود الرجال في السيارة معهما: فإن كان رجل واحد فلا بد أن يكون محرماً أو يكون أكثر من واحد من معارفها أو معارفه المأمونين كما هو موضح في الجواب وفق الأدلة.
أما قطع الخلوة بوجود نساء مع الرجل والمرأة الأجنبية عنه فهو أمر مبحوث في كتب الفقهاء سابقاً، وللسائل أن يتبع أياً من المجتهدين السابقين في هذه المسألة، فهو يجزئه.
وللعلم فإن من الفقهاء من يجيز قطع الخلوة مع المرأة الأجنبية بوجود امرأة أخرى معها من محارم الرجل أو من أزواجه، بل إن بعضهم يقول بقطع خلوة الرجل بامرأة أجنبية إذا كانت معها امرأة أخرى ثقة، ويعلل النووي صاحب المجموع ذلك بقوله «لعدم المفسدة غالباً لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً في ذلك) وهناك أقوال أخرى ...
----------
خامساً: أعرف أن التبرج هو الزينة التي تلفت النظر، وعليه فإذا كان الخمار صغيراً وظهر شيء من شعر المرأة أو عنقها، هل تكون متبرجة؟ علماً أن هذا الجزء الصغير الظاهر من شعرها أو عنقها لا يلفت النظر، حيث إن كثيراً من النساء حاسرات الرأس بشكل معتاد في الشارع وأصبح ذلك لا يلفت النظر؟
الجواب: التبرج: هو إبداء الزينة بشكل لافت للنظر دون انكشاف العورة. وهذا القيد دون انكشاف العورة وُضع لأن الزينة مع انكشاف العورة حرام سواء لفتت النظر أم لَم تلفت.
فالموضوع هو في غير انكشاف العورة كأن تتزين على وجهها أو أصابعها أو تتزين بخمارها أو جلبابها، أو تتزين على ساقها تحت جلبابها كاللاتي يلبسن الخلخال ... فكل هذه الزينة إذا كانت غير معتادة في الوسط الذي تتحرك فيه المرأة بحيث إن إبداء هذه الزينة يلفت النظر، فإنه يسمى (تبرجاً) وهو حرام.
فلو تزينت المرأة على أصابعها في قرية مثلاً لَم تعتد رؤية أصابع المرأة هكذا، فإن هذه الزينة على أظافرها تلفت النظر وتكون تبرجاً وهي حرام حتى وإن كان الكف ليس عورةً.
ولو ضربت بقدميها الأرض بحيث يسمع صوت لخلخالها فتلفت النظر إلى زينتها على ساقها حتى وإن كان ساقها مستوراً، فإن هذا تبرج وهو حرام.
ولو لبست خماراً، غريباً غير معتاد، مزركشاً زركشةً فاقعةً تلفت النظر إليها، فيكون تبرجاً وهو حرام حتى وإن كان شعرها مستوراً.
ولو لبست جلباباً مرسوماً على صدره رسوم تلفت النظر، فإن ذلك يكون تبرجاً، وهو حرام حتى وإن كانت تلبس لباساً شرعياً.
وهكذا كل زينة دون انكشاف العورة تلفت النظر فهي تبرج وهي حرام أما الزينة مع انكشاف العورة فهي حرام لفتت النظر أم لَم تلفت.
والدليل على ذلك {ولا يضربن بأرجلهن ليُعْلَم ما يخفين من زينتهن} فقد حرِّمت حركة المراة لتلفت النظر إلى خلخالها علماً بأن عورتها مستورة. فكان كل زينة تلفت النظر (دون انكشاف العورة) تبرجاً وهو حرام.
والخلاصة: إن الزينة اللافتة للنظر (دون انكشاف العورة) هي تبرج وهي حرام. والزينة مع انكشاف العورة حرام سواء ألفتت النظر أم لَم تلفت. وطبعاً انكشاف العورة حرام.
لذلك فأية زينة في المباح لافتة للنظر، كما وضحناه، تكون تبرجاً، وهو حرام. ويُعرف ذلك حسب ظروف وواقع الوسط الذي تعيش فيه المرأة، وعادةً لا تشكل معرفة ذلك معضلةً، فالناس، المرأة والرجل، يقدِّرون ذلك ويعرفونه.
هذا هو التبرج حيث لفتُ النظر هو الفيصل للحكم على كون الزينة في هذا المباح تبرجاً أو غير تبرج. أما الزينة في العورة مع انكشاف العورة فهذه ليس مكانها في التبرج، بل مكانها حكم العورة وأدلتها واضحة فيحرم على المرأة كشف أي جزء من عورتها سواء أكان لافتاً للنظر أم غير لافت: يقول الله سبحانه {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن ... الآية} و(ما ظهر منها) أي الوجه والكفان كما فسرها ابن عباس رضي الله عنهما، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» أخرجه أ. داود، فعير الوجه والكفين يحرم على المرأة أن تكشفه لغير الزوج والمحارم وفق الأدلة.
لذلك فإن الواجب هو لبس الخمار الكافي لغطاء الشعر والعنق ولويه على الصدر بحيث لا يظهر إلا الوجه والكفان. يقول تعالى {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أي تلوي الخمار على (الجيب) وهو فتحة القميص حتى لا يظهر العنق، فيكون غطاء لكل من الرأس والأذن والعنق إلا الوجه والكفين فيجوز أن يظهرا من جسمها.
----------
|
سادساً: قرأت حديثاً لأبي داود يقول فيه: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً إلا معها ذو محرم» فكيف أخذنا بالحديث الآخر «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا معها ذو محرم» علماً بأن مسافة البريد قد تقطع بأقل من يوم؟
الجواب: روى البخاري ومسلم من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».
وهو نهي عن سفر المرأة - مطلق سفر - إلا مع ذي محرم.
وقد ورد تقييد لهذا السفر بثلاثة أيام، يومين، يوم وليلة، ليلة:
- روى البخاري من طريق ابن عمر (ثلاثة أيام)، وروى من طريق أبي سعيد الخدري (يومين) وروى البخاري من طريق أبي هريرة (يوم وليلة)، وروى من طريق أبن عباس وابن عمر (يوم وليلة).
- روى مسلم من طريق ابن عمر (ثلاثاً، فوق ثلاث)، وروى من طريق أبي سعيد الخدري (يومين، ثلاثاً، فوق ثلاث) وروى مسلم من طريق أبي هريرة، ابن عباس، ابن عمر (يوم وليلة).
- وروى الترمذي من طريق أبي سعيد الخدري (ثلاثة أيام فصاعداً)، وروى من طريق أبي هريرة (يوم وليلة).
- وروى ابن ماجه من طريق أبي سعيد (ثلاثاً فصاعداً).
- وروى أحمد من طريق ابن عمر (ثلاثاً)، ومن طريق عبد الله بن عمر (مسيرة ثلاث) ومن طريق أبي هريرة (ثلاثة أيام، مسيرة يوم تام)، ومن طريق أبي سعيد (ثلاثة أيام، يومين، ثلاثاً، فوق يومين، يومين).
- وروى الدارمي من طريق أبي سعيد (ثلاثة أيام فصاعداً).
- وروى أبو داود من طريق أبي هريرة (ليلة)، (يوماً وليلة).
ثم نقل حديثاً من طريق أبي هريرة (بريداً).
أي أن التقييد للسفر ورد في رواية البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والدارمي وأبو داود بالزمن (ثلاثة ايام أو ثلاثة ليالٍ، يومين، يوم وليلة، ليلة).
وبحمل المطلق على المقيد، وبالجمع بين الأدلة يكون الحكم الشرعي أن لا تسافر المسيرة الأقل إلا مع ذي محرم، أي لا تسافر مسيرة ليلة، لأن عدم المسير ليلةً يحقق عدم المسير يومين، ثلاثة ... وفي اللغة يطلق العرب الليلة على اليوم كاملاً أي على نهار وليلة، قال تعالى: قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً مريم 10، وفي آل عمران قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً آية 41، وواضـح من الآيتين أن (ليالٍ) هي (أيام). وتقول العرب (كتبته لكذا ليلة خلت من شهر كذا) أي لعدد أيام كذا.
وبالتالي فالتحريم هو أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع زوج أو ذي محرم، وهذا ما أخذنا به.
تبقى رواية أبي داود المقيَّدة بالمسافة (بريد)، والبريد أربعة فراسخ، أي نحو (22 كم) والملاحظ حول هذه الرواية ما يلي:
1 - أنها تقيد السفر بالمسافة وهذا يعني أن الزمن لا قيمة له، فهي تحتاج محرماً إذا سافرت (22) كم سواء قطعتها في يوم أو يومين ...
وأما الأحاديث الأخرى فتقييد بالزمن أي يوم وليلة سواء قطعت فيهما مائة كم أو مئات ...
أي أن إعمال حديث المسافة يلغي الزمن، وإعمال حديث الزمن يلغي المسافة، فهنا تعارض، وعند التعارض يُعمَد إلى الترجيح، وواضح أن أحاديث البخاري ومسلم وباقي الصحاح حتى إن أبا داود نفسه يروي معظم رواياته بالزمن، كل هذه أرجح من رواية أبي داود الوحيدة التي فيها (بريد).
2 - رواية أبي داود بالبريد هي كما يلي:
(حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن سهيل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً إلا معها ذو محرم».
وأبو داود نفسه ينقل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أربعة أحاديث يقول فيها يوماً وليلة.
وكذلك أبو داود نفسه ينقل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة حديثين في الأول يقول (ليلة)، وفي الثاني يقول (يوماً وليلة).
فكل روايات أبي داود من طريق سعيد بن أبي سعيد (تارة عن أبيه وأخرى مباشرة) عن أبي هريرة يذكر التقييد بالزمن (يوماً وليلة). علماً بأن أحمد روى الحديث بالطريق نفسه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة وذكر (يوم تام):
ورواية واحدة لأبي داود من الطريق نفسه: سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بريداً.
وهذه الروايات ترجح أن أبا هريرة حدث سعيداً بن أبي سعيد (أو أبيه) حدثه يوماً وليلة، ولم يحدثه بريداً.
وبالتالي فالراجح هو ما ذكرناه في النظام الاجتماعي (يوماً وليلة) أي «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم».
وكما ترى فنحن نقول الراجح ولا نقول رأينا مقطوع به، هذه واحدة. والثانية إننا نقول بجواز أن تسافر أقل من يوم وليلة دون محرم ولا نقول بالوجوب، لذلك فإذا أرادت المرأة أن لا تسافر مسيرة نصف نهار إلا مع ذي محرم فلها ذلك، المهم أن لا تسافر مسيرة يوم وليلة وإلا ومعها محرم.
----------
سابعاً: هل يجوز للمرأة أن تركب مع معلم السواقة لتعلُّم السواقة إذا كانت وحدها دون محرم أو زوج على اعتبار أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست سيارةً خاصةً حتى تحتاج محرماً؟ ثم هل يأثم معلم السواقة في تعليمه السواقة لامرأة جاءته دون محرم أو زوج؟
الجواب: صحيح أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست خاصةً، ولكن الواجب هنا وجود الزوج أو المحرم مع المرأة، فإن لم تفعل أثمت، وكذلك يأثم معلم السواقة إن عَلَّمَها في السيارة دون محرم.
وبيان ذلك كما يلي:
1 - إن الله سبحانه أجاز للمرأة أموراً في الحياة العامة: (على الوجوب أو الندب أو الإباحة)، وبالتالي فللمرأة أن تؤديها في الحياة العامة على وجهها.
وهذه الأمور قسمان:
القسم الأول لا يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء معاً أو وجود خلطة بينهما، والخلطة هي (المجاورة والحديث معاً).
مثلاً: السير في الشارع، الذهاب للمسجد، الذهاب للنزهة، إلى حديقة عامة ... وأمثالها. فهذه لا يجوز للمرأة الخلطة مع الرجال في أدائها لأن الأصل هو الانفصال كما جاء في الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء في الإسلام، وما دام أداء ما أجازه الشرع للمراة لا يقتضي الخلطة والاجتماع لأجله فإن الحكم يبقى على أصله، أي تسير المراة في الشارع وإلى المسجد أو إلى أهلها أو إلى الحديقة ... مشياً أو ركباً (دون المسافة التي تقتضي محرماً)، تؤدي ذلك دون خلطة مع الرجال الأجانب أي دون المجاورة والحديث معاً، فتركب في الباص دون الحديث مع الرجل الأجنبي بجانبها، وتدخل الحديقة وتسير فيها دون خلطة ... ومثل هذه الحالات العامة ليس بالضرورة أن يكون مع المرأة محرم، وكذلك ليس بالضرورة أن تكون ممراتٌ في الحديقة للنساء وممراتٌ أخرى للرجال، أو شوارع في المدينة للرجال وشوارع أخرى للنساء ... بل هي ممرات وشوارع واحدة يسيرون فيها ولكن دون خلطة بالمعنى السابق المذكور.
وهكذا جميع الأمور التي أجازها الشرع للمرأة ولا يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء.
والقسم الثاني يقتضي أداؤه اجتماعَ الرجال والنساء لغرض يجتمعون لأجله.
مثلاً: البيع والشراء، الإجارة، التطبيب والتمريض، بعض أنواع التعلم والتعليم، المحاضرات العلمية العامة، تنمية المال بالزراعة أو الصناعة ... ففي هذه الحالات تكون لهذه الحياة أحكام خاصة تنظم هذا الاجتماع في حدود الشرع.
فالصلاة جماعة في المسجد يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء، لذلك وجد لها حكم خاص بأن تنفصل الصفوف، فالرجال أولاً ثم النساء، ولكن دون ضرورة وجود المحرم بين المصلين.
والحج يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء دون فصل للصفوف، ولذلك كانت أحكام الحج المعروفة للرجال والنساء.
والتطبيب والتمريض يقتضي أداؤهما، في حالات معينة، اجتماعَ الرجال والنساء، لذلك كان لهما حكم خاص جاز معه ؤية مكان المرض ولو كان من العورة.
وهكذا ...
2 - وتعليمُ السواقة يقتضي وجودَ الرجال والنساء للتعليم إذا كان لا يتأتى وجود معلمات سواقة للنساء ومعلمي سواقة للرجال، لذلك تُلتمس لهذه الحالة أحكامها الخاصة.
وبدراسة واقع تعليم السواقة يتبين ما يلي:
- واقع تعليم السواقة في السيارة هو محصور بالمعلم والمتعلمة، فالغرض هو تعليم السواقة لفرد وليس لجماعة، فالغرض الخاص لاجتماع الرجال والنساء لأجله هو محصور بهما وليس كالمسجد أو المحاضرة العامة حيث إن الغرض الذي يجتمعون لأجله يشمل أعداداً كثيرةً، فالخلوة منتفية، والمشكلة هي في صفوف الرجال والنساء، ولذلك جاءت الأدلة بفصل الصفوف دون التعرض للخلوة أو للمحرم.
وأما في حالة تعلم السواقة في السيارة، فإنَّ الغرض الجامع للرجال والنساء متعلق باثنين: معلم السواقة والمتعلمة، ولهذا فإنَّ مظـنـة الخلوة واقعة حسب متطلبات السير لتعليم السواقة في طرق مختلفة، بالإضافة إلى حدوث الخلطة أي لاجتماع المتجاور والحديث أثناء تعليم السواقة. ولذلك يجب أن تقطع الخلوة وتحصر الخلطة في موضوع تعليم السواقة، ويكون ذلك بمحرم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. لهذا فإن الواجب وجود زوج المتعلمة أو محرمها أثناء ركوب السيارة لتعليم السواقة. وكل ذلك إذا لم ينيسر وجود امرأة تعلم السواقة للنساء، فإن لم يتيسر كان ما ذكرناه أعلاه.
والخلاصة أنه يجوز للمرأة ركوب سيارة تعليم السواقة مع معلم السواقة، على أن يكون معها في السيارة زوجها أو محرم لها، وإن لم يكن المحرم موجوداً فقد أثمت، وأثم معلم السواقة الذي يعلمها دون وجود محرم أو زوج.
مع ملاحظة أن المراة في الحياة العامة، في كل حالاتها، يجب أن تكون مستورة العورة باللباس الشرعي أي الجلباب والخمار وفق حدود الشرع.
|
|
18 من رمضان 1427هـ |
|
10/10/2006م |
|
|
|
|
|
أجوبة أسئلة في الشخصية الجزء الثاني
|
|
|
السؤال الأول: ورد في الشخصية ج2 ص311 سطر 2 من الآخر إلى ص312 سطر 1 عدم ذكر الأجرة بل اكتفى بذكر السلعة والمدة ومع ذلك قال صح البيع. ولكنه عاد في ص312 سطر 2، 3، 4 فذكر السلعة والأجرة ثم المدة والأجرة ... فكأن هذه الأمثلة مختلفة، فإن كانت، فكيف تُفهم هذه الأمثلة؟
الجواب: نعم، المثل الأول المضروب هو عن الاستئجار على معلومية السلعة: (فإذا استأجر تاجر شخصاً ليبيع له الدار الفلانية صح البيع...)، والمثل الثاني هو عن معلومية المدة (.. وكذلك إذا استأجر ليبيع له مياومة صح..).
ولم يذكر معلومية الأجرة.
ثم عاد وضرب مثلين كاملين على معلومية السلعة والأجرة، ومعلومية المدة والأجرة: (ليبع له مياومة بمبلغ معين)، (ليبيع له سلعاً معينة بعمولة معينة على كل صفقة) وهذان المثلان الأخيران أمرهما واضح، فالمدة أو السلعة معلومتان وكذلك الأجرة.
أما المثلان الأولان فلم تذكر فيهما الأجرة، ويحق لك أن تسأل لماذا لم يذكر الأجرة مع أنه قال (يصح).
لقد ذُكِرَتْ هذه الأمثلة لبيان أن عدم معلومية الأجرة لا يؤثر في صحة عقد الأجارة، فذِكْرُ الأجرة هو على الندب، لأن الأجرة إذا لم تذكر فيحكم فيها أجر المثل، والعقد صحيح، وقد استنبط هذا الحكم من (المهر)، وأنه إذا لم يذكر صح العقد ووجب أجر المثل.
وكل هذا موضح بتمامه عند بحث الإجارة في النظام الاقتصادي ص (101) ففيه بيان الأساس الذي يقوم عليه تقدير الأجرة في عقد الإجارة، وفصَّل موضوع الأجرة بشكل واضح، وأنها إن لم تكن الأجرة معلومة انعقدت الإجارة وصحت ...
ولو ذُكر في الشخصية الثاني ص 311، 312 توضيح أن معلومية الأجرة مطلوبة على الندب وأن عدم ذكرها لا يؤثر في صحة العقد لأَبْعَدَ احتمال الالتباس كلياً، غير أنها بالصيغة المذكورة يمكن فهمها لمن كان قد درس النظام الاقتصادي بتمامه.
ونحن في تعميمنا الأخير حول ترتيب كتب التدريس جعلنا كتب الشخصية في الآخر ليكون الشاب قد درس الأحكام الشرعية التفصيلية الواردة في الأنظمة.
--------------
السؤال الثاني: ورد في الشخصية ج2 ص285 سطر 6، 7 أن غير المكيل والموزون والمعدود لا يكون القبض في بيعه شرطاً في صحة ملكية الشخص له، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ورد بعد ذلك في ص287 سطر 2، 3 البحث في كيفية قبض غير المكيل والموزون مثل الدار والحيوان؟
الجواب: نعم كل ما لم يكن من المكيل أو الموزون فليس شرطاً في بيعه القبض بل مجرد انتهاء العقد يكفي، وهذا يعني أنك لو اشتريت داراً أو حيواناً مثلاً فسواء أقبضته بعد انتهاء العقد أم بقي عند البائع، فالبيع قد انعقد، والدار أو الحيوان أصبح ملكك.
أما المكيل أو الموزون فلا يصح ملك المشتري له إلا إذا قبضه أي أن القبض في المكيل والموزون لا بد منه لتصبح السلعة ملك المشتري ولكن القبض في غير المكيل والموزون ليس شرطاً في ملكية المبيع بل إنْ قَبَضَهُ بعد انتهاء العقد فخير وإن لم يقبضه فخير، فالبيع قد انعقد وأصبحت السلعة ملكاً للمشتري.
بعد ذلك ضربت أمثلة على كيفية القبض سواء أكان (مكيلاً أو موزوناً) أم كان (غير مكيل ولا موزون)، أي سواء أكان القبض لازماً أم غير لازم.
ثم بعد ذلك ذكر جملة (.. فقَبض كل شيء بحسبه...) وضرب أمثلة على القبض، سواء أكان قبضاً لازماً للملكية أم غير لازم:
فَذَكَرَ الذي يباع كيلاً بالصاع أو يباع وزناً كالقمح مثلاً، أو التفاح مثلاً.
وذكر الذي يباع عداً (بالقيمة) كالنقد: الدنانير والدراهم والنقد الورقي... أو يباع عداً (بالذراع أو المتر، وأحياناً يقال ذرعاً... ولا يقال كيلاً إلا بقرينة لأن الكيل كان في السابق بالصاع، ونحوه وليس بالقياس بالمتر والذراع) كالثياب والقماش...، ومعلوم أن المعدود حكمه حكم المكيل والموزون.
وذَكَرَ الذي يباع دون كيل ولا وزن ولا عد كالدار والأرض...
وفصّل في كيفية القبض لازماً أم غير لازم، فقال:
التمر وذكر قبضه بالكيل.
النقد... وذكر قبضه بأن تستلمه باليد.
الثياب... وذكر قبضها بأن تنقلها.
الدار... وذكر قبضها بالتخلية بينها وبين المشتري.
الأرض... كذلك.
وهنا يرد سؤالك: مادام القبض غير لازم في انتقال الملكية بل بإتمام العقد، فما الداعي لذكر كيفية قبض غير المكيل والموزون والمعدود، مثل الدار والأرض والحيوان؟
والجواب هو أن القبض مهم لأمور أخرى غير الملكية، وإليك المثال التالي:
رجل اشترى داراً ولم يقبضها، أي لم يخلى بينها وبين المشتري، وتم توقيع العقد على الوجه الصحيح، فالنتيجة كما يلي:
الدار أصبحت ملكاً للمشتري، يبيعها ويهبها...، وهي تبقى في حكم الأمانة عند البائع، فلو جاء المشتري بعد شهر ليسكنها مثلاً فوجدها مكسورة الأبواب، فإن كانت بتقصير منه يضمن أي تأخذ حكم الأمانة.
أما إن كان قد قبضها (أي أخلى بينها وبين المشتري)، فالدار أصبحت ملكاً للمشتري وليست أمانة عند البائع، ولا علاقة له بها وأي تكسير بل أي هدم لا علاقة للبائع بل هي في مسؤولية المشتري وهكذا، فالقبض هنا ليس شرطاً في الملكية بل لأمور أخرى.
--------------
السؤال الثالث: ورد في الشخصية ج2 ص313، 314 (... فيعرِّفه السعر)، وفي ص314 (... يكذب على البادي في سعر البلد)، فكأنَّ بينهما اختلافاً، فكيف يقول في الأولى (يعرِّفه سعر البلد) ويقول في الثانية (يكذب عليه في سعر البلد)؟
الجواب: الوارد في الشخصية الثاني ص313، 314 هو عن مسألتين وليس عن مسألة واحدة، فالعبارتان هما:
(ونهى عن تلقي الركبان وهو أن يخرج الحضري إلى البادي وقد جلب السلعة فيعرفه السعر ويقول له أنا أبيع لك).
(أو أن يكذب على البادي في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل...).
الجملة الأولى تتعلق بتلقي الركبان من أجل السمسرة لهم أي يأتي البادي معه غنمه فيتلقاه الحاضر (السمسار) ويقول له إني أبيع لك غنمك مقابل سمسرة كذا، ويعلمه سعر الغنم في السوق ولكن لا يعلمه أجرة السمسرة في السوق، فلو وصل البادي إلى السوق قد يجد السماسرة يأخذون أجرة أقل مما ذكر له السمسار الذي تلقاه خارج البلد.
فهنا النهي مسلَّط على تلقي السمسار للركبان ليتفق معه على عمولة أكبر مما هو موجود في السوق، لذلك يتلقى الركبان قبل أن يصلوا السوق ويعرفوا عمولة السماسرة.
والجملة الثانية تتعلق بتلقي الركبان من أجل الشراء، أي يأتي البادي بغنمه فيتلقاه الحاضر (المشتري) ولا يعلمه السعر في السوق بل يكذب عليه فيخفض السعر محاولاً شراء السلعة بثمن أقل مما هو في السوق، فيبذل جهده في عملية الشراء قبل أن يصل البادي إلى السوق فيعرف سعر السوق.
فهنا النهي مسلَّط على تلقي المشتري للركبان ليتفق معهم على الشراء بسعر خلاف ما هو في السوق، لذلك يتلقى الركبان قبل أن يصلوا السوق ويعرفوا سعر البيع.
ففي تلقي السماسرة للركبان هو لأخذ عمولة أكثر مما في السوق، فالموضوع يتعلق في (الكذب) على البادي فيما يتعلق بعمولة السماسرة في السوق، وليس الكذب في سعر السلعة، فموضوع الخديعة في أجرة السماسرة وليس في سعر السلعة ولذلك يخبر السمسار البادي بسعر السلعة في السوق لأن المسألة لست بيع وشراء بل عمولة وسمسرة.
وتلقي المشتري للركبان هو للشراء بأقل من سعر السوق، فالموضوع يتعلق في (الكذب) على البادي فيما يتعلق بسعر السلعة في السوق، فالخديعة هي في سعر السلعة وليس في أجرة السمسرة.
وكما ترى فلا تناقض بين القول في السمسرة (... فيعرفه السعر) والقول في الشراء (... يكذب على البادي في سعر البلد)، لأن كل قول هو موضوع مختلف.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: هل يجوز الاشتراط على الخليفة؟ ثم كيف نفهم ما حدث فى بيعة عثمان رضي الله عنه؟
الجواب:
أ - إن الأمة لا تشترط على الخليفة، بل هو يحكم وفق الشرع على الوجه المبين.
ب - أما الذي حدث مع عثمان رضي الله عنه، فهم لم يشترطوا على الخليفة، فلم يكن عثمان رضي الله عنه خليفةً بعد، بل الذي حدث هو موضوع انتخاب. وعند الانتخاب للناخب أن يضع لنفسه قاعدةً ينتخب بموجبها فمثلاً يقول الناخب للمرشح إذا تتعهد بإصلاح الطرق في بلدي أو شبكة المياه، أو تقضي على البطالة أو تعالج الفقر ... أنتخبك، فالذي حدث مثل هذا فإن عبد الرحمن بن عوف كان يسألهم من تنتخبون، فيقول هذا علي إذا حكم في أي قضية حدثت زمن عمر بالحكم الذي قضى فيه عمر، فقد كان الناس مرتاحين لحل عمر للقضايا، وهم قالوا بالنسبة للقضايا التي حدثت زمن عمر ثم حدثت زمن علي إذا أصبح خليفةً أن يحكم فيها كما حكم عمر فيها. وهذا الأمر حق للناخب فإن للناخب أن يقول ما شاء من المباحات أو ما يراه هو مندوباتٍ أو واجباتٍ، يقول للمرشح إذا تتعهد فعل كذا أنتخبك.
فوجد عبد الرحمن بن عوف أن معظم الناس يريدون المرشح الذي يتعهد بأن يحكم في القضايا التي تعرض له بالحكم نفسه الذي حكم فيه عمر في تلك القضايا عندما حدثت هي هي في عهده، وليس بالنسبة للقضايا الأخرى التي لم تحدث في عهد عمر.
هذه هي المسألة، وهذا أمر مباح للناخب أن يشترطه على من يريد انتخابه فينتخبه على ضوء ذلك أو لا ينتخبه.
وأما الحكم البرلماني الديمقراطي فإن لمجلس النواب صلاحياتٍ عندهم تحد من قدرة رئيس الدولة على اتخاذ القرار أو تمنعه من اتخاذ القرار إلا إذا وافق البرلمان في كثير من الحالات التي يحددها القانون.
وفي الإسلام فإن مجلس الأمة هو لإبداء الرأي والمحاسبة للخليفة، والأمر مختلف عن مجلس النواب من حيث الصلاحية فهي التشريع والحكم ثم في جزء منها الرأي والمحاسبة.
|
|
|
|
|
|
ضابط التفريق بين المعدود والموزون والمكيل
|
|
|
السؤال: كيف نفرق بين المعدود والموزون والمكيل في الأحكام الشرعية ذات العلاقة، أي ما الضابط لذلك؟
الجواب:
المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.
أي إذا أردت معرفة جواز السَّلَم في سلعة ما أنظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...
فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي إن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...
أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.
الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)
القماش ... بالكيل (الذراع، والمتر)
وهكذا، أي ما يضبط وصفه عند القبض: بالوزن أو بالعد أو بالكيل، بعضها أو كلها، يجوز فيه السلم. وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك (100) كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.
ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟
ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...
لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... ومادام بيع الحيوان لا ينضبط بالوزن دائماً فلا يدخله السلم، حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).
وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...
وهكذا
وعل كلٍّ فالجامع بشكل عام أن السلعة إذا كان تضبط أوصافها عند القبض بالوزن أو العدد أو الكيل يجوز فيها السلم، وغير ذلك لا يجوز. ويمكن القول إن أكثر الأشياء موزونة مكيلة معدودة، لكن لا يقال كل الأشياء.
موضوع الحجر كما يلي:
أ- إذا كانت الأحجار يضبط وصفها بالكيل أو العدد عند القبض فيجوز بيعها سلماً، أي يدفع الثمن لصاحب المحجر لأحجار موصوفة كيلاً أو عدداً، ثم بعد الأجل المعين يستلم الأحجار، وأكرر إذا كانت تضبط أوصافها عند القبض بالكيل أو العدد. والسلم جائز ممن عنده السلعة أو ممن ليست عنده.
وفي هذه الحالة تدفع الأثمان أولاً، وتستلم البضاعة في الأجل المحدد.
ب- أن تشتري الأحجار (ليس سلماً) وفي هذه الحالة يجب أن تكون الأحجار موجودة عند البائع للنهي عن بيع ما لا يملك، يراها المشتري، وإذا وافق يشتريها ويدفع الثمن، نقداً كله أو بعضه... وبعضه دَيْن، وهكذا حسب الاتفاق.
جـ- أن يكون الموضوع ليس بيعاً ولا سلماً وإنما (أجرة)، كأن تريد أن تبني سوراً من حجر فتتعاقد مع (بَنّاء) أن يبني لك السور مقاولة المتر بكذا، والمواد والعمل... على البناء أي عقد مقاولة، ففي هذه يجوز العقد مع البنّاء سواء أكان الحجر عنده أم لا، فهو ملزم ببناء السور أي عقد مقاولة وليس عقد شراء حجر لا سَلَماً ولا حاضراً.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: نحن نعلم أن التدرج في تطبيق الأحكام لا يجوز، فلا يجوز تطبيق جزء من الأحكام وترك جزء آخر، بل مطلوب تطبيق أحكام الإسلام كلها، فكيف نفهم الحديثين التاليين اللذين يوردهما دعاة التدرج، ويقولون بجواز تطبيق جزء من الأحكام وترك تطبيق جزء آخر؟ وبمعنى آخر هل يُرَدُّ الحديثان أو يمكن الجمع بينهما، وبين أدلة عدم جواز التدرج ووجوب تطبيق أحكام الإسلام كلها؟ والحديثان هما:
1 - حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.
2 - حديث عثمان بن أبي العاص: عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبُّوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ قَالَ فَقَالَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعْشَرُوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ فِيهِ قَالَ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ وَاجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي.
|
الجـواب:
قبل الإجابة عن الحديثين المذكورين في موضوع التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء، أبيَّن ما يلي:
1 - عند استنباط حكم شرعي لمسألة، يدرس واقعها جيداً ثم تجمع الأدلة المتعلقة بهذا الواقع، وتدرس هذه الأدلة دراسة أصولية ليستنبط الحكم الشرعي.
2 - يُبذَل الوسع أولاً للجمع بين الأدلة فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
3 - فإذا تعذر الجمع عُمد إلى الترجيح وفق أصوله المتبعة: فالمحكم قاضٍ على المتشابه، والقطعي قاضٍ على الظني، وإذا اجتمع ظني وظني فتدرس قوة الدليل من حيث السند ومن حيث العموم، فقويُّ السَّند يُرَجَّح على الأقل قوة، والخاص يرجح على العام، والمقيد على المطلق، والمنطوق على المفهوم ...الخ كما هو مفصل في بابه.
والآن لنناقش موضوع التدرج وتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء آخر، ثم نرى كيف يفهم الحديثان:
1 - التدرج وتطبيق جزء وترك آخر لا يجوز وأدلته قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، نذكر بعضها:
قال تعالى: { َأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ }.
فهذا أمر جازم من الله لرسوله، وللحكام المسلمين من بعده بوجوب الحكم بجميع ما أنزل الله من الأحكام، أمراً كانت أم نهياً، لأن لفظ (ما) الوارد في الآية هو من صِيَغ العموم، فتشمل جميع الأحكام المنـزلة.
وقد نهى الله رسـوله، والحكام المسـلمين من بعده عن اتباع أهواء الناس، والانصياع لرغباتهم، حيث قال: { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ }.
كمـا حـذر الله رسـوله والحكام المسـلمـين من بعده أن يفتنه الناس، وأن يصرفوه عن تطبيق بعض ما أنزل الله إليه من الأحكام، بل يجب عليه أن يطبق جميع الأحكام التي أنزلها الله عليه، أوامر كانت أم نواهي، دون أن يلتفت إلى ما يريده الناس. حيث قال: { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ }، وقال تعالى: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ }، وفي آية ثانية قال تعالى: { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، وفي آية ثالثة قال تعالى: { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، فجـعل الله في هذه الآيات الثلاث مَن لم يحكم بجميع ما أنزل الله من أحكام، أوامر كانت أو نواهي كافـراً، وظـالماً، وفاسـقـاً. لأن (ما) الواردة في الآيات الثلاث من صـيغ العموم، فتشمل جميع الأحكام الشرعية التي أنزلها الله، أوامر كانت أو نواهي.
وهذا ما كان عليه الخلفاء الراشدون في تطبيق أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة وهم أعرف الناس بكتاب الله سبحانه وبكيفية تطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحكام، فقد كان تطبيقهم للأحكام رضي الله عنهم دفعةً واحدةً، دون تأخير أو تسويف أو تدرج. فلم يكونوا يسمحون لمن دخل في الإسلام أن يشرب الخمر أو يزني سنة مثلاً ثم بعد ذلك يُمنع ... بل كانت الأحكام تطبق كلها. وهذا متواتر مستفيض في تطبيق الأحكام على البلاد المفتوحة.
وعليه فإنه لا يؤثر أي دليل ظني في هذا الحكم فتحريم التدرج، ووجوب تطبيق أحكام الإسلام كلِّها ثابتان بالنص القطعي.
2 - وهذا يعني أن أي دليل ظني فيه شبهة الدلالة على النقيض من القطعي، فإن القطعي قاضٍ عليه، أي أن الظني يجب أن يُفهم بما لا يعارض القطعي، بمعنى آخر يُعمد إلى إعمال الدليلين بفهم الظني بما لا يتعارض مع القطعي إذا أمكن، وإلا عُمِد إلى الترجيح أي الأخذ بالقطعي وردَّ الظني.
3 - والآن هل يمكن إعمال الدليلين، أي هل يمكن فهم الظني بما لا يتعارض مع القطعي؟
لنبدأ بالحديث الأول: حديث معاذ بن جبل:
(... فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات ... فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ... فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائهم أموالهم واتق دعوة المظلوم ...):
أ - الحديث صحيح من حيث السند وكذلك من حيث المتن فلا اضطراب فيه فقد أخرجه البخاري.
ب - لا يصح أن يفهم منه جواز التدرج في الأحكام وإلا ناقض القطعي، وهذا لا يصح، لأن تحريم التدرج ثابت بالقطعي، وبهذا عمل الصحابة عند الفتح فطبقوا الإسلام كاملاً على البلاد المفتوحة، وهو أمر متواتر مستفيض.
ج - الحديث نص في الصلاة والزكاة، ولم يستدل أحد من الفقهاء به في جواز الطلب بالصلاة دون الزكاة، أي أن الذين يقولون بالتدرج لا يقولون بالتفريق بين الصلاة والزكاة فلا يجيزون للمسلم الصلاة وترك الزكاة، بل هم يقيسون على (مفهوم) الحديث المتعلق بالصلاة والزكاة، يقيسون عليه التدرج في تطبيق الأحكام الأخرى وهذا باطل لأن حكم الأصل الذي قاسوا عليه غير معمول به عندهم فهم لا يقولون بالتدرج في الصلاة والزكاة ولكن يقولون بالتدرج في تطبيق فروع الأحكام الأخرى، علماً بأن الحديث نص في الصلاة والزكاة.
د - ولذلك فالحديث غير صالح للاستدلال به على التدرج لأن الأصل المذكور فيه (التدرج في الصلاة والزكاة) غير معمول به عند أحد، حتى عند الذين يستدلون بالحديث على التدرج.
هـ - وعليه فلا يصح بحال أن يفهم من الحديث جواز التدرج بتطبيق جزء وترك جزء من االأحكام لأنه عندها يتعارض مع القطعي الذي يحرم التدرج هذا أولاً، وثانياً لا يقاس عليه لأن الأصل (التدرج في الصلاة والزكاة) غير معمول به.
و - إذن هل يُرَدّ أو يمكن إعماله بما لا يتعارض مع القطعي؟ الجواب يمكن فهمه على النحو التالي:
منطوق الحديث لا يدل على التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء، بل المفهوم هو الذي يدل. فنص الحديث:
«... فادعهم إلى ان يشهدوا ... فإن هم أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات ... فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ...».
فالمنطوق يفيد أن تدعوهم للإيمان فإذا آمنوا فادعهم إلى الصلاة فإذا صلوا ادعهم إلى الزكاة. ولكن ليس في المنطوق فإذا لم يؤمنوا لا تدعهم إلى الصلاة وإذا لم يصلوا فلا تدعهم للزكاة. بل هذه فهمت من مفهوم المخالفة بالشرط أي إذا لم يؤمنوا فلا تدعهم للصلاة، وإذا لم يصلوا فلا تدعهم للزكاة.
ومفهوم الشرط في نص ما يعطَّل إذا خالف المنطوقَ في نص آخر مقطوع أو مظنون لأن المنطوق مقدَّمٌ على المفهوم، أي ليس فقط إذا عارض منطوق القطعي بل حتى إذا خالف منطوق الظني فإن المفهوم يعطل ولا يعمل به.
ولذلك فيفهم الحديث بمنطوقه ويوقف عنده، ولا يعمل بمفهوم المخالفة لمعارضته منطوق الأدلة الصريحة بوجوب الأخذ بأحكام الإسلام كاملةً.
وتعطيل مفهوم المخالفة بالمنطوق أمر ثابت في الأصول، ومتفق عليه عند الذين يعملون بالمفهوم وعند الذين لا يعملون به.
فمثلاً: قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}، فالمنطوق تحريم إكراههن على الزنا إن أردن العفاف، ومفهوم المخالفة نتيجة الشرط هو أن يُكْرهن إذا لم يُردن العفاف، لكن هذا معطل بمنطوق الآية وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} ولذلك لا يعمل بمفهوم المخالفة في الآية {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} ويوقف في الآية عند منطوقها فقط أي منطوقها يُعمل به فلا يُكرهن على الزنا إن أردن العفاف، وأما الحكم في حالة عدم إرادتهن العفاف فلا يؤخذ من مفهوم هذه الآية بل من الأدلة الأخرى التي تحرم الزنا تحريماً مطلقاً.
ومثلاً قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ ...} فإن منطوقها القصر في حالة الخوف، ومفهوم الشرط أَنْ لا قصر إن لم تخافوا، لكن هذا المفهوم معطل بمنطوق الحديث الذي أجاب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم السائل عن جواز القصر في حالة الأمن في حين أن الآية ذكرت الشرط {إِنْ خِفْتُمْ}، فقال صلى الله عليه وسلم «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». لذلك فيعمل بمنطوق الآية أي القصر في حالة الخوف، وأما القصر في حالة الأمن فلا يؤخذ من مفهوم الآية بل من أدلة أخرى، أي من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور الذي بين جواز القصر في الخوف والأمن، حيث القصر صدقة تصدق الله سبحانه على عباده.
وهكذا يقال في حديث معاذ أن منطوق الحديث يعمل به ولكن لا يعمل بمفهوم الشرط فيه بل يؤخذ حكم الزكاة إن لم يؤدوا الصلاة من أدلة أخرى، وهي التي توجب فرض الزكاة فرضاً عاماً مطلقاً سواء أدى الصلاة أم لم يؤدها.
أي أن أدلة تحريم التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء يُعمَل بها منطوقاً ومفهوماً، وحديث معاذ يُعمَل به منطوقاً ولا يُعمَل بمفهومه. وهكذا يجمع في العمل بالأدلة وفق الأصول الفقهية المتبعة.
أما الحديث الثاني:
حديث عثمان بن أبي العاص: عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا وَلَا يُجَبُّوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ قَالَ فَقَالَ إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا وَلَا تُعْشَرُوا وَلَا يُسْتَعْمَلَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ فِيهِ قَالَ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي الْقُرْآنَ وَاجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي. هذا اللفظ لأبي داود. لا يجبّوا من التجبية أي الركوع وقد أطلقت مجازاً عن الصلاة.
ونقول في هذا الحديث:
أ - هذا الحديث يؤخذ به وإن كان المنذري قد قال عنه (وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص) لكن القول هنا بصيغة المجهول، لذلك يمكن الاحتجاج به.
وبالطريقة نفسها التي تحدثنا فيها عن الحديث الأول، نقول في هذا الحديث:
- لا يصح أن يُفهَم منه جواز التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء لأن الأدلة القطعية ثابتة على تحريم التدرج في تطبيق الأحكام.
- وإذن إما أن يُفهم الحديث بما لا يتعارض مع الأدلة القطعية أي يعمل بالدليلين: القطعي والدليل الظني، وإما أن يعمل بالدليل القطعي ويرد الظني إذا لم يمكن إعمال الدليلين. أي يُعمد إلى الجمع بين الأدلة إن أمكن أو يُعمد إلى الترجيح، ومعلوم أن القطعي قاضٍ على الظني.
- في هذا الحديث، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفد ثقيف أن (لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم) ولكن لم يقبل منهم ترك الصلاة. أما عدم استعمال غيرهم عليهم أي أن يكون الوالي على ولايتهم من أهل الولاية، فلا شيء فيه، وهذا جائز في البداية إن وجد الكفؤ من بينهم، لكن ما معنى (أن لا تحشروا ولا تعشروا)؟ قال في اللسان عن معنى لا يحشرون: (أي لا يندبون للمغازي ولا تضرب عليهم البعوث ... وقيل لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم). وجاء في اللسان كذلك عن معنى لا يعشرون: (أي لا يؤخذ عشر أموالهم وقيل أرادوا به الصدقة الواجبة). ولذلك فإنه يمكن فهم هذا الحديث بأن يؤخذ معنى (أن لا يحشروا) أي أن لا يحشروا إلى عامل الزكاة فيدفعوا زكاتهم عنده بل في أماكنهم أي أنه هو يأتيهم إلى أماكنهم ويأخذ زكاتهم، وهذا هو أحد معاني (يحشرون). وأن يؤخذ معنى (أن لا يعشروا) أي لايؤخذ عشر أموالهم، وهذا المعنى هو أحد معاني (يعشروا).
وهكذا يكون ما اشترطوه ووافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم عليه هو أن يدفعوا زكاة مالهم في أماكنهم، وأن لا يؤخذ منهم العشر بل الزكاة فقط. ويجوز لمن يريد الإسلام أن يشترط دفع زكاته في مكانه، وأن لا يؤخذ منه عشر بل زكاة فقط. وهذا جائز ولا شىء فيه. وبذلك يتم الجمع بين الحديث والأدلة القطعية. غير أن هناك رواية ثانية لأبي داوود من طريق وهب: «قال سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا». مما يرجح أن معنى لا يحشرون أي لا يندبون للمغازي أي (لا يجاهدون)، ومعنى لا يعشرون أي لا يُزكُّون.
وفي هذه الحالة يكون الحديث خاصاً بوفد ثقيف، وأن قبول عدم جهادهم وعدم زكاتهم هو نص خاص فيهم لا يتعداهم لغيرهم، لأن الحكم الخاص لا يتعدى صاحبه. والحكم الخاص يحتاج إلى قرينة لخصوصيته حتى لا يتعداه، والقرينة هنا هي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم إن أسلموا فسيتصدقون ويجهادون، ويكون شرطهم لا واقع له، وعِلْم الغيب لا يتأتى لغير الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهي قرينة على أن هذا الحكم خاص.
والأحكام الخاصة واردة فمثلاً: شهادة خزيمة التي اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم له بشهادة رجلين فهي خاصة به ولا تتعداه إلى غيره، وكذلك أضحية أبي بردة بجذعة من المعز أي التي بلغت ستة شهور فهي خاصة به لا تتعداه إلى غيره، لأن الأضحية من المعز تجب ببلوغها السنة.
وهكذا يعمل بالدليلين: يحرم التدرج في تطبيق الأحكام، وذلك وفق الأدلة القطعية، وتدرُّج الجهاد والزكاة خاص بوفد ثقيف لعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم إن أسلموا سيجاهدون ويزكون.
والخلاصة:
- يَحْرُم التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك آخر للأدلة القطعية في ذلك.
- حديث معاذ بن جبل يعمل بمنطوقه ولا يعمل بمفهوم المخالفة للشرط المذكور.
- وحديث أبي داوود بروايتيه حيث لم يوافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك الصلاة، وقبل اشتراطهم عدم الجهاد والزكاة، هو حكم خاص بذلك الوفد لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أن شرطهم لن يكون له واقع فهم عندما يسلمون سيجاهدون ويزكون.
أي أن الحديثين لا يُردَّان بل يُجمع بينهما وبين الأدلة القطعية الدالة على تحريم التدرج بتطبيق جزء وترك جزء من الأحكام ، وذلك على النحو الذي بيناه.
|
--------
السؤال: أرسل أحد الشباب تعقيباً على جوابنا حول التدرج بتاريخ 11/02/2006م وطلب توضيحاً لتعقيبه. (ولطول السؤال فلم نسجله هنا ولكن أثبتنا المهم منه في الجواب).
الجواب:
كأنَّ الأمر التبس عليك، فأنت تقول: (حديث معاذ: إذا كان مفهوم الشرط للحديث معطل ... وكذلك منطوق الحديث لم يستدل به أحد ...)، من أين عرفت أن المنطوق لم يقل به أحد؟ إن الذي ورد في الجواب «الحديث نص في الصلاة والزكاة ولم يستدل أحد من الفقهاء به في جواز الطلب بالصلاة دون الزكاة ...) فالكل يعمل بالمنطوق أي إذا آمن، ادعه للصلاة، وإذا صلى ادعه إلى الزكاة ... . لكن الذي لا يُعمل به مفهوم المخالفة بالشرط، أي إذا لم يصلِّ لا تَدْعُه للزكاة ..، فالذي لا يَعمل به أحدٌ هو التدرج في الصلاة والزكاة، أي لا يأمره بالزكاة إلا بعد أن يصلي، هذا هو الذي لا يَعمل به أحد. لكن القائلين بالتدرج يقيسون على هذا الذي لا يعملون به. فهم يقولون الحديث يقول ادعُه إلى الصلاة ثم إذا صلى ادعُه إلى الزكاة، ويضيفون وهذا يعني التدرج في الأحكام، عندها تسألهم كيف فهمت ذلك؟ يقول قياساً على الحديث فهو يطلب الصلاة فإذا صلى تطلب الزكاة فتسأله عندها: أي أنك تقول بعدم دعوته للزكاة إلا إذا صلى؟ عندها يسكت، لأنه يجد الأمر ثقيلاً أن يفرِّق بين الصلاة والزكاة، فهو يقيس التدرج في غيرها من الأحكام على ما ورد في الحديث من ذكر الصلاة والزكاة، في حين أنه لا يفرِّق بين الصلاة والزكاة. هذا هو الموضوع.
أما منطوقه فيُعمل به، فالأمر صحيح أن تدعوه للزكاة إذا صلى هذا من منطوق الحديث، وتدعوه للصلاة والزكاة، من نصوص أخرى.
فجائز أن تدعو رجلاً بالزكاة بعد أن يستجيب للصلاة ويصلي، وحتى تدرك ذلك، اسأل نفسك:
لو دعوت رجلاً للصلاة دون أن تذكر له الزكاة أيجوز أم لا؟ إنه يجوز أن تدعوه للصلاة، ويجوز أن تدعوه للصلاة والزكاة.
ولو رأيته صلّى فدعوته للزكاة، أيجوز أم لا يجوز؟ إنه يجوز أن تدعوه للزكاة بعد أن يصلي وقبل أن يصلي. لكن الذي لا يجوز هو أن لا ترى جواز دعوته للزكاة إلا إذا صلى أولاً فإن لم يصلِّ لا تجوز دعوته للزكاة.
أي مفهوم المخالفة للشرط هو الذي لا يصح.
فمنطوق الحديث يُعمل به ولا شيء في ذلك، وإنما مفهوم الشرط معطَّل كما ذكرنا في الجواب. أما الذي لا يَعْمل به أحد فهو العمل بمفهوم الشرط في التفريق بين الصلاة والزكاة، فكان الواجب أن لا يقاس عليه التدرج في الأحكام الأخرى ما دام لا يُعمل بالتدرج في الصلاة والزكاة. أما أن لا يُفرِّق بين الصلاة والزكاة، مع أن الحديث نصٌّ فيهما، ثم يجيز التدرج في الأحكام الأخرى قياساً على مفهوم الحديث فهذا الذي قلنا إنه خطأ، ولا يصح القياس فيه لأن الأصل (تفريق الصلاة عن الزكاة) غير معمول به.
2 - كيف تقول: يبدو أن الذين يستدلون بالحديث يستدلون بمفهومه ولا يستدلون بمنطوقه ولا بمفهوم المخالفة للشرط! كيف تقول ذلك:
كيف تقول يستدلون بمفهومه ولا يستدلون بمفهوم المخالفة للشرط؟
وهل له مفهوم غير الشرط؟ فليس في الحديث وصف مفهم للعلية مثل «لا يقضي القاضي وهو غضبان» فالغضب وصف مفهم لعلية منع القاضي من القضاء في حالة الغضب، أما طلب الصلاة أولاً ثم الزكاة الواردة في الحديث فلا تحتوي علة أي أن لفظ الصلاة ولفظ الزكاة ليس وصفاً مفهماً لعلية التفريق بينهما. وليس في الحديث غاية مثل {ثم أتموا الصيام إلى الليل} فيكون لها مفهوم أي أن الليل لا صيام فيه.
وليس في الحديث عدد. مثل: {والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} فيكون لها مفهوم أي لا أكثر ولا أقل.
وهذه التي يعمل بمفهوم المخالفة.
وكذلك ليس بالحديث مفهوم موافقة بالأدنى إلى أعلى (ولا تقل لهما أفٍّ) فلا تقل أكثر من أف كذلك، أو الأعلى إلى الأدنى (ومنهم من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) أي تأمنه بأقل كذلك. أو الموافقة بالعلاقة اللازمة مثل «احفظ عفاصها ووكاءها».
فكيف تقول يعملون بمفهومه ولكن ليس بمفهوم الشرط؟!
على كلٍّ لم يمر علي أنهم يعملون كما قلت، وإن كان (جدلاً) ففهمهم خطأ، لا هو منطوقاً ولا هو مفهوماً.
3 - أما سؤالك الافتراضي أنه لو عمل أحد بتدرج الصلاة والزكاة، فهل يعني ذلك جواز الاستدلال بالحديث على جواز التدرج؟
إذا صحَّ العمل بالأصل (وهو هنا تدرج الصلاة والزكاة من مفهوم الشرط للحديث)، نعم يمكن القياس على هذا الأصل وفق الأصول.
وهذا القول يصح على افتراض أن مفهوم الشرط معمول به هنا، أي يجوز للإنسان أن يصلي، وبعد مدة يزكي ولا إثم عليه. فإن صح العمل بهذا المفهوم، فنعم يقاس عليه. وأنت ترى أن هذا المفهوم معطَّل بنصوص كثيرة التي تدل دلالةً قاطعةً على أن المرء لا يعفى من الزكاة إلا إذا صلى أولاً، بل هو مسئول عن الزكاة سواء أصلى أم لم يصل، فالصلاة ليست شرط صحة للزكاة.
فالسؤال افتراضي لأن عدم الإثم في الزكاة إلا أن تؤدى الصلاة، هذا غير صحيح بأدلة كثيرة، فمفهوم الشرط معطل.
لكن لنفترض جدلاً أنه غير معطل وأنه غير مخاطب ولا مكلف بالزكاة إلا بعد أن يصلي، ولو كان هذا الفرض صحيحاً فإنه يقاس عليه التدرج في باقي الأحكام فيصبح المرء يأخذ حكماً فيطبقه، وبعد فترة استراحة يأخذ حكماً آخر فيطبقه وهكذا!! وواضح أن هذا بالقطع غير صحيح.
4 - أما ما ذكرته من فهم للحديث (أ، ب، ت) فهو فهم للمنطوق وهو صحيح: ادعهم إلى الإسلام ... ادعهم للصلاة ... ادعهم للزكاة ... وقد بينت لك هذا الأمر في (1)،
المشكلة ليست في محاولة الفهم من المنطوق سواء اختصرت هذا الفهم أو أطلت، المشكلة في المفهوم أي:
تقول في كلامك أ (... فأخبرهم أن الله قد فرض خمس صلوات، فإن أطاعوا لك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً ...، مهما فسَّرت أخبرهم، وفسرت أطاعوا كلها تبقى بحثاً في المنطوق ولا شيء في ذلك، لكن السؤال في المفهوم، فأنا أسألك: المنطوق يفيد بعد أن يسلموا، تخبرهم بفرض الصلاة، فإن هم اطاعوا تخبرهم بفرض الصدقة والمفهوم أن لا تخبرهم بفرض الصدقة إن لم يطيعوا لك في الصلاة، هل هذا صحيح؟ ومعنى يطيعوا واضح أنها عن التنفيذ وليس الإنكار لأن هذا تم بعد أن دخلوا في الإسلام فالمفهوم يعني أن لا تطلب من المسلم الزكاة إلا بعد الطلب منه الصلاة .. وهذا لا يصح مهما فسرت المنطوق.
أما موضوع رد الحديث وعدم رده فهو أبسط مما ذهبتَ إليه، فنحن لم نرد الحديث بل عملنا بمنطوقه دون مفهومه لأنه معطل بنصوص أخرى.
وتعطيل مفهوم الحديث لا يعني ردَّه ما دام منطوقه لا يعارض نصاً مقطوعاً بل يمكن جمعه معه كما بينا في جواب السؤال.
أما الحديث الذي رواه البخاري «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
فالأمر هنا يعني حكماً واحداً من أحكام الإسلام أي مثلاً: الصلاة، الصيام ... وقد ورد ما يؤكد ذلك في روايات أخرى: (وإذا أمرتكم بشيء) في رواية مسلم، (وما أمرتكم به) في رواية أخرى لمسلم.
وواضح منها أن المأمور به حكم واحد، وليست أحكام الإسلام جملةً.
ولذلك فلم يقل مجتهد، كما أعلم، أن الحديث يفيد أن يصوم المرء إذا لم يستطع الصلاة، أو أن يزكي إذا لم يستطع الصيام ... فليست استطاعة الصوم شرطاً في أداء الصلاة، ولا استطاعة الصلاة شرطاً في أداء الصوم، ولا استطاعة الزكاة شرطاً في أداء الصيام ولا استطاعة الصيام شرطاً في أداء الزكاة، بل إن الاستطاعة شرط في أداء الحكم نفسه، أي هو أن يقضي الصيام إذا لم يستطعه أداءً، ويصلي جالساً إن لم يستطعها قياماً، ويتيمم إن لم يستطع الوضوء بالماء ...
وأنت تلاحظ هنا أن لا بد من القيام بالحكم على وجهه حسب الاستطاعة، وان الاستطاعة مبينة شرعاً بالأدلة وليست وفق ما نريد. فإذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم ننفذه على وجهه وفق الاستطاعة المبينة بوضوح بالأدلة الشرعية.
فالأداء للحكم لا بد، والاستطاعة كما بينها الشرع ولا بد، أي ليست كما نريد.
وهكذا فإن الحديث لا يدل على التدرج في تطبيق الصلاة هذه السنة ثم بعد سنة الزكاة وبعد سنة الامتناع عن الربا ... بحجة عدم الاستطاعة، فالاستطاعة هنا غير واردة
14/04/2006
|
|
في الثاني عشر من محرم 1427هـ. |
|
11/02/2006م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
4 - إن عمل الموجات الكهرومغناطيسية السابحة في الهواء هو كعمل السفن السابحة في البحار، فإن الفضاء والبحار ونحوها حيث طبيعة تكوينها تمنع حيازة الأفراد لها، كل هذه ملكية عامة.
فيجوز للدولة والشركات والأفراد أن يكون لهم سفن في البحار، ويجوز لهم كذلك أن تكون لهم موجات كهرومغناطيسية في الفضاء مع ملاحظة ثلاثة أمور:
1 - أن لا يحتاج استعمال هذه الموجات نصب أعمدة في الملكية العامة (الطرق مثلاً).
2 - إن الانتفاع بالملكية العامة إذا كان يمنع غيره من هذا الانتفاع أو يلحق الأذى به، فإن واجب الدولة في هذه الحالة أن تنظمه إدارياً بما يضمن إمكانية الانتفاع من الملكية العامة للجميع. فتنظم الدولة خطوط سير السفن في الأنهار وفي البحار كما تنظم المرور في الطرقات وهكذا وذلك من باب رعاية الشئون «الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته» أخرجه البخاري.
3 - إن كان الانتفاع بالملكية العامة في حالة ما يلحق ضرراً بالفرد أو الدولة أو المجتمع فإن هذه الحالة تمنع وفق قاعدة الضرر (كل فرد من أفراد المباح يلحق ضرراً يمنع هذا الفرد ويبقى سائر المباح على إباحته).
وعليه فبالنسبة لامتلاك الموجات الكهرومغناطيسية إذا لَم تحتج نصب أعمدة في الملكية العامة، أو إذا نصبتْ أعمدة في ملكية هذه الشركات أو الأفراد، فإنه:
1 - يجوز امتلاكها بإذن من الدولة من باب تنظيم الانتفاع بالملكية العامة للدولة على النحو الذي يمكن الجميع من الانتفاع بشكل صحيح.
2 - للدولة أن تمنع استعـمال أية موجات كهرومغناطيسية ترى في استعمالها ضرراً من باب منع الفرد المباح إذا ألحق ضرراً كأن تسـتعمل جهة ما هذه الموجـات لاتصالات التجسس على المسلمين ونحو ذلك.
وأما إذا احتاجت نصب اعمدة في الملكية العامة، فلا يجوز للشركات أو الأفراد استعمال هذه الموجات بل الدولة هي التي تستعملها فقط.
|
|
7 من ذي الحجة 1426هـ |
|
في 07/01/2006م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: وردت أحاديث صحيحة عدة حول الطائفة الظاهرة فما هو تفسير هذه الأحاديث؟ وهل تنطبق على علماء الأصول أو على علماء الحديث كما ورد في بعض الأقوال؟ ثم إننا أحياناً نسمع هذه الجماعة أو تلك تقول إنها هي الطائفة الظاهرة، فكيف نتبـيَّن ذلك؟ وبارك الله فيكم.
الجواب: جواب سؤالك من شقين:
الأول: تفسير أحاديث الطائفة الظاهرة
والثاني: التعامل مع هذه الأحاديث
أما الأول فقد وردت عدة أحاديث في الطائفة الظاهرة:
- أخرج البخاري من طريق المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».
- أخرج مسلم من طريق ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
- أخرج مسلم من طريق جابر بن عبد الله يقول سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لاَ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ.
- وأخرج مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
- وأخرج مسلم من طريق عقبة بن عامر قال: وأما أنا فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
- وأخرج مسلم من طريق معاوية قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ.
- أخرج الترمذي من طريق ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ يَخْذُلُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».
- أخرج أبو داود من طريق عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ».
- أخرج الإمام أحمد من طريق جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
- وأخرج أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلاَّ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
- الطبراني (في الكبير): «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ يَغْزُوهُمْ قَاهِرِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ».
- ووقع في حديث أبي أمامة عند أحمد أنهم ببيت المقدس، وأضاف بيت إلى المقدس، وللطبراني من حديث النهدي نحوه، وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني "يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة". (من فتح الباري)
- لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها، لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة. (كنـز العمال - للمتقي الهندي)
وبتدبر هذه الأحاديث والجمع بينها يتبن ما يلي عن هذه الطائفة:
1 - هي جزء من المسلمين وليس كل المسلمين لأن (الطائفة) لغةً القطعة من الشيء، وكل قطعة من شيء هي طائفة منه. جاء في القاموس: (والطائفة من الشيء: القطعة منه).
2 - أنها مستقيمة على الحق أي الإسلام: «قائمة بأمر الله».
3 - أنها تقاتل عليه اي في سبيله: «يقاتلون على الحق»، «يقاتلون على أمر الله».
4 - أنها ذات قوة وشوكة تقاتل جيش العدو فتقهره وتهزمه هزيمةً حاسمةً وتنتصر عليه انتصاراً ظاهراً مشهوداً: «يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم» «يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم».
5 - أنَّ هذه الطائفة (يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله) فهم يقاتلون العدو وينتصرون عليه في مناطق بلاد الشام وما حولها.
وهذه الأوصاف تفيد أنَّ هذه الطائفة هي قائمة على الإسلام، وتقاتل في سبيله، ولها من القوة ما يمكنها من هزيمة العدو هزيمةً حاسمةً ظاهرةً مشهودةً. والأعداء دول وجيوش، والطائفة التي تقهرهم يجب أن تكون جيشاً مسلماً قوياً في دولة إسلامية، يقود هذا الجيش الخليفة أو قائد الجيش، يقاتل العدو ويهزمه هزيمةً منكرةً، ينتصر عليه ويقهره ويظهر عليه. وأنها تنطلق من بلاد الشام وما حولها وتقيم دولةً وجيشاً وتقاتل العدو وتهزمه وتظهر عليه. أي أن هذه الطائفة إما هي صاحبة دولة وجيش تنتصر على العدو وتقهره وتظهر عليه، أو أنها تعمل لإيجاد دولة وجيش ثم تنتصر على العدو وتقهره وتظهر عليه.
وأحسب أن هذا ينطبق على عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في قتال العدو والظهور عليه.
وأحسبه كذلك ينطبق على صدر الإسلام في قتال العدو والظهور عليه، وعلى كل خليفة وقائد جيش في الدولة الإسلامية قاتل العدو وانتصر عليه وقهره وظهر عليه.
وأحسب أن هذا ينطبق على صلاح الدين وجيشه في هزيمة الصليبيين، وكذلك على قطز وبيبرس وجيشه في هزيمة التتار.
وأحسبه كذلك ينطبق علينا لأننا نعمل لإيجاد دولة إسلامية قوية - خلافة راشدة - تقاتل العدو الكافر وتهزمه وتظهر عليه وتنتصر انتصاراً مشهوداً. فتقضي على كيان يهود وتفتح روما كما بشرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا ما أحسبه وأرجحه.
ولكن هذه الطائفة لا تنطبق على أية جماعة ليست دولةً إسلاميةً ولا جيشاً في دولة إسلامية، لأنها، إذا كانت دون دولة وجيش، لا تستطيع قهر العدو والظهور عليه ظهوراً مشهوداً، فلا تستطيع، دون دولة أو جيش في دولة، أن تقضي على كيان يهود أو تهزم أمريكا أو بريطانيا...
وبالتالي فلا تنطبق على جماعات، دون دولة أو جيش في دولة، تقاتل العدو، لأن وصف الطائفة الظاهرة ليس مجرد القتال بل قتالاً يقهر العدو ويهزمه ويظهر عليه، والعدو دولة وجيش ولا تقهره وتهزمه وتظهر عليه جماعات دون دولة وجيش. وكذلك هي لا تنطبق على أية جماعة لا تعمل لإيجاد دولة إسلامية - خلافة، لأنها إن لَم تكن كذلك فإنها لا تقهر دولاً وجيوشاً. فالقتال والظهور على العدو، سواء أكان قائماً بالفعل أم يُعدّ لإيجاده، هو وصف أساس لهذه الطائفة.
وعليه فلا تنطبق على علماء الحديث أو الأصول إلا ان يكونوا يعملون لإيجاد دولة تقاتل وتظهر على العدو تقهره وتنتصر عليه.
أما ما ورد في صحيح البخاري:
(باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم) فإن (وهم أهل العلم) من كلام المصنف وليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في شرح الباب عند العسقلاني في فتح الباري:
... (قوله وهم أهل العلم هو من كلام المصنف).
ومن الجدير ذكره أن أية مجموعة تقاتل العدو بإخلاص لها أجر حتى وإن كانت غير قادرة على الظهور على العدو وقهره والانتصار عليه، حتى القتال الفردي ضد العدو بإخلاص فيه أجر. وأن أية مجموعة تقوم بأي عمل من سبل الخير لها أجر، حتى وإن كان عملاً فردياً. وأية مجموعة تشتغل في علوم الإسلام، سواء في علم الأصول أو علم الحديث، لها أجر حتى وإن كان عملاً فردياً في هذه الأمور،
لكن المسألة ليست هنا وإنما هي في وصف هذه المجموعة أو تلك بأنها الطائفة الظاهرة.
إن وصفها بالطائفة الظاهرة يجب أن يستوفي ما ذُكر بشأنها في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتفسير هذه الأحاديث بعد جمعها وتدبرها معاً هو ما ذكرته سابقاً. وهو ما أرجحه وأرى أنه الصواب.
أما لفظة (لا يزال) فهي لا تعني عدم الانقطاع بل تعني أن الظهور على العدو يكون متلاحقاً على فترات إلى يوم القيامة، أي أن انتصارها على العدو لا يكون مرّةً ثم يعود العدو فيهزمنا إلى الأبد بل إن نصرنا يتلاحق على فترات إلى يوم القيامة. وهذا ما حدث فقد ظهرنا على الكفار وانتصرنا عليهم في صدر الإسلام ثم تلاحق فيما بعد ننهزم وننتصر {وتلك الأيام نداولها بين الناس} وكان الصليبيون ثم كانت هزيمتهم، وكان التتار ثم كانت هزيمتهم، ثم ضعفنا ثم عدنا ففتحنا القسطنطينية وأصبحت (إسلام بول)، ... وقضي على الخلافة ثم هي عائدة بإذن الله وستقضي على كيان يهود الذي احتل فلسطين، وستفتح روما بإذن الله، وستبقى تلك الطائفة الموصوفة تقاتل على الحق حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال. ومن الأمور اللافتة للنظر في الحديث أن عيسى عليه السلام عندما ينـزل قبيل يوم القيامة يجد للمسلمين دولةً وأميراً، ومن ثمَّ النصر على العدو والظهور عليه ظهوراً مشهوداً.
وهكذا فإن (لا يزال) لا تعني عدم الانقطاع، وإنما تعني أن الدنيا لا تخلو من فترات ينتصر فيها المسلمون على العدو نصراً مؤزراً مشهوداً إلى يوم القيامة.
وهذا شبيه قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاري:
«لن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة»
فلا يعني هذا أن استقامة الأمة ستبقى مستمرةً، فإن استقامة أمر الأمة قد انقطعت في فترات وبخاصة بعد هدم الخـلافة.
وإنما يعني أن هذه الدنيا لن تخلو من استقامة أمر هذه الأمة إلى يوم القيامة، فأمرها لن (يعوج) ثم لا يعود للاستقامة، ولا تذهب خلافتها ثم أمرها لا يعود بل هو يعود، وكلما اعوج عاد، فالاستقامة للأمة متلاحقة على فترات إلى يوم القيامة.
هذا الشق الأول من الجواب، وهذا ما أرجحه في المسألة، ولكنني لا أقطع بأن لا تفسير غيره ولكني أرجح أنه هو الصواب.
أما الثاني، التعامل مع هذه الأحاديث:
فيجب أن يكون تعاملاً عملياً كما تعامل الصحابة رضي الله عنهم والتابعون بإحسان مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تبشر وتخبر بأمور فيها الخير للمسلمين. فهم عندما سمعوا وقرأوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح القسطنطينية وروما حرص كل واحد أن تتم هذه البشرى على يديه إلى أن شاء الله أن ينال محمد الفاتح رحمه الله فضل فتح الأولى التي أصبحت (إسلامبول)، فهم سمعوا الحديث فطفقوا يعملون بجد ليتحقق على أيديهم فينالوا الخير الذي وصفه الله للفاتح «نعم الأمير أميرها ونعم الجيش جيشها» فكثير من الخلفاء أرسلوا جيوشاً لفتح القسطنطينية، وكثير من الصحابة حتى الشيوخ منهم مثل أبي أيوب رضي الله عنه، كانوا يشتركون في تلك الجيوش لينالوا هذا الفضل العظيم.
وهكذا حديث الطائفة الظاهرة، فقد أعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصافها وبين فضلها، وأنها ستقاتل العدو وتنتصر عليه وتقهره وتظهر عليه ظهوراً مشهوداً، وهذا لا يكون إلا بدولة إسلامية وجيش مسلم يهزم الدول الكافرة وجيوشها فلنشمر عن الساعد ونشد المئزر، ونغذ السير لنقيم دولة الإسلام، الخـلافة الراشدة، ونكون في جيشها نقاتل العدو ونقهره وننتصر عليه ونظهر عليه ظهوراً مشهوداً وبذلك نرجو من الله سبحانه أن نكون من تلك الطائفة التي ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة.
ثم هناك أمر في غاية الأهمية وهو أن ليس القضية أن تقول هذه الجماعة إنها الطائفة الظاهرة أو تقول تلك بل نحن، إنما القضية هي في أن من أحب أن يكون هو الطائفة الظاهرة فليحقق ما ورد من أوصافها فليعمل لإيجاد دولة إسلامية وجيش إسلامي يقاتل العدو الكافر أمريكا، بريطانيا، اليهود ..الخ ويقهره وينتصر عليه ويظهر عليه وعندها يشار له بالبنان أنه من الطائفة الظاهرة، فمن أراد أن يكون من الطائفة الظاهرة فليعمل ما يوصله بإذن الله إلى تحقيق أوصافها من قهر العدو والانتصار عليه والظهور عليه.
نسأل الله سبحانه أن نكون منها وأن نشهد قيام الدولة الإسلامية، الخـلافة الراشدة، ونكون من جند الإسلام الذي يهزم العدو ويقهره وينتصر عليه ويظهر عليه.
والله سبحانه ناصر من ينصره، وهو سبحانه قوي عزيز.
|
|
السابع من رمضان 1425هـ |
|
21/10/2004م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال:
امرأة مسلمة متزوجة من مسلم والده كافر، فهل يعتبر والد الزوج الكافر محرماً لهذه المرأة، وهل يجوز لها أن تظهر أمامه من عورتها ما تظهره المرأة لوالد زوجها المسلم؟
الجواب:
والد الزوج من المحارم سواء أكان مسلماً أم غير مسلم فالآية {أو آباء بعولتهن} ولَم يخصص بالإسلام فلذلك فمعاملته واحدة سواء أكان مسلماً أم كافراً.
وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرَّ (أم المؤمنين) أم حبيبة بنت أبي سفيان على عدم احتجابها من أبيها مع أنه كان كافراً عندما قدم المدينة ليجدد عهد الحديبية ونزل عندها ولَم تحتجب منه. ولو كان كفره يجعله غير الأب المسلم لاحتجبت منه. أي أنَّ {أو آبائهن} التي سبقت (أو آباء بععولتهن) يستوي فيها بالنسبة للمحرم الأب الكافر والمسلم وهكذا (آباء بعولتهن) ولذلك يجوز لزوجة الطالب المسلمة أن تعامل الأب الكافر لزوجها معاملة الأب المسلم بالنسبة للعورة. وهو هنا يجوز وليس يجب، أي أن إبداء العورة عليه كالمحرم المسلم جائز وعدم إبدائها جائز وأنا أفضِّل الإقلال من إبداء العورة أمام المحرم الكافر بسبب كفره.
|
|
|
|
|
|
نصان في نظام الحكم هل هما متعارضان
|
|
|
السؤال:
الجواب:
النص الذي ذكرته من كتاب الخـلافة هو كذلك موجود في نظام الحكم ص60 (النسخة العربية). وهو يبين حكماً شرعياً إذا قامت الخـلافة في قطر يستوفي الشروط الأربعة، وبايع ذلك القطر الخليفة فإن الخـلافة تنعقد وتصبح قائمةً حتى ولو لَم يكن ذلك القطر يمثل (أكثر أهل الحل والعقد في معظم البلاد الإسلامية). فلو بويع بالخـلافة في بلدكم فإن الخـلافة تصبح قائمةً ولو أن بلدكم لا تمثل أكثر الأمة أو أكثر أهل العقد فيها. لأن إقامة الخـلافة فرض على الكفاية والذي يقوم بذلك الفرض على وجهه الصحيح يكون قام بالشيء المفروض، ويصبح الآخرون ملزمين به على وجهه.
أما النص الآخر في نظام الحكم ص85 (النسخة العربية) الذي ينص (فيجوز لمن قاموا بالاستيلاء على السلطة أن يرشحوا شخصاً من المسلمين المؤهلين لتولي الحكم والسلطان والجامعين لشروط انعقاد الخـلافة، وأن يجمعوا أهل الحل والعقد في ذلك القطر أو أكثرهم وأن يطلبوا منهم أن يبايعوا هذا الشخص الذي رشحوه ليكون خليفةً فيقوم أهل الحل والعقد بمبايعته بالرضا والاختيار على كتاب الله وسنة رسوله فتنعقد له الخـلافة بهذه البيعة)
فهذا يتعلق بكيفية انعقادها في ذلك القطر.
فالموضوع الأول مختلف عن الموضوع الثاني.
الأول: جواباً على سؤال هل لا بد من بيعة أكثر أهل الحل والعقد في أكثر الأمة الإسلامية حتى تقام الخـلافة؟ أي هل لو قامت في بلدكم لا بد من بيعة أكثر البلاد العربية وباقي البلاد الإسلامية حتى تنعقد الخـلافة في بلدكم؟ فإن لَم تبايع مصر مثلاً تكون الخـلافة في بلدكم غير منعقدة؟
الجواب: لا بل إن قيامها في أي بلد يستوفي الشروط، وبيعة هذا البلد لرجل مستوفٍ للشروط، يجعلها خلافةً صحيحةً منعقدةً ويجب على باقي المسلمين بيعة الطاعة والدخول في هذه الدولة.
الثاني: جواباً على سؤال كيف تقام الخـلافة في بلدكم ما دمنا قد علمنا من الجواب الأول أنّ الخـلافة تنعقد فيها (بلدكم) حتى ولو لَم يبايع باقي المسلمين؟
الجواب: أن يستولي المسلمون أو أصحاب القوة والمنعة فيهم على الحكم في ذلك البلد ويزيلوا الحاكم الذي يحكمهم بأنظمة الكفر، من أجل إقامة حكم الإسلام، ويرشحوا مسلماً مستوفياً للشروط ويطلبوا من أهل الحل والعقد في هذا القطر أو أكثرهم ليبايعوا الخليفة على كتاب الله وسنة رسوله فتنعقد له الخـلافة.
لذلك فالموضوعان يتمان بعضهما ولا يتعارضان.
|
|
|
|
|
|
جواب سؤال في موضوع النسب القرشي وشروط الخليفة
|
|
|
السـؤال: جاء في الشخصية ج2 وكذلك في نظام الحكم، في موضوع شروط الخليفة أن النسب القرشي شرط أفضلية، ولكنني قرأت في بعض كتب الفقه أن هناك من الفقهاء من يعتبره شرط انعقاد، فهل يمكن أن تزيد هذه المسألة توضيحاً ليطمئن القلب بهذا الحكم الشرعي {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}؟ |
السـؤال: جاء في الشخصية ج2 وكذلك في نظام الحكم، في موضوع شروط الخليفة أن النسب القرشي شرط أفضلية، ولكنني قرأت في بعض كتب الفقه أن هناك من الفقهاء من يعتبره شرط انعقاد، فهل يمكن أن تزيد هذه المسألة توضيحاً ليطمئن القلب بهذا الحكم الشرعي {قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}؟
الجـواب: إنه على الرغم من أن قضية المسلمين هي إفامة الخـلافة، وليست زيادة بحث نسب الخليفة، وعلى الرغم من أن ما هو مذكور في الشخصية ج2 ونظام الحكم كافٍ في هذه المسألة، إلا أنني سأحاول في الجواب التالي أن أزيد المسألة توضيحاً بالقدر الذي أراه يوفر الطمأنينة بالحكم الشرعي المتعلق بهذه المسألة بإذن الله.
وهذا هو الجواب:
أولاً: إن أموراً ثلاثةً حدثت على ملأ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثابتةً صحيحةً مشهورةً ومشهودة، تكفي للدلالة على أن النسب القرشي شرط أفضلية لا شرط انعقاد، وهذه هي:
1 - ما كان من أمر السقيفة: فقد اجتمع رؤوس الأنصار فيها لمبايعة خليفة للمسلمين، فسمع بهم أبو بكر وصحبه فجاءوهم وناقشوهم، ثم ذكروا لهم الحديث «الأئمة من قريش» فهدأ القوم وقالوا: (منا أمير ومنكم أمير) ثم استمر النقاش، حتى قال الأنصار: (أنتم الأمراء ونحن الوزراء) أو قالها عمر كما في رواية (إنا قلنا لهم نحن الأمراء وأنتم الووراء) ثم بايعوا أبا بكر رضي الله عنه.
وبالوقوف على هذه الحادثة نرى أن حديث «الأئمة من قريش» كان مفهوماً للصحابة أنه شرط أفضلية وليس وجوب الخلافة في قريش للشواهد التالية:
أ - إن الأنصار هم أنصار الله ورسوله، لازموا الرسول صلى الله عليه وسلم في أكثر مواضعه، وكان صلى الله عليه وسلم يحبهم ويجالسهم بكثرة ويقول: «لو سلك الأنصار وادياً وسلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار» صاحبوه في غزواته وحله وترحاله، سمعوا كثيراً من أحاديثه، وشاهدوا كثيراً من أفعاله. هؤلاء الذين هذا شأنهم يتداعون إلى سقيفة بني ساعدة لمبايعة أحدهم خليفةً، فإما أنهم لـم يكونوا قد سمعوا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم المذكور على ملازمتهم له صلوات الله وسلامه عليه أو أنهم سمعوه وعلموه على وجهه أنه شرط أفضلية، فالدارس لهذه المسألة ماذا يرجح؟ أليس يرجح أنهم علموه لا أنهم جهلوه؟ وأنهم علموه شرط أفضلية لا شرط انعقاد؟
ب - إن أبا بكر رضي الله عنه علل الحديث عند ذكره فقال: (ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً) وفي رواية أن القائل هو عمر: (وأن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش وهم أوسط العرب داراً ونسباً). وواضح من التعليل أن «الأئمة من قريش» لأنهم حينها كانوا قادة العرب ولا تسلس العرب قيادها إلا لهم، وكان العرب في ذاك الوقت هم جل المسلمين، إن لـم يكونوا كلهم، فالعرب بأكثريتهم يرشحون وبنتخبون لهم خليفةً من قريش وليس من سواها، وهي لفتة عظيمة من أبي بكر وعمر على وجوب أن يحوز الخليفة على رضى جمهرة المسلمين. فلو علم أن غالب المسلمين يريدون فلاناً فهو الذي يبايع، مهما كان نسب هذا الذي يحوز رضاهم.
جـ - إن عمر رضي الله عنه كان يخشى إنْ لـم تتم البيعة بسرعة فإن الأنصار سيبايعون واحداً منهم، أي أنه على الرغم من النقاش وذكر الحديث فهو كان يرى أن الأنصار قد يبايعون واحداً منهم وهذا يعني أنه كان يدرك ان الحديث يفيد الأفضلية وليس الانعقاد لأنه لا يمكن أن يُظَنَّ أن عمر رضي الله عنه يرى أن الأنصار، على ما هم فيه من فضل وتقوى، يعلمون أن الحديث يفيد وجوب الخلافة في قريش، ومع ذلك فلو لـم يسرع بالبيعة لأبي بكر فإن الأنصار سيعودون يبايعون واحداً منهم، أي يخالفون نصاً صريحاً لوجوبها لقريش وهذا ما لا يصلح أن يرد بالنسبة للأنصار. وما تطمئن النفس إليه أن الأنصار وعمر كانوا يرون في القرشية الأفضلية، لهذا كان يجوز الأنصار الخلافة لهم، وكان يجوزها عمر لهم لأنه كان يخشى أن يبايعوا أحدهم، ولو بايعوه كان يرى وجوب طاعته وإلا كان الفساد. يقول عمر (خشينا إن فارقنا القوم ولـم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعةً، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون فساد) وحدوث الفساد قرينة على وجوب الطاعة.
د - إن الأنصار بعد أن بايعوا أبا بكر بقي سعد بن عبادة رضي الله عنه مصراً على عدم البيعة، فما هو الأرجح في فهم هذه الحادث: أن نقول إن سعداً علم من الحديث لَمَّا ذُكر ان البيعة لا تصح إلا لقرشي ومع ذلك بقي مصراً على عدم البيعة وعلى أحقيته بها، أو أن نقول إن سعداً علم من الحديث أن القرشية شرط أفضلية فقط، لهذا بقي مصراً وأجاز لنفسه طلب الخلافة لأنه يرى أن شرط الأفضلية هذا وإن وجد في غيره، لكنه يرى أن عنده من شروط الأفضلية الأخرى ما يفوق غيره؟
ولا يعارض هذا موافقة الأنصار على بيعة أبي بكر، فجمهرة الأنصار بالنقاش وبذكر الحديث وبتعليل أبي بكر وعمر اقتنعوا أن شرط الأفضلية هذا يرجّح كفة المهاجرين فبايعوا، أما سعد فقد رأى أن عنده من شروط الأفضلية ما يعوّض أفضلية النسب (القرشية) فبقي مصراً أن له حقاً في الخلافة.
وأكتفي بهذا عن أمر سقيفة بني ساعدة وما تدل عليه من أن القرشية شرط أفضلية.
2 - ما كان من قول عمر ساعة موته رضي الله عنه: (إن أدركني أجلي ومات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل) وفي رواية: (لو سالـم مولى أبي حذيفة حياً استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول: إن سالماً كان شديد الحب لله). ومعاذ وسالـم ليسا من قريش.
إن هذه الحادثة مشهورة ومشهودة كذلك كسقيفة بني ساعدة، على ملأ من الصحابة، وهي إجماع سكوتي ولـم ينكر عليه أحد، مع العلم أنها مما ينكر مثله لو لـم تكن صحيحة، فإذا كانت الخلافة في قريش وجوباً فكيف يجمع الصحابة على جوازها في غير قريش؟ فهل تفهم هذه الواقعة بأنَّ عمر رضي الله عنه كان يفهم أن الحديث يفيد وجوب الخلافة في قريش ثم يجيزها لغيرهم، أو نفهم بأن عمر رضي الله عنه كان يفهم من الحديث أنّ القرشية شرط أفضلية فرأى أنّ عند سالـم ما يعوِّض هذه الأفضلية بشرط آخر وهو شدة الحب لله؟ أليس هذا الأخير هو ما تطمئن النفس إليه؟ وهنا لا يستطيع أحد أن يقول إن عمر لـم يكن يعلم الحديث، فعمر ممن كان في السقيفة ومن شهودها ومن الذين نقلوا هذا الحديث.
يضاف إلى ذلك أن عمر علل ترشيحه للستة الذين طلب انتخاب خليفة من بينهم فقال: (عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم من أهل الجنة) وفي روايات أخرى (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ) فذكر علة اختيارهم وليس لأنهم قرشيون.
فهذه الحادثة الثانية أي قول عمر بترشيح الستة تدل كذلك على أن (القرشية) كان يفهمها الصحابة أنها شرط أفضلية، وأجمعوا على ذلك بسكوتهم على قول عمر رضي الله عنه.
3 - ما كان من خطبة معاوية التي رواها البخاري، وهي كذلك على ملأ من المسلمين وفي عصر الصحابة فلم يكن عصرهم قد انقضى بعد، وهي تفيد أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يروي حديثاً بأن خليفة سيكون من قحطان (أي ليس من قريش) فغضب معاوية وتكلم على عبد الله بن عمر وجهّله، وقد أخطأ معاوية بتجهيل صحابي. يروي البخاري (كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش ان عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب معاوية فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله تعالى ولا تؤْثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأولئك جهالكم إلى أن قال معاوية: إن هذا الأمر في قريش...).
فقد كان عبد الله بن عمرو يحدث أن ملكاً أي خليفةً سيكون من قحطان، والملك تطلق على الإمام أو السلطان او الخليفة ولا تطلق على من دونه، وقد فهم ذلك معاوية أن الحديث عن خليفة من فحطان أي من غير قريش فأنكر على عبد الله بن عمرو ووصفه بالجهل
وبدراسة هذه الحادثة هل نرجح ما رواه عبد الله بن عمرو بأن خليفةً سيكون من قحطان أي من غير قريش أو إنكار معاوية عليه؟ والمعروف أن عبد الله بن عمرو صحابي غير مختلف في صحبته وأما معاوية فمختلف في صحبته وعليه يرجح حديث عبد الله بن عمرو على إنكار معاوية عليه. ثم ألا يعني هذا أن القول بأن الصحابة مجمعون على أن «الأئمة من قريش» يعني شرط انعقاد، قول غير صحيح؟ علماً بأن الذي أنكر على عبد الله هو معاوية ولـم يرو إنكار غيره مع أن القول كان على ملأ من الناس.
هذه حوادث ثلاث تمت على ملأ من المسلمين ومن الصحابة، وهي تدل دلالةً يطمئن لها القلب أن الصحابة كانوا يفهمون «الأئمة من قريش» شرط أفضلية، وأن الخلافة تكون فيهم وفي غيرهم.
ثانياً: الأحاديث الواردة التي يستدل بها بعضهم على ان (القرشية) شرط انعقاد:
نحن نعلم أن جميع صيغ الأمر عند العرب، المفردة منطوقاً مفهوماً، والجملة المركبة منطوقاً ومفهوماً، والتي جمع أهل اللغة منها العشرات، كلها تفيد مجرد الطلب وتحتاج إلى قرينة لبيان نوع الطب، في الجزم وغير الجزم والتخيير.
وباستعراض الأحاديث الواردة يُرى أنها تفيد الطلب وتفتقر إلى قرينة جازمة إلا حديثين فيهما شبهة ذلك وسأستعرضهما هنا:
1 - حديث «الأئمة من قريش» وقولهم إنه مبتدأ وخبر وهو يفيد حصر المبتدأ في الخبر وبالتالي فمفهوم المخالفة معمول به أي أنه لا يصح أن يكون الأئمة من غير قريش. وبالتدقيق في هذه الحديث نجد أنه لا يفيد المخالفة لما يلي:
أ - قريش اسم لقبيلة، مفهوم المخالفة لا يعمل به في الحكم المعلق على اسم، سواء كان اسم جنس أم اسم علم أم ما هو في حكمه كاللقب والكنية. وعليه فإذا قلت: (قريش كريمة) فلا يعني أن غير قريش ليست كريمة، وهكذا «الأئمة من قريش» لا يعني أن غير قريش لا يصح فيها الأئمة.
ب - صيغ الحصر المركبة والمفردة لا تفيد كلها الحصر الحقيقي في الأصول أي يكون لها مفهوم مخالفة إلا بقرائن تضاف إلى الصيغة، فإن لـم توجد تلك القرائن المضافة فإن الحصر لا يكون حقيقياً بالمعنى الأصولي فلا يحصر جميع أفراده.
يستثنى من ذلك فيما أعلم صيغتان:
الأولى مفردة وهي باستعمال أداة نافية مع أداة الاستثناء مثل: (لـم وإلاّ) فهاتان الأداتان مجتمعتان تفيدان الحصر قطعاً ويكون لها مفهوم مخالفة مثل: لـم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة إلا في عشرة: الإبل، البقر، الغنم، الذهب، الفضة، الشعير، الحنطة، التمر، الزبيب، السلت (السلت نوع من الشعير). فهنا أفادت الحصر ولها مفهوم مخالفة أي أن غير هذه الأصناف لا زكاة فيها.
الثانية مستفادة من التركيب وهي أن يرد التنصيص على مجموعة أسماء جامدة ويعلق حكم مشروط على كل اسم منها بجامع يجمعها، فهنا يكون حصر له مفهوم مخالفة مثل: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل، والبر بالبر مثلاً بمثل... فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فهنا حصر للسبب المذكور وله مفهوم مخالفة أي أن غير هذه الأشياء لا ينطبق عليها الحكم.
أما غير ذلك فيحتاج إلى قرينة مضافة، مثلاً:
«إنما الربا في النسيئة» هنا وإن كانت إنما تفيد الحصر إلا أنها تحتاج إلى قرينة مضافة، وحيث لا توجد فلا يعمل بمفهوم المخالفة ولذلك هناك ربا فضل.
ومثل «الأئمة من قريش» فهنا مبتدا وخبر، والمبتدأ محصور في الخبر وليس هناك قرينة مضافة، وعليه فلا مفهوم مخالفة فتكون الأئمة من قريش وغير قريش.
هذا بالنسبة للحديث «الأئمة من قريش» الذي لا يوجد في نص الحديث غير المبتدأ والخير. فإن كان له تكملة بقرينة مناسبة تضاف إلى الحصر فعندها يعمل بمفهوم المخالفة حسب القرينة ولا تكون الأئمة إلا في قريش، وهي في الحديث السابق الذي ذكرنه غير موجودة أي القرينة المضافة.
2 - حديث «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين»
هذا الحديث فيه جزءان: «إن هذا الأمر في قريش» وهذا لا يفيد أن الأمر لا يكون في غير قريش، فحصر المبتدأ في الخبر يحتاج إلى قرينة مضافة، ويقال عليه ما قيل على الحديث السابق.
فإذا كانت التكملة «لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه» هي قرينةً مضافةً للجزء الأول أي كانت (لا) عاطفةً تصل الجزأين معاً، فإن الحصر سيصبح أصولياً له مفهوم مخالفة، ويكون الأمر محصوراً وعلى الوجوب في قريش.
فما هي حقيقة (لا) هنا؟
(لا) هنا حرف نفي مصاحب لأداة الاستثناء (إلاّ) وهما تشكلان حصراً كاملاً، أي أنهما يحصران الكب على الوجه في من يعاديهم. وبالتالي فالكب محصور في عداوة قريش، ولا صلة له بالجزء الأول.
ولايصح أن تكون (لا) هنا عاطفةً لأن من شروط مجيء (لا) عاطفةً، كما هو عند علماء اللغة، أن يكون المعطوف مفرداً لا جملةً ولا شبه جملة، وحيث إن المذكور ههنا جملة (لا يعاديهم... وجهه)، لذلك فالكلام هنا جزءان منفصلان: الأول الأمر في قريش والثاني عقوبة معاداة قريش. فيكون الفهم الصحيح أنه نص على أمرين منفصلين: على أن الأمر في قريش، وعلى النهي عن معاداتهم، ولذلك فليست هذه قرينةً تفيد الجزم للجزء الأول من الحديث لأن (لا) ليست عاطفةً.
وبذلك ينتفي القول إن هذا الحديث يفيد وجوب الخـلافة في قريـش، بمـعـنى أنـهـا شرط انعقاد، وتبقى كما هو مبين شرطَ أفضلية.
وأما غير هذين الحديثين من أحاديث فإنه لا تصحبها قرينة تفيد الجزم.
ثالثاً: بقيت نقطة أرى وجوب ذكرها لتتحقق الطمأنينة التامة، وهي أنّ هناك من يقول إنَّ البشرى بعودة الخـلافة الأخيرة على منهاج النبوة يعني أنها لا بد أن تكون كالخـلافة الأولى على منهاج النبوة، وحيث إن الخـلافة الأولى خلفاؤها من قريش إذن فالثانية يجب أن يكون خلفاؤها من قريش.
وهذه النقطة يتضح ضعفها عندما يتبين أن المنهاج لا يكون نسب الأشخاص أساساً فيه بل إنَّ الطريق والمسلك الذي يسلكه هؤلاء الأشخاص هو الأساس فيه.
جاء في القاموس:
(النهج: الطريق الواضح كالمنهج والمنهاج، ونهج كمنع وضح، ونهج الطريق سلكه واستنهج فلان سبيل فلان سلك مسلكه).
فالمنهاج إذن هو الطريق الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا فإن الخلافة القادمة بإذن الله على منهاج النبوة كالخلافة الأولى أي أنها راشدة، ملتزمة كتاب الله سبحانه وسنة رسول صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه، كما كان عليه الخلفاء الراشدون. أي أنه سيكون في القادمة خلفاء راشدون نهجهم يماثل نهج الخلفاء الراشدين في الالتزام بالإسلام التزاماً عادلاً مستقيماً، سواء أكان نسبهم قرشياً أم لـم يكن، لأن العبرة بالمنهاج الذي هم عليه.
نسأل الله سبحانه أن يكرمنا بنصره، ويعجل لنا فرجه وفضله، وأن يستخلفنا في الأرض كما استخلف الذين من قبلنا، فتعود الخـلافة الراشدة على منهاج النبوة، إنه سبحانه سميع مجيب.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أما تساؤلك عن جزيرة العرب وكيف أُخذ من نصارى نجران الجزية أي أنهم كانوا يسكنونها وهكذا اليهود في خيبر بإقرارهم فيها على شطر الثمر كما جاء في الأحاديث مع أنه لا يجوز في الجزيرة دينان، وقولك كأن هذا تناقض، فإليك الجواب:
لقد وردت عند الفقهاء أقوال مختلفة حول جزيرة العرب التي لا يصح أن يكون فيها دينان بل الإسلام فقط.
وبتدبرها يتبين أن جزيرة العرب هي من عدن أَبْين إلى ريف العراق في الطول، ومن الأبلّة (في ناحية البصرة) أي ريف العراق إلى جدة على البحر في العرض. أي أن اليمن من جزيرة العرب وخيبر من جزيرة العرب.
وذلك لما يلي:
أ - ورد في كتاب الأموال (أما شبه جزيرة العرب بما فيها اليمن ...) ص50
ب - نقل ابن الأعرابي عن الهيثم بن عدي (أن الجزيرة من العذيب إلى حضرموت). والعذيب من أرض العراق بعد القادسية بأربعة أميال على حدود البادية كما جاء في معجم البلدان.
جـ - وعن الأصمعي (جزيرة العرب ما بين عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، والعرض من الأبلّة إلى جدة) والأبلّة بناحية البصرة.
وما نقله ابن الأعرابي والأصمعي هو المشهور عند كثير من الفقهاء.
د - وروى أبو داود عن سعيد بن عبد العزيز قال:
(جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر)
هـ - وقد روى عن أبي عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» أخرجه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد بأسانيد، رجال اثنين منهما ثقات ومتصل إسنادهما. وفي رواية الدارمي من طريق أبي عبيدة بن الجراح قال: كان في آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» فأخرجهم عمر رضي الله عنه.
و - ورد في القاموس المحيط في مادة (جزر): وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضاً.
ولذلك ترجح لدينا أنَّ جزيرة العرب هي:
(من عدن أبْين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة على البحر إلى أطراف ريف العراق عرضاً) أي أن نجران وخيبر منها، وقد أثبتنا هذا في الأموال فقلنا (شبه جزيرة العرب بما فيها اليمن).
أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من نصارى نجران الجزية وتعامل مع يهود خيبر على النصف من الثمر وأقرهم فيها، فهذا صحيح، ولكن هذا قبل أحاديثه صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهذا واضح فيما يلي:
أ - حديث عائشة رضي الله عنها: «آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يترك بجزيرة العرب دينان» أخرجه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
ب - في روابة الدارمي السابقة من طريق أبي عبيدة رضي الله عنه قال: كان في آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» فأخرجهم عمر رضي الله عنه.
ج - أخرج البخاري من طريق سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي مسلم الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلَّ دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه ... إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ...» الحديث أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم.
ولذلك فلا تناقض بين أخذ الجزية من نصارى نجران ومعاملة يهود خيبر مساقاةً بشطر الثمر وإقرارهم فيها، لا تناقض بين هذا وبين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب حيث كان هذا في آخر أيامه صلوات الله وسلامه عليه، فهو ناسخ لما قبله.
|
|
2 من ذي الحجة 1425هـ. |
|
في 12/01/2005م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
الأخ الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا جواب سؤال العطر (الكالونيا...الخ):
إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» أخرجه مسلم. ويقول صلوات الله وسلامه عليه: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» أخرجه ابن ماجه والدارقطني وصححه ابن حجر.
فقد بيَّن صلوات الله وسلامه عليه ما هو السائل الذي يسمى خمراً، فإن كل مسكر، قليله أو كثيره، فهو خمر. وهنا يأتي دور تحقيق المناط لمعرفة هل هذا العطر أو الكالونيا وأمثالها تسكر لو شربت، قليلاً أو كثيراً، فإن كانت تسكر فهي خمر وتطبق عليها أحكام الخمر بتحريمها في عشرة أصناف حسب الحديث «لُعنتِ الخمرُ على عشرة أوجه: بعيتها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها» أخرجه ابن ماجه.
ولقد علمنا أن العطور كالكالونيا وأمثالها تشرب في بعض المناطق وبخاصة في الخليج وأنها تسكر بسبب وجود نسبة من الكحول فيها.
وعليه فإذا كان السائل، أعطراً كان أم غير عطر، يسكر كثيره فإن قليله حرام، وهو خمر وتطبق عليه أحكام الخمر من تحريم وجوهها العشرة.
أما أن الكحول نوعان اثيلي ومثيلي فهذا صحيح. وقد علمنا من أصحاب الاختصاص ما يلي:
(ان الكحول نوعان: احدهما (الاثيلي) وهو المادة المؤثرة في الخمور بانواعها باختلاف التركيز، والثاني (المثيلي) وهو الكحول المستخرجة من المواد الخشبية او الليفية، وهما مادتان متقاربتان من حيث طريقة التأثير على الجسم وخاصة الجهاز العصبي، ولكنهما تختلفان تماما من حيث التحليل الكيماوي والاكسدة في الجسم وهذا ما يسبب اختلاف النتائج. اما من حيث التأثير فكل منهما يسبب هبوطا في عمل جميع المراكز الحيوية في المخ. الا ان الكحول الاثيلي يسكر ولا يقتل، وتناول الكميات الهائلة منه بالشرب تسبب الغيبوبة ثم نوما عميقا جدا ثم يصحو الشارب بعد ذلك. واما المثيلي فانه يسكر، الا انه يسبب تأثيراً سُمِّيّاً ضاراً قد يصل إلى: تخريب الخلايا الشبكية وقتل العصب البصري وهذا يؤدي الى العمى او الى قتل خلايا المراكز الحيوية في الدماغ وتخريبها وهذا يؤدي الى الموت، حسب النسب المستعملة. والخمور بأجمعها فيها كحول الاثيلي وفيها كميات بسيطة جدا من الكحول المثيلي، اما الكولونيا فمعظمها كحول مثيلي)
وهذا يعني أن الكحول الاثيلي والقليل من المثيلي يسكر، والكثير من المثيلي يقتل. ولذلك فالكالونيا، سواء أكانت مصنوعةً من الاثيلي أم المثيلي بنسبة مناسبة فهي تسكر (كما نُقل عن حالات سكر في الخليج من الكالونيا). فإذا أسكرت وسَمَّمت دون القتل فهي حرام كونها خمراً وكذلك حرام كونها سُمّاً (حتى وإن لَم تقتل). أما إذا استُعمل الكحول المثيلي بنسبة تقتل في السائل أو الكالونيا فالسائل يصبح حراماً لأنه سُمٌّ حسب قاعدة الضرر (الأصل في المضار التحريم).
وهكذا فإن السوائل التي تدخلها الكحول يُحَقَّق مناطها:
فإن كانت نسبة الكحول بها تجعلها تسكر، قليلها أو كثيرها، فهي خمر وهي حرام في الوجوه العشرة.
وإن كانت لا تسكر ولكن تسمِّم فهي حرام لأنها سم وهي في هذه الحالة تحرم فيما ورد النص فيه أي شرب السم أو أكله وكذلك بيعه أو إهداؤه حسب الحديث «وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرَّم عليهم ثمنه» أخرجه أبو داود وأحمد، «قاتل الله اليهود إن الله لما حرَّم عليهم الشحوم جَمَلُوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها» أخرجه أحمد. جملوها أي أذابوها. أما باقي الوجوه العشرة فنصوصها وردت في الخمرة.
هذا عن الشق الأول في السؤال. العطور أو الكالونيا.
أما الشق الثاني لماذا نتبنى في هذا مع العلم أننا لا نتبنى في العبادات. الجواب على هذا من وجهين: الأول أن الخمر ليس عباداتٍ. والثاني أننا هنا لا نتبنى في تحريم الخمر، فهو حرام قولاً واحداً، ولكن المسألة هي تحقيق مناط هذا السائل، أيسكر أم لا يسكر. ومن حقق المناط ووجد أن السائل لا يسكر قليله أو كثيره، فعندها، لا يكون هذا السائل خمراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|
|
|
|
|
|
عجز الخليفة عن القيام بالأعمال|الأمر المشترك في أحاديث التأمير
|
|
|
الأخ الكريم ،
بعد التحية ،
1 - عمل الخليفة هو تطبيق أحكام الشرع.
وهذا يتطلب القدرة على مباشرة الأعمال بنفسه أو متابعة الأعمال بنفسه إذا كلف غيره القيام بها. فإذا أصابه مرض يمنعه من ذلك، فأصبح لا يمكنه المباشرة بنفسه ولا يمكنه متابعة من كلفه بنفسه كأن يكون مَرِض مرضاً يقتضي بقاءه في العناية الفائقة مدةً طويلةً، ثم أن لا يختلط بغيره بعد خروجه من العناية، كأن يكون هناك عدوى أو يصاب بآلام مبرحة تفقده القدرة على التركيز والاستيعاب أو يمرض يؤثر على الذاكرة، أو الشلل المؤثر على سلامة الحواس، وعلى القدرة على النطق أو نحو ذلك بحيث يستمر معه المرض مدةً تؤثر على سلامة الحكم في الدولة، وهذه يقدرها قاضي المظالم، فيدرس مع الخبراء مدة العلاج وسير العلاج، وهل هو ميئوس منه أو ممكن البرء منه وهكذا.
في مثل هذه الحالات ونحوها فإنه يبقى خليفةً إلى أن تحكم محكمة المظالم بعزله بعد أن تنتظر عليه المدة التي لو استمر بعدها فإن أحكام الشرع تتعطل ويصيب الدولة والأمة الضرر من وراء ذلك. عند ذلك تحكم بعزله ويبايع خليفة غيره وفق أحكام الشرع.
|
2 - نعم الأمر المشترك بين جماعة ما علة لتأمير أحدهم عليهم، وهي مستنبطة من النصوص:
«لا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم»
«إذا كنتم ثلاثةً في سفر فأمروا عليكم أحدكم»
فالألفاظ (يكونون بأرض فلاة)، (كنتم في سفر)
يستنبط منها أن بينهم أمراً مشتركاً كانوا عليه. ويقاس على ذلك اتخاذ الإمارة على جماعة في كل أمر مشترك بين أفراد هذه الجماعة، سواء أكان هذا الأمر المشترك سفراً أم كان كتلةً أم...الخ.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
نبش القبور والبناء على المقابر
|
|
|
الأخ الكريم ، بعد التحية ،
الجواب:
أخرج أبو داود من طريق عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كسر عظم الميت ككسره حياً». وجاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود:
قال السيوطي في بيان سبب الحديث، عن جابر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظماً ساقاً أو عضداً فذهب ليكسره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتاً ككسرك إياه حياً، لكن دسَّه في جانب القبر» أي أن العظم إذا كان موجوداً فيجب المحافظة عليه وإبقاؤه في التراب.
وبذلك فإن نبش قبور المسلمين لا يجوز إلا إذا بليت العظام، وأصبحت كالتراب وعندها يجوز زرعه والبناء عليه، وغير ذلك من الأعمال المباحة.
أما إذا كان العظم موجوداً فلا يجوز نبش القبور والعمران عليها أو غير ذلك من أعمال إلا في حالات خاصة تتعلق بالميت أو نحو ذلك (كما بينت ذلك النصوص).
أما كم من الوقت يلزم لمعرفة أن الميت قد بلي أو لا فهو راجع لأهل الخبرة وتحقيق المناط.
والمقبرة التي تقول إن عمرها (500) عام وأنه لَم يبق منها شيء لأنها جرفت سابقاً وذهبت آثار القبور التي فيها وبني عليها سوق تجاري، فإن الإثم على أولئك الذين جرفوها إذا كان فيها عظام آنذاك. أما وقد زالت تلك المقبرة ولَم يبق من آثارها شيء، كما في السؤال، ثم بني السوق التجاري على الأرض بعد أن لَم يبق من المقبرة شيء، فإن البيع والشراء من هذا السوق ليس حراماً.
والإثم يكون على أول من جرفها وأزال ما فيها إذا كان فيها عظام عندما أزالها.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
التعامل بالأوراق المالية | التعامل مع الشركات المساهمةة
|
|
|
الأخ الكريم ، بعد التحية ،
هذه هي أجوبة الأسئلة:
السؤال الأول: التعامل بالأوراق النقدية
الجواب: نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.
لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.
والموضوع كما يلي:
1 - يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي السنة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً».
2 - ورد استثناء من (وجوب التقابض عند بيع الأصناف الربوية وعدم صحة الدَّين) في حالة الرهن، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً بنسيئه وأعطاه درعاً له رهناً». أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى طعاماً بالدَّين ولكن مع الرهن. وطعامهم حينذاك كان من الأصناف الربوية. كما في الحديث «الطعام بالطعام مثلاً بمثل وكان طعامنا يومئذٍ الشعير» أخرجه أحمد ومسلم من طريق معمر بن عبد الله.) وعليه يجوز أن تشترى الأصناف الربوية بالدَّين إذا تم رهن شيء لدى البائع إلى حين إحضار الثمن.
3 - ومن الفقهاء من يجيز شراء الأصناف الربوية بالدَّين ولكن دون دليل معتبر من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس بل قاله بعضهم "باتفاق العلماء" كما ورد في سبل السلام شرح بلوغ المرام، لكن هذا لا يعتبر دليلاً يحتج به عندنا، أي "اتفاق العلماء".
والخلاصة: إن الراجح هو عدم جواز شراء الأصناف الربوية بالدَّين، ويمكن لمن أراد الشراء وليس معه الثمن أن يقترض مالاً من أحد الناس ويشتري به الأصناف الربوية التي يريدها يداً بيد.
السؤال الثاني: هل يجوز التعامل غير المباشر مع الشركة المساهمة أي مع دكان يشتري من المساهمة؟.
الجواب الثاني: التعامل المباشر مع الشركات المساهمة هو الحرام، وذلك لأن عقد الشركة المساهمة باطل، وعليه فلا تملك الشركة صلاحية التعاقد. أما لو اشترى طرف آخر بضاعةً من الشركة المساهمة ثم أراد بيعها لآخرين فبيعه صحيح لهم والإثم يكون عليه هو الذي اشترى مباشرةً من الشركة المساهمة، لأن الحرام لا يتعلق بذمتين.
السؤال الثالث: رجل متعاقد مع شركة مملوكة للدولة يورِّد لها بضاعةً حلالاً، ثم تحولت هذه الشركة إلى شركة مساهمة، فهل يجوز له الاستمرار في تعاقده أو لا يجوز؟
الجواب الثالث: إذا تحول عقد الشركة من الصحة إلى البطلان فإن التعامل مع الشركة في هذه الحالة يصبح باطلاً. فالذي كان متعاقداً مع الشركة وهي مملوكة للدولة، عليه أن ينهي هذا التعاقد مع الشركة عندما تصبح مساهمةً.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السـؤال: ورد في النظام الاجتماعي ص41:
«إذا زوّج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة فإنَّه عورة» وقد ورد الحديث في معرض الاستدلال على جواز نظر الرجل إلى ما ليس بعورة من المرأة ونظر المراة إلى ما ليس بعورة من الرجل. فما الفرق بين النظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة من خادمه قبل تزويجه وبعد تزويجه؟
الجـواب: يبدو أن هناك التباساً في فهم السؤال. الحديث معناه: إذا زوج أحدكم خادمه أي أمته، فلفظ (الخادم) يستوي فيه المذكر والمؤنث. فالأمة قبل أن يزوجها سيدها لآخر فهي تحل له (ملك يمين) ويجوز أن يرى عورتها. فإذا تزوَّجت فقد حرُم نظر سيدها (الذي زوَّجها) إلى عورتها، ويجوز له النظر إلى ما ليس بعورة من الأمة أي إلى ما دون الركبة وفوق السرّة ما دامت هي بقيت أمته لَم يعتقها. وإنما زوَّجها عبده أو أجيره وبقيت أمةً أي لَم تصبح حرَّةً، وإلا حرم عليه النظر إلى جسمها كله ما عدا الوجه والكفين.
ولذلك فالنص:
«إذا زوَّج أحدُكم خادَمَه عبدَه أو أجيرَه ...» فأحدُكم هو الفاعل، خادَمَه مفعول به أول للفعل زوّج، عبدَه أو أجيره مفعول به ثانٍ لزوّج، وليس عطف بيان لخادمه. فالحديث دليل على أنَّ إباحة نظر السيد إلى كل أمته (لأنها ملك يمين)، هذه الإباحة تلغى فيما هو بعورة لأمته بعد زواجها لأنها أصبحت لا تحل له فيحرم عليه النظر إلى عورتها، أي إلى ما دون السرة وفوق الركبة لأنها أمة حيث زوَّجها ولَم يعتقها.
فيصلح منطوق الحديث للدلالة على تحريم نظر الرجل إلى عورة المرأة. ومفهوم هذ المنطوق أنه يجوز للرجل أن ينظر إلى ما ليس بعورة من المرأة سواء أكانت حرةً أم أمةً. والرجل والمرأة سواء، فينظر الرجل إلى ما ليس بعورة من المرأة وتنظر المرأة إلى ما ليس بعورة من الرجل.
|
|
19 جمادى الأولى 1425هـ |
|
06/07/2004م |
|
|
|
|
|
|
|
|
السـؤال:
موضوع الألوية والرايات موجود في نظام الحكم (الطبعة المعتمدة) ص158، وموجود في الشخصية جـ2 (الطبعة المعتمدة) ص183، وقد لوحظ فيها شيء من الالتباس، حيث ورد فيها ما يلي:
1 - (اللواء ويقال له العلم، وهو علامة لمحل أمير الجيش ... الراية فهي علم تعطى للجيش ... الجيش فيه رايات كثيرة بينما يكون له لواء واحد) فكيف ذلك؟
2 - (اللواء يعقد لأمير الجيش (أو قائد الجيش كما ورد في مكان آخر)، والراية تستعمل أثناء الحرب مع قائد المعركة)، فما الفرق بين ما يعقد لقائد الجيش وما يعطى لقائد المعركة؟
3 - (يرفع اللواء في دار الخـلافة فوق قصر الخليفة، وترفع الرايات على جميع مصالح الدولة ودوائرها وإداراتها ومؤسساتها) أو ليس دار الخـلافة من مؤسسات الدولة؟
4 - (اللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، قيل سمي لواءً لأنه يلوى لكبره فلا ينشر إلا عند الحاجة، والراية ما يعقد في طرف الرمح ويترك حتى تصفقه الريح) فكيف سيرفع اللواء على دار الخـلافة ومقر قائد الجيش إذا كان لا تصفقه الريح، وإنما الراية هي التي تصفقها الريح؟
نرجو توضيح هذه الأمور وبخاصة وأن اللواء والراية علامات مميزة للدولة ومن الأهمية أن تكون واضحةً دون لبس. وبارك الله فيكم.
|
-----------
الجـواب:
ليس هناك التباس إذا ما أُنْعِمَ النظر فيما ورد في الكتابين، وتم ربط ذلك كله معاً:
1 - اللواء، والراية، من حيث اللغة، فإنه يطلَق على كلٍّ منهما (العلم). جاء في القاموس المحيط في مادة (رَوِيَ): (... والراية العلم ج رايات...). وفي مادة (لَوِيَ): (... واللواء بالمد العلم ج ألوية...).
ثم إن الشرع أعطى كلاًّ منهما، من حيث الاستعمال، معنىً شرعياً على النحو التالي:
- اللواء أبيض، ومكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله بخط أسود، وهو يُعقد لأمير الجيش أو قائد الجيش. ويكون علامةً على محله، ويدور مع هذا المحل حيث دار. ودليل عقد اللواء لأمير الجيش (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح ولواؤه أبيض) رواه ابن ماجة من طريق جابر. وعن أنس عند النسائي (أنه صلى الله عليه وسلم حين أمَّر أسامة بن زيد على الجيش ليغزو الروم عقد لواءه بيده).
- والراية سوداء، ومكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله بخط أبيض، وهي تكون مع قواد فرق الجيش (الكتائب، السرايا، وحدات الجيش الأخرى) والدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد كان قائد الجيش في خيبر، قال: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فأعطاها علياً» متفق عليه. فعلي، كرم الله وجهه، يعتبر حينها قائد فرقة أو كتيبة في الجيش. وكذلك في حديث الحارث بن حسان البكري قال: «قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وبلال قائم بين يديه، متقلد السيف بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا رايات سود، فسألتُ: ما هذه الرايات؟ فقالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة» فمعنى «فإذا رايات سود» أي أنها كانت راياتٍ كثيرةً مع الجيش، في حين أن أميره كان واحداً وهو عمرو بن العاص، فهذا يعني أنها كانت مع رؤساء الكتائب والوحدات...
ولذلك فاللواء يُعقد لأمير الجيش، والرايات مع باقي الجيش، فرقه وكتائبه ووحداته. وهكذا فإن اللواء واحد في الجيش الواحد، وأما الرايات فكثيرة في كل جيش.
ويكون بذلك، اللواء علماً على أمير الجيش لا غير. وتكون الرايات أعلاماً مع الجند.
2 - اللواء يعقد لأمير الجيش، وهو علم على مقرِّه، أي يلازم مقر أمير الجيش. أما في المعركة، فإن قائد المعركة، سواء أكان أمير الجيش أم قائداً غيره يعينه أمير الجيش، فإنه يُعطى الراية يحملها أثناء القتال في الميدان، ولذلك تسمى (أم الحرب) لأنها تحمل مع قائد المعركة في الميدان.
ولذلك فإنه في حالة الحرب القائمة تكون راية واحدة مع كل قائد معركة، وهذا كان أمراً متعارفاً عليه في ذاك الزمن، وكان بقاء الراية مرفوعةً دليلاً على قوة بأس قائد المعركة. وهو تنظيم إداري يُلتزم حسب أعراف قتال الجيوش.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتي الجند بالخبر: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب».
وكذلك فإنه في حالة الحرب القائمة، إذا كان قائد الجيش في الميدان هو الخليفة نفسه، فإن اللواء يجوز أن يكون مرفوعاً في المعركة، وليس الراية فحسب. فقد ورد في سيرة ابن هشام عند الحديث عن غزوة بدر الكبرى أن اللواء والراية كانتا موجودتين في المعركة.
أما في السِّلم، أو بعد انتهاء المعركة، فإن الرايات تكون منتشرةً في الجيش ترفعها فرق الجيش وكتائبه وسراياه ووحداته... كما جاء في حديث الحارث بن حسان البكري عن جيش عمرو بن العاص.
3 - الخليفة هو قائد الجيش في الإسلام؛ ولذلك يرفع اللواء على مقره، دار الخلافة، شرعاً لأن اللواء يعقد لأمير الجيش، ويجوز رفع الراية كذلك على دار الخـلافة (إدارةً) على اعتبار أن الخليفة رأس مؤسسات الدولة.
أما باقي أجهزة الدولة ومؤسساتها وإداراتها فترفع عليها الراية فقط دون اللواء؛ لأن اللواء خاص بقائد الجيش علامةً على محله.
4 - اللواء يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، ويعطى لقائد الجيش حسب عدد الجيوش، فيعقد لقائد الجيش الأول والثاني والثالث... أو لقائد جيش الشام والعراق وفلسطين... أو لقائد جيش حلب وحمص وبيروت... وهكذا حسب تسمية الجيوش.
والأصل أن يلوى على طرف الرمح ولا ينشر إلا لحاجة، فمثلاً فوق دار الخـلافة ينشر لأهمية الدار، وكذلك فوق مقرات قادة الجيوش في حالة السلم لترى الأمة عظمة ألوية جيوشها. لكن هذه الحاجة إذا تعارضت مع الناحية الأمنية كأن يُخشى أن يتعرف العدو على مقرات قادة الجند، فإن اللواء يرجع إلى الأصل وهو أن لا ينشر ويبقى ملوياً.
وأما الراية فهي تترك لتصفقها الريح كالأعلام في الوقت الحالي؛ ولذلك توضع على دوائر الدولة.
والخلاصة:
أولاً: بالنسبة للجيش
1 - في حالة الحرب القائمة، فإن اللواء يلازم مقر أمير الجيش، والأصل أن لا ينشر بل يبقى ملوياً على الرمح، ويمكن نشره بعد دراسة الناحية الأمنية.
وتكون هناك راية يحملها قائد المعركة في الميدان، وإذا كان الخليفة في الميدان فيجوز حمل اللواء كذلك.
2 - في حالة السلم، فإن اللواء، يعقد لقادة الجيوش، ويلوى على الرمح، ويمكن نشره على مقرات قادة الجيوش.
وتكون الرايات منتشرةً في الجيش مع الفرق والكتائب والسرايا والوحدات والتشكيلات الأخرى، ويمكن أن تكون لكل فرقة أو كتيبة ... راية خاصة تميزها (إدارةً) وترفع مع الراية.
ثانياً: بالنسبة لدوائر الدولة ومؤسساتها ودوائرها الأمنية، فإنه ترفع عليها كلها الراية فقط، باستثناء دار الخـلافة فيرفع عليها اللواء على اعتبار الخليفة قائد الجيش، ويجوز أن ترفع مع اللواء الراية (إدارةً) لأن دار الخـلافة هي رأس مؤسسات الدولة. والمؤسسات الخاصة والناس العاديون كذلك يمكن أن يحملوا الراية ويرفعوها على مؤسساتهم وبيوتهم، وبخاصة في مناسبات الأعياد والنصر ونحوها.
آمل أن يكون هذا التوضيح كافياً لإزالة أي التباس حول الموضوع.
|
|
14 جمادى الأولى 1425هـ |
|
03/07/2004م |
|
|
|
|
|
موضوع ارتفاع اليورو وتوضيح ذلك
|
|
|
موضوع ارتفاع اليورو وتوضيح ذلك، يمكن فهمه دون تطويل على النحو التالي:
كان النقد المحلي والدولي إلى قبل العالمية الأولى يسير على قاعدة الذهب أي كان للنقد قيمة ذاتية لأنه كان مادة محترمة ذات قيمة حيث كان النقد معدناً (الذهب وأحياناً الذهب والفضة).
بعد الحرب الأولى اضطرب الأمر، ووضعت قيود على القاعدة الذهبية ولكنها لَم تلغ بل استمر التعامل بالورق النائب عن الذهب، ولكن حتى يستبدل إلى ذهب يجب أن يبلغ وزن سبيكة كبيرة معينة مع الفرد، فحدّ هذا من قدرة الأفراد العاديين على استبدال ورقهم بالذهب وأصبح فقط في مقدور الشركات الكبرى أو الدول.
لكن عند أزمة 1929 في أمريكا عندما انهار سوق (وول ستريت) وفي الثلاثينيات وإلى الحرب الثانية كان الوضع النقدي غير مستقر من حيث القاعدة الذهبية.
بعد الحرب الثانية في 1944 عقدت اتفاقية بريتون وودز وألغيت القاعدة الذهبية رسمياً، أي ألغي التعامل بالذهب أو الورق النائب، وأصبح التعامل بعدها بقاعدة (الصرف بالذهب) أي اعتماد نقد ورقي تضمن دولته صرفه بالذهب عند اللزوم بسعر تحدده، فاعتُمد الدولار، وحددت أمريكا سعر الأونصة بـ 35 دولاراً وأصبح الورق (الدولار) كأنه ذهب في التعامل الدولي، وهو ليس له قيمة ذاتية فالورقة لا تساوي عشر معشار ما حددته أمريكا لها.
واستمر ذلك إلى 1971 عندما ألغى الرئيس الأمريكي تبديل الدولار بذهب.
فأصبح العالم يتعامل بالورق غير القابل للصرف إلى ذهب أو ما يسمى (الورق الإلزامي) وأصبح اقتصاد الدولة واحتياط الدولة من الذهب والعملات الصعبة هو الذي يعطي الثقة وثبات السعر لهذا الورق النقدي. فإذا كان الاحتياطي المعروف للجمهور قوياً زادت ثقة الجمهور بهذا النقد وأقبلوا عليه.
وإذا كانت صادراتها عاليةً أكثر من مستورداتها أي هناك طلب على نقدها فيعني ذلك ان قيمة هذا النقد محترمة وموثوق بها وقوتها الشرائية جيدة ولسعرها ثبات نسبي، ومُعَرَّض للارتفاع كلما زاد الطلب عليه.
فإذا أصبح السعر مرتفعاً وتجاوز العشرين في المئة، فإن هذا الارتفاع في سعر نقدها يؤثر على صادراتها فتقل نظراً لغلاء سعرها حيث إن السلعة في أمريكا مثلاً التي تساوي (1000) دولار وكان يدفع الأوروبي بدلها (1000) يورو، فعندما يرتفع سعر الدولار 25% هذا يعني أن تلك السلعة سيدفع فيها (1250) يورو بدل (1000) يورو، فيقل إقبال المستوردين عليها، فتقل الصادرات، وتغزو سلع الدول الأخرى السوق الأمريكي لانخفاض سعرها النسبي.
• ولذلك تحرص الدول على أن لا ينخفض سعر نقدها لتبقى الثقة به.
• وتحرص على زيادة صادراتها بأن لا يرتفع سعر نقدها كثيراً (فوق 20%).
• وتحرص على الحفاظ على ميزانها التجاري موجباً أي صادراتها لا تقل عن وارداتها.
• وحتى يكون ميزانها التجاري موجباً فهي تلجأ أولاً إلى تقليل الواردات بفرض ضرائب عليها، دون تخفيض نقدها لتبقى سمعتها والثقة بها قويةً (وبخاصة الدول الكبرى). كما صنعت أمريكا بفرض ضرائب على الصلب في أوروبا رغم اتفاق التجارة الدولية مما دفع أوروبا لإقامة دعوى عليها.
وهي تلجأ ثانياً إلى تخفيض نقدها كخط ثانٍ بعد فرض الضرائب أولاً. إذا كان ضعف اقتصادها قوياً وحاجة السوق للسلع الخارجية قويةً. وعندها يكون اللجوء للضرائب غير ذي نفع لأنها بحاجة للاستيراد. لذلك تلجأ إلى الخط الثاني أي تخفيض النقد لزيادة الصادرات كما فعلت أمريكا في أوائل السبعينات.
هذا بشكل عام.
أما حول سبب ارتفاع اليورو بالذات فهو:
1 - اقتصاد أوروبا القوي نتيجة الاتفاقيات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي وفتح الأسواق معاً.
2 - ضعف اقتصاد أمريكا نسبياً مع الاقتصاد الأمريكي.
3 - ثقة الجمهور باليورو لاحتياطي الذهب الموجود.
يبقى عنصر تستعمله الدول بالمضاربات الاقتصادية التي تؤدي إلى عملية رفع مفتعل فوق الحد المسموح لنقد دولة ما، كأن تشتري نقد تلك الدولة من الأسواق لتزيد الطلب عليه فترفعه لضرب صادرات تلك الدولة، فتغزو بضاعتها أسواق تلك الدولة، وهذا يكون لفترة مؤقتة لعمل سياسي بغطاء اقتصادي، وهذا لا تستطيعه دولة باقتصاد ضعيف مثل أمريكا لأن رفع سعر نقد الدولة الأخرى يؤدي تلقائياً إلى تخفيض القوة الشرائية لنقدها، فإذا كان اقتصاد هذه الدول لا يستطيع استغلال التخفيض لزيادة صادراته فتكون جدوى مضاربته النقدية معدومةً بل معكوسةً عليه.
ولذلك فيستبعد أن يكون ارتفاع سعر اليورو بمضاربة اقتصادية من أمريكا وذلك لضعف اقتصادها.
وعلى كل هو عاد وانخفض عن حاجز العشرين في المئة الضار، وهو منذ أوائل العام إلى الآن لَم يجاوز ارتفاع سعره بالنسبة للدولار عن 20% إلا لفترة أقل من شهر ثم عاد وانخفض، ولَم تتأثر صادرات أوروبا كثيراً نتيجة الارتفاع، وبخاصة بعد أن كسبت القضية التي رفعتها على أمريكا بشأن الضرائب على صادرات أوروبا من الصلب لأمريكا.
وتقبل تحياتي.
|
|
14 من جمادى الأولى 1425هـ |
|
في 02/07/2004م. |
|
|
|
|
|
حول كتاب “كيف هدمت الخلافة”
|
|
|
1 - دخول الدولة العثمانية الحرب كان الغرض الأساس، كما أعلن، استرجاع ما فقدته الدولة من أراضٍ وبخاصة استرجاع مصر من الإنجليز حيث دخلوها مؤقتاً لأجل الدَّين، ولكنهم سيطروا عليها، ولذلك كانت أولى المعارك على الجبهة العثمانية هي مصر. وظنوا أنهم بدخولهم الحرب بجانب ألمانيا يسترجعون بعض المناطق.
لقد كانت الدولة العثمانية في تلك الفترة قد استفحل فيها الضعف الفكري والسياسي، فلم يدركوا أبعاد هذه الحرب لا من حيث الحكم الشرعي ولا من حيث الوعي السياسي على أبعادها. يضاف إلى ذلك اختراق الكفار وبخاصة الإنجليز لعملاء من العرب والترك، فانتهت الحرب النهاية المأساوية المعروفة.
2 - لَم يكن نصيب روسيا من توقيعها اتفاقية سايكس بيكو إلا معنوياً، فنصيبها لَم يكن أكثر من بناء علاقة حسنة مع إنجلترا وفرنسا آملةً أن تغض الدولتان النظر عنها في بعض ما تطمع إليه من أراضي الدولة العثمانية وبخاصة منطقة (أرض روم) شرقي تركيا، فضلاً عن أن يكون لها امتياز حماية النصارى الأرثوذكس في فلسطين. ولذلك جاء في نصوص الاتفاقية - المادة الثالثة:
(تنشأ إدارة دولية في المنطقة المسماة (فلسطين) يعيَّن شكلها بعد استشارة روسيا ...). وبعد هذه الاتفاقية التي عقدت 1916، بعدها في 1917 احتلت روسيا (أرض روم).
3 - بالنسبة لمصطفى كمال، فقد كتب عنه الكثير بخصوص نسبه وأصله والراجح أنه مشكوك في أصله سواء أكان من يهود الدونمة أم من غيرهم من الكفار الحاقدين. ولقد نقل الأستاذ (موفق بني مرجة) في كتابه (صحوة الرجل المريض) نقل عن د. رضا نور الذي شغل منصب نائب وزير خارجية في عهد مصطفى كمال، ثم كتب مذكراته التي أودعها فرنسا وبريطانيا مشترطاً عدم نشرها قبل 1960، ونشرت في تركيا عام 68، فأحدثت ضجةً كبيرةً لما حوته من فضائح (كمالية)، وقد صودرت من الدولة التركية. نقل عنه في مذكراته المذكورة ما يلي:
(إن مصطفى كمال مولود غير شرعي لسيدة من سالونيك تدعى زبيدة، عرفت بسوء سيرتها، ونسبت ابنها إلى أحد حراس الجمرك في سالونيك واسمه علي رضا أفندي الذي تزوجته فيما بعد). ومع ذلك فقد قام مصطفى كمال بأعمال إجرامية ضد الخـلافة والإسلام ما لَم يفعل مثلها اليهود والإنجليز وباقي الكفار المستعمرين.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: ما المقصود بالجملة الواردة في آخر المادة (10): (... وعلى الدولة أن تمنع كل ما يشعر بوجودهم من المسلمين) فهل تعني أن قراراً سيصدر بمنع الشيوخ وأئمة المساجد من اللباس الرسمي (الطربوش والعمَّة والجُـبَّة)؟
الجـواب: ليس الأمر كذلك. إن الذي ستزيله الدولة هو مفهوم رجال الدين الموجود عند النصارى، فعندهم لباس خاص (لرجال الدين) يمكنهم من الاختصاص بالتحليل والتحريم دون غيرهم. ثم ظهر مفهوم متعلق به بعد نشوء الرأسمالية، أن تكون السـلطة الروحية محصورة في (رجال الدين) بلباسهم المخصوص المقصور عليهم وحدهم، والسلطة الزمنية بالعلمانيين (رجال الدولة) فلا يجـوز أن يلبس رجـل الحكم عندهم حسب المبدأ الرأسمالي لباس (رجال الدين)، أي هناك فصل للدين عن الدولة مرتبط بالرأسمالية عندهم.
نحن في الإسلام لا يوجد عندنا رجال مختصون في تفسير الدين والتحليل والتحريم، وكذلك لا يوجد عندنا فصل للدين عن الدولة فلا سلطة روحية ولا سلطة زمنية. هذا المفهوم وكل ما يدل عليه هو ما يجب إلغاؤه.
أما حصر التحليل والتحريم برجال مخصوصين ذوي لباس معين، فهذا المفهوم لا وجود له عند غالب المسلمين، وما قام به الحـزب من نشاط في ذلك قد آتى أكله، فإن كثيراً من الناس صار لا يتجه لأخذ الحكم من هؤلاء الشيوخ ذوي اللباس الرسمي لعدم الثقة بهم.
وأما حصر الأمور (الروحية) في أصحاب اللباس (الديني) الرسمي، فكذلك كادت أن لا تكون عند المسلمين، فإن المسلمين اليوم يقبلون على الشيوخ الذين يتكلمون في الحكم والسياسة، ويقدرونهم ويحترمونهم. وأما الشيوخ الذين يركزون فقط على العبادات ولا يتدخلون في محاسبة الحكام فإن الناس ينظرون إليهم بغير تقدير واحترام.
ومع ذلك فإن اختصاص الشيوخ وأئمة المساجد بهذا اللباس قد يوجد التباساً عند البسطاء من العامة، فيظنون أن هناك رجالاً مخصوصين بالدين بمعنى العبادة ونحوها، وهؤلاء لا شأن لهم بالسياسة وأمرها، بل هناك رجال دولة لتلك الأعمال.
ولذلك فإن الدولة ستعمل على إزالة مظهر اللباس الخاص للشيوخ وأئمة المساجد، وإنما ليس بمنعهم من لبسه بل بإزالة الاختصاص في اللباس مثلاً أن يرى الناس جابي فواتير الماء والكهرباء قد جاء يلبس جبةً وعمةً، أو يرى الخليفة والوالي له عمة كعصر صدر الإسلام الأول، ويرى إمام مسجد يلبس لباساً عادياً، أي إزالة الاختصاص في اللباس، وهذا لا يحتاج إلى قرار بل ببعض الأساليب المناسبة فمثلاً لو ذهبت لأخذ رخصة بناء فوجدت المهندس الذي يخرج معك للكشف يلبس عمامةً، ووجدت المأذون الذي يعقد للزواج يلبس (عقالاً وحطةً)، وهكذا بحيث لا ترى لباساً مخصوصاً بحاكم أو شيخ. وهذا أمر مقبول ومعقول في الإسلام بل هو ما كان المسلمون عليه، فقد كان الخليفة يؤم الناس ويصلي بهم، ولا يستطيع أي مسلم أن يميز الحاكم من القاضي من الرجل العادي من لباسهم، والرجل الذي جاء إلى مسلمين جالسين مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقف يسألهم من منهم رسول الله؟
وعليه فإنَّ الدولة لن تصدر قراراً بمنع لباس الشيوخ بل ستزيل مفهومه وتجعل هذا اللباس غير خاص بمهنة معينة بمفهوم يخالف الإسلام، وكذلك ستصنع مع أي لباس يشعر بأن هناك رجالاً خاصين (بالدين) ورجالاً آخرين خاصين بالدولة. فيلبس كل واحد من الرعية ما شاء من اللباس المباح دون أن يحتكر لباس معين لرجل مختص (بالدين) فيتجه الناس إليه بالسؤال عن الأمور (الروحية)، ويتجه الناس لغيره لسؤاله عن الأمور السياسية، بل يكون المسلمون كلهم يحملون مسئولية الإسلام في شتى مجالاته، ويكون كل من يعلم مسألة هو عالماً فيها سواء أكان معمماً أم حاسر الرأس.
|
|
الثالث من جُمادى الأولى 1425هـ |
|
21/06/2004م |
|
|
|
|
|
|
|
|
أولاً: المتبنى من أحكام الطلاق هو فقط الموجود في النظام الاجتماعي. أما فروعه مثل متى يقع الطلاق الثلاث، فغير متبنى ويمكن أخذه من أي مجتهد معتبر.
أما الراجح لديَّ في مسألة وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، في مجلس واحد فهو على النحو التالي:
أ - إذا قال لزوجته (أنت طالق ثلاثاً) وهو عاقل يفهم ما يقول أي أنه يعرف معنى هذه الألفاظ (وليس أعجمياً مثلاً يلقَّن الألفاظ ولا يعرف معناها)، فإنَّ هذا الطلاق يقع ثلاثاً، سواء أكان ينوي في داخله أنها واحدة أو لَم ينو، فإن دلالة اللفظ الصريح الواضح في هذا القول (أنت طالق ثلاثاً) لا يحتاج إلى نية، والطلاق يقع. وقد ذكرت أدلة ذلك في كتابي التيسير في أصول التفسير للآية {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} الآية 230 من سورة البقرة. وإني أرفق بعض ما يتعلق به من كتابي المشار إليه (ص203 إلى ص205):
|
[يبين الله سبحانه في هذه الآية الكريمة أن من طلق زوجته الطلقة الثالثة –أي تجاوز الحد المسموح له {الطلاق مرتان}- فقد بانت منه زوجته بينونة كبرى بمعنى أنه لا يحلّ له أن يراجعها في عدتها وكذلك لا يحل له أن يتزوجها بعقد ومهر جديدين بل يحرم عليه ذلك إلا أن تتزوج زوجاً غيره، ثم إن طلقها الزوج الجديد جاز للأول أن يخطبها ويتزوجها بعقد ومهر حيث تكون كأية امرأةٍ أجنبيةٍ عنه.
وهنا تبرز مسألة هل البينونة الكبرى تقع بالطلاق الثلاث المتفرق مرة بعد مرة، أم أنها تقع بالطلاق الثلاث بكلمة واحدة؟.
هذه المسألة مما اختلف فيه الفقهاء وأطالوا الخلاف وبالتدقيق فيها أقول وبالله التوفيق:
إنه لا فرق بين أن يكون الطلاق ثلاثاً متفرقات أو مجتمعات، ويترتب الحكم (البينونة الكبرى) على الطلاق بلفظ الثلاث جملة أو مرة بعد مرة بعد مرة، والدليل على ذلك:
1. قوله تعالى: { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان…} إلى أن يقول سبحانه {فإن طلقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}. ووجه الاستدلال أن الله سبحانه قال {مرتان} أي وطلقتان دون تقييد باجتماع أو تفرق وكذلك {فإن طلقها} أي الثالثة والفعل مثبت فهو مطلق غير مقيد أي: (فإن طلقها الثالثة) مجتمعة مع الطلقتين أو منفصلة عنهما.
فالآية تفيد البينونة الكبرى بالطلاق الثلاث سواء أكان مجتمعاً أم متفرقاً.
ولا يقال إنه قد ورد تقييد للمرات بأن تكون متفرقة فهي التي تفيد البينونة الكبرى، أما إن كانت مجتمعة بلفظ واحد فإنه لا يترتب عليها بينونة كبرى بل تعتبر طلقة واحدة وذلك كما جاء في بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا يقال ذلك لأن هذه الأحاديث كلها ضعيفة لا ترقى إلى الحسن أو الصحيح إلا حديثين رويا عن ابن عباس –رضي الله عنهما- وهما لا يصلحان للتقييد ولا يعمل بهما كما نبينه الآن بإذن الله.
الحديثان هما:
الأول: حديث محمد بن إسحاق الذي يقول فيه: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: طلق رُكانةُ امرأتَه في مجلس واحد ثلاثاً فحزن عليها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنها واحدة . رواه الإمام أحمد في مسنده.
والثاني: حديث طاووس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي وأبي بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟. قال ابن عباس : نعم .
ولم يرو أي حديث صحيح أو حسن عن غير ابن عباس ينص على الثلاث جملةً تُعتبر واحدة، غير أن هذا الاعتبار مرجوح لأن فتاوى ابن عباس الصحيحة الثابتة عنه تعتبر أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثاً، وتترتب عليه بينونة كبرى. وأذكر فيما يلي عدداً من هذه الفتاوى:
1. روى عبدالله بن كثير عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثاً، قال: فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحُمُوقة ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس!!… وإن الله قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجاً، عصيت ربك وبانت منك امرأتك.وأنَّ الله قال: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} في قبل عدتهن، أي أن ابن عباس اعتبر الطلاق الثلاث معاً واقعاً وتترتب عليه بينونة كبرى.
2. وروى مثله حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن ابن عباس.
3. وروى شعبة عن عمرو بن مرة وأيوب وابن جريج جميعاً عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
4. وابن جريج عن عبدالحميد بن رافع عن عطاء عن ابن عباس.
5. والأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس.
6. وابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس.
كلهم قالوا في الطلاق الثلاث أن ابن عباس أوقعها ثلاثاً وقال: بانت منك امرأتك .
ولشهرة هذه الفتاوى وصحتها عن ابن عباس بإيقاع الطلاق بلفظ الثلاث، كل ذلك يجعل الحديث المروي عن ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الثلاث واحدة، يجعله مرجوحاً لأن الصحابي إذا عمل بغير ما روي فإن روايته تكون مرجوحة، ويكون الراجح في المسألة مدلول الآية الكريمة باعتبار الطلاق الثلاث مفرقا أو مجتمعا يفيد وقوع البينونة الكبرى. وقد عمل بهذا كثير من الفقهاء وكثير من العلماء إلى أن الثلاث تقع ثلاثاً.
وقد قال البخاري في صحيحه (باب من جوز الطلاق الثلاث لقوله تعالى: {الطلاق مرتان} وذكر حديث اللعان(عن سهل بن سعيد الساعدي، ... قال سهل: فتلاعنا ... فطلقها ثلاثاً، قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال ابن شهاب فكانت تلك سنة الأولين .
وقد قال البيهقي تعليقاً على حديث طاووس عن ابن عباس الذي أخرجه مسلم ولم يخرجه البخاري، قال البيهقي: أظن البخاري تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس ، وساق الروايات عنه وقد بيناها سابقاً.
والخلاصة أن الطلاق الثلاث جملةً أو متفرقاً واقع وتترتب عليه البينونة الكبرى، إلا أن هناك فرقاً بين الطلاق الثلاث المجتمع وبين الطلاق الثلاث المفرق وهو أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس واحد منهيّ عنه نهياً جازماً أي أنه حرام ، غير أنه واقع ثلاثاً كما بينا، والمطلِّق به آثم وذلك استدلالاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه محمود بن لبيد: "أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله!" .
هذا هو الراجح لديَّ في هذه المسألة والله أعلم وأحكم]
---------
المراجع:
أحمد : 1/265
مسلم : 1472
أبو داوود : 1197
البخاري : الطلاق الباب الرابع 5259
البيهقي : 7/336
|
ب - إذا وقع الطلاق الثلاث، فيترتب عليه عدة أحكام أذكر منها ما يتعلق بالسؤال:
1 - تبين الزوجة من زوجها بينونةً كبرى أي لا تحل له حتى تتزوج زوجاً آخر ثم يطلقها وتنتهي عدتها وعندها يجوز لزوجها السابق أن يتقدم لخطبتها والزواج منها بعقد جديد.
{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره}.
2 - لا يجوز لها الزواج إلا بعد انقضاء عدتها، إن كانت حاملاً بأن تضع حملها، وإن لَم تكن فثلاثة قروء أو ثلاثة شهور حسب حالها.
{وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}.
3 - لا تخرج من مسكنها مدة العدة إلا لحاجة وأن يكون الخروج نهاراً ولكنها في الليل تكون في بيتها.
أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال (طُلّقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجدّ نخلاً لها فلقيها رجل فنهاها فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ذلك له، فقال لها: «اخرجي فجدّي نخلك لعلك أن تصدّقي منه أو تفعلي خيراً».
4 - أما القول بأن لا عدة لها لأن العدة تتعلق بالرجعية ليتمكن زوجها من إرجاعها، فإن هذه إحدى الحِكم من العدة، وهناك غير ذلك مثل العلم ببراءة الرحم، فكل متزوجة طلقت يكون لها عدة للعلم ببراءة الرحم.
والسلام.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الأخ الكريم ،
بعد التحية ،
لَم أجد في باب التعادل والتراجيح هذا النص بعينه الذي تذكره (المظنون العام يترك ويعمل بالمقطوع الخاص) ولكن ورد بألفاظ متقاربة بالمعنى نفسه (فإذا كانا لا يستويان في القوة بأن كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً فيرجح القطعي ويعمل به ويترك الظني سواء أكانا عامين أو خاصين أو كان المقطوع به خاصاً والمظنون عاماً). وهذا صحيح فالعمل بالخاص دون العام في كل الحالات أي إذا كان العام مظنوناً والخاص قطعياً، أو العام قطعياً والخاص ظنياً، فإذا تعارض الخاص مع العام عمل بالخاص في جميع الحالات حتى لو كان العام قطعياً والخاص ظنياً فالعمل بالخاص ولذلك أضاف الكتاب بعدها (فإن كان المقطوع به عاماً والمظنون خاصاً عمل بالمظنون).
أي إذا كان هناك نص عام ونص خاص فالعمل بالخاص لأن الخاص قاضٍ على العام وذلك لأن السنة تخصص عموم الكتاب، والكتاب يخصص عموم السنة، وعموم الكتاب يخصص بالكتاب، وعموم السنة تخصص بالسنة، والعمل بالخاص في كل الحالات،
لذلك فأين المشكلة؟
أما قولك إذا ورد عموم السنة بجلد الزاني، وخصوص القرآن برجم الزاني المحصن، فعلى باب العموم والخصوص يعمل بكليهما، هذا القول كأن فيه التباساً عليك.
فلا يعمل بكليهما في المسألة الواحدة بل يعمل بالخاص ويترك العام في هذه المسألة، ولكن يعمل بالعام في الجزء الذي لَم يخصص فمثلاً يقول الله سبحانه:
{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة} مقطوع عام ثم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم برجم الزاني المحصن، مظنون خاص فلو جاءك زانٍ محصن هل تعمل بكليهما؟ لا بل تعمل بالخاص المظنون المتعلق بالمحصن فيكون حكمه الرجم وليس الجلد. ويبقى باقي العام أي في غير المحصن يعمل بالجلد.
وكذلك ما جاء في صلح الحديبية في رواية البخاري عن البراء «أن لا يأتيك أحد منا وإن كان على دينك إلا رددته» هذا عام مظنون في الرجل والمرأة. وقوله تعالى: {... فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار} خاص مقطوع في النساء.
فلو جاءت المرأة من مكة إلى المدينة، هل نعمل بكليهما؟ لا بل نعمل بالخاص المقطوع المتعلق بالمرأة. ويبقى باقي العام أي الرجال يعمل بإرجاعهن.
وهكذا فالعمل بالخاص وليس بالعام في المسألة الواحدة.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الأخ الكريم ،
بعد التحية ،
إن دليل تحريم البيع على بيع آخر هو ما جاء في الحديث «لا يبع الرجل على بيع أخيه ولا يخطِب على خِطبة أخيه إلا أن يأذن له» أخرجه مسلم وفي رواية النسائي بإسناد صحيح «لا يبع بعضكم على بيع بعض حتى يبتاع أو يذر».
ويُفهم من الحديثين تحريم بيع الرجل على بيع أخيه إذا كان البيع في المرحلة التي يمكن لأحدهما فسخه أي قبل لزوم البيع في السلعة، كأن يكون أثناء خيار المجلس أو خيار الشرط، أي قبل أن تشترى السلعة ويفترق المتبايعان أو قبل أن يكون هناك خيار شرط كأن يقول أشتريها بشرط كذا فإذا وجدتُ الشرط متحققاً أمضي البيع وإلا فلا. في هاتين الحالتين أي أثناء الخيار يحرم أن يبيع الرجل على بيع أخيه.
أما إذا انعقد البيع وأصبح لازماً لا يجوز فسخه، أي اشتريت السلعة وافترق المتبايعان فلا خيار مجلس، وانتهى الشرط فلا خيار شرط، فإنه بعد ذلك يكون العرض جديداً والبيع جديداً، ولا شيء في أن يعرض البائع على المشتري ليشتري منه سلعةً أخرى بسعر أقل من السعر الذي اشترى به السلعة الأولى لأن فسخ البيع الأول لا يصح شرعاً في هذه الحالة لنفاذ خيار البيع. (وهذا ليس مثل الغبن الفاحش وهو أن يتبين للمشتري أنه اشترى بسعر يفوق كثيراً سعر السوق أي أنه غبن أو خدع ففي هذه الحالة له أن يعيد السلعة أو يمضيها وهو موضوع آخر غير البيع على بيع أخيه).
والخلاصة: إذا كان البيع في فترة الخيار أي يجوز شرعاً فسخه فإنه في هذه الحالة إذا تراضى البائع والمشتري على البيع بسعر معين فلا يصح لآخر أن يدخل عليهما عارضاً السلعة نفسها بسعر أقل فيؤدي إلى فسخ المشتري البيع مع الأول وشراء السلعة من الثاني بسعر أقل، هذا حرام، وتنطبق عليه الأحاديث.
أما إذا كان البيع قد انعقد على وجه اللزوم أي افترق الطرفان ولا شروط فإنه في هذه الحالة لو جاء آخر وعرض السلعة على المشتري بسعر أقل فلا شيء في ذلك لأن المشتري في هذه الحالة لا يستطيع فسخ البيع الأول، ويمكنه بالنسبة للسلعة الثانية أن يشتريها بسعر أرخص أو لا يشتريها ودليل ذلك الرواية الأخرى للحديث: «... حتى يبتاع أو يذر» أي أن النهي له غاية (حتى يبتاع) أي حتى يصبح البيع لازماً فالحرام هو قبل الغاية أي قبل لزوم البيع وهذا يعني قبل نفاذ خيار المجلس والشرط.
أي أن تحريم بيع الرجل على بيع أخيه هو فقط قبل أن يصبح البيع لازماً. وأما بعد لزوم البيع، فيجوز لبائع آخر أن يعرض السلعة على المشتري بسعر أرخص مما اشتراها من الأول، لأن هذه المعاملة الجديدة هي عقد جديد لا علاقة له بالعقد الأول ولا يؤثر فيه.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
الأرض المغصوبة|تسهيلات النقابات
|
|
|
السؤال الأول: نعلم أن الغصب كله حرام، فإذا اغتصبت الدولة أرض الناس وباعتها، أو بَنت عليها وباعتها، فهل يجوز شراء الأرض والبناء فيها؟ وهل إذا اشترى الأرض من الدولة طرف ثانٍ هل يجوز شراؤها منه؟ وإذا بنى عليها هذا الطرف الثاني هل يجوز شراء البناء منه؟
الجواب:
1 - نعم الغصب كله حرام، ومن اغتصب أرضاً فقد ارتكب حراماً واقترف إثماً شديداً لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ظلم قِيدَ شبرٍ من الأرض طوّقه من سبع أرضين» أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها. أي أن من اغتصب أي شيء من الأرض قل أو كثر فقد ارتكب إثماً يعاقب عليه في الآخرة. وفي الدّنيا يستحق عقوبة التعزير ويُلزم بإعادة ما اغتصب، بحالته التي اغتصبه فيها، إلى صاحبه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤدى»، أخرجه الترمذي. وإذا تلف المغصوب في يد الغاصب أو غـيَّر وضعه كأن خاط القماش المغصوب، أو صهر المعدن المغصوب، أو ذبح الحيوان المغصوب فإنه يضمن قيمته للغاصب.
2 - إذا بنى الغاصب على الأرض بناءً، فهو لا يملكه وللمغصوب منه الحق في أن يطلب منه هدم البناء على نفقة الغاصب، وإذا أحدث ضرراً في الأرض أثناء ذلك فعليه أن يدفع مقابل ذلك. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس لعِرق ظالم حق» فالذي يحدثه الغاصب على الأرض المغصوبة من زرع أو بناء لا يكون ملكه، لا الأرض ولا البناء. ولا يجوز الشراء من الغاصب لا الأرض المغصوبة ولا البناء الذي بناه عليها.
3 - الذين يشترون الأرض مهما تسلسلوا، أي المشتري من الغاصب والمشتري من المشتري الأول.. وهكذا، ما داموا يعلمون أنها مغصوبة فهم آثمون ولا يجوز لهم ذلك، والأرض تبقى من حق مالكها المغصوبة منه.
4 - إذا تغير وضع الأرض كأن بُني عليها، فإنَّ خلافاً بين الفقهاء في حكم البناء، فيما إذا كان أعلى قيمةً من الأرض أو أقل، وفيما إذا كان الباني هو الغاصب أو المشترين.
والذي أراه وآخذ به كالتالي:
1 - يحرم شراء البناء من الغاصب أو ممن انتقل إليه من الغاصب بالهبة أو هديةً أو عطيةً، أو من أخذها بحكم منصبه من السلطة، مثلاً الدولة اغتصبت أراضي فلان وفلان ووزَّعتها على أصحاب المناصب في السلطة، فحكمهم حكم الدولة المغتصبة أي حكم المباشر في الغصب. فهؤلاء لا يجوز الشراء منهم.
2 - إذا اشتراها طرف ثانٍ من الدولة بأسعار السوق المعتادة، وبنى عليها بناءً تفوق قيمته قيمة الأرض، فإن هذا البناء يجوز لطرف ثالث أن يشتريه من الطرف الثاني. فهذا البناء يصبح ملكيةً مصونةً لأن حق المالك الأصلي (المغصوب منه) يكون قد سقط في عين الأرض، ويكون في قيمتها، كما لو حولت المادة المغصوبة إلى مادة أخرى فيكون الضمان في قيمتها وليس في عينها. وحيث إن الغاصب هو الدولة فتكون هي الضامنة التي عليها أن تدفع قيمة الأرض كاملةً، وتعويضه عن فترة اغتصابها بالضرر الذي حصل، أي أن قيمة الأرض المغصوبة تكون الدولة هي ضامنتها، ولذلك يجوز الشراء من الطرف الثاني للبناء فوق الأرض المغصوبة بهذه الشروط: 1) أن يكون الغاصب هو الدولة أي هي مظلمة من مظالم الدولة وبذلك فهي الغاصبة لقيمة الأرض وبذلك لا يكون المشتري من الطرف الثاني معرضاً لدفع القيمة. أما إذا كان الغاصب الأول شخصاً ليس دولةً فيكون الضمان للقيمة في ذمة المشترين الأول والثاني...الخ. 2) أن يكون الطرف الثاني قد اشترى الأرض من الدولة بسعر السوق المعتاد. 3) أن يكون البناء فوق الأرض المغصوبة أعلى من قيمة الأرض.
وعليه فإن جواب السؤال يكون:
لا يجوز الشراء من الدولة الغاصبة، ولكن يجوز الشراء من الذي اشترى من الدولة بشرطين:
الأول: إذا كان اشترى الأرض من الدولة بسعر السوق المعتاد، سواء أكان جمعيةً أو شخصاً معيناً، أي لَم يأخذها هبةً أو هديةً أو عطيةً دون ثمن بحكم منصبه في السلطة أو نحوها.
الثاني: أن يكون البناء القائم على الأرض تفوق قيمته قيمة الأرض.
ويضاف شرط ثالث إذا كان الذي اشترى من الدولة جمعيةً، ففي هذه الحالة حتى يصح الشراء من الجمعية يجب أن تكون جمعيةً منعقدةً شرعاً أي ليست شركةً مساهمةً مثلاً أو نحوها.
|
السؤال الثاني: هل يجوز الانتفاع بتسهيلات النقابات لأعضائها كبيع التقسيط والمساعدات المالية في حالات معينة؟
الجواب: نحن نتبنى عدم الانتساب للنقابات إلاّ كرخصة للعمل، فإن كان لا يستطيع الشخص العمل بمهنته إلا أن ينتسب للنقابة - أي كان التسجيل فيها إلزامياً - فإن انتسابه من أجل أخذ الرخصة للعمل جائز.
وإذا كان هذا الواقع هو الموجود أي (الإلزام)، فإنه يجوز التسجيل لرخصة العمل، وفي هذه الحالة يجوز له الانتفاع بخدماتها غير المخالفة للشرع أي ليس أخذ مساعدة مالية منها بربا مثلاً.
والخلاصة: إذا صح الانتساب صح الانتفاع المشروع من النقابة، والانتساب يصح إذا كان إلزامياً لكل صاحب مهنة.
|
|
|
|
|
|
التعامل مع شركات الدول المحاربة فعلا|تطبيع الأحكام على أهل الذمة|بطاقة الإئتمان
|
|
|
1 - لا يجوز التعامل مع شركات الدول المحاربة فعلاً. أما الصين فهي محاربة حكماً.
وعليه فالعمل مدرس اللغة الإنجليزية في المجلس البريطاني الثقافي لا يجوز ما دامت بريطانيا محاربةً فعلاً.
أما عملك السابق فيجوز لك الانتفاع بأجوره ما دمت كنت تجهل الحكم ولَم يكن في مقدورك معرفته وذلك أن مخالفة الشخص في عمل يجهل مثله على مثل ذلك الشخص، لا تؤثر في صحة العقد، فكل الأموال التي أخذتها نتيجة عملك قبل أن يصلك هذا الجواب هي مال حلال لك يجوز لك الانتفاع به.
أما بعد وصول الجواب إليك فلا يصح لك العمل مع المجلس الثقافي البريطاني.
وكذلك لا يجوز لك أن تكون مندوباً لفرع المعهد التعليمي القائم في بريطانيا (أكاديمية سانت جيمز) لأنه تابع لدولة محاربة فعلاً وبخاصة وهو يتخذ الصليب شعاراً.
2 - نعم جميع أهل الذمة تطبق عليهم أحكام الشرع إلا ما استثناه الشرع بنص خاص. وذلك لأن شرط أهل الذمة الخضوع لأحكام الشرع {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} أي وهم خاضعون لأحكام الإسلام.
فكل حكم شرعي ورد خطاباً للمسلمين في أنظمة المجتمع (الاقتصادي، الاجتماعي، ...) يطبق على كل من يحمل التابعية، مسلماً كان أم غير مسلم. يستثنى من ذلك ما استثناه الشرع.
ولذلك فإن الآية {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} وآية {يدنين عليهن من جلابيبهن} وإن وردت للمسلمات، فهي تطبق على غير المسلمات الموجودات في دار الإسلام لأنه لَم يرد نص شرعي يستثني اللباس للمرأة الكافرة من حكم اللباس للمرأة المسلمة.
لكن مثلاً ورد نص شرعي في عقيدتهم وأنهم لا يكرهون على اعتناق الإسلام {لا إكراه في الدين}، وورد استثناء في طعامهم فلحم الخنـزير حرام في الإسلام، لكنه أجيز لهم واعتبر مالاً لهم بالنصوص الشرعية. وهكذا كل حكم ورد للمسلمين ولَم يستثن أهل الذمة بنص خاص، فإن الأحكام تطبق على أهل الذمة. ولذلك فيجب على كل امرأة مسلمةً كانت أم كافرةً تحمل تابعية الدولة الإسلامية أن تلبس اللباس الشرعي، وهذا ينطبق ليس فقط على أهل الذمة بل على كل من يدخل دار الإسلام بأمان فتطبق عليه الأحكام والعقوبات إلإ ما استثني بنص مثل الحصانة للرسل.
3 - إعطاء صاحب العمل بطاقة ائتمان للموظف عنده ينفق بها على أعماله الوظيفية مثل أن يقطع بموجبها تذكرة سفر لأعماله الوظيفية، هذا جائز لا شيء فيه، لأن ما يأخذه الموظف من صاحب العمل أجراً له ونفقاتٍ لقيامه بعمله، هذا الذي يأخذه حلال للموظف حتى وإن كان صاحب العمل ملكه بطريق غير مشروع كالربا مثلاً فالإثم على المرابي صاحب العمل، أما الموظف الذي يأخذ أجرةً من مال صاحب العمل الذي يتعامل بالربا هذا الأجر للموظف حلال.
ولذلك فإن ما يصرفه الموظف لعمله ببطاقة الائتمان التي يُعطيها صاحب العمل له، حلال، وإثم التعاقد على البطاقة على صاحبها وليس على الموظف.
أما أن يأخذ الرجل بطاقة ائتمان لصديقه أو قريبه ليشتري بها بضاعةً ثم يسدد القيمة لصاحب البطاقة فهذا واقع تحت الضمان المالي (الكفالة المالية)، فكأن صاحب البطاقة ضامن لصديقه أمام التاجر بأن يسدد له ثمن البضاعة المشتراة (وذلك بتسجيل الثمن على صاحب البطاقة).
لكن هذه حتى تصح يجب ما يلي:
أ - أن يكون المضمون له أي التاجر معروفاً لصاحب البطاقة أي الذي يأخذ البطاقة يعلم صاحبها أنني أريد أن أشتري من التاجر المعـيَّن بضاعةً كذا.
ب - أن يكون الحق واجباً في ذمة المشتري أو يؤول إلى الوجوب أي إما أن يكون المشتري قد اشترى البضاعة ديناً من التاجر ويريد أخذ البطاقة من صديقه ليجعل التاجر يسجل الدين على البطاقة أي على صاحبها، أو يكون آيلاً للوجوب بمعنى أنه يأخذ البطاقة ويذهب ليشتري بها، وفي هذه الحالة يكون ضماناً معلقاً على شراء البضاعة ويتوجب الثمن في ذمة المشتري عند شراء البضاعة أي لَم يكن الدَّين عليه قد وجب عند أخذ البطاقة بل بعد زمن يسير أي عند ذهابه للتاجر وشراء البضاعة، فإن كان كذلك فجائز.
أما لو أخذ البطاقة ليشتري بها كيف شاء ووقت شاء ومن أي محل شاء، فهذا لا يصح لجهالة المضمون له، وكذلك الحق الواجب في الذمة أو الآيل للوجوب.
كل ذلك بشرط أن لا يتقاضى صاحب البطاقة من صديقه الذي أخذ البطاقة إلا ثمن الشراء فقط دون أية زيادة مهما كان اسمها كأن سميت رسوماً أو فائدةً، أو خدماتٍ أو أجرةً فهذا لا يصح لأن الكفالة لا تكون بأجرة بالإضافة إلى أن سداد الدين بأكثر منه رباً.
|
|
|
|
|
|
نزول سورة محمد
صلى الله عليه وسلم
|
|
|
الأخ الكريم ،
بعد التحية ،
تقول في الشخصية الجزء الثاني في موضوع الأسرى إن سورة محمد صلى الله عليه وسلم نزلت قبل بدر مع أن هناك روايات خلاف ذلك، فما الدليل على نزولها قبل بدر؟
نعم هناك روايات أن سورة محمد لَم تنـزل قبل بدر.
ولكن هناك ما يترجح على هذه الروايات:
أ - إن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم في الأسرى يوم بدر، وهذا يعني أن حكم الأسرى كان نازلاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحكم دون وحي.
ب - ليس هناك في القرآن الكريم حكم للأسرى إلا في سورة محمد صلى الله عليه وسلم {فإما مناً بعد وإما فداءً}.
جـ - الآية: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداءً} وقد بدئت الآية بلفظ (فإذا) أي أن الحكم في الآية نزل قبل أن يكون قتال، فالآية تبين حكم الأسرى عند حصول القتال، ولَم يحدث قتال فيه أسرى يحتاج إلى حكم إلا بدر.
وأيضاً فإن قوله سبحانه: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} هو بيان لحكم الوقت الذي يحصل فيه الأسر في المعركة، وهو بعد الإثخان، فتكون نزلت قبل معركة بدر، لأن موضوع الإثخان، أول ما حصل، قد حصل في بدر، فيكون بيان أن الأسر إنما يحصل بعد الإثخان بيان لحكم جديد لَم يحصل بعد.
ولذلك فإن منطوق الآية يدل على أنها نزلت قبل حدوث قتال، ونزلت تبين حكم الأسرى قبل حدوث قتال وقبل حدوث الإثخان {فإذا لقيتم}، {حتى إذا أثخنتموهم}. والآية تُرَجَّح على الحديث ما دام لا يمكن الجمع بينهما وإلا لكان الجمع أولى. وحيث لا يمكن الجمع لأن الروايات تقول بأن حكم الأسرى بعد بدر، والآية تدل على أن حكم الأسرى قبل بدر. لهذا يعمل بالترجيح، فترجح الآية على الأحاديث المخالفة. ويؤكد ذلك ويقويه أن ليس هناك حكم للأسرى إلا في سورة محمد، ولَم يكن هناك قتال يحتاج حكماً للأسرى إلا في بدر، وأن الرسول حكم في الأسرى في بدر وهو صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بوحي.
|
|
2 من محرم 1425هـ |
|
في 22/02/2004م |
|
|
|
|
|
الوعد بالشراء|طلاق المرأة من زوجها
|
|
|
الأخ الكريم ،
بعد التحية ،
جواب السؤال الأول
1 - الوعد بشراء بضاعة من تاجر لا يمتلكها، هذا الوعد غير ملزم ولا يعتبر في عقد الشراء أو البيع، إلا بعد أن تكون السلعة موجودةً عند التاجر وعندها إن شاء اشتراها وإن شاء لَم يشترها.
ولذلك فالبضاعة التي اشتراها التاجر هي للتاجر ولا يستطيع إلزام من وعده بشرائها أن يشتريها.
2 - إذا أراد الرجل الذي وعد التاجر بشرائها ثم لَم يشترها أن يدفع للتاجر (مالاً) من باب المعاملة الحسنة لأنه وعده وأخلف فيجوز له ذلك تطييباً لنفس التاجر، ولكن ليس واجباً عليه كغرامة.
3 - البضاعة هي ملك التاجر كما قلنا، فإذا باعها التاجر وربح كثيراً أو قليلاً فلا حق لمن وعده أن يشتريها ثم لَم يشترها، لا حق له بمطالبة التاجر بجزء من الربح، فالبضاعة ليست له بل هي للتاجر.
4 - إذا أراد التاجر أن يعطي الذي وعد بالشراء ولَم يشتر، إذا أراد أن يعطيه شيئاً من المال على اعتبار أنه لو لَم يعده بأنه سيشتريها لما اشتراها التاجر، فهو الذي دفعه لشرائها ومن ثم باعها وربح، إذا أراد التاجر أن يعطيه شيئاً من المال فيجوز له ذلك ولكن ليس واجباً عليه بل يكون من قبيل الهبة أو الهدية أو نحو ذلك.
والخلاصة:
1 - البضاعة للتاجر ولا يستطيع إلزام الآخر بشرائها، لأن الوعد بشراء بضاعة من تاجر لا يملكها، هذا الوعد لا يعتبر ملزماً فهو ليس عقداً. لأن بيع ما لا يملك باطل للحديث في ذلك.
2 - إذا باع التاجر البضاعة وربح فيها قليلاً أو كثيراً، فالربح له ولا حق لمن وعده بشراء البضاعة أن يطالبه بأي شيء من الربح قل أو كثر لأن البضاعة مملوكة ملكاً خاصاً صحيحاً للتاجر.
3 - إذا أراد التاجر أو الرجل الآخر أن يعطوا من مالهم لبعضهما هبةً أو هديةً فيجوز ذلك.
|
جواب السؤال الثاني
المرأة لا تملك الطلاق إلا إذا كان في عقد الزواج أنَّ الزوج قد وضع العصمة في يد زوجته أي جعل لها أن تطلق نفسها منه ففي هذه الحالة إذا قالت له: طلقت نفسي منك فإنها تحسب طلقةً، أما إذا لَم يكن في عقد الزواج أن الزوج أعطى صراحةً زوجته حق تطليق نفسها منه، إذا لَم يكن هذا متفقاً عليه صراحةً في عقد الزواج، فإن طلاقها نفسها منه لا قيمة له، ولا يحسب.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
ما هو حكم بيع النقد بالنقد؟
ما دام موضوع البيع هو النقد بالنقد فهو يدخل تحت أحكام الصرف والصرف حتى يصح، يكون:
أ) حاضراً بحاضر، فإنه في هذه الحالة: في الجنس الواحد يداً بيد وبالمثل، وفي الجنسين يداً بيد أنى شئتم. والأدلة على ذلك معروفة منها: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". أخرجه مسلم من طريق عبادة بن الصامت.
ب) عيناً وذمةً: يجوز استيفاء ثمن البيع بالنقد نفسه "موضوع الثمن" أو بسعر يومه من نقد آخر يداً بيد، ودليله حديث ابن عمر (... فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لَم تفترقا وبينكما شيء» وهذا يدل على جواز الاستبدال عن الثمن الثابت في الذمّة. فهذا صرف بعين وذمة. ولكن القبض يداً بيد ولابد.
جـ) صرفاً في الذمة: أن يكون لرجل في ذمة آخر ذهب، وللآخر في ذمة الرجل الأول فضة، فيصطرفا بما في ذمتهما، بأن يقضيه ما في ذمته من ذهب بما له عنده ديناً من الفضة، فإن هذا جائز لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة على أن يحسم الموضوع في المجلس، وهذه المسألة تسمى في الفقه (الصرف في الذمة).
|
|
25 من ذي الحجة 1424هـ |
|
في 16/02/2004م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
السباق بين الخيل جائز، ولا شيء في ذلك، لكن الموضوع متعلق بأخذ العوض على السّبق.
وأخذ العوض يكون في حالات:
1) أن يكون العوض من طرف ثالث فيقول: من سبق أعطه كذا فهذا جائز.
2) أن يقول أحد المتسابقين للآخر: إن سبقتني أعطك كذا، وإن سبقتك لا آخذ منك شيئاً، فهذا كذلك جائز.
3) أن يكون العوض من الجانبين، وهو الرهان. وجمهور الفقهاء على تحريمه لأنه من القمار. وهذا كأن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني أعطك كذا، وإن سبقتك تعطني كذا، فجمهور الفقهاء على تحريمه، وهذا هو الصواب.
والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترط لصحة الرهان بين المتسابقين أن يدخل معهما ثالث (محلل) لا يدفع شيئاً لمن يسبقه بل هو يأخذ إذا سبقهم ولا يعطي إذا سُبق، بشرط أن يكون فرسه مكافئاً لفرسيهما، فلا يكون فرسه هزيلاً بطيئاً وفرساهما جوادين، ففي هذه الحالة معروف أنهما سيسبقانه ويكون وجوده وعدمه سواء.
وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم (القمار) على المتسابقين بعوض من أحدهما للآخر إذا كان فرس (المحلل) هزيلاً ومأموناً أن يسبقاه، ومن باب أولى أنه قمار إذا لم يكن معهما في السباق أحد، ولذلك فرهان سباق الخيل أي السابق يأخذ من صاحبه، هو قمار وهو حرام.
الحديث: أخرج أبو داود من طريق أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يُسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يُسبق فهو قمار» لأنه إن كان واثقاً أنهما سيسبقانه -لضعف فرسه- فكأن السباق بينهما، ووجوده هو وعدمه سواء، فكان قماراً وهو حرام.
وللعلم فإن هناك فقهاء مثل ابن القيم أجازوا الرهان بين الطرفين لأنه اعتبر الحديث المذكور ضعيفاً، ولكن الحديث قيل عنه أنه مرسل، وقد عمل به جمهور الفقهاء لذلك فهو صالح للاستدلال.
وبذلك فإن ما ذكرناه في الاقتصادي هو الصحيح وهو المتبنى عندنا من أن الرهان في سباق الخيل هو قمار.
|
|
|
|
|
|
الطلاق المضاف والتفريق بسبب الحبس
|
|
|
بعد التحية ،
1 - الطلاق المضاف جائز ويقع في موعده. والطلاق المضاف يعني أن تكون صيغته قد قرنت بوقت كقوله أنت طالق بعد شهر وهكذا. ولذلك فإنَّ قول الأخ الذي حبس لزوجته (أنت بعد ستة شهور طالق ولك أن تتزوجي) فإنَّه يقع طلاقاً بعد الوقت الذي حدّده لها.
2 - التفريق بسبب الحبس
إنّ جمهور الفقهاء أنه لا يجوز التفريق على المحبوس مطلقاً، أي لا يجوز للمرأة أن تتقدم للقاضي ليفرِّق بينها وبين زوجها مهما كانت مدة حبسه، لأنه غائب معلوم الحياة، وغيابه لعذر وهو أنه محبوس. وهذا يقول به الحنفية والشافعية والحنابلة.
أما الإمام مالك فيقول بجوازه، إذا طلبت الزوجة من القاضي ذلك، وادَّعت الضرر، على أن يكون بعد سنة من حبس الزوج.
ونحن لا نريد أن نتبنّى في هذا الأمر، وللزوجة أن تختار تقليد أي مذهب في هذه المسألة.
ولكنني أنصح النساء بالصبر، ولعل الله يجعل لأزواجهن مخرجاً فيعودوا إلى بيوتهم، وتجتمع المرأة وزوجها، وباقي الأسرة على خير.
ويكون لها بصبرها أجر كبير، والله مع الصابرين.
أمَّا إن أصرَّت الزوجة على طلب التفريق، فالأفضل أن تطلب ذلك من زوجها، ولا أظن أن الزوج يرفض طلاق زوجته إذا طلبت منه الطلاق وعلم أنَّ مكوثها خلفه يلحق بها ضرراً.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الأخ الكريم ،
بعد التحية ،
الرواية في كتاب الدولة وفي أحكام الصلاة ليست واقعةً واحدةً:
- في كتاب الدولة: (كتب مصعب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه أن يجمِّع بهم فأذن إليه ... فجمَّع بهم مصعب بن عمير في دار سعد بن خثيمة وهم اثنا عشر رجلاً.
- وفي أحكام الصلاة: جمَّع بهم مصعب في بيت أسعد بن زرارة وفي الحديث كم كنتم يرمئذٍ قال أربعون رجلاً.
فالأولى في دار سعد بن خثيمة.
والثانية في دار أسعد بن زرارة.
وكأن صلاة الجمعة كانت في البيتين في جمعتين.
وتقبل تحياتي.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
السؤال: هل يجوز الاحتجاج بالحساب الفلكي على أوقات الصوم والفطر كما يُحتج بالحساب الفلكي على أوقات الصلاة؟
الجواب:
1 - إنَّ الله سبحانه طلب منا أن نتعبدَّه كما طلب سبحانه، فإن عبدناه بغير ما طلب نكون قد أسأنا حتى ولو ظننا أننا نحسن صنعاً.
2 - طلب الله سبحانه أن نصوم ونفطر لرؤية الهلال، وجعل سبحانه الرؤية سبب الصوم والفطر «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». إن رأينا هلال رمضان صمنا، وإن رأينا هلال شوال أفطرنا.
3 - إذا لَم نر هلال شوال لأنَّ غيماً مثلاً قد حجبه، أكملنا الصوم حتى وإن كان الهلال موجوداً فعلاً، ولكنَّنا لَم نره لحاجب حجبه، أي أننا لا نصوم ونفطر لبداية الشهر حقيقةً. والحديث صريح في ذلك «فإن أغمي عليكم فأكملوا عدة شعبان».
4 - لَم يكلفنا الله سبحانه أن نعبده بغير ما طلب، فمثلاً لو كان الحساب يقول إن غداً رمضان قطعاً - والآن الحسابات الفلكية تقرر أوضاع القمر منذ ولادته إلى أن يصبح بدراً ثم محاقاً، تحسبها بالثواني - ولكننا لَم نر الهلال لغيم مثلاً، فإنَّ الذي يصوم يكون آثماً علماً بأن رمضان على الحقيقة قد بدأ، وهو آثم لأن الهلال لَم يُر، والواجب أن يتم شعبان 30 يوماً ثم بعد ذلك يصوم، فيكون الذي صام على حقيقة رمضان في هذه الحالة آثماً لأنه خالف، ويكون الذي أكمل عدة شعبان فلم يصم رغم أن الهلال كان موجوداً لكن الغيم حجبه، هذا يكون له أجر لأنه اتبع الحديث.
5 - من هذا يتبين أننا لا نصوم ونفطر لحقيقة الشهر بل لرؤية الهلال فإذا رأيناه صمنا وإن لَم نره: لا نَصُمْ حتى وإن كان الشهر قد بدأ فعلاً بالحساب.
6 - إذا جاء الشهود وشهدوا بالرؤية فإنَّ التعامل معهم يكون كأية شهادة، إذا كان الشاهد مسلماً غير فاسق قبلت شهادته، وإذا ظهر أن الشاهد غير مسلم وغير عدل أي كان فاسقاً لَم تقبل شهادته.
7 - إثبات فسق الشاهد يكون بالبينات الشرعية وليس بالحسابات الفلكية أي لا تقيم الحجة عليه فتقول إن ساعاتٍ قليلةً مرت على ولادة القمر إذن لا يُرى ... - ومعلوم أنَّ هناك خلافاً بين علماء الفلك في مدة الساعات بعد الولادة لإمكان الرؤية - فلا تقام الحجة على الشاهد بالحساب الفلكي بل يمكن مناقشته والتأكد من رؤيته ويسأل أين الهلال وينظر آخرون وهكذا، ثم تقبل الشهادة بالرؤية أو ترد على هذا الأساس.
8 - إن المتتبع للنصوص الواردة في الصوم يجدها تختلف عن النصوص الواردة في الصلاة، فقد ربط الصوم والفطر بالرؤية «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فالرؤية هي الحكم. لكن النصوص في الصلاة قد ربطت بالوقت {أقم الصلاة لدلوك الشمس}، «إذا زالت الشمس فصلَّوا». فكانت الصلاة متوقفةً على الوقت فبأية وسيلة تحققت من الوقت صليت، فإذا نظرت إلى الشمس لترى وقت الزوال أو نظرت إلى الظل لترى ظل كل شيء مثله أو مثليه كما جاء في أحاديث أوقات الصلاة، إن فعلت ذلك وتحققت، صحَّت الصلاة، وإن لَم تفعل ذلك بل حسبتها فلكياً فعلمت أن وقت الزوال هو الساعة كذا فنظرت إلى ساعتك دون ان تخرج لترى الشمس أو الظل، قد صحَّت الصلاة، أي أن تتحقق من الوقت بأية وسيلة. لماذا؟ لأن الله سبحانه طلب منك الصلاة لدخول الوقت وترك لك التحقق من دخوله دون تحديد لكيفية التحقق. وأما الصوم فقد طلب منك الصوم بالرؤية فحدد لك السبب بل فوق ذلك قال لك إذا حجب الغيم الرؤية فلم تر، فلا تصم حتى وإن كان الهلال موجوداً خلف الغيم وكنت متأكداً من وجوده بالحساب الفلكي.
9 - إنَّ الله سبحانه هو خالق الكون، وهو سبحانه الذي علَّم الإنسان ما لَم يعلم، فالعلم بحركة الأفلاك ودقائقها هو من فضل الله على الناس. لكنَّ الله سبحانه لَم يطلب منَّا أن نعتمد الحساب للصوم بل طلب منا الرؤية فنعبده سبحانه كما طلب ولا نعبده سبحانه بما لَم يطلب.
وهكذا فإن الرؤية وحدها هي الحكم في الصوم والفطر وليس الحساب الفلكي. وبناءً عليه نقول بعدم جواز الحسابات الفلكية في الصوم والفطر بل الرؤية فقط لأنها الواردة في النصوص.
|
|
في 2 شوال 142هـ |
|
25/11/2003م |
|
|
|
|
|
|
|
|
إنَّ سبب ثبات سعر النظام المعدني هو:
أ - إن المعدن إذا اختير، وكانت له قيمة ذاتية، سواء أكان نقداً أم لـم يكن، كالذهب مثلاً، أي يطلبه الناس للزينة ولحاجاتهم...الخ، فهذا يجعل النقد ليس تابعاً، في اعتباره، لاقتصاد الدول والثقة فيها كما هو حالياً لأن له قيمةً ذاتيةً في نفسه بخلاف النقد الحالي فلا قيمة ذاتية له إلا الثقة في اقتصاد الدولة، ومعروف أن اقتصاد الدول يتوقف على ميزان مدفوعاتها، الواردات، والنفقات، والصادرات، (ويضاف إلى ذلك قوتها السياسية أحياناً) وهذه متقلبة، فإذا كان النقد له قيمة ذاتية بعيداً عن تقلبات اقتصاد الدول فهذا يعطيه ثباتاً.
ب - ثبات نسبة الصرف بين نقد الدول وذلك لأنه منسوب إلى الذهب المغطي له، وهذا يؤدي إلى ثبات قيمة النقد، ولا يتوقف على فرق القوة في اقتصاد الدول عند تبادل الصرف بينها، لأن الصرف هو بين نقود ذهبية سواء أكان صرفاً بين الذهب نفسه أم الورق النائب عن الذهب وفق نسبة الغطاء له في نقد الدول.
جـ - إن النقد المحلي والدولي هو واحد فيتعامل الناس في الداخل والخارج بالوحدات نفسها وليس كالآن، فالتعامل المحلي حالياً بعملة محلية، والتعامل مع الدول في الخارج بعملات أخرى (صعبة). وإذا كان النقد المحلي والخارجي واحداً في التعامل فهذا يجعله ثابتاً.
يضاف إلى ذلك، في حالة المعدنين، أنَّ المعروض من النقد المعدني في التعامل سيكون أكثر كميةً لأنه معدنان، وهذا سيبعد شبح الاحتكار للمادة المعدنية المعروضة فيزيد الثبات ثباتاً. فهو في المعدن الواحد محسوس الثبات وفي المعدنين أكثر ثباتاً.
|
|
28 من شعبان 1424هـ. |
|
في 21/10/2003م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
الســؤال: ما حكم الركاز؟ وماذا يترتب على من وجد دنانير عثمانيةً مدفونةً؟
الجـواب: الركاز: هو المال المدفون في باطن الأرض بفعل الإنسان، وكذلك هو المعدن المحدود المخلوق في باطن الأرض، أي ليس منجماً ولا عدّاً.
أما الحكم الشرعي: فما كان من معدن محدود فأربعة أخماسه لصاحبه وخمسه الآخر لبيت المال. وحيث لا يوجد بيت المال، لعدم وجود الدولة الإسلامية، لذلك فإنَّ صاحبه يخرج الخمس لمن يستحقون من الفقراء والمساكين أو نحوهم.
وأما ما كان مدفوناً في باطن الأرض بفعل الإنسان فينظر: فإن وجد مدفوناً وكان قد مضى عليه زمن يكفي لانقراض من دفنه وورثته كدفن الأمم السابقة: الأشوريين الإغريق وكدفن الجاهلية والفرس والروم والعصور الإسلامية القديمة السابقة، فيكون أربعة أخماسه لمن وجده وخمسه الآخر لبيت المال.
وإن وجـد مدفـوناً ولـم يمـض عليه زمن يكـفي لانقـراض من دفنه وورثته كدفن المسلمين غير الأقدمين فحكمه حكم اللقـطة التي توجد على سـطح الأرض: ما كان في منطقة غير مأتية كالخـرب والصـحـارى...الخ. ففيه الخـمـس لبيت المال وأربعة أخماسه لمن وجده.
وإن كان لـم يمض عليه زمن يكفي لانقراض من دفنه وورثته ولكنه وجد في منطقة مأتية أي بين المساكن أو قرب القرى والمدن، يعرَّف عنه سنةً فإن جاء صاحبه وإلا فهو لواجده.
ودليل ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري «العجماء جبار وفي الركاز الخمس».
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري من طريق زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها وعرِّفها سنةً فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها».
وحديث النسـائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: ما كان في طريق مأتيّ أو في قرية عامرة فعرِّفها سنةً فإن جاء صاحبها وإلاَّ فلك، وما لـم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس». وما ورى عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المال الذي يوجد في الخرب العادي فقال فيه وفي الركـاز الخمس». وما روي عن علي بن طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وفي السيوب الخمس، قال والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض».
وعليه فإنَّ من وجد مالاً مدفوناً زمن الدولة العثمانية يحقق مناطه كما ذكرنا فإن كان مضى عليه زمن يكفي لانقراض واضعه وورثته، ففيه الخمس لبيت المال وأربعة أخماسه له في أي مكان وجده، في الصحارى أو الخرب أو المدن والقرى.
وإن كان لـم يمض عليه ذلك فحكمه حكم اللقطة، إن كان في أرض عامرة يعرفه سنةً فإن لـم يأت صاحبه فهو له كله. وإن كان في أرض خربه فله أربعة أخماسه والخمس لبيت المال.
ومن الجـدير ذكـره أن من الفـقـهـاء من يعتبر دفن الجاهلية فقط هو الذي فيه الخمس والأربع أخماس الأخرى له، وأما دفـن الإسـلام فيعـتبر حكـمه كحكم اللقـطـة أنّى كان. ولكن الراجح ما ذكرناه، فالعبرة بمضيّ الوقت الكافي لانقـراض دافنه وورثته بغض النظر عن كونه من دفن الجاهلية أو الإسلام. لأن كلمة ركاز تصدق لغةً على المال المدفون من الإنسان دون تقييد بدفن الجاهلية أو الإسلام.
|
|
|
|
|
|
|
|
|
اعتاد الناس في هذه الأيام أن يستأجروا صالات الأفراح لأعراسهم، وهذه الصالات على نوعين:
نوع: صالات مختلطة يدعى الرجال والنساء لها ويجلسون معاً، وعندما تأتي العروس من الصالون يجلسونها مع عريسها، والنساء من حولهما محارم وغير محارم، والنساء في هذه الحالات تكون متزينة وكاشفات لعوراتهن، فتغني وترقص بين يدي العروسين، ويشارك الرجال أحياناً كذلك، وفي هذه الأثناء يُلبِّس العروس عروسه حليها في يديها ورقبتها وأذنها كما هم معتادون عليه.
ونوع: صالات يستأجرها المهتمون بالإسلام، واحدة للرجال وأخرى للنساء، أي دون اختلاط، ولكن عندما تأتي العروس يجلسونها هي وعريسها معاً في صالة النساء، وتغني النساء وترقص بين يدي العروسين، محارم وغير محارم، وبينهن متبرجات وكاشفات لعوراتهن، ثم يُلبس العريس عروسه حليها في يديها ورقبتها وأذنيها كما هم معتادون عليه.
والسؤال:
هل هذا حرام كله، الصالات المختلطة، وجلوس العريس أمام النساء في الوضع المذكور، أم أن هذا مما عمَّت به البلوى كما يقول بعض المشايخ فيتجاوز عنه ويعفى عنه؟
وللجواب على ذلك نقول:
1 - إن اختلاط الرجال والنساء حرام، وأدلته مستفيضة، وحياة المسلمين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة من بعده، تنطق بذلك. ولا يجوز الاختلاط إلا لحاجة يقرها الشرع ورد نص فيها في كتاب الله أو سنة رسوله مثل البيع والشراء، صلة الرحم...الخ.
ولـم يرد نص في جواز اختلاط الرجال والنساء في صالات الأفراح (الأعراس)، بل إن الوارد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته أن النساء كانت تكون مع العروس هنّ وهي، وحدهن، والرجال وحدهم. وبذلك فالاختلاط في الصالات حرام، وغير مستثنىً، والذي ورد في الأعراس هو في زفاف المرأة إلى بيت زوجها فيجوز أن يأخذها الرجال والنساء إلى بيت زوجها، ثم ينفصل الرجال عن النساء حيث قد ثبت هذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرّه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعليه فوجود الرجال والنساء في صالات الأفراح دون انفصال، أي في صالة واحدة وليس في صالتين، هو حرام. وإن كانت العورات مكشوفة، كما هو الغالب في هذه الحالات، فالحرمة أشد. وكذلك جلوس العريس بجانب عروسه تحيط به النساء محارم وغير محارم، هو حرام، وبخاصة وهن كاشفات العورة، وهو الغالب في النساء حول العروس، هذه الأيام.
أما القول بأن هذا مما عمَّت به البلوى فهو لا يجعل الحرام حلالاً، وهو قول مردود على صاحبه لمناقضته للشرع، بل إن هناك أحاديث تمدح أولئك القابضين على دينهم كالقابض على الجمر لشدة البلوى التي يكون فيها المسلم عند تمسكه بإسلامه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ».
|
|
6 من جُمادى الثانية 1424هـ. |
|
08/08/2003م. |
|
|
|
|
|
الدخول في جيوش الدول القائمة في بلاد المسلمين
|
|
|
سؤال: هل يجوز الدخول في جيوش الدول القائمة في بلاد المسلمين؟ علماً بأنَّ هناك حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم ينهى عن جنود الأمراء الظلمة؟ وهل يجوز طلب نصرتهم؟ وهل يصح القتال مع الحكام الظلمة؟
جواب: عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمان يكون عليهم أمراء سفهاء يقدمون شرار الناس ويظهرون بخيارهم ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكون عريفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا خازناً». رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الرحمن بن مسعود وهو ثقة.
وفي رواية في كنـز العمال «... فمن أدركهم فلا يكونن لـهـم عريفاً ولا جابياً ولا خازناً ولا شرطياً» كنـز العمال - الخطيب عن أبي هريرة.
وبإنعام النظر في الموضوع يتبين:
1) حديث أبي يعلى ينهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الأربعة تحت حكم الأمراء السفهاء الظلمة بشكل مطلق. وفي حديث كنـز العمال نهي عن هذه الأربعة للحكام الظلمة خاصةً حيث ذكر في الحديث (لـهـم) واللام للاختصاص فالنهي متعلق بالحرس الخاص لهؤلاء الأمراء وبمن يجمع المال لهم ويخزنه لهم. ويحمل المطلق على المقيد فيكون النهي ليس عن العريف والجابي والخازن والشرطي على إطلاقها في الدول التي لا يحكم حكامها بالإسلام، وإنما النهي متعلق بالعريف والشرطي والجابي والخازن العاملين مع أشخاص هؤلاء الحكام أي المختصين بهم.
2) الذي يرضى بحكم الأمراء الظلمة السفهاء يكون آثماً سواء أكان في الجيش أم غير الجيش لأن عدم تغيير الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وعدم الإنكار عليهم، أو الرضى بهم، كل ذلك إثم عظيم حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع» أخرجه مسلم.
3) إن طلب نصرة أهل القوة سواء أكانوا في حرس الحاكم أم في غير حرسه لتغيير حكم الظالمين السفهاء الذين لا يحكمون بما أنزل الله، هذا الطلب جائز ولكن بعد بيان واقع النظام الفاسد الذي يعملون فيه، وأنَّ الواجب تغييره، فإذا اقتنعوا بذلك واستجابوا لله ولرسوله فإنّ عملهم هذا عمل عظيم بإذن الله وإذا استعملوا مواقعهم في التعجيل بإقامة حكم الله سبحانه فقد جاؤوا بعمل عظيم.
وذلك لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى القبائل وهي كافرة يدعوها للإسلام فإذا استجابت طلب نصرتها لإقامة حكم الله. وهكذا فإن العاملين في جيش الظالمين إذا استجابوا للحق وعرفوا حكم الشرع في وجوب الإنكار على الظالمين وتغييرهم، واستعدوا للعمل فإنَّ طلب نصرتهم جائزة.
4) نعم يصح القتال مع الحكام الظلمة إذا كان قتالاً للكفار وليس للمسلمين، لأن الجهاد فرض على المسلمين في جميع الأحوال تحت ظل الحاكم المسلم مهما كان حاله سواء أكان برّاً أم فاجراً ما دام يقوم بالقتال ضد الكفار وذلك لأن آيات القتال جاءت مطلقةً غير مقيدة {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله}؛ {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله}؛ {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا} وآيات غيرها كثيرة لـم تشترط أن يكون الحاكم ظالماً أو غير ظالـم ما دام القتال ضد الكفار.
كما أن هناك أحاديث صريحةً تدل على أن جور الحاكم لا يمنع القتال معه، وهو يعني قاتلوا مع الإمام الجائر. عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والجهاد ماضٍ منذ أن بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل».
|
|
20 جُمادى الأولى 1424هـ. |
|
20/07/2003م. |
|
|
|
|
|
|
|
|
حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافرُ مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها» أخرجه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه:
1 - يحرم عليها أن تسافر وحدها دون محرم المدة المذكورة أي يوم كامل (24 ساعةً)، الليل والنهار.
2 - النص يدل على الزمن وليس على المسافة، فلو سافرت بطائرة دون محرم ألف كيلومتر فذهبت ورجعت دون أن تمكث تلك المدة فيجوز لها ذلك. أما لو سافرت مشياً عشرين كيلو واحتاج منها ذلك أكثر من نهار وليلة فيحرم عليها دون محرم.
3 - النصوص الواردة في قصر الصلاة وجواز الإفطار في الصوم تتضمن المسافة (أربعة برد) وتقدَّر بحوالي 89 كيلو متراً. فالمسافة في القصر هي المعتمدة فمن سافر هذه المسافة بالطائرة أو الباخرة أو الطيارة أو مشياً جاز له القصر مهما كان زمن السفر.
4 - فالعبرة في السفر دون محرم للمرأة هي بالزمن، نهار وليل، مهما كانت المسافة، فإن لم تمكث المرأة هذا الزمن، بل سافرت ورجعت قبلها فيجوز ذهابها دون محرم. وأما في القصر والفطر فالعبرة بالمسافة مهما كان الزمن قل أو كثر.
5 - أما أمنها على نفسها فهو موضوع آخر، فإن لم تأمن على نفسها إلا بمحرم فلا تسافر حتى وإن كان الزمن نصف نهار، فالأمن على نفسها موضوع آخر.
6 - المحرم هو رجل من محارم المرأة، أما النساء الثقات فبعض الفقهاء يقول به، وأما نحن فنرجِّح سفرها بمحرم رجل للمسافة المطلوبة.
7 - المسافر لدورة قصيرة مدة ثلاثة شهور مثلاً يكون حكمه حكم المسافر إذا لم يتخذ البلد الذي فيه الدورة مكان إقامة له، وإنما فقط لأداء الدورة والرجوع إلى بلده الأصلي، فيكون حكمه في هذه الحالة حكم المسافر. أما إذا اتخذ البلد الذي هو مكان الدورة، إذا اتخذه إقامةً له فإنه في هذه الحالة ينقطع سفره ويأخذ حكم المقيم.
|
|
4 من ربيع الأول 1424هـ. |
|
31/05/2003م. |
|
|
|
|
|
|
 |
|
 |
|