 |
|
 |
| |
|
جــواب ســؤال
قضية البشير مع المحكمة الدولية
|
|
|
إلى أين وصلت قضية البشير مع المحكمة الدولية بالنسبة لأحداث دارفور؟ وهل ما يلاحظ من تخفيف حدة التصعيد بين أوروبا والولايات المتحدة يعني قرب وصولهم إلى حل وسط في هذه القضايا؟
الجواب:
أولاً: حتى يمكن الجواب على السؤال، فإنه يجب استعراض أحداث القضية ومتعلقاتها:
1- المحكمة الدولية هي من صنيع الأيادي الأوروبية كي تحفظ مصالحها تحت غطاء القانون الدولي ولكي تواجه الهجمة الأمريكية. وقد نشأت المحكمة الدولية في عام 1998 فيما يسمى بمعاهدة روما. وذلك لملاحقة الأشخاص الذين يقومون بجرائم خطيرة وذات اهتمام دولي، من مثل الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، بحيث تقوم بمحاكمة الشخصيات التي تقوم بتلك الجرائم كخيار أخير، بعد أن تفشل محاكم الدول المحلية من اتخاذ أي إجراء فاعل.
2- وقعت الولايات المتحدة الأمريكية على معاهدة روما في 31/12/2000 ثم صادق عليها كلينتون قبل مغادرته للمكتب الرئاسي، إلا أن الكونغرس الأمريكي لم يصادق على المعاهدة. وقبل افتتاح المحكمة بقليل في عام 2002 سحب جورج بوش توقيع بلاده من على المعاهدة. وبعد ذلك أصدر جورج بوش قوانين حماية الجنود الأمريكيين، ومنع اعتقال المحكمة للأمريكيين وعدم خضوعهم لإجراءاتها القضائية، ومنذ ذلك الحين أصبحت أمريكا معادية للمحكمة.
3- وعلى الرغم من عدم توقيع أمريكا على معاهدة روما، وكذلك عدم توقيع السودان عليها، إلا أن الاتحاد الأوروبي، وبخاصة فرنسا ثم بريطانيا، قد نجح في إيجاد ضغوط شعبية محلية وعالمية من أجل إصدار قرار من مجلس الأمن بتحويل قضية دار فور إلى المحكمة الدولية، مبررا تحويلها إلى مجلس الأمن مع أن السودان غير موقع على المعاهدة، مبررا ذلك بإحدى مواد المعاهدة التي تنص على حق المحكمة في متابعة أي قضية إذا رأت المحكمة أنها تهدد السلم والأمن العالميين. ولإثبات ذلك، فقد استغل الأوروبيون، وبخاصة فرنسا، أحداث دار فور، وضَخَّمت ما وقع فيها من جرائم...، وأوجدت رأيا عاما بأن ما يحدث في دارفور يهدد السلم والأمن العالميين بسبب ملايين المهجرين ومئات الألوف من القتلى والجرائم الفظيعة التي تصل للإبادة الجماعية وجرائم الحرب... وركَّزت فرنسا وبريطانيا على الجرائم المنسوبة إلى حكومة السودان ومنظمة الجنجويد المرتبطة بالحكومة، وتغاضت عن جرائم حركات التمرد المدعومة من أوروبا، وبخاصة من فرنسا.
4- وهكذا أوجدت فرنسا وبريطانيا تعاطفا شعبيا مع أحداث دارفور ضد حكومة البشير، لدرجةٍ ألجأت أمريكا عند التصويت على قرار مجلس الأمن رقم1593 في آذار 2005 القاضي بإحالة القضية إلى المحكمة الدولية، ألجأت أمريكا إلى الاكتفاء بالتغيب دون استعمال حق النقض مع أنها تعلم أن القرار هو صناعة أوروبية وموجه ضد نفوذها في السودان! وهكذا فقد حصل القرار المذكور على 11 صوتا من دون معارضة له، بل بغياب أربع دول هي "الجزائر والبرازيل والصين والولايات المتحدة"، مع أن أمريكا أثناء مداولات القرار كانت تهدد الدول بعدم التصويت، لكن الرأي العام الذي أوجدته فرنسا وبريطانيا ضد حكومة البشير بسبب جرائم دارفور، كان من القوة بمكان بحيث لم تجرؤ الولايات المتحدة على معارضة قرار إحالة قضية دارفور للمحكمة الدولية، بل اكتفت بالغياب.
5- في شباط 2007 طالب مدعي عام المحكمة الدولية "لويس مورينو اوكامبو" من المحكمة إصدار مذكرة اعتقال بحق كل من وزير الداخلية الأسبق أحمد محمود هارون، وعلي محمود علي قائد قوات الجنجويد والذي يعرف أيضا (بعلي كوشايب) ، إلا أن السودان رفضت مذكرة المحكمة. وفي نيسان 2007 أصدرت المحكمة مذكرة الاعتقال بحق الاثنين، واحتوت المذكرة على 42 تهمة من ضمنها تهمة القتل والاضطهاد والتعذيب بحق هارون، بينما احتوت المذكرة على 50 تهمة من ضمنها القتل والاعتداء على المدنيين عن قصد بحق علي. إلا أن السودان رفضت مباشرة تسليم كلا المتهمين.
6- أصرت السودان على عدم تسليم المتهمين خلال الشهور الثمانية التي تلت مذكرة الاعتقال بالرغم من الضغوط الأوروبية الشديدة عليها، وأخيراً وفي تشرين الثاني 2007 طالبت دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتهم بريطانيا مجلس الأمن ممارسة مزيد من الضغط على السودان. حيث قال السفير البريطاني جون ساورز"إنه من العار على مجلس الأمن أن يكون أحد المتهمين بانتهاك حقوق الإنسان معيناً وزيرا في الحكومة السودانية، وأنا قلق من أن تقرير المدعي العام الذي سيقدمه لمجلس الأمن الشهر القادم لن يحتوي على كثير من التفاؤل". وتبع هذا تحركات سريعة من قادة المتمردين في دارفور من الموالين لبريطانيا وفرنسا في مطالبتهم مجلس الأمن اتخاذ إجراءات سريعة. وصرح أحد قادة المتمردين في حركة تحرير الشعب السوداني عبد الواجد النور لصحيفة منبر السودان بالقول "إن تحقيق السلام في دارفور يتطلب إنهاء حالة ثقافة الحصانة للشخصيات في دارفور" وأضاف" بأن على مجلس الأمن التأكد من تعاون السودان مع مذكرة الاعتقال التي استندت لقرار مجلس الأمن رقم 1593. وحذر من أن عدم اتخاذ إجراءات حازمة من مجلس الأمن سيكون برهانا على عجز المجلس في حل المشكلة". وفي الثالث من كانون الأول 2007 دعت حركة التمرد في دارفور (حركة العدل والمساواة) المجتمع الدولي للوقوف مع المحكمة الدولية في عملها المتعلق بدارفور، حيث قال الناطق الرسمي باسم الحركة أحمد حسين أحمد لصحيفة منبر السودان " لا يمكن تحقيق السلام الدائم بدارفور من دون فرض العدالة" وفي هذه الأثناء قال المدعي العام "اوكامبو" بأنه يُحَضِر لقضية جديدة؟
7- بالإضافة إلى ذلك، فإن البرلمان الأوروبي قد دعا في 22/5/2008 إلى تجميد أرصدة القادة السودانيين الذين لا يتعاونون مع المحكمة الدولية. وكشف المدعي العام الرئيسي للمحكمة من أنه سيعلن عن قضية جديدة بحق مسئولين كبار في الحكومة السودانية. وفي اجتماع قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية قالت السفيرة الفرنسية لدى الأمم المتحدة جين-موريس روبرت " أن فرنسا والاتحاد الأوروبي جاهزتان لاتخاذ مزيد من الإجراءات القاسية ضد الحكومة السودانية إن استمرت السودان في عدم التعاون، إن جميع القادة الأوروبيين يساندونني، إنها المرة الأولى التي تفصح فيها الدول الأوروبية الست (الدول الست في الأمم المتحدة) على أن قرار مجلس الأمن يجب أن يُحترم"
8- وبالفعل ففي 14/7/2008 تمكن الاتحاد الأوروبي ومن خلال المحكمة الدولية من اتهام عمر البشير. فقد اسند المدعي العام مورينو اوكامبو عشر تهم لعمر البشير: ثلاثة منها إبادة جماعية، وخمسة جرائم ضد الإنسانية وجريمتا قتل. وتوقع القضاة بأنهم سيستغرقون شهوراً في دراسة البينات قبل إصدار قرار الاعتقال للبشير.
وهكذا نجح الأوروبيون بإصدار قرار بملاحقة البشير، وبالتالي توجيه ضربة إلى نفوذ أمريكا في السودان بإضعاف عميلها البشير الذي أصبح متهما بجرائم حرب وملاحقا من المحكمة الدولية!
9- قامت أمريكا خلال ذلك بمحاولات لعدم تفعيل قرارات المحكمة الدولية وبخاصة المتعلقة بالملاحقة الجدية للبشير، آخذة في الاعتبار نجاح أوروبا في إثارة الرأي العام ضد جرائم دارفور وضد حكومة البشير، وكذلك الاحترام الدولي لتحقيقات المحكمة...، ولهذا قامت بما يلي:
أ- صرحت إدارة جورج بوش في 26/04/2008م بان واشنطن تحترم تحقيقات محكمة لاهاي فيما يتعلق بالأعمال الوحشية في منطقة دارفور.
ب- دقت ناقوس الخطر على تطورات عملية السلام في دارفور إذا ما استمرت المحكمة الدولية في ملاحقة فعلية لمزيد من المسئولين في السودان، حيث صرَّح المبعوث الأمريكي السابق للسودان "اندرو ناتاسيوس" بالقول" إذا نفذت المحكمة الدولية تهديداتها التي وردت في الصحف عن عزمها على ملاحقة مزيد من الشخصيات الدبلوماسية في السودان فإننا ندفع بالبلد إلى حالة فوضى ودمار"
ثم ضاعفت من هذه التصريحات بعد اتهام المحكمة الدولية للبشير صراحة، وصارت الولايات المتحدة تركز على أن ملاحقة البشير ستجعل عملية السلام في دار فور في مهب الريح...
ج- حركت أمريكا عملاءها في أفريقيا والعالم العربي لتأجيل إصدار المحكمة مذكرة اعتقال البشير، وأرسلت أمريكا عمرو موسى لحث السودان على محاكمة "هارون وعلي" في محكمة افريقية أو محكمة سودانية، مستغلة في ذلك المادة رقم 16 في معاهدة روما التي تنص على أن المحكمة غير مخولة بالنظر في القضايا التي يُنظر فيها من قبل المحاكم المحلية. وقد ساند هذه الخطوة كل من الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي وتنزانيا وكينيا وأوغندا...
10- لقد أثرت هذه المحاولات في ضغوطات أوروبا، ولذلك فقد سلطت عملاءها على انتقاد من يساند السودان حيث قال رئيس حركة العدل والمساواة " أخشى أن تتورط الجامعة العربية في التآمر مع الحكومة السودانية ضد أهل دارفور، مما يؤدي إلى كارثة على المدى البعيد " وقال منتقداً الاتحاد الأفريقي" المادة الرابعة من قانون الاتحاد تنص على تدخل الاتحاد في أي قضية يُنتهك فيها حقوق الإنسان من قبل أية دولة عضو في الاتحاد، ومن ضمن ذلك جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، فلماذا إذا لا يطبق الاتحاد هذه المادة؟ هل يظن الاتحاد أن الوضع في دارفور ليس مأساويا بما فيه الكفاية بعد خمس سنين؟"
11- ومع ذلك فقد أدركت أوروبا، وبخاصة فرنسا، أن تحريك أمريكا للإتحاد الإفريقي مؤثر، ولذلك عقدت لقاءات مع ممثلي الاتحاد الإفريقي، وعرضت في هذه اللقاءات أمورا "مكاسب" تريد تحقيقها في مقابل "تليين" موقفها ...، ثم خلصت إلى أنه لابد من الالتقاء مع أمريكا في منتصف الطريق، وان استمرارها في الشوط إلى منتهاه ليس مجديا، لا من حيث ملاحقة البشير، ولا من حيث الإصرار على تسليم المتهمين "هارون وعلي" للمحكمة الدولية، ولكن مقابل مكاسب تحققها في المباحثات، كما جاء في تصريحات مسئوليها. وهناك مؤشرات على ذلك:
أ- صرحت مؤخرا السفيرة الفرنسية لدى الأمم المتحدة جين- موريك روبرت " عقدنا لقاءات مكثفة مع ممثلين في الاتحاد الأفريقي،... ورسالتنا للسودان هي أن تُوقف السودان القتل و العمليات العسكرية في دارفور... وأن تقوم بما تستطيع لوقف المعاناة البشرية وتسهيل إيصال المعونات الإنسانية لدارفور... والسماح لجميع الأحزاب السياسية بالانضمام للتباحث السياسي... وتحسين علاقاتها مع تشاد"
ب- في 15/07/2008م قالت كل من السفيرة الفرنسية (جين- موريس روبرت) والسفير البريطاني (جون) "لم يفت الأوان بعد على السلطات السودانية لتتعاون مع المحكمة الدولية في اتهامها لوزير الداخلية الأسبق أحمد هارون وقائد قوات الجنجويد علي كوشايب"، أي أن البشير يستطيع تجنب اعتقاله إذا سلم كل من أحمد وعلي. ولتسويق هذا العرض أمرت بريطانيا ليبيا وأفريقيا الجنوبية وقطر بالتدخل في القضية.
ج- في 27/7/2008 كشف وزير خارجية السودان النقاب عن إرادة بريطانيا وفرنسا تعاون السودان مع المحكمة الدولية وتسليم كلا المشتبهين للمحكمة. وأشار إلى طلب كلا البلدين نشر قوات حفظ السلام وإيجاد حل سياسي سريع للنزاع.
د- موافقة كل من فرنسا وبريطانيا وأمريكا على التعديلات الليبية على مشروع القرار، ويدعو التعديل إلى تجميد أي اتهام من قبل المحكمة الدولية لعمر حسن البشير...
هـ- أعلن وزير العدل السوداني عبد الباسط سابدارات عن تعيين نائب عام يدعى نمر إبراهيم محمود خصيصاً للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت في دارفور منذ 2003، ثم قال: إن كوشايب سيستجوب، وسيحاكم في المحاكم المحلية السودانية. وفي 1/9/2008 أكد النائب العام نمر إبراهيم محمد أنه كان يحقق في المزاعم التي تتهم قائد قوات الجنجويد علي كوشايب في القيام بجرائم حرب في دارفور فقال " نستمر في استجواب علي كوشايب الذي أُتهم بالقيام بجرائم حرب..".
و - أبدت فرنسا بعض المرونة في مواقفها تجاه السودان وحكومة البشير، وتجاه هارون وعلي، فلم تعد تشترط تسليمهما إلى المحكمة الدولية، بل يكفي أن يحاكما أمام محاكم محلية، وأن لا يكونا وزراء في الحكومة...! فقد صرح ساركوزي مؤخرا في لقاء مع الصحفيين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك بخصوص تسليم المشتبه بهما فقال" لا نريد للمتهمين أن يبقوا وزراء في الحكومة السودانية" يشير بذلك إلى هارون. وكانت من قبل قد صرحت السفيرة الفرنسية لدى الأمم المتحدة جين- موريك روبرت" قلتها مراراً هنا بأن أي عمل يقومون به يجب أن يتضمن تعاونهم الرسمي مع المحكمة الدولية، فإن أرادوا أن يحاكموا مواطنيهم في بلدانهم فلهم ذلك بحسب معاهدة روما، ولكن يجب أن يقوموا بذلك باتفاق مع المحكمة الدولية، ولم يفت الأوان بعد على التعاون".
ز- في 15/10/2008 طلب القضاة في المحكمة الدولية مزيداً من الوقت قبل إصدار مذكرة اعتقال بحق عمر البشير.
ثانياً: والآن، على ضوء ما سبق، فإنه يمكننا الجواب على السؤال بالقول:
إن قضية البشير ودارفور مع المحكمة الدولية تتجه إلى الحل الوسط بين أمريكا وأوروبا، وهو يتضمن إيجاد مخرج للأزمة بان يحاكم "هارون وعلي" محليا، وبالتالي تخف الملاحقة عن البشير ثم تلغى، ولكن مقابل مكاسب لأوروبا، وبخاصة بريطانيا وفرنسا، بان يوجد لهما موطئ قدم في دارفور من خلال مباحثات تضمن إشراك الحركات المتمردة العميلة لهما في الحكم بشكل فاعل، بالإضافة إلى أمن تشاد...
ولأن القضية حسب مؤشراتها تتجه نحو مباحثات الحل الوسط، وهذا يقتضي تصارع القوى السياسي، واستعمال الضغوطات وتسخين الأجواء لتحسين شروط مباحثات الحل الوسط، أي أخذ ورد وشد وجذب... فإن هذا الحل ليس سهلا، على الأقل في المدى المنظور، وفي جميع الأحوال فليس من المتوقع إنجاز حل قبل مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة للبيت الأبيض في كانون الثاني 2009م. وحتى بعد مجيئها فإنها تحتاج إلى وقت ليس بالقصير لتداخل أكثر من قوة ذات تأثير في المنطقة.
|
|
26/شوال 1429هـ |
|
25/10/2008م |
|
|
|
|
|
أجــوبة أسئــة | انتخاب زرداري رئيسا | القمة دمشق الرباعية
|
|
|
السؤال الأول:
أعلن أن "زرداري" سيقسم اليوم قَسم رئيس باكستان، فهل يعني ذلك أنه فاق رضا جيلاني رئيس الوزراء في تقديم خدماته لتحقيق مصالح أمريكا ؟ وإن لم يكن كذلك فما الذي جعل أمريكا تدعمه لتوصيله إلى رئاسة باكستان؟
الجواب:
1ـ إن كلا الرجلين: "زرداري ", " جيلاني" في قبضة أمريكا، وكلاهما صرح عن استجابته لأمريكا والتعاون معها في أبرز قضية تدور مخططات أمريكا حولها في الهيمنة على المنطقة، وهي المسماة "الحرب على الإرهاب"، وتصريحات الرجلين ومواقفهما في ذلك معلنة جهارا نهارا سياسيا وميدانيا. هذا بالإضافة إلى أن أمريكا تمسك بقيادة الجيش فهي كانت وراء تعيين كياني في قيادة الجيش خلفا لمشرف.
2ـ إن " رضا جيلاني" هو أقوى شخصيةَ، وأقدر على تنفيذ مخططات أمريكا ، وأما "زرداري" فمعروف بفساده الظاهر وضعف شخصيته, حتى إنه لم يعرف في السياسة إلا بأنه زوج "بناظير بوتو"، وليس باسمه الشخصي, وهذا باعترافه هو من أنه لم يظهر في العمل السياسي، ولم يدخل الوسط السياسي إلا لأنه زوج, "بوتو"!
3ـ أما لماذا دعمته أمريكا وأوصلته إلى الرئاسة،فإن وراء ذلك سببين:
الأول: إرضاءً لبريطانيا وتهدئة للأجنحة الموالية لها في حزب الشعب، على اعتبار أن زرداري هو زوج "بوتو" التي مكثت سنين "منفية" في بريطانيا، وخلال تلك السنين استطاعت بريطانيا أن تكسب ولاءها , وبالتالي أن تؤثر في عدد من شخصيات حزب الشعب... وكون "زرداري" زوجها، فإن هذا يريح بريطانيا ويجعل عندها أملاً بتسهيل عملها في باكستان على الرغم من إعلان "زرداري" التعاون مع أمريكا والسير في ركابها.
الثاني: ما ظهر من مؤشرات على أن باكستان متجهة إلى تركيز الحكم في يد رئيس الوزراء، وبالتالي إنقاص صلاحيات رئيس الجمهورية، فيكون منصب رئيس الوزراء هو الأقوى وهكذا شاغله.
السؤال الثاني: ماذا وراء هذه القمة الرباعية في دمشق؟ وكيف تحضرها قطر وهي تختلف عن سوريا من حيث التبعية،فقطر للإنجليز، وليس لأمريكا كما هي سوريا وتركيا؟
الجواب:
إن هذه القمة هي لإيجاد أجواء تهدئة في المنطقة عن طريق الاستمرار في الأخذ والرد في المفاوضات إلى أن تأتي الإدارة الأمريكية الجديدة، وذلك حتى لا تحدث بؤر ساخنة تزعج أمريكا خلال انشغالها بالانتخابات.
وهكذا فقد أنابت أمريكا عنها ساركوزي ليقوم بملء الفراغ الناشئ في المنطقة بسبب انشغال أمريكا بالانتخابات.
وساركوزي الذي تقرب كثيراً من الأمريكان، ونافقهم....، فإن أمريكا تكافئه بالقيام بمهام سياسية نيابة عنها.
وهكذا فإن الاجتماع الذي حصل في دمشق بين الأسد وساركوزي وأردوغان وأمير قطر كان أبرز ما يهدف إليه هو إشعار دولة يهود بضرورة الاستمرار في المفاوضات بعد استقالة أولمرت. وفي ذلك يقول الرئيس السوري: "حددنا ست نقاط ووضعناها وديعة عند الجانب التركي بانتظار أن تسلمه إسرائيل نقاطها وسيكون ردنا الإيجابي على النقاط التي تطرحها إسرائيل وننتقل إلى المفاوضات المباشرة وسيحصل هذا الانتقال بعد قيام إدارة أمريكية جديدة".
إن الأسد وأردوغان عملاء لأمريكا وتستخدمهم الإدارة الأمريكية برعاية فرنسية لاستمرار المفاوضات مع الكيان اليهودي حتى تقوم الإدارة الجديدة وتتخذ القرار الذي تراه يحقق هيمنتها ونفوذها.
وأما قطر فيمثل الإنجليز في القمة وهو يراعي المطالب الأمريكية واليهودية بطريقة تجعل منه طرفاً مرغوباً في أية مفاوضات أو اتفاقات أو مصالحات في المنطقة.
|
|
9 رمضان 1429هـ |
|
2008-09-09 |
|
|
|
|
|
جواب سؤال: إزاحة مشرف عن الحكم
|
|
|
السؤال: لقد تردد على لسان المسئولين الأمريكيين سابقاً أن مشرف ( كنز) للولايات المتحدة الأمريكية , في حفظ مصالحهم وتقوية نفوذهم في المنطقة, وأنه كان عاملاً حاسماً لهم في احتلال أفغانستان..., وأمس 18/8/2008م تتركه أمريكا يزاح عن الحكم (يستقيل) , فكيف ذلك؟ أو أن هناك صراعاً سياسياً مع بريطانيا, نتج عنه نجاح بريطانيا في إزاحة مشرف؟ ثم من هو المتوقع أن يحل محل مشرف في رئاسة الجمهورية؟
الجواب: نعم, إن مشرف كان ( كنزاً) للولايات المتحدة , كنزاً بحق, فهو قد قدم خدمات لأمريكا في أفغانستان والمنطقة, قد لا نبالغ إذا قلنا إن أمريكا ما كانت لتحتل أفغانستان لولا مساعدة مشرف, هذا بالإضافة لتصديه للمسلمين المقاومين للاحتلال, بذريعة (مكافحة الإرهاب) ما سهَّل لأمريكا اعتقال عدد من المسلمين المقاومين للاحتلال...
كل هذا صحيح , ولكن مشرف في السنوات الأخيرة, وبخاصة منذ سنة أو نحوها لم يعد قادراً على تنفيذ مخططات أمريكا, فقد أصبح عاجزاً عن ذلك لاهتزاز موقعه سواء أكان ذلك بين الناس, أم في الجيش, أم في البرلمان. وذلك لكثرة جرائمه تجاه المسلمين, وبخاصة مجازره في منطقة القبائل ووادي سوات, ومجازره في المسجد الأحمر, وتهالكه المفضوح على الارتماء في أحضان أمريكا, وتقديمه كل ما يمكنه من خدمات لها متحدياً ليس فقط أفكار المسلمين ومفاهيمهم بل حتى مشاعرهم...
وقد كشفت تصريحات بعض المسئولين الأمريكان عجز مشرف عن أداء مهماته على الوجه الذي تريده أمريكا نتيجة اهتزاز موقعه في الحكم والجيش والأمة. ومن هذه التصريحات ما قاله قائد القوات الأمريكية في أفغانستان الجنرال ديفيد ماكيرنان في 7/8/2008م لمحطة التلفزيون الأمريكية (سي إن إن): "هل أعتقد أن هناك شكلاً من أشكال التواطؤ من جانب جهاز الاستخبارات الباكستانية؟ نعم أعتقد"، وأضاف ماكيرنان: "شاهدنا عدداً متزايداً من المقاتلين الأجانب في جنوب وشرق أفغانستان السنة الحالية وننتظر من السلطات في باكستان التحرك ضد ملاذاتهم الآمنة".
وكانت صحيفة (نيويورك تايمز) ذكرت أن ستيف كيبس وهو الرجل الثاني في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) توجه إلى إسلام آباد ليطلب توضيحات من السلطات الباكستانية ويقدم لها أدلة على تواطؤ الاستخبارات الباكستانية مع شبكة التمرد التي يقودها جلال الدين حقاني.
وأكدت الصحيفة: "أن الأمريكيين رصدوا اتصالات تثبت على ما يبدو تورط بعض عناصر الاستخبارات الباكستانية في الاعتداء على سفارة الهند في كابول الذي أسفر عن مقتل ستين شخصاً".
وهكذا اتضح لأمريكا أن اهتزاز موقع مشرف في علاقته مع الجيش والحكومة والناس لا يمكنه من أداء واجبه كما تريد أمريكا على الرغم مما يبذله مشرف من تضحية وتفانٍ في خدمة أمريكا.
وعليه فقد رأت أمريكا أن مشرف قد استنفذ دوره, ولابد من البديل الذي يبدو للناس منقذاً لهم من دكتاتورية مشرف, ثم يحقق مصالح أمريكا ويحفظ نفوذهم ويستمر في محاربة المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب... أي يعيد سيرة مشرف في خدمة أمريكا عندما كان ممسكاً بقوة في الحكم, وقبل أن يهوي نجمه ويستقيل!
ومن الجدير ذكره أن إزاحة ( استقالة) مشرف أمس لم تكن بنت يومها, بل إن نجم مشرف بدأ بالتهاوي تدريجياً ضمن محطات أربع, كان يخفت نجمه شيئاً فشيئاً عند كل محطة إلى أن انطفأ بإعلان استقالته في 18/8/2008م
وهذه المحطات هي:
المحطة الأولى : كانت عندما عقدت أمريكا صفقة مع بريطانيا سمحت بموجبها لبناظير بوتو زعيمة حزب الشعب أن تعود من منفاها في بريطانيا إلى باكستان, وكان أبرز ما في الصفقة أمران:
الأول:ـ أن لا يعترض حزب الشعب على إعادة انتخاب مشرف رئيساً للجمهورية.
والثاني:ـ تقاسم السلطة مع مشرف, بأن تكون هي رئيسة وزراء بصلاحيات فاعلة.
أي أن أمريكا أدركت أن مشرف لا يمكن استمراره في الحكم إلا بدعم حزب بناظير العلماني له, وذلك بسبب مجازر مشرف ضد المسلمين وكراهيتهم له. وهكذا رأت أمريكا في هذه الصفقة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صلاحية مشرف حتى ولو كانت منقوصة.
ومن الجدير ذكره أن حزب الشعب هو حزب (تجميعي) وليس حزباً تكتلياً, أي ليس له أفكار محددة يؤمن بها أفراده, ويتكتلون حولها, بل هو تجميع لأشخاص وفق مصالح معينة وظروف ذات علاقة, ولهذا فإن اختراقه سهل, وهذا ما ظهر عليه , فإن حزب الشعب في عهد بوتو الأب كانت أمريكا وراءه , ولكن بريطانيا استطاعت خلال سنوات منفى بناظير بوتو هناك, استطاعت أن تكسب ولاءها وولاء قادة مؤثرين في حزب الشعب, وأصبحت بريطانيا تؤثر فيه إلى جانبها, بعد أن كان في عهد بوتو الأب يوالي أمريكا.
وعليه فإن المحطة الأولى كانت هذه الصفقة التي أعادت بناظير بوتو لباكستان, مع إنقاص صلاحية مشرف.
أما المحطة الثانية: فكانت يوم سمحت أمريكا لنواز شريف بالعودة لباكستان, فإن نواز شريف هو من رجال أمريكا , ولكنها غضبت عليه عندما لم يمنع الجيش الباكستاني من احتلال مرتفعات كارغيل في الهند في عهد حكم حزب جاناتا بزعامة فاجبايي رئيس وزراء الهند السابق.
ومن المعروف أن أمريكا بذلت الوسع حتى كسبت ولاء حزب جاناتا بعد سنوات من حكم حزب المؤتمر الطويلة للهند, وهو حزب موال للإنجليز.
لقد كانت أمريكا تدعم فاجبايي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لإطالة عهده , فجاء احتلال مرتفعات كارغيل بمثابة دق إسفين في شعبية حزب جاناتا.
لذلك فإن أمريكا كانت وراء انقلاب مشرف على نواز شريف وطرده, وبقيت أمريكا غاضبة عليه ولا تسمح له بالعودة.
غير أن ارتفاع أسهم حزب الشعب إلى عنان السماء "وبخاصة بعد اغتيال بوتو ", هذا الارتفاع قد أوجد خشيةً عند أمريكا من أن يكتسح حزب الشعب أصوات الناخبين, ومن ثم لا يلتزم ببنود الصفقة ويستولي على الحكم وحده, ويعود نفوذ بريطانيا...
لذلك فقد سمحت لنواز بالرجوع إلى باكستان ليتقاسم حزبه نقمة الشعب على مشرف, يتقاسمها مع حزب الشعب, فلا تكون الأصوات كلها لحزب الشعب بل تكون الأكثرية موزعة على حزب بوتو وحزب نواز شريف.
هذه المحطة الثانية وكان واضحاً من عودة نواز شريف أن الأمور بدأت تُعَدُّ لما بعد مشرف.
أما المحطة الثالثة: فكان إيعاز أمريكا لمشرف بأن يتخلى عن قيادة الجيش لتسهيل انتخابه, وهو الذي كان يستغله من حيث القوة عند كل أزمة شعبية أو برلمانية تواجهه.
وأما المحطة الرابعة الفاصلة: فهي زيارة رئيس وزراء باكستان الحالي رضا جيلاني إلى أمريكا , واجتماعه ببوش مطولاً ثم رجوعه لباكستان ومباشرته بإجراءات عزل مشرف.
إن المتابع للزيارة يرى أن رضا جيلاني قد خضع لأمريكا, وأن أمريكا ضمنت تأييد حزب الشعب للمرشح الذي تعرضه أمريكا لرئاسة الجمهورية, وبطبيعة الحال فإن حزب نواز شريف مضمون.
وكنتيجة لتلك الزيارة, فإن أمريكا قد أعطت الضوء الأخضر للائتلاف الحكومي بإجراءات عزل مشرف , وذلك بعد أن ضمنت موافقة رضا جيلاني, وبالتالي حزب الشعب, على تأييد مرشح أمريكا لرئاسة الجمهورية, بحيث لا يعمل حزب الشعب على عرقلة وصول من تريده أمريكا لرئاسة الجمهورية.
إن رضا جيلاني كعميل إنجليزي قد يكون أظهر الموافقة لبوش بعدم عرقلة وصول من تريده أمريكا لرئاسة الجمهورية, على نحو ما يفعله الإنجليز في سياستهم من عدم مجابهة أمريكا , ولكن الأرجح هو أن أمريكا أغرته بمنصب ذي شأن في السلطة الجديدة, وأنه أصبح قريباً من أمريكا.
غير أن المتوقع هو أن بريطانيا لن تسكت على إضاعة فرصة سنحت لها بالمشاركة في الحكم في باكستان منذ الصفقة المذكورة, ولذلك فهي ستعمل عن طريق قيادات في حزب الشعب موالين لها بعرقلة انتخابات رئيس الجمهورية القادم إلا إذا ضمنت لها مشاركة فاعلة في الحكم على غرار الصفقة السابقة.
إن بريطانيا لا تطمع بالنفوذ الكامل في باكستان , ولكنها لن تترك فرصة سنحت لها أن تضيع , فلذلك فإن عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية الذي تريده أمريكا, هذه العرقلة واردة وبشدة إلا أن تعود مباحثات الصفقة الجديدة.
أما من هو الرئيس القادم المتوقع, فبغض النظر عن الأسماء, فإن الدور الفاعل في ترشيح الرئيس وانتخابه سيكون لأمريكا, وهناك ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول:ـ أن يكون هو رضا جيلاني, وذلك إذا اطمأنت أمريكا أنه أصبح موالياً لها فعلاً, وليس شكلاً على طريقة الإنجليز الجديدة في الظهور بمظهر الموافق لسياسة أمريكا, ثم يطعنها في الخفاء, فإذا اطمأنت أمريكا بأن رضا جيلاني قد أصبح موالياً فعلاً لها, فهو الأوفر حظاً. ولكن هذا الأمر يحتاج إلى تهدئة بريطانيا التي لن تسكت بسهولة على هذا الأمر وقد تثير مشاكل لرضا جيلاني من قيادات حزب الشعب الموالية لبريطانيا.
الاحتمال الثاني:ـ من حزب نواز شريف, والأولوية لأحد قياداته, وليس لنواز شريف نفسه, على الرغم من إنه من رجالات أمريكا لكنه مكروه نسبياً بين الناس, فضلاً عن أن أزمة كارجيل لازالت آثارها لم تمح من ذاكرة أمريكا, ولن تعمد أمريكا لترشيح نواز شريف إلا إذا عدمت مرشحاً قوياً آخر من حزبه, عندها قد تعمد إليه.
الاحتمال الثالث:ـ وهو إذا تعذر الاحتمالان السابقان, فإن أمريكا قد تعمد إلى الجيش من جديد, وبخاصة أن كياني قد عين قائداً للجيش بترشيح من مشرف وبموافقة من أمريكا, ولن تعدم أمريكا وسيلة لتسييس العسكر وفق ديمقراطية أمريكا غريبة الأطوار!
وأخيراً نقول لو يعقل العملاء ويعتبرون بما يجري لأسلافهم بفعل الدول المستعمرة التي تلفظ عميلها كما تلفظ النواة عند ما يستنفد دوره, حيث يخسر هذا العميل الملفوظ دنياه بعد أن كان قد خسر دينه بسبب عمالته للكفار وخيانته لأمته,
نقول لو يعقل العملاء هذا لحفظوا دنياهم على الأقل بالتقرب إلى شعوبهم وليس إلى المستعمرين, لكنهم لا يعقلون.
|
|
18 من شعبان 1429هـ |
|
19/8/2008م |
|
|
|
|
|
أجــوبة أســئلة
الانقلاب العسكري في موريتانيا | الحرب الروسية الجورجية
|
|
|
1- في 6/8/2008 أعلن في موريتانيا عن انقلاب عسكري قام به الجيش بقيادة رئيس الحرس الجمهوري الجنرال محمد ولد عبد العزيز ضـد رئيس الجـمهورية سيد محمد ولد الشيخ عبد الله وضد رئيس وزرائه يحيى ولد أحمد الواقف. وذلك بعد مرور 16 شهراً على الانتخابات التي سمح الجيش بإجرائها في آذار/مارس 2007م بعد مرور أقل من سـنتين على انقلاب الجيش عام 2005م ضد معاوية ولد الطايع والإطاحة به وتسلم الجيش زمام السلطة بقيادة العقيد علي ولد محمد فال الذي حقق وعده بتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة. فما حقيقة هذا الانقلاب وما الدافع وراءه؟
الجواب: تغلبت فرنسا المستعمِرة على المسلمين في موريتانيا بعد مقاومة شرسة, وذلك في عام 1920م حيث أعلنتها فرنسا مستعمرة فرنسية. وفي عام 1946 أعلنوها محافظة في ما وراء البحار تابعة لفرنسا، وبقي فيها هؤلاء المستعمرون فعلاً حتى عام 1960م حيث منحوها الاستقلال الشكلي. ولكنهم بقوا مسيطرين على زمام الأمور فيها وأنشأوا جيشاً لها حسب عقيدتهم، وخرَّجوا ضباطاً حسب ثقافتهم. وبدأت الانقلابات فيها منذ عام 1978م ضد أول رئيس عينه الفرنسيون لها وهو مختار ولد داده. وتوالت الانقلابات التي بلغت خمساً حتى الآن، ما عدا محاولات الانقلاب التي بلغت تسعاً في مدة ثلاثين عاماً.
وجاء الانقلاب الأخير بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز بعدما أصدر رئيس الجمهورية ولد الشيخ عبد الله مرسوماً يقضي بعزل هذا الجنرال من رئاسة الحرس الجمهوري وعزل رئيس الأركان ولد الغزواني وكذلك عزل قائد الدرك. مع العلم أن الرئيس ولد الشيخ عبد الله هو الذي رقَّى هؤلاء من رتبة عقيد إلى رتبة جنرال. أي أنه كان راضياً عنهم أو كان يعيش تحت ضغطهم أو كان يعمل على استرضائهم بترقيتهم حتى يكسب ولاءَهم له, والأخيرة هي الأكثر احتمالاً.
وعليه فإنه يستغرب منه أن يعود ويعزل قادة الجيش بهذه السهولة والسرعة! مع العلم أنهم كانوا هم المتمكنين من السلطة، وهو رئيس منتخب حديثاً ولأول مرة يأتي رئيس عن طريق الانتخابات! وكأنه ظن أنه أصبح متمكناً من ذلك وأنه يلاقي دعماً محلياً ودولياً بسبب ما يسمى بالعملية الديمقراطية وأن فرنسا لا تستطيع أن تشجع الضباط على الانقلاب, وبخاصة وأنه شعر بدعم أمريكي له.
وكان الرد الفرنسي الأولي على لسان الناطق الرسمي باسم الخارجية رومان نادال بقوله نحن على اتصال دائم مع سفارتنا في نواكشط ونتابع الوضع بكثير من الاهتمام بالتنسيق مع كافة شركائنا. وقال إنه من المبكر لأوانه وصف الوضع. وكانت أول دولة أعلنت عن وجود انقلاب في موريتانيا هي فرنسا. وكان أول سفير يستقبله زعيم الانقلاب هو السفير الفرنسي. وهذا يدل على علم فرنسا بالانقلاب. وقد ورد في الأخبار أن فرنسا علمت بالانقلاب قبل ساعتين على الأقل من حدوثه.
أما الرد الأمريكي على لسان الخارجية الأمريكية فهو إدانة الانقلاب ومطالبة دول العالم بإدانته والترحيب بإدانة المفوضية الأوروبية له وكذلك الاتحاد الأفريقي، والمطالبة بإطلاق سراح الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله ورئيس وزرائه يحيى ولد محمد وإعادة الحكومة المنتخبة إلى الحكم فوراً. وكذلك فقد أعلنت تعليق مساعداتها لموريتانيا غير الإنسانية.
ولكن بعد مرور يوم أصدرت الرئاسة الفرنسية في بيان لها بصفتها رئيس الاتحاد الأوروبي أن رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي تدين بكل حزم الانقلاب الذي نفذه الجنرال محمد ولد عبدالعزيز في موريتانيا. ويظهر أن هذه الإدانة جاءت متأخرة وليس باسم فرنسا وإنما باسم الاتحاد الأوروبي الذي يظهر سياسة دعم الانتخابات والديمقراطية كخط فكري عام يختلف عن مواقف كل دولة من دوله. وخاصة بعد إدانة أمريكا للانقلاب ومطالبتها للجميع بأن يدينوا الانقلاب. فلا يمكن أن تقول أوروبا أننا ندعم الانقلاب، فيظهر أنها تتناقض مع الديمقراطية التي تتشدق بها.
ولم يصدر عن بريطانيا ولا عن صحافتها وإعلامها أي شيئ, ما يدل على أن بريطانيا غير منزعجة من عملية الانقلاب, فلم تدنه ولم تؤيده ولم تروج ضده أو له, حتى لا تحرج فتظهر كأنها ضد الديمقراطية ومع الانقلاب!
والانقلاب الموريتاني هذا حصل بعد حدوث نزاع بين الجيش وبين رئيس الجمهورية ومعه رئيس وزرائه، حيث أحدث الجيش بلبلة عندما طلبوا من أعضاء في مجلس البرلمان وفي مجلس الشيوخ الاستقالة من حزب الرئيس الحاكم والذي يعرف اختصاراً باسم حزب عادل, فاستقال 48 عضواً من هذا الحزب يوم 5/8/2008م, وبعد ذلك قام رئيس الجمهورية بعزل قادة الجيش ورئيسهم زعيم الانقلاب الأخير ولد عبد العزيز. فقام قادة الجيش بانقلاب رافضين قرارات عزلهم واعتبروها لاغية وذلك في أول بيان لهم. وقد صرح زعيم الانقلاب ولد عبد العزيز لفضائية الجزيرة هذا اليوم 9-8-2008, أن الانقلاب كان ردة فعل على إجراءات فاشلة للرئيس السابق. وأما الناطق الرسمي باسم الرئاسة السابقة عبدالله ماما دوبا فقد قال: «إن العسكر كانوا يرون الرئيس دمية، واتضح لهم عكس ذلك، فزرعوا البلبلة داخل الحزب الحاكم، وعندما حاول الرئيس تشكيل غالبية جديدة مع أحزاب أخرى, حرك الضباط الآلة العسكرية».
وقد بدأت الأزمة البرلمانية في 30/6/2008م حيث اتهم نواب في البرلمان الحكومة بالفشل وطالبوا بحجب الثقة عنها أي إسقاطها. وفي 1/7/2008 كانت قد صدرت تقارير تقول بأن فرنسا هي وراء حركة البرلمانيين هؤلاء وأنها غير راضية عن أداء الحكومة والرئاسة وعن الخطوات التي تخطوهما؛ وذكرت بعض الأسباب عن عدم رضى فرنسا عن إطلاق سراح سجناء من المسلمين المحسوبين على التيار السلفي والسماح بتأسيس حزب يمثل ما يُعتبرون من الإسلاميين, وإظهار الرئيس ميوله الدينية حيث أقام مسجداً في القصر الجمهوري, وإظهاره حساسية للعلاقات مع دولة يهود وأنه سيعرض هذه العلاقة على الاستفتاء الشعبي حتى يتمكن من قطعها، وكذلك سماحه بزيادة الوجود الأمريكي في موريتانيا وهو العامل الأبرز.
والخلاصة, فإنه يمكن القول بناءاً على ما سبق ذكره أن هناك توجهات سياسية جديدة بدأت تظهر من الرئيس لم ترضَ عنها فرنسا, وأن هذه التوجهات هي التي شجعت الضباط على الانقلاب عليه، وأن أمريكا راضية عن توجهاته ضد الوجود الفرنسي والسماح لها، أي لأمريكا، بزيادة وجودها في موريتانيا تمهيدا لإزالة النفوذ الفرنسي وإحلال الوجود الأمريكي مكانه، وأنه أراد أن يتخلص من سلطة الجيش والإتيان بضباط يستطيع أن يتحكم بهم وإبعاد الضباط المواليين لفرنسا.
|
2- ما الذي دفع جورجيا للمبادرة بالهجوم على أوسيتيا الجنوبية؟ ألم تكن تتوقع رد فعل قوي من روسيا؟ ثم إلامَ تؤدي هذه الحرب؟
الجواب: من الواضح أن أمريكا هي التي أشعلت فتيل الحرب في جورجيا حيث إن القوات الجورجية التي قامت باجتياح أوسيتيا الجنوبية لا يمكن أن تقوم بمثل هذا العمل الكبير لولا وجود ضوء أخضر من الأمريكان.
فالهجوم الجورجي كان مدبراً ومفاجئاً للروس، وقد يكون بداية لحرب طويلة سيكون القوقازيون من جورجيين وأوسيتيين هم وقودها بالدرجة الأولى. وروسيا لن تسكت عن هذا الهجوم لأنها إن سكتت فستسقط هيبتها كما أنها لن تسلم لجورجيا بسيادتها على إقليم أوسيتيا الجنوبية خاصة وأن معظم سكانه الذين يتراوح تعدادهم السبعين ألفاً من الروس أو من الموالين لروسيا ويحملون جوازات سفر روسية ويعتبرون امتداداً طبيعياً لأوسيتيا الشمالية التابعة لروسيا.
وجورجيا لن تتنازل بسهولة عن أوسيتيا الجنوبية لأنها جزء من أراضيها وفقاً للخرائط الرسمية والدولية، وهي من جهة ثانية تريد أن تنتقم من الأوسيتيين الذين هزموا جورجيا في حرب عام 1992م وانفصلوا عنها بدعم روسي طيلة الست عشرة سنة الماضية. ومن المرجح أن تنتقل الحرب أيضاً إلى إقليم أبخازيا وهو إقليم أكبر من أوسيتيا الجنوبية من حيث المساحة والسكان وانفصل عن جورجيا في العام نفسه وفي الظروف نفسها.
والتصريحات الأمريكية الأولى بعد اندلاع المعارك تدل بالفعل على وقوف أمريكا إلى جانب جورجيا، فالمتحدث باسم الخارجية الأمريكية غونزالو غاليغوس قال: «نحن على اتصال مع مسؤولين كبار في روسيا وجورجيا»، وأضاف: «ندعو موسكو إلى ممارسة الضغط على قادة الأمر الواقع في أوسيتيا الجنوبية لكي يوقفوا إطلاق النار» فاعتبر قادة الانفصاليين بمثابة قادة الأمر الواقع، وفي تصريح آخر قال مسؤول في الإدارة الأمريكية بأن حل مشكلة أوسيتيا الجنوبية يجب أن يرتكز على أساس وحدة الأراضي الجورجية في إشارة إلى وجوب ضم إقليم أوسيتيا الجنوبية إلى جورجيا.
أما روسيا فإنها بعد استقلال إقليم كوسوفو وانفصاله عن صربيا فإنها هدّدت بأن ردَّها على ذلك سيكون باستقلال إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وانفصالهما عن جورجيا. ويرى بعض المراقبين أن إدخال جورجيا في حلف الناتو متوقف على حل مشكلة أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ويبدو أن الرئيس الجورجي سكاشفيلي يتعجل الأمور ويسابق الزمن للانضمام إلى الحلف، فقام بهذه الحرب متكئاً على الوعود الأمريكية للتخلص من تدخل الروس في شؤون دولته الداخلية وليرقى إلى مستوى دول مثل لاتفيا ولتوانيا وأستونيا حيث تخلصن من النفوذ الروسي كليةً؛ وعليه فليس من المتوقع أن يتوصل الطرفان الروسي والجورجي إلى حل نهائي, خاصة وأن الجورجيين قد ملّوا الانتظار في حل تلك المشكلة, فيما الروس يعتبرون المسألة تخص مجالهم الإقليمي ولا يتصور تنازلهم عن الانفصاليين, ولذلك فإن أقصى ما يتوقع من حلول هو أقرب إلى الهدنة "استراحة المحارب" وليس حلاً نهائيا.
إن أمريكا سوف تكون المستفيدة الأولى من هذه الحرب وليس لديها ما تخسره، لأنها على الأقل ستبقي هذه المشكلة شوكة في خاصرة روسيا تستنزف الكثير من طاقاتها وتشغلها بها مدة طويلة على حساب قضايا أخرى.
|
|
10 من شعبان 1429هـ |
|
09/08/2008م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
الصراع في لبنان يدخل مرحلة جديدة
|
|
|
السؤال :
هل صحيح ما أعلن من أن الصراع في لبنان دخل مرحلة جديدة ؟ وإن كان ذلك صحيحاً فما الذي تغير من شروط (اللعبة) اللبنانية, حتى تبدأ مرحة جديدة؟
الجواب:
إن القول بدخول لبنان مرحلة جديدة له وجه قوي من الصحة. وحتى تتضح الصورة تماماً نستعرض المسألة من بدايتها :
1ـ إن أمريكا كانت هي صاحبة النفوذ في لبنان منذ اتفاق الطائف وحتى اغتيال الحريري, وفد حفظت سوريا نفوذ أمريكا في لبنان منذ دخول الجيش السوري في لبنان بإذن أمريكي .
2ـ بعد اغتيال الحريري وجدت فرنسا (شيراك) في ذلك فرصة ذهبية أَمِلَتْ منها إعادة نفوذها إلى لبنان , فَصعَّدَ شيراك الأحداث, وحرَّك أتباعه في لبنان ونحج في إثارة الرأي العام على أمريكا وسوريا وأتباعها, إلى أن وافقت أمريكا على إخراج الجيش السوري من لبنان ومن ثم نفذت سوريا ذلك.
واستمر الصراع السياسي ساخناً بين أمريكا وسوريا وأتباعها من جهة , وبين فرنسا وأتباعها من جهة أخرى , وكانت بريطانيا وأتباعها في لبنان تساند فرنسا من وراء ستار دون المجابهة العلنية لأمريكا وفق سياسة بريطانيا التي لا تناصب العداء علناً لأمريكا وإنما من وراء ستار.
3ـ استمر الحال هكذا حتى جاء سركوزي للحكم في فرنسا , وهو معروف بصداقته للإدارة الأمريكية كما اتضح ذلك أثناء حملته الانتخابية , ولذلك زال الصراع الساخن الذي كان بين أمريكا وفرنسا (شيراك), وحل محله التنافس بروح رياضية بين أمريكا وأتباعها, وبين فرنسا وأتباعها, وأمل سركوزي أن يحصل (تفاهم) مع أمريكا حول حل في لبنان يأخذ في الاعتبار مصالح فرنسا, ونشطت فرنسا سركوزي في الذهاب والإياب إلى لبنان والجد والاجتهاد في الحل.
4ـ لقد كان من المتوقع الوصول إلى هذا الحل , والذي كان يعيقه هو عدم رضى بريطانيا وأتباعها في لبنان , فهي لم تكن ترضى أن تتقاسم الحل أمريكا وفرنسا وحدهما, وتصبح هي في هامش الأحداث , ولأنها تمتاز بدهاء سياسي لذلك أصبح رجالها في لبنان كلما اقترب أي حل, فإنهم يثيرون زوبعة , ولكن لم يكن يؤثر هذا على الطرفين لا على فرنسا والحكومة , ولا على أمريكا وسوريا والمعارضة, لذلك بقي التنافس بروح رياضية , يثور هذا ويثور ذاك , ثم يهدأ هذا ويهدأ ذاك دون التصعيد إلى الصراع السياسي الساخن ناهيك عن وصوله إلى الصراع المادي الساخن.
5ـ استمر هذا الحال, أمريكا وفرنسا وأتباعهما في تنافس رياضي في لبنان و(مشاغبة) من بريطانيا ورجالها , ولكن دون توتير العلاقة بين فرنسا وأمريكا, ودون نجاح بريطانيا في تغيير (اللعبة) الرياضية بين الفريقين, استمر هذا إلى 27/3/2008م عند اجتماع الرئيس الفرنسي نيكولا سركوزي رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون على أثر أزمة شركات الرهن العقاري الأمريكية, وما سببته من انعدام ديون ضخمة مستحقة للمصارف والشركات الأوروبية بفعل انهيار شركات الرهن العقاري الأمريكية.
ويبدو أن بريطانيا قد نجحت بدهائها السياسي وسذاجة سركوزي السياسية أن (توغر) صدر سركوزي تجاه أمريكا في موضوع الخسارة الضخمة التي حلت بالمصارف والشركات الأوروبية نتيجة أزمة شركات الرهن العقاري الأمريكية, وانعكس ذلك على العلاقة في لبنان, وبخاصة وأن فرنسا لاحظت أن أمريكا تماطل في الحلول لكي تهيئ الظروف لاستعادة أمريكا نفوذها الكامل في لبنان دون السماح بأية قطعة ولو صغيرة من (الكعكة) اللبنانية لفرنسا.
منذ ذلك التاريخ لوحظ أن العلاقة الفرنسية الأمريكية في لبنان أصبحت تتجاوز التنافس الرياضي, وأصبحت أعمال بريطانيا ليست فقط (مشاغبات) لا يعبأ بها رجال فرنسا في الحكومة. وبعد أن كانت الحكومة تأخذ مشاغبات جنبلاط... على قدرها دون التأثير في سياسة الحكومة وقراراتها, انقلبت الصورة وأصبحت تأخذها بجدية.
6ـ خلال شهر نيسان 2008م أخذت قضية شبكة الاتصالات وكمرات المطار مساراً تمهيدياً لاختيار وقت التسخين حتى الغليان... إلى أن كان المؤتمر الصحفي لجنبلاط وإثارته شبكة الاتصالات وكمرات المطار ومدير أمن المطار...
7ـ وبدل أن تتعامل الحكومة مع (إثارة) جنبلاط كما كانت تتعامل من قبل أي مجرد (مشاغبات) لا تؤثر في القرارات , تجاوبت هذه المرة بسبب تقارب بريطانيا وفرنسا, واجتمعت الحكومة واتخذت قرار الشبكة والكمرات وقرار مدير أمن المطار.
8ـ والخلاصة أن بريطانيا بعد تفجير موضوع شبكة الاتصالات ومدير أمن المطار, استدرجت فرنسا لتأييدها في ذلك, على اعتبار أن ردود الفعل من أمريكا وسوريا والمعارضة لن تكون ردوداً ماديةً ساخنة, وبخاصة وأمريكا مشغولة في ذروة الحملات الانتخابية... ومن ثم تؤدي المشكلة إلى وضع الجيش أمام المعارضة... ثم يكون الحل تسوية يكون لفرنسا وبريطانيا والموالاة نصيب ملحوظ فيها.
9ـ إن فرنسا وبريطانيا قد أخطأتا الحساب, فإن أمريكا وسوريا والمعارضة تمسك بخطوط قوية, عدداً وعدة , والسياسي الحكيم يدرك أن ردود الفعل لن تقف لا عند التنافس الرياضي ولا عند الصراع الساخن بل تتجاوزه إلى الصراع المادي الساخن. وليس من المستبعد على بريطانيا أن تكون مدركة لذلك, ولكن الراجح أنها فجرت الأمر لخلط الأوراق بين فرنسا وأمريكا وأتباعهما !
10ـ والمتوقع الآن أن هذه الأحداث ستنتهي بتسوية, ولكنها على الأرجح ستكون في صالح أمريكا وسوريا والمعارضة في لبنان, وستكون هذه الكفة هي الراجحة, وستكون كفة أوروبا والموالاة في لبنان كفة مرجوحة هابطة, وليس بعيداً أن تتمخض الحلول عن طائف جديد سواء أكان ذلك بتغييره اسماً ومسمى... شكلاً وموضوعاً, أم بتغييره في موضوعه حتى لو بقي اسمه ذا صلة بالاسم الأول كأن يسمى (طائف2)!
11ـ ولذلك فإن القول بالمرحلة الجديدة له وجه من الصحة .
|
|
5 جمادى الأولى 1429هـ |
|
9/5/2008م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال
أزمة الدولار وارتفاع أسعار النفط والمعادن والمواد الغائية
|
|
|
السؤال: لازالت أزمة الدولار مستمرة, فهو في انخفاض لافت للنظر, وقد تبع ذلك ارتفاع في أسعار النفط والذهب ومعادن أخرى, ثم تبع ذلك أيضاً ارتفاع في أسعار المواد الغذائية, وكل ذلك حدث في سابقة لم يحدث مثلها من قبل من حيث استمرارها وشدتها, وكونها شملت عدة أزمات...
فهل هذه الأزمة هي نتيجة مشكلة اقتصادية فعلية, أو أن أيدي السياسية الأمريكية هي التي حركتها وصعدتها؟
أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً
الجواب:
إن هذه المشكلة لها جانب اقتصادي حقيقي, ولكن دخلت على هذا الخط أيدٍ سياسية صعدت المشكلة, ووسعت مسارها, وجعلتها تأخذ هذا الحجم الذي نراه.
وحتى تتضح الصورة تماماً سنبين كيف نشأت الأزمة, وكيف دخلتها الألاعيب السياسية, ثم كيف أثرت على ارتفاع أسعار النفط والذهب والمعادن, ثم نشوء الأزمة الغذائية.
أولاً: إن هناك أزمة حقيقية في الاقتصاد الأمريكي أثرت على فاعلية الدولار وقوته, وبالتالي أصابه هذا الانخفاض الشديد, وقد نشأت هذه الأزمة بفعل الأسباب التالية:
العجز التجاري الأمريكي
تستورد أمريكا من بضاعة وخدمات أكثر مما تصدره. فشهية المستهلك الأمريكي مفتوحة للاستيراد. فمثلاً استوردت أمريكا في عام 2003م بضائع وخدمات بقيمة $1,652 بليون، بينما كانت صادراتها تعادل $1,203 بليون أي أن العجز التجاري 449 مليار دولار, وقد تصاعد هذا العجز حتى وصل 816 مليار دولار. وقد كان الفارق بين المستورَد و المصدَّر عبارة عن أوراق مطبوعة (دولارات) أمريكية أو سندات حكومية أمريكية, وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى انخفاض فعلي في الدولار, حتى ولو لم يعلن رسمياً.
إن أمريكا لم تمر بمثل هذا العجز التجاري. بل على العكس من ذلك فان أمريكا مرت بفائض تجاري ولعقود عديدة، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بدأ هذا الفائض يتناقص... وبخاصة بسبب المنافسة من البلدان الأوروبية والآسيوية, التي تنتج السلع بأسعار أقل, ما زاد استيراد المستهلك الأمريكي من بضائع وخدمات من تلك الدول, ثم تواكبت هذه الظاهرة مع حجم النفقات العسكرية على الحرب الفيتنامية ما أدى إلى رفع فاتورة المدفوعات، ومن ثم اضطرت أمريكا عام 1971 لإلغاء دعم الدولار بالذهب، فكانت هذه أول الهزات. وفي الثمانينات عندما نمت التجارة العالمية ورحلت المصانع من أمريكا إلى البلدان ذات الأيدي العاملة الرخيصة، زاد ظهور العجز الاقتصادي. كما أن الاستيراد من البلدان المصدرة للبضائع الرخيصة من مثل المكسيك والصين وماليزيا بشكل ثابت أدى إلى اتساع الفارق التجاري.
وهكذا فإن عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات قد خلقا الشكوك وعدم الثقة في الاقتصاد الأمريكي عند المستثمرين، وفيما بعد أدى إلى هبوط الدولار.
المديونية: أظهرت إحصاءات وزارة الخزانة الأميركية ارتفاع الديون الحكومية (الإدارة المركزية والإدارات المحلية) من 4.3 تريليونات دولار في عام 1990 إلى 8.4 تريليونات دولار في عام 2003 وإلى 8.9 تريليونات دولار في عام 2007. وأصبحت هذه الديون العامة تشكل 64% من الناتج المحلي الإجمالي. وبذلك يمكن تصنيف الولايات المتحدة ضمن الدول التي تعاني بشدة من ديونها العامة. ولا يتوقف ثقل المديونية الأمريكية على الإدارات الحكومية بل يشمل الأفراد والشركات أيضاً. فقد بلغت الديون الفردية مؤخرا إلى مبلغ قدره 6.6 تريليونات دولار. أما ديون الشركات فتحتل المرتبة الأولى من حيث حجمها البالغ 18.4 تريليون دولار. وبذلك يكون المجموع الكلي نحو 34 تريليون دولار أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي. هذه الديون بذاتها أزمة اقتصادية خطيرة.
ارتفاع اليورو:
منذ أن تم صك اليورو، أصبح اليورو ثاني احتياطي عالمي بعد الدولار. وقد ورث اليورو هذه المكانة عن المارك الألماني، بل وزاد من مكانته، وكان ذلك على حساب الدولار, وهكذا أصبحت الثقة باليورو تزيد, وهي بالنسبة للدولار تنقص, وكل هذا أثر في الطلب على الدولار فانخفضت قيمته, وبسبب فقدان الدولار قيمته دفع بالعديد من المستثمرين لاعتماد اليورو في استثماراتهم بدل الدولار.
إلى ذلك فإن أميركا تعاني من مشاكل اقتصادية أخرى في مقدمتها التضخم الذي تجاوز 4% والبطالة التي تشكل 5% والصناعة التي تتراجع, والفقر وسوء الخدمات التعليمية...
كل هذه العوامل أدت إلى انخفاض قيمة الدولار.
وقد أدى هذا الانخفاض إلى أن تعمد بعض البنوك المركزية لتخفيض مخزونها من الدولارات
ويقول بول ماكل، وهو استراتيجي عملات في بنك «إتش إس بي سي» إن البنوك المركزية «أدركت منذ فترة أنها لا ترغب في زيادة مفرطة لما تمتلكه من دولارات. فقد انخفض إجمالي ممتلكات البنوك المركزية في أنحاء العالم الموجودة في صورة دولارات من 73 في المائة إلى 64 في المائة».
هذا هو الأساس الاقتصادي الحقيقي لأزمة الدولار.
ثانياً: بعد ذلك دخلت الأيدي السياسية الأمريكية في تحريك الأزمة لتخدم مصالحها, ولتنقل الأزمة من أزمة محلية أمريكية إلى أزمة دولية... وكان ذلك على النحو التالي:
1ـ إن انخفاض عملة البلد المصدر تزيد من صادراته لأن أسعار السلع تصبح رخيصة نسبياً حيث إن المستوردين سيدفعون قيمة نقدية أقل على اعتبار أن أسعار تلك المواد بعملة بلدها أصبحت أقل نتيجة انخفاض العملة, فمثلاً إذا كان المستورد يدفع (1000)$ ثمن السلعة وكانت تساوي (1000) يورو مثلاً, فإذا انخفض الدولار (10)% مثلاً فإن المستورد سيدفع (900) يورو بدل ال (1000)$ السابقة, ولذلك يقبل التجار على استيراد سلع تلك الدولة بسبب انخفاض عملتها.
غير أن هذا يكون جيداً إذا كان الانخفاض لا يتجاوز 5%, ويكون مقبولاً حتى 10%. أما إن زاد عن ذلك, فإنه سيشكل عبئاً على المصانع المنتجة بسبب التضخم الناتج عن التخفيض, أي زيادة أسعار المواد في تلك البلد نتيجة تخفيض عملتها حيث تنخفض القدرة الشرائية لها. وبسبب هذا التضخم تزيد الكلفة على المصانع, فتزيد أسعار منتجاتها المصدرة, أي أن ثمن السلعة لن يبقى (1000)$ مثلاً بل سيزيد, وهكذا فإن انخفاض العملة إذا زاد عن حدٍ معقول, فإنه سيزيد من كلفة الإنتاج فيزداد سعر السلعة, وبالتالي تقل كمية التصدير بسبب التضخم الناتج عن التخفيض. وفي حالة أمريكا فإن انخفاض الدولار قد زاد عن الحد المعقول فمثلا: أصبح اليورو يزيد عن 1,6 دولار بعد أن كان في عام 2000م يعادل نحو0,8 $ , أي أن انخفاض الدولار تجاوز الحدود الاقتصادية القصوى بأكثر من خمسة أضعاف...
ولذلك فإن الصادرات الأمريكية نتيجة هذا التخفيض لم تزد إلا بقدر ضئيل, أي أن العجز التجاري, مع أنه قل قليلاً, إلا أنه بقي موجوداً.
ومع ذلك فإن أمريكا لم تتخذ إجراءً لتصحيح هذا العجز, فهي لم تخرج جزءاً من مخزونها النفطي للاستعمال وذلك لتخفيض سعر الطاقة بالنسبة للمصانع المنتجة فتنخفض كلفة الإنتاج, فيزيد التصدير, بل رفضت إدارة بوش إخراج جزء من مخزونها النفطي ووضعه للاستعمال لتخفيض سعر الطاقة الذي تصاعد بشكل كبير, أي أنها لم تعالج موضوع العجز التجاري اقتصادياً.
وكذلك هي لم تعالج المديونية بل عملت على زيادتها بسبب استمرار عدوانها الإجرامي على أفغانستان والعراق الذي يكلفها أكثر من (2) ترليون دولار. كما أن إدارة بوش أعطت قروضاً للأغنياء الرأسماليين الأمريكان بنحو ترليون دولار من خلال استقطاع الضرائب عنهم وذلك لدوافع سياسية وانتخابية..., ما جعل المديونية على حالها وتزيد.
وهكذا أبقت أمريكا على تخفيض الدولار ولم تتخذ أي إجراء اقتصادي لتصحيحه, ثم استعملت هذا التخفيض استعمالاً سياسياً بابتزاز الدول ذات الاحتياطي الكبير من الدولار ..., مثل الصين التي تملك احتياطاً دولارياً نحو ألف مليار دولار مما يجعلها تخسر نتيجة التخفيض مبالغ طائلة, ثم الهند والدول الأوروبية والدول النفطية... ما أجبر تلك الدول على محاولة إسناد الدولار بتعويم بعض عملاتها, وشراء الدولار أي زيادة الطلب عليه, فتقلل شيئاً من انخفاضه...
2ـ ثم كانت الخطوة السياسية الأمريكية التالية أمام انهيار أسهم شركات الرهن العقاري, حيث تمكنت أمريكا بواسطتها من نقل الأزمة من أزمة أمريكية إلى أزمة دولية!
لقد قدمت الدولة قروضاً بفائدة مخفضة للشركات العاملة في الإسكان وبخاصة شركات الرهن العقاري التي تبيع المساكن مقابل رهنها حتى تسديد أقساط ثمن البيع. ولذلك أصبحت السيولة متوفرة بشكل كبير عند هذه الشركات, ما دفعها لتيسير شروط بيع المساكن..., وبأسعار ميسرة بل مخفضة حيث إن السيولة المادية عند الشركات العاملة في الإسكان والرهن العقاري أصبحت متوفرة بفعل القروض المقدمة من الدولة بفوائد مخفضة... فأقبل الناس في أمريكا على شراء المساكن... وفتحت أمامهم سبل تسديد الدفعة الأولى من قروض ميسرة يأخذونها من المصارف الأمريكية التي صارت تعطي القروض لأصحاب المساكن بفوائد مناسبة, بل إنها تعطي قروضاً للإسكان بكامل سعر المسكن المرهون, وليس كما تفعل المصارف الأوروبية بأن تعطي قرضاً في حدود 60% من سعر العقار المرهون, وكل ذلك لأن الدولة كانت تعطي قروضاً للشركات والمصارف بفوائد مخفضة, ما جعل قطاع العقار يزدهر بشكل ملحوظ.
وبسبب سياسة العولمة وانفتاح الشركات على بعضها كلما وجدت ازدهاراً وربحاً, أقبلت الشركات العالمية والبنوك الخاصة والمركزية وكذلك الأفراد على شراء الأسهم في شركات الرهن العقاري الأمريكية سعياً وراء الربح..., حيث أخذت قيم العقارات وبالتالي أسهم الشركات العقارية المسجلة بالبورصة بالارتفاع بصورة مستمرة في جميع أنحاء العالم خاصة في الولايات المتحدة حتى بات شراء العقار أفضل أنواع الاستثمار في حين أن الأنشطة الأخرى بما فيها التكنولوجيا الحديثة معرضة للخسارة. كما حدث سابقا حين كان الإقبال شديد على الاستثمار في مجال تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات. وأقبل الأميركيون أفراداً وشركات على شراء العقارات بهدف السكن أو الاستثمار الطويل الأجل أو المضاربة. واتسعت التسهيلات العقارية إلى درجة أن المصارف منحت قروضاً حتى للأفراد غير القادرين على سداد ديونهم بسبب دخولهم الضعيفة.
بقي هذا الأمر جارياً دون مشاكل حتى العام المنصرم, وبخاصة عندما زاد عبء الديون على الدولة, فتوقفت أمريكا عن إعطاء قروض ميسرة لشركات الرهن العقاري وللمصارف, بل وطالبتها بسداد القروض التي أخذتها سابقاً عند حلول مدتها... وصارت شركات الرهن العقاري والمصارف تطالب أصحاب المساكن, وحيث البطالة والتضخم والوضع الاقتصادي السيئ في أمريكا, فلم يستطع أصحاب المساكن لا تسديد ثمن البيع, ولا قروض الدفعات التي أخذوها من المصارف... وهبطت قيمة العقارات ولم يعد الأفراد قادرين على سداد ديونهم حتى بعد بيع عقاراتهم المرهونة, فالبيت الذي كان يساوي نصف مليون دولار أصبحت قيمته 200 ألف ولا يجد من يشتريه كما ورد في الأنباء, وفقد أكثر من مليوني أميركي ملكيتهم العقارية وأصبحوا مكبلين بالالتزامات المالية طيلة حياتهم. ونتيجة لتضرر المصارف الدائنة نتيجة عدم سداد المقترضين لقروضهم هبطت قيم أسهمها في البورصة, وتكبدت شركات الرهن العقاري خسائر فادحة تقدر بألفي مليار دولار, وأعلنت شركات عقارية عديدة عن إفلاسها.
وبالتالي أصبح الكثير من الديون معدوماً، ولا يمكن استرداده.
وفي عرض للمصارف الكبرى التي تعرضت أخيرا إلى هزة عنيفة في قطاع الرهن العقاري الأميركي أشارت مجلة «سوق»، الدورية، الصادرة عن غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية في برلين إلى بنك «سيتي غروب» الأميركي الذي كشف مطلع السنة الجديدة عن خسائره في الربع الأخير من العام الفائت، بلغت 9.83 بلايين دولار (6.6 بلايين يورو في حينه), وارتفعت خسارة البنك المذكور في المجال العقاري حتى الآن، إلى أكثر من 18.1 بليون دولار.
وحصل التطور السلبي ذاته، مع مصرف «مــيريل لينــش» الأميركي الذي أعلن شطب 14.1 بليون دولار من أصوله، ما يعني أن خسائره للربع الأخير من ٢٠٠٧ بلغت بدورها 9.8 بليون دولار، وهي الخسارة الأكبر في تاريخه.
والأمر ذاته حصل مع مصرف «يو بي إس» السويسري الضخم الذي حصل على بلايين الدولارات من صندوق سنغافورة السيادي (GIC) ليتفادى الإفلاس.
وهكذا انهارت أسهم الشركات العقارية في البورصة, وبالتالي هبطت أسهم الشركات والمصارف في كثير من دول العالم حيث كانت ذات صلة بالاستثمار أو الأسهم في الشركات العقارية الأمريكية أو بأعمال مباشرة في قطاع العقار الأمريكي , حتى إن العدوى أصابت القطاعات التي لا تتعامل في الأنشطة العقارية, ولكن بسبب العولمة وتداخل أعمال القطاعات الاقتصادية فقد حصل التأثر فيها.
وما إن انخفضت قيم الأسهم في وول ستريت في أمريكا حتى انخفض المؤشر العام للقيم بنسبة 7.1% في فرانكفورت و 6.8% في باريس و 5.4% في لندن و 7.5% في مدريد و 3.8% في طوكيو و 5.1% في شنغهاي و 6% في ساوباولو و 9.8% في الرياض و 9.4% في دبي و 3% في بيروت و 4.2% في القاهرة.
و لعظم الخسارة و حجم الديون المعدومة تقرر أن يحث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني غوردن براون البنوك ضمن لقائهما في 27/03/2008م على القيام بكشف كامل وفوري للديون المعدومة لديها. وكان براون قال في يناير/ كانون الثاني الماضي إن بريطانيا تواجه اختبارا عصيبا مع اقتصاد عالمي في وضع صعب وخطير بسبب أزمة الائتمان الناجمة عن أزمة القروض العقارية الأميركية, وقد جاء ذلك بعدما تعرض نورذرن روك -خامس مؤسسة مصرفية بريطانية في قطاع التسليف المتعلق بالرهون العقارية- لضرر بالغ بسبب تداعيات أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.
وهكذا نقلت أمريكا أزمة شركات الرهن العقاري من أزمة أمريكية إلى أزمة دولية لدرجة أن قامت البنوك المركزية في أوروبا بضخ أكثر من 150 مليار دولار العام الماضي لدعم شركات الرهن العقاري حتى لا تتضرر منها وتنهار البورصات في العالم ومنه أوروبا بسبب امتداد الشركات العالمية في كل الدول وتشابكها بعضها ببعض بسبب نظام العولمة. وبذلك ابتزت أمريكا أوروبا ودعمت شركاتها أي شركات الرهن العقارية الأمريكية بهذه الوسيلة.
و الخلاصة أن للأزمة الأمريكية أبعاداً عدة اقتصادية وسياسية؛ فأمريكا تمر بأزمات حقيقية أدت إلى انخفاض الدولار, فقامت بمناورات أو ( مؤامرات ) سياسية لجعل العالم كله يشاركها في أزماتها وإلا فالعالم كله سيغرق معها، خاصة بعد انتشار العولمة وانفتاح الأسواق كلها على بعضها البعض تحت مسمى اقتصاد السوق وامتداد الشركات كلها عبر العالم وتداخلها مع بعضها البعض. فأصبحت أكثر بلدان العالم بأسواقها مفتوحة على بعضها البعض.
وهكذا استغلت أمريكا انخفاض دولارها بسبب أزمتها الاقتصادية للتخفيف من عجزها التجاري وللابتزاز السياسي وبخاصة بالنسبة للدول التي لديها مخزون كبير من الدولارات. وكذلك استطاعت أن تنقل أزمة شركات الرهن العقاري إلى أزمة دولية, وهي ليست بعيدة عن هذه الأزمة.
ومع ذلك فكل هذه الأعمال السياسية الأمريكية لن تعيد الاقتصاد الأمريكي إلى ازدهاره بل هي فقط قد توقف انهياره, ولولا سياسة العولمة والسوق المفتوح, ولولا النظام الرأسمالي الاقتصادي المتحكم في اقتصاد العالم... ولولا أن دولاً لازالت تعتمد الدولار احتياطياً مركزياً, لولا ذلك لما بقي الاقتصاد الأمريكي واقفاً على قدميه حتى الآن.
|
ثالثاً: أما سبب ارتفاع أسعار المنتجات المعدنية كالنفط والذهب والحديد... فإنه بعد انهيار شركات الرهن العقاري, وانخفاض سوق الأسهم والسندات, وانخفاض مؤشرات البورصات, فإن ثقة المستثمرين قد قلت في وسائل الاستثمار غير ذاتية القيمة, أي التي لا تحمل قيمتها الذاتية, كالسندات والأسهم والبورصات, فانصرف المستثمرون عنها إلى وسائل استثمار ذاتية القيمة, كالذهب والمعادن المهمة الأخرى, وهذا ما زاد الطلب على الذهب, فارتفع سعره ارتفاعاً هائلاً, فوصل سعر الذهب 1000$، وهو مرشح للارتفاع نحو 1500$ أو يزيد وفق الظروف الجارية...
إن أشد المتضررين من ارتفاع أسعار الذهب هي الولايات المتحدة, حيث إن هذا الأمر إذا استمر فسيعيد الدولار إلى قيمة لا تساوي أكثر من قيمة الورق والكتابة عليها, ولهذا فمن المحتمل أن تقوم أميركا في الفترة المقبلة بكبح أسعار الذهب. وقد بدأت تظهر إشارات ذلك, حيث قام صندوق النقد الدولي باتخاذ قرار بيع 403 طن ذهب بسبب العجز في الميزانية، إلا أن صندوق النقد الدولي أعلن أنه سيقوم بذلك البيع في فترات متباعدة طويلة الأمد. وهذا الإعلان هو إعلان (مضاربة) من شأنه أن يؤثر في خفض سعر الذهب. وهنالك احتمال أن يتم بيع الذهب إلى البنوك المركزية، ما قد يتسبب بقيام البنوك المركزية برفع نسبة الفائدة، ومما سيتسبب برفع سعر الصرف. ومجدداً فإن تصريحات صندوق النقد الدولي في 09 نيسان/أبريل 2008 من أن الأزمة المالية ستكلف تريليون دولار أكثر من كونها شرح الواقع بإنصاف وصدق فإنها كانت بمثابة مضاربة لتغيير جهة سير الاقتصاد والمالية. وكما جاء في تعليق أوردته صحيفة التلغراف الإنجليزية فإن صندوق النقد الدولي هو آخر عنوان يمكن طرقه للخروج من الأزمة المالية الموجودة. لذا فإن هذا التصريح هو بمثابة تحضير لذلك.
وهكذا فإن هبوط قيمة الدولار وأزمة فقدان ثقة المستثمرين في سوق الأصول الأمريكية دفع بالعديد من المستثمرين إلى عدم الاستثمار في النقود الورقية الائتمانية. والتقدير العقلي لهذا أن النقود الورقية الحالية غير مسنودة بشكل كلي لأصول محسوسة. أي انه وفي هذه الأجواء فان انتقال أزمة الثقة تنتشر بشكل سريع لباقي العملات. ولهذا السبب فان بعض البنوك المركزية من مثل البنك المركزي الصيني بدا بشراء الذهب ، ما أدى إلى ارتفاع سعر الذهب إلى أعلى مستوياته. وهذا هو نفس سبب ارتفاع أسعار بعض المعادن من مثل الفضة والبلاتينيوم. كما انه بسبب زيادة طلب الهند والصين على النحاس والزنك والألمنيوم والنيكل قد أدى إلى زيادة في أسعارها، وهذا الطلب على هذه المعادن من قبل الهند والصين بسبب النمو المتسارع لاقتصاد البلدين. فهذا الطلب على هذه المعادن استمر ل 12 سنة من قبل الصين وآخر 4 سنوات من قبل الهند. فقد أنفقت الصين $1 تريليون على البنية التحتية، وستنفق $50 بليون أضافيات في كل عام للسنين الخمسة عشرة القادمة. وقد بدأت الهند بإعادة بناء بنيتها التحتية منذ ستة سنوات. وقد كانت بداية الاستثمارات ضعيفة، ولكن بلغ حجم الاستثمارات في السنوات الأربعة الأخيرة $50 بليون. وقد وضعت خطة لاستثمار ما بين $30 -$40 بليون سنويا للسنين العشر القادمة. إلا انه لا يوجد من المعادن ما يكفي لتغطية هذه الخطة. وزيادة على ذلك فان ارتفاع أسعار البترول زاد من كلفة الإنتاج وبالتالي زاد من ارتفاع الأسعار عموما.
إن سبب ارتفاع أسعار النفط يعود إلى هبوط في قيمة الدولار، وزيادة في القوة الشرائية للنفط من قبل الدول من مثل الاتحاد الأوروبي، والصين والهند لسد زيادة الطلب عليه من اجل سد حاجة تلك البلدان للنفط، إلا أن السبب المهم الذي أدى إلى ارتفاع سعر النفط هو المضاربة. فمضاربات أمريكا على النفط أدت إلى ارتفاع أسعاره، وذلك كي يتم جمع الدولارات الموجودة في السوق ممن يطلب شراء النفط، حتى تتمكن أمريكا من تجنب انهيار عملتها. وهذا هو سبب عدم ثبات المعلومات عن المخزون النفطي الأمريكي.
وللمضاربات دور في رفع الأسعار؛ فمثلا زادت المضاربات في العقود الآجلة في النفط. وكذلك المضاربات في أسعار المعادن وعلى رأسها الذهب. فيعزى ارتفاع أسعار الذهب نتيجة إقبال دول مثل الصين وروسيا وبعض دول آسيا على شراء الذهب للتخلص من كميات الدولارات الهائلة لديها. فالدول لم تعد تثق بالدولار، وانخفاضه يسبب لها خسائر فادحة. وكذلك إقبال الصين على شراء الحديد وباقي المعادن اللازمة للصناعة مما زاد من أسعار الحديد والمعادن الأخرى. فهنا في ألمانيا مثلا صار إقبال كبير على الحديد الخردة، وارتفعت أسعاره، بل تضاعفت لان الكثير منه أصبح يصدر إلى الصين.
ومن المعلوم أنه كلما انخفض الدولار ارتفع سعر النفط في علاقة عكسية معروفة منذ زمن، وهذا واقع الحال اليوم، ففي 17/04/2008م سجلت أسعار النفط مستويات تخطت عتبة 115 دولاراً للبرميل, ثم استمرت بالارتفاع حتى تجاوزت هذا اليوم 5/5/2008م مقدار 120 دولاراً.
وهكذا تكون أسعار النفط قد ارتفعت لأكثر من أربعة أمثالها منذ العام 2002, حيث ازداد الطلب ولاسيما في الصين وسائر الاقتصاديات الصاعدة, وإن التوقعات تشير إلى أن الأسعار ستصل إلى 130دولارا في نهاية شهر ديسمبر المقبل.
رابعاً: أما أزمة الغذاء العالمية فإنه في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية و التي أحدثتها أزمة الرهن العقاري الأميركي, فقد نتجت أزمة أخرى أشد خطورة تهدد الأمن الغذائي العالمي، ففي شتى أنحاء العالم، ارتفعت أسعار الأغذية من الخبز حتى الحليب.
لقد ظهرت الأزمة خلال الآونة الأخيرة بعد ارتفاع أسعار القمح والذرة والأرز وباقي المواد الغذائية الأساسية في السنوات الأخيرة ، وتصاعدت بوتيرة مقلقة في الأشهر القليلة الماضية.
في 6/12/2008م نشرت مجلة الـ إيكونوميست البريطانية تقريراً جاء فيه أن أسعار الحبوب ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ تأسيس مؤشر الـ إيكونوميست لأسعار المواد الغذائية عام 1945، بلغت الزيادة حسب الـ إيكونوميست 75%. أما بورصة مجلس شيكاغو للتجارة التي تمثل المقياس العالمي الأول فيما يتعلق بأسعار الحبوب في العالم فقد ذكرت أن القمح ارتفعت أسعاره بنسبة 90%، فول الصويا 80%، الذرة 20%, ولازالت الأسعار ترتفع منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.
وأما أسباب ارتفاع الأسعار, وبالتالي حدوث أزمة الغذاء, فأبرزها:
1ـ ارتفاع أسعار النفط وانخفاض أسعار الدولار:
إن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى ارتفاع في أسعار المستلزمات الزراعية من مثل البذور والسماد والمبيدات الحشرية والآلات والنقل. فارتفاع كلفة الإنتاج والنقل أثرت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وبخاصة القمح والأرز والذرة فعلى سبيل المثال فقد ارتفع سعر الأرز في الفلبين بنسبة 70% خلال السنة الماضية.
هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فإن أسعار المواد الغذائية تقدر غالباً بالدولار, فلما انخفضت قيمة الدولار ارتفعت الأسعار تلقائياً.
قال جراتسيانو «غياب الثقة في الدولار جعل صناديق الاستثمار تبحث عن عوائد أعلى في السلع الأولية... أولا في المعادن ثم في الأغذية». وقد قام العديد من المضاربين في السنوات الخمس الأخيرة بتحويل أموالهم إلى أسواق السلع الأولية بحثا عن عوائد أعلى مما يحصلون عليه من أسواق الأسهم والسندات.
2ـ الظروف المناخية : التي تؤثر في تخفيض الإنتاج الزراعي كالفيضانات والأعاصير ثم الجفاف فمثلاً إن واحدة من أكبر المصدرين للحبوب وهي أستراليا تواجه أكثر حالات الجفاف خطورة في تاريخها... وقد صاحب هذه الظروف المناخية في السنوات الأخيرة طفرة اقتصادية في بعض الدول كالصين والهند والبرازيل أدت إلى زيادة في استهلاك اللحوم.
ومن المعلوم أنه لإنتاج قطعة لحم تحتوي على مائة سعر حراري يتعين إطعام الحيوانات المنتجة للحم 700 سعر حراري من الحبوب, ومن بين ال 2,13 بليون طن من الحبوب فان 1,01 بليون طن فقط مخصص لإطعام الناس وذلك حسب إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتّحدةِ. وبالتالي فان تربية الماشية تزيد من ارتفاع الأسعار العالمية.
3ـ إنتاج الوقود الحيوي من الحبوب:
اعتبر جان زيغلر المقرر الخاص للأمم المتحدة للحق في الغذاء في تصريح لإذاعة ألمانية أن الإنتاج الكثيف للوقود الحيوي يمثل اليوم "جريمة ضد الإنسانية" بسبب تأثيره على ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العالم.
والوقود الحيوي قائم على المنتجات الزراعية, وقد استخدم, في السنوات الأخيرة, كثير من الدول الصناعية المحاصيل الزراعية والأراضي الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي للتخفيف من الاعتماد على النفط الذي ارتفعت أسعاره إلى أرقام قياسية، ما أدى إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي، وبالتالي ارتفاع أسعار الحبوب.
ففي بلدان من مثل الولايات المتحدة والبرازيل تحولت الأراضي الزراعية إلى زراعة الذرة وفول الصويا لإنتاج الايثانول. فمنذ العام 2001 زادت كمية الذرة المستخدمة في إنتاج الايثانول الحيوي في الولايات المتحدة بنسبة 300%. كما أن أمريكا تسعى إلى إنتاج 35 بليون جالون (133 بليون لتر) من الايثانول بحلول عام 2017. وقد اقر الكونغرس الأمريكي في وثيقة الطاقة لعام 2005 على زيادة إنتاج الايثانول المستخرج من الذرة من 4 بليون جلون في العام 2006 إلى 7,5 في العام 2012.
وفي آذار 2007 التقى الرئيس الأمريكي "جورج بوش" بنظيره البرازيلي "لويز انيسيا لولا سلفا" لتوقيع معاهدة بين البلدين "معاهدة الايثانول" للتعاون المشترك بين البلدين لإجراء بحوث وتطوير الجيل القادم من إنتاج الوقود الحيوي, وتشكيل اتحاد تجاري للوقود الحيوي وخصوصا في بلدان وسط أسيا. لقد كانت اتفاقية "الايثانول" بين الرئيسين بداية لنمو ظاهرة زراعة الحبوب من اجل استخدامه في إنتاج الوقود الحيوي. فقد قضت مزارع قصب السكر وزيت النخيل والصويا المخصصة لإنتاج الوقود الحيوي على الأراضي العشبية والغابات في البرازيل والأرجنتين كولومبيا والإكوادور والايرغواي. فقد احتلت مزارع الصويا في البرازيل ل21 مليون هكتار من أراضي الغابات، و14 مليون هكتار في الأرجنتين، ولا يبدو أن هذه الظاهرة ستنحسر ما دامت أسعار الحبوب في ارتفاع. وسيقتطع 100 مليون طن من الحبوب من مجموع 2,13 بليون طن في استخراج الوقود الحيوي في العام 2008 ، وبعبارة أخرى ستستخدم هذه الأطنان لإطعام السيارات.
4ـ الفشل الإداري والسياسي :
أما عن إنتاج القمح و الذي يعتبر منتجا إستراتيجيا فالاتحاد الأوروبي ينتج 122 مليون طن، الصين تنتج 106 مليون طن، الهند تنتج 75 مليون طن، الولايات المتحدة تنتج 56 مليون طن، روسيا تنتج 48 مليون طن. كما أن الولايات المتحدة تصدر 32 مليون طن، كندا تصدر 15 مليون طن، الاتحاد الأوروبي عشرة مليون طن، الأرجنتين عشرة مليون طن.
أما الدول العربية فكلها عدا سوريا مستوردة للقمح وعلى رأسها مصر بلد النيل أكبر مستورد للقمح في العالم، مصر 7 مليون طن، الجزائر بلد جبال الأطلس والمزارع التي كانت تشتهر بها في عهد الفرنسيين تستورد 5 مليون طن، العراق بلد دجلة والفرات تستورد 3 مليون طن، المغرب 3 مليون طن، اليمن فيستورد ما يقرب من 3 مليون، وتونس 1من عشرة طن، والأردن 500 ألف طن.
و في ظل انخفاض الدولار وارتفاع أسعار النفط فإن تكلفة استيراد القمح سترتفع أكثر فأكثر، ما سيكلف ميزانيات تلك الدول أموالا طائلة حتى لو حصلت على القمح و الحبوب بـأسعار تفضيلية.
هذا على الرغم من ما تمتلكه هذه الدول من مصادر مياه و أراضٍ خصبة! أفليس من المستهجن أن تكون بلاد النيل والنهرين و جبال أطلس من أكبر بل أكبر المستوردين للقمح في العالم!!!.
ولعل ما جاء من توصيات مؤخرا في تقرير للبنك الدولي حول مصادر المياه في الشرق الأوسط و شمالي لإفريقيا، يبين كيف ترسم السياسة الخبيثة للدول العربية! فقد خلص التقرير إلى أنه لتوفير المياه يجب تبنى سياسات زراعية تقلل من استهلاك المياه، فأوصى بزراعة الطماطم و البطيخ... وبعدم زراعة القمح ! ، و بطبيعة الحال فإن توصيات البنك الدولي التي قال عنها بير فرنشيسكو مانتوفاني خبير المياه في البنك الدولي إنها لا تتعلق بإجراءات تقنية يقررها مهندسون بل بإصلاحات سياسية عميقة!
ومع العلم أن كثيرا من الدول لديها إمكانية زراعة القمح، ولكن السياسة الاستعمارية التي اتبعها صندوق النقد الدولي تحول دون ذلك, حيث إن الصندوق يشجع زراعة التبغ والقطن لدى الدول التي تتبع سياسته ، ويعطي القروض والمساعدات لزراعتهما, في حين يمنع القروض والمساعدات لزراعة القمح, وذلك من أجل تمويل المصانع الغربية بهاتين المادتين.
إن بلاد المسلمين قد حباها الله بأراض خصبة ومياه وفيرة, وهي لو أحسن استغلالها تجعل المسلمين في بحبوحة من العيش, ولكن هذا يحتاج إلى نظام صالح من لدن حكيم خبير, نظام الإسلام, الخلافة الراشدة, التي تملأ الأرض عدلاً وخيراً, وعسى أن يكون ذلك قريباً بإذن الله.
|
|
1 جمادى الأولى 1429هـ |
|
الموافق في 05/05/2008م |
|
|
|
|
|
جواب سؤال: آية {ولتكن منكم أمة...}
|
|
|
السؤال : أثناء دراستي لتفسير الآية الكريمة { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }, وكيف أن (من) هي للتبعيض, استوقفني قوله تعالى { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} . إن هذا العمل أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوب من كل المسلمين , ويمكن إتيانه من الأفراد , وكذلك يمكن إتيانه من الجماعات , فلماذا إذن قلنا إنه يحتاج إلى جماعة متكتلة من بين المسلمين تقوم به حتى تكون (من ) للتبعيض؟
ثم إن (من) التبعيضية والبيانية تختلطان أحياناً ببعضهما, أفلم يستعمل العرب في لغتهم أدوات تصاحب (من) البيانية أو التبعيضية للتمييز بينهما بشكل واضح؟
أرجو جلاء هذا الأمر وجزاكم الله خيراً.
الجواب :
إن (مِنْ) لها معانٍ عدة، من بينها:
(للتبعيض) مثل {منهم من كلم الله}، أي بعضهم، ومثل {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} أي بعض ما تحبون.
و(للبيان) مثل {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} ومثل {يحلون فيها من أساور من ذهب}.
وكثيراً ما يحدث التباس بين هذين المعنيين أي للتبعيض والبيان، ولكن سياق الكلام والقرائن توضح المعنى المقصود.
والآن لنر الآية الكريمة:
{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}
أولاً: من حيث سياق الآيات الكريمة، ما قبلها وما بعدها,أي من حيث اللفظ الذي بُدئ به الخطاب في الآيات الكريمة السابقة واللاحقة:
الآيات كالتالي:
{ واعتصموا بحبل الله جميعاً ... ولتكن منكم أمة ... ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا...}
إن اللفظ الذي بدئ به الخطاب في الآية السابقة هو للجمع (واعتصموا)، وفي الآية اللاحقة كذلك للجمع (ولا تكونوا)، ولكن الآية موضع البحث الواردة بين الجمعين هي خطاب بلفظ المفرد (ولتكن)، وليس (ولتكونوا).
وفي فقه اللغة إذا اختلف السياق على هذا النحو, أي لفظ جمع فمفرد ثم جمع، هذا يعني أن بدء الخطاب بلفظ المفرد هو مقصود وأنه على غير سابقه ولاحقه.
فالخطاب في الآية السابقة بدئ بلفظ جمع للمسلمين أن يعتصموا، وفي الآية اللاحقة بلفظ جمع للمسلمين أن لا يتفرقوا، وأما ما بينهما فقد بُدئ بلفظٍ مفردٍ للمسلمين, أي ليس لجميعهم.
ولا يقال لماذا قلنا عن (ولتكن) إنها لفظ مفرد, مع أنها تعود إلى (أمة), وأمة جماعة أي ليست فرداً؟
والجواب على ذلك أننا نتكلم عن الناحية اللفظية لبدء الخطاب, ولا يؤثر في اللفظ تابعُه, فمثلاً:
الآية الكريمة { هذا فوجٌ... }, فإن (فوج) هي أكثر من فرد, ولكن هذا لا يعني أن اللفظ (هذا) قد أصبح لفظ جمع, بل هو يبقى لفظاً مفرداً حتى وإن تبعه معنى الجماعة. وكذلك إن قولي لك: " أنتم أكرمكم الله عالمٌ فاضل" فإنَّ "أنتم" هنا لفظ جمع حتى وإن تبعه معنى الفرد "عالم فاضل".
وهكذا (ولتكن) فهي لفظ مفرد, فالآية { ولتكن منكم أمة ...} وليست (كونوا أمة)
ولا يؤثر في ذلك تأنيثها أو تذكيرها لتناسب كلمة (أمة) بعدها, فإنها تبقى لفظاً مفرداً: (ولتكن), وليس (ولتكونوا).
فنحن هنا نتناول الناحية اللفظية, أي نسق الكلام, فالموضوع يتعلق باختلاف نسق الكلام من حيث الألفاظ الثلاثة التي بدئ بها الخطاب في الآيات الثلاث:
( واعتصموا , ولتكن , ولا تكونوا )
وحتى تتضح صورة اختلاف نسق الكلام, خذ مثلاً قوله تعالى : { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ... إلى قوله تعالى والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس...}
إنك تلاحظ هنا أن خبر (لكن) هو مرفوع, وهكذا جاءت كلمة (والموفون), ولكن ما بعدها كان منصوباً (والصابرين), فهي جاءت بلفظ مغاير لخبر (ولكنَّ), وكذلك بلفظ مغاير للمعطوف عليه (والموفون), واختلاف نسق الكلام هذا في فقه اللغة يعني أن نصب (والصابرين) هو أمر مقصود للرفع من شأنهم, وأنهم خصوا بمدح زائد عما قبلهم, أي أن اختلاف نسق الكلام عندهم جعلهم مقصودين على غير ما سبقهم ... وهكذا في كل اختلافٍ لنسق الكلام من العربي الفصيح, فإن له هذا المعنى في فقه اللغة.
وعلى هذا النحو ما جاء في الآية الكريمة من اختلاف نسق الكلام فهو يعني أن الخطاب في الآية الوسطى هو مقصود في اختلافه عما سبقه وما لحقه من خطاب, فهو ليس خطاباً للجميع بل لجزء منهم، أي أن (من) حسب السياق هي للتبعيض وليست للبيان.
ثانياً: من حيث موضوع الآية الكريمة
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتأتى إلا من أفراد قادرين وليس من جميع الأفراد, ومع ذلك فإن الآية ليست أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فحسب، ولو كانت كذلك لكان هذا ممكناً إتيانه من الأفراد, ولكان الخطاب للجميع. ولكن الآية أمر بالدعوة إلى الخير بالإضافة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والخير في الآية {يدعون إلى الخير} هو الإسلام وهو أي الخير محلّىً بالألف واللام فهو عام أي الإسلام كله، والإسلام كله يشمل العبادات والمعاملات وكذلك يشمل العقوبات والحدود, والدولة التي تطبق العقوبات والحدود ... وما دام (الإسلام كله) يشمل الدولة أي الخليفة لتطبيق الأحكام، وحيث لا يمكن أن تقام الخـلافة بعمل فردي بل بكتلة، وهذا واضح، فتكون الآية توجب قيام (أمة) بمعنى جماعة متكتلة من بين المسلمين تدعو إلى الإسلام كله بإقامة دولته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ومن الجدير ذكره أنه بدون الدولة لا يتأتى تطبيق الإسلام كله حيث إن الأحكام الشرعية منها ما يقوم به الأفراد كالصلاة والصيام .. ومنها ما لا بد من الإمام أو الخليفة لتطبيقه كالحدود .. فالدعوة إلى الإسلام كله تعني إقامة الخـلافة، وهذه تحتاج العمل الجماعي أي عمل كتلة وليس عمل أفراد.
ولا يقال إن الدعوة لإقامة الدولة غير العمل لإقامة الدولة, فالعمل لإقامة الدولة صحيح يحتاج إلى جماعة متكتلة , وإنما الدعوة لإقامة الدولة فلا تحتاج إلى جماعة بل تتأتى من الأفراد...
لا يقال ذلك لأن الدعوة لإقامة الدولة لا تنفصل عن العمل لإقامتها, فالدعوة في الإسلام ليست ترفاً فكرياً منفصلاً عن العمل. إن الدعوة لإقامة الدولة تلازم العمل لإقامتها, ولا تنفصل عنه. هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعا ... وعمل ... وطلب النصرة... وأقام الدولة... و اقتداءاً بالرسول صلى الله عليه وسلم, فنحن ندعو ونعمل بالطريقة نفسها... حتى نقيم الدولة بإذن الله.
وهكذا فإن موضوع الآية أي الدعوة إلى الإسلام كله تجعل الخطاب ليس للمسلمين أفراداً غير متكتلين، لأن إقامة الدولة لا تتأتى من دعوة أفراد يعملون غير متكتلين في جماعة, بل دعوتهم ليعملوا ضمن جماعة متكتلة من بين المسلمين قادرة على هذا العمل، فتكون (مِن) للتبعيض وليست للبيان.
ثالثاً: من حيث اللغة
إن هناك أموراً ذكرها علماء اللغة كأدلة على تمييز (من) البيانية عن غيرها، ومن هذه الأمور علامات ثلاث تدل على (من) البيانية, ولا تكون مع (من) التبعيضية, وهي:
1 – العلامة الأولى ل (من) البيانية هي أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها، مثلاً:
{واجتنبوا الرجس من الأوثان} فتصلح الأوثان خبراً عن الرجس فتقول: الرجس هي الأوثان.
{أساور من ذهب} فتصلح كلمة (ذهب) خبراً للأساور فتقول: الأساور هي ذهب.
ولكن في الآية موضوع البحث لا تصلح هذه العلامة:
(ولتكن منكم أمة)، فما بعد (مِنْ) هو الضمير (كم) المخاطب، وما قبلها هي من أخوات كان (ولتكن)، و(كم) لا تصلح خبراً لكان السابقة بل تصلح اسماً لها أي لتكن أنتم أمةً. وعليه فلا تكون (مِنْ) هنا للبيان.
هذه هي العلامة الأولى.
2 - العلامة الثانية
[(مِنْ) ومجرورها في موضع الحال لما قبلها إذا كان معرفةً، وفي موضع النعت لما قبلها إذا كان نكرةً].
فمثلاً (أساور من ذهب), فإن (من ذهب) تصلح أن تكون في موضع وصف فتقول هذه أساور مذهبة أو نحو ذلك, لأن أساور نكرة.
وكذلك (الرجس من الأوثان), فإن (من الأوثان) تصلح أن تكون في موضع حال لـ (الرجس) لأنه معرفة, فتقول (الرجس وثناً أمر منكر), فإن (وثناً) هو لبيان هيئة الرجس.
ولا يقال إن (وثناً) لفظ جامد فهو أقرب للتمييز, وليس حالاً لأن الحال وصف مشتق... لا يقال ذلك لأمرين :
الأول أنه صحيح أن الحال في الغالب وصف مشتق { فخرج منها خائفاً}, {وأرسلناك للناس رسولا}... لكن الحال يأتي أحياناً لفظاً جامداً (بعه مداً بدرهم), فإن (مداً) حال. وكذلك ( كر زيدٌ أسداً) , فإن (أسداً) حال ... ولكن الغالب في الحال أنه مشتق.
وكذلك فإن التمييز يأتي جامداً , وهو الغالب (عشرون درهماً) , ( رطلاً زيتاً)... ولكنه يأتي أحياناً قليلة مشتقاً (لله دره فارساً) , ( لله دره راكباً).
هذا هو الأمر الأول, أن ليس بالضرورة أن كل جامد يكون تمييزاً ولا يكون حالاً.
وأما الأمر الثاني, وهو المهم , فهو أن الحال هو لبيان الهيئة لصاحبه أي هو هيئة من هيئاته وليس منفصلاً عنه لتمييزه عن غيره.
فمثلاً: (عشرون درهماً) ف (درهماً) تمييز لأنها لا تبين هيئة العشرين بل هي أمر آخر يميز العشرين من غيرها. وكذلك (رطلاً زيتاً) فهنا (زيتاً) تمييز لأن الزيت ليس هيئة الرطل بل هو شيء آخر مفصول عن الرطل وإنما يميزه.
في حين أن (وثناً) في (الرجس وثناً أمر منكر) هو لبيان هيئة الرجس فإن الرجس هنا هو الوثن , وليس الوثن أمراً آخر غير الرجس كالدراهم غير العشرين, والزيت غير الرطل.
هذه هي العلامة الثانية
وفي الآية الكريمة ما قبل مِنْ ومجرورها كلمة (ولتكن) والضمير فيها يعود إلى (أمة) أي إلى نكرة، ولا تصلح (منكم) لتكون في موضع نعت لأمة.
ولا يقال إن (أمة) معرفة لأنها نكرة موصوفة, ومع أن المسألة ليست في كون (أمة) معرفة أو نكرة , بل في صلاحية (من) ومجرورها لتكون نعتاً إذا اعتبرت (أمة) نكرة , أو حالاً إذا اعتبرت (أمة) معرفة . و (منكم) لا تصلح حالاً لـ (أمة) ولا نعتاً لها, فمهما اعتبرت (أمة) نكرة أو معرفة فإن (من) ومجرورها لا يصلحان لا نعتاً ولا حالاً. فالمسألة هي في صلاحية (من) ومجرورها لتكون حالاً إذا كانت (أمة) معرفة أو نعتاً إذا كانت (أمة) نكرة, وليست في تعريف أو تنكير (أمة).
ومع ذلك , ومع أن البحث في كون الوصف الذي يجعل النكرة معرفة, هو ليس موضوع البحث, ولكني أقول إن الوصف الذي يجعل النكرة معرفة هو الوصف الخاص وليس الوصف العام, فلو قلت: جاء رجل كان ينادي في السوق على بيع السلع, فهذا الوصف لا يجعل كلمة (رجل) معرفة بل تبقى نكرة لأن الوصف عام لكل من ينادي في السوق على بيع السلع وليس خاصاً برجلٍ معين.
وفي الآية الكريمة, فإن الوصف الذي تبع (أمة) هو وصف عام, ولذلك فهو لم يخرجها عن كونها نكرة, وهذا واضح من معنى (أمة) في كتب التفسير, فستجد اختلافاً كبيراً في معناها.... ولذلك فإن الراجح في كلمة (أمة) هو أنها نكرة وليست معرفة, مع أن علامة (من) البيانية هنا ليست هي كون التابع لها نكرة أو معرفة بل صلاحية (من) ومجرورها لتكون نعتاً إن كانت (أمة) نكرة, أو حالاً إن كانت (أمة) معرفة , و (من) هنا ومجرورها لا يصلحان لا حالاً ولا نعتاً, فإذن (من) ليست بيانية بل تبعيضية.
3 - العلامة الثالثة, وهي علامة مرجحة أي إذا استوت كل العوامل الأخرى بين (من) البيانية و(من) التبعيضية, فهذه العلامة إذا وجدت ترجح (من) البيانية, لأن هذه العلامة لا تأتي مع (من) إلا أن تكون بيانية. والعلامة هي: إذا سبقتها (ما، مهما) فإنهما يرجحان (مِن) بيانية] مثل {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} فهنا سبقها (ما) فترجح أن (من رحمه) للبيان.
ومثل {مهما تأتنا به من آية}، فهنا سبقتها (مهما) فترجح أن (من آية) للبيان.
ونقول عامل مرجح لأنه ليس بالضرورة أن تسبق (ما، مهما) مِن البيانية.
وفي الآية الكريمة موضع البحث فإن عوامل (من) البيانية والتبعيضية ليست مستوية, بل هي تدل على أن (من) هي تبعيضية وفق الأدلة المتعلقة بسياق الخطاب أي اللفظ الذي بدئ به الخطاب, والمتعلقة بموضوع الطلب في الآية. ومع ذلك فحتى لو تساوت (جدلاً), وأشكل معرفة (من) البيانية من التبعيضية, فإننا نعمد إلى هذه العلامة المرجحة (ما , مهما), فنجد أنه لم يسبق (منكم)، لا (ما) ولا (مهما) لتكون مرجحةً للبيان.
ونكرر هذه العلامة هي علامة مرجحة استعملها العرب للتفريق بين (من) التبعيضية والبيانية إذا تساوت كل العوامل الأخرى, وأما إن لم تتساو, فلا يعمد لهذه العلامة المرجحة.
بناءً على هذه الأمور، فإن (من) في الآية الكريمة: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، هي للتبعيض أي لتقم من المسلمين أمة (جماعة متكتلة) لأداء الفروض المذكورة في الآية.
|
|
3 من ربيع الثاني 1429هـ |
|
8/4/ 2008م |
|
|
|
|
|
الحملة العسكرية التركية في شمال العراق
|
|
|
ذكرت وسائل الإعلام أن الحكومة التركية قد أخذت موافقة الولايات المتحدة المحتلة للعراق بما فيها كردستان العراق، أخذت موافقتها على القيام بحملتها العسكرية في شمال العراق (كردستان العراق)، وقد أكدت هذا الأمر مصادر رسمية تركية وأمريكية. ومع أن أمن العراق المحتل ومنه كردستان هو مسئولية الولايات المتحدة، إلا أنها قد سمحت لتركيا بشن حملة عسكرية عليه !
فهل هذا يعني أن أمريكا قد (باعت) كردستان العراق من أجل مصالحها في تركيا ذات الأهمية الأكثر لأمريكا من كردستان العراق ؟
الجواب:
صحيح أن العراق محتل من أمريكا، وأن العدوان الخارجي على العراق يكون (عدواناً) على أمريكا في بعض مظاهره، ويترتب على ذلك في العادة أن لا تسمح أمريكا لأية دولة بأن تشن حرباً على العراق مادامت أمريكا تحتله.
وصحيح كذلك أن تركيا مهمة لأمريكا، ولكن العراق و(كردستانه) كذلك مهم لأمريكا، حتى وإن اختلفت درجة الأهمية. لكن ما هو ليس بصحيح هو القول (إن أمريكا باعت كردستان العراق من أجل مصالحها في تركيا)، فمصالح أمريكا مؤمنة في تركيا من حكومة حزب العدالة، ومصالحها كذلك مؤمنة في العراق وفي كردستانه لأن حكومة العراق صناعة أمريكية ...
وأما سماح أمريكا للحكومة التركية بحملتها العسكرية على شمال العراق، فهو تثبيت لهذه المصالح في البلدين، تركيا والعراق، وليس بيعاً لواحدة على حساب الأخرى.
أما كيف ؟ فعلى النحو التالي:
1ـ منذ أن تخلت أمريكا عن عبد الله أوجلان، وسلمته إلى السلطة التركية وفق الصفقة المشهورة التي أدارتها أمريكا مع تركيا حفاظاً على سورية، ثم بعد وصول حزب العدالة الموالي لأمريكا إلى الحكم في تركيا، أصبحت إستراتيجية أمريكا، وبالتالي حكومة حزب العدالة، هي التعامل مع القضية الكردية كقضية سياسية ... وبدأت مباحثات وزيارات لمسئولي الحكومة التركية للمناطق الكردية التركية، وما تبع ذلك من محادثات ثقافية حول برامج باللغة الكردية في وسائل الإعلام ...
2ـ أما كبار قادة الجيش الموالون للإنجليز، فقد استمروا في التعامل مع القضية الكردية كقضية أمنية يستغلونها لإثارة المشاكل في وجه حكومة حزب العدالة، كلما لاحظوا زيادة وزن حكومة أردوغان وبالتالي زيادة نفوذ أمريكا في تركيا على حساب نفوذ العلمانيين الإنجليز في الجيش.
3ـ قبل حكومة حزب العدالة، وقبل ازدياد النفوذ الأمريكي في تركيا، كان الكماليون الإنجليز في الجيش يقومون بانقلاب على أية حكومة تركية يرونها تخرج عن الخط الكمالي الإنجليزي في تركيا ... والانقلابات المتكررة التي قام بها الجيش في النصف الأخير من القرن الماضي معروفة مشهورة.
4ـ ومع أن حكومة حزب العدالة توالي أمريكا بشكل ظاهر واضح، ومع أنها تقوم (بقصقصة)نفوذ الكماليين الإنجليز في الجيش عن طريق التشريعات القانونية كما عملت في مجلس الأمن القومي، والمجلس القضائي (المحكمة الدستورية العليا) ... وانتخاب رئيس الجمهورية وغير ذلك ...، ومع هذا لم يستطع الجيش القيام بانقلاب بسبب أجواء الحكم المدني (الديموقراطي) الذي ركزت عليه أمريكا في تركيا، وأعلت الصراخ فيه حكومة حزب العدالة،وكذلك اتجاه الحكومة نحو قوات الاتحاد الأوروبي لتسهيل انضمامها ... كل ذلك أبعد إمكانية عمل انقلابي من الجيش، إن لم يكن نهائياً فعلى الأقل في المدى المنظور.
5ـ لذلك عمد الجيش إلى الاستغلال الأمني العسكري للموضوع الكردي، وبخاصة جناح حزب العمال الكردستاني الموجودة قواعده شمال العراق، وهذا الجناح يتبنى العمل العسكري، وليس فقط العمل السياسي، لمعالجة قضية الأكراد في تركيا كما يعمل الجناح الآخر. وجناح حزب العمل الكردستاني الذي في شمال العراق له ارتباط بالبرزاني ذي الخلفية الإنجليزية، وبالتالي فهو يلتقي مع علمانيي الجيش الانجليز في تركيا من حيث التحريك الأمني العسكري للقضية، وإن اختلفت الأغراض، في حين أن الطالباني وحزبه موالٍ لأمريكا، ولذلك فإن جناح حزب العمال الكردستاني موجود في المناطق الشمالية المحاذية لمناطق البرزاني، وليس في مناطق الطالباني.
وكان الجيش يقصد من ذلك، إحراج حكومة حزب العدالة مع الولايات المتحدة المحتلة للعراق، فقيام الجيش بعمل عسكري ضد حزب العمال الكردستاني في العراق (كردستان) سيؤثر على العلاقة الأمريكية مع حكومة حزب العدالة، وكلما ازداد توسع التدخل العسكري كلما ازدادت خلخلة العلاقة الأمريكية التركية أي يضعف حكومة حزب العدالة ويوقعها في مأزق.
6ـ لهذا قام علمانيو الإنجليز من قادة الجيش بتهيئة المسرح لذلك، فقاموا بإرسال دوريات راجلة أو بآليات خفيفة دون حماية مناسبة (كما حدث أواخر العام الماضي) ويرسلونها قرب المواقع الحدودية الساخنة القريبة من مواقع حزب العمال الكردستاني في العراق ... ما أدى إلى قتل وأسر عدد من الجنود الأتراك ... ثم بدأت أصوات الجيش الإعلامية (تضخم) ما حصل ... وأنه إهانه للجيش، وأن الواجب عمل عسكري واسع في شمال العراق لضرب قواعد حزب العمال ... والتلميح القريب من التصريح باتهام حكومة حزب العدالة بأنها لا تقيم وزناً لدماء الجنود ولا لأَسْرهم ما أوجد رأياً عاماً مؤيداً للهجوم على معاقل حزب العمال في العراق، ثم التنديد بتقاعس الحكومة.
7ـ أخذت الحكومة بالمماطلة حول الموضوع ... ثم لما زاد الصراخ حول الجنود القتلى والأسرى بالإضافة لما حدث، سواءً أكان مفتعلاً أم حقيقياً، في بعض المناطق المتفرقة ونسبتها لمقاتلي حزب العمال ... كل ذلك جعل الحكومة تتحرك، فعرضت قانوناً على البرلمان فأجازه، ونص على الموافقة على القيام بعملية عسكرية في الوقت الذي تراه الحكومة مناسباً.
وكان هذا (تنفيساً) وإن كان ليس حاسماً، لأنه لم يحدد وقتاً بل تركه للوقت الذي تراه الحكومة مناسباً.
8ـ كان علمانيو الإنجليز في الجيش يرون أن القيام بحملة عسكرية واسعة في كردستان العراق التي يحتلها الأمريكان، يرون أن هذا سيسبب للحكومة أزمة ساخنة مع أمريكا إذا وافقت على إدخال الجيش للعراق، أما إن لم توافق على إدخال الجيش للعراق حتى لا تصطدم مع أمريكا، فإن أزمة ساخنة ستحصل للحكومة أمام الرأي العام التركي لأنها لم تثأر لدماء الجنود ! وفي الحالتين كان يرى قادة الجيش الموالون للإنجليز، والذين يعدون أنفسهم حماة للكمالية الإنجليزية، كانوا يرون حدوث أزمة ساخنة لحكومة حزب العدالة في الحالتين.
9ـ غير أن زيارة أردوغان الأخيرة إلى أمريكا، وما تبعها من لقاءات سياسية في أنقرة وفي مقر القوات الأمريكية في بغداد، قد أوجد اتفاقاً بأن تأذن أمريكا للحكومة التركية بحملة عسكرية محدودة الزمان والمكان، تظهر الحكومة فيها أنها لا ترضى (الضيم)، ولا تقبل ذهاب دماء جندها هدراً! وفي الوقت نفسه تعمل على (تنفيس) نهائي لخطة قادة الجيش الموالي للإنجليز.
10ـ وهكذا بدأت الحملة في جو التأييد الأمريكي، والطالباني، والمالكي، فقط تذمرت منها حكومة البرزاني في شمال العراق، ونددت بها على استحياء أوروبا.
11ـ إن المتوقع هو ما يلي:
من طرف الجيش: أن يحاول الجيش توسيع الرقعة للاصطدام بقوات حكومة كردستان (البرزانية)، وبالتالي إعادة خلط الأمور، وتسخين مأزق الحكومة التركية مع أمريكا ... وتنشيط تدخل أوروبا في الموضوع ... وما ينتج عن ذلك من هزة عنيفة لحكومة حزب العدالة.
ومن الطرف الآخر: أن تعمل أمريكا مع حكومة حزب العدالة والأطراف المساعدة في العراق، على جعل العملية محدودة الزمان والمكان ... فتعلن أنها أدت أهدافها وتنسحب، وبالتالي تضيف حكومة حزب العدالة نقاطاً لصالحها ..
12ـ الراجح أن العوامل القاضية بمحدودية الحملة وعدم توسعها، الراجح أن هذه العوامل هي الأقوى، وهي: أمريكا، حكومة حزب العدالة، بعض الأطراف المساعدة في العراق، ثم وهو عامل رابع مهم، وأعني به الظروف القاسية، سواء أكانت الجوية من ثلوج ونحوها، ما يعيق التوسع، أم كانت الجيولوجية والتضاريس الجبلية، ما يعرض الجيش التركي لخسائر.
وواضح من هذه العوامل أنها أكثر تأثيراً في حصر الحملة في مكان محدود وزمان محدود.
ويمكن أن تسجل حكومة حزب العدالة نقاطاً لصالحها خلال هذه الحملة إلا في حالتين:
الأولى أن تفلت الأمور فيمتد القتال زماناً ومكاناً.
والثانية أن يقتل عدد لافت للنظر من الجنود الأتراك.
وفي هاتين الحالتين تحدث أزمة توقع حكومة حزب العدالة في مأزق.
لهذا السبب قلنا (الراجح) لان احتمال حدوث هاتين الحالتين يبقى احتمالاً وارداً، وإن كان مرجوحاً.
والخلاصة هي أن أمريكا عندما أذنت لتركيا بحملتها العسكرية على حزب العمال في كردستان العراق، لم تتخل بإذنها هذا، لا عن كردستان، ولا عن تركيا، بل هي أذنت حفاظاً على مصالحها في تركيا وكذلك على مصالحها في العراق وكردستان العراق.
|
|
19 من صفر الخير 1429هـ. |
|
25/02/2008م. |
|
|
|
|
|
الانتخابات الباكستانية | اعتراف أميركا باستقلال كوسوفو | جولة بوش الإفريقية
|
|
|
أولاً:ـ وفق النتائج الأولية للانتخابات الباكستانية التي نشرت أمس بعد فرز الأصوات لـ 222 من مقاعد الجمعية الوطنية البالغ عددها 272، فاز حزب الشعب الذي كانت تقوده بنازير بوتو بـ 73 مقعداً، وحزب الرابطة جناح نواز شريف بـ 63 وحزب الرابطة جناح قائد الذي يدعم مشرف بـ 29 مقعداً فقط ... وهذه صوره قريبة من الصحة عن النتائج النهائية ... وهذا كاف ليبين مدى تراجع التأييد لمشرف، فهل يعني ذلك أن نفوذ أمريكا في باكستان قد تراجع لدرجة الانحسار من باكستان في مقابل عودة النفوذ البريطاني إلى باكستان عن طريق حزب بوتو؟
للجواب على هذا السؤال لا بد من ذكر الأمور التالية:
1ـ لقد كان واضحاً أن مشرف قد فقد شعبيته تجاه المسلمين منذ رمى بنفسه في أحضان أمريكا ودعمها في الحرب على أفغانستان، وهيأ لها أجواء باكستان منطلقاً للعدوان على أفغانستان ... ثم ما قام به من مجازر في منطقة القبائل والمناطق الحدودية مع أفغانستان، ومن بعد ما قام به من مجزرة المسجد الأحمر ... وما تبع ذلك من أحداث دموية قام بها في (سوات) وغيرها..
2ـ لهذا رأت أمريكا أن لا بد من دعم مشرف بالحركات العلمانية، فعقدت صفقة مع بريطانيا وبالتالي بين مشرف وبنازير بوتو التي كانت (منفية) في بريطانيا عدد سنين، وكانت خلالها قد سارت مع بريطانيا وبالتالي أصبح تأثير بريطانيا في حزبها قوياً. وكانت الصفقة تقضي أن ترفع تهم الفساد ... التي كانت موجهة إلى بوتو وتعاد (نظيفة) إلى باكستان، ويساعد حزبها في انتخاب مشرف رئيساً للجمهورية وفق الهيئة الانتخابية البرلمانية السابقة، أي قبل الانتخابات البرلمانية الحالية، ثم تصبح بوتو رئيسة للوزراء ... أي تقاسم للسلطة: فمشرف رئيس للجمهورية، وبوتو رئيس للحكومة. ولقد اضطرت أمريكا لذلك حفاظاً على بقاء مشرف في الحكم ضماناً لمصالحها، وقبلت بأن تتنازل شيئاً ما لبريطانيا أي لبوتو، لأنها كانت تخشى أن تخسر معظم نفوذها، إن لم يكن كله، بخسارتها لمشرف نظراً للحملة الشعبية من المسلمين ضده في باكستان.
وسارت الأمور وفق الصفقة، فرجعت بوتو، وانتخب مشرف رئيساً للجمهورية، حيث تخلى حزب الشعب في البرلمان عن الوقوف ضد انتخابه ... وبدأت بوتو تجوب باكستان بحملاتها المحسوبة جيداً.
3ـ لكن بوتو لاحظت مدى كراهية الناس لمشرف، فاستغلت هذه النقطة على طريقة الانجليز، وركبت الموجة وصارت حملاتها مركزة ليس على حدود الصفقة بل لإسقاط مشرف وقد نجحت في ذلك لدرجة أقلقت أمريكا وبالتالي مشرف ... ثم اغتيلت بوتو ...، ومع ذلك زادت شعبية الحزب ولم تنقص، وكاد الحزب يستقطب، ليس مؤيديه فحسب، بل كل معارضي مشرف، ليس حباً في حزب الشعب،بل كراهية لمشرف.
4ـ وكان هذا جرس إنذار لأمريكا فخشيت أن تكتسح بوتو الانتخابات، ليس فقط بأن تفوز بالأغلبية، بل قد تصل إلى الثلثين، ما يجعل إمكانية قلع مشرف وبالتالي النفوذ الأمريكي وعودة النفوذ الانجليزي، جعل ذلك ممكناً بل ميسوراً. عندها قررت السماح لنواز شريف بالعودة إلى باكستان، واشتراك حزبه في الانتخابات، والظهور بمظهر المعارض لمشرف، وبالتالي استقطاب قسم من المعارضين لمشرف، فلا تذهب أصوات المعارضين كلها إلى حزب بوتو.
5ـ إن نواز شريف هو من عملاء أمريكا السابقين، وقد غضبت عليه أمريكا عندما لم يستطع، وهو رئيس للوزراء، منع الجيش الباكستاني من نصرة مجاهدي كشمير في احتلال مرتفعات كارغيل في أواخر القرن الماضي (1999م)، ما وجه ضربة قاصمة لحزب جاناتا الحاكم في الهند بزعامة فاجبايي الموالي لأمريكا.
لقد كسبت أمريكا ولاء فاجبايي بعد ما بذلت الوسع في ذلك، لأن حزب المؤتمر الموالي للانجليز كان يقود حكم الهند لسنين عدة، فلما وصل فاجبايي الموالي لأمريكا للحكم كانت أمريكا تدعمه عسكرياً واقتصادياً وأمنياً، آملة أن يدخل نفوذها ويستقر في الهند (أو على الأقل تشارك بريطانيا) بعد أن تفرد حزب المؤتمر عقوداً عدة بحكم الهند.
وكان احتلال مجاهدي كشمير لمرتفعات كارجيل بمساعدة الجيش الباكستاني نكسة بل نكبة لحكم فاجبايي، ... وهكذا غضـبـت أمريكا على نـواز شـريف، ثم كانت حركة مشرف الانقلابية، ثم سحب الجيش الباكستاني ومجاهدي كشمير من مرتفعات كارجيل.
وبقي نواز شريف (منفياً) من باكستان نحو ثماني سنين، وأمريكا لا تقبل عودته تأديباً له، إلى أن كان تعاظم شعبية حزب بوتو، وإخلالها بشروط الصفقة، وبالتالي توقع نيلها ثلثي الأصوات أو على الأقل الغالبية، ما يمكنها من تشكيل الحكومة وحدها وتغيير قواعد اللعبة وحدها.. عندها (رضيت) عن نواز شريف وأعادته إلى باكستان بطريقه أظهرته معارضاً لمشرف في تصريحاته المتناغمة مع بوتو، حتى إنهم أظهروه أكثر معارضة من بوتو حيث لم يرفعوا عنه قيد ترشيح شخصه، ولكنهم دعموا ترشيح حزبه!
6ـ ثم أجريت الانتخابات في هذا الجو، فتقاسم حزب بوتو وحزب نواز أصوات المعارضة لمشرف، وأظهرت النتائج الأولية أن حزب بوتو لم يحصل لا على الثلثين ولا على الأغلبية بل هو مضطر إلى حكومة ائتلافية!
7ـ مما سبق يتبين أن كفة أمريكا لا زالت هي الراجحة:
أ) فمشرف هو رئيس الجمهورية، وكان قد أدخل تعديلات دستورية أعطت الرئيس بعض الصلاحيات الفعلية على حساب صلاحية رئيس الحكومة.
ب) حزب نواز شريف ذو مقاعد مؤثرة (تقارب حزب بوتو)، ولا يمكن استبعاده من التأثير، سواء استطاع حزب بوتوتشكيل حكومة ائتلافية معه أم مع حزب الرابطة الجناح الموالي لمشرف، أم حتى مع مستقلين وأقليات أخرى ... فإن حزب بوتو في جميع الحالات سيجد نفسه محاصراً بقوى أمريكية فاعلة.
ج) ثم إن حزب بوتو هو "تجمع" حزبي وليس "تكتلاً "حزبياً ذا مبادئ ثابتة محددة، لهذا فمن السهل تغير ولاءاته، فمثلاً قد مر الحزب سابقاً في تقلب في الولاء فكان قريباً من أمريكا قبل نفي بوتو إلى بريطانيا وبقائها تلك السنين هناك حيث كسبت بريطانيا ولاءها ... ولذلك فهو حزب عرضة للتقلب.
8ـ مما سبق يتبين أن نفوذ أمريكا لازال في باكستان، وأقصى ما هنالك أن بريطانيا قد وجدت مكاناً لا بأس به في باكستان (تدس) أنفها فيه، ما يجعل شيئاً من الصراع السياسي بين أمريكا وبريطانيا يدور في الخفاء: تأثير أمريكا في حزب بوتو أو توسيع بريطانيا للمكان الذي (تدس) أنفه فيه في باكستان ...
9ـ والخلاصة أنه لا يمكن القول أن نفوذ أمريكا في باكستان قد تراجع إلى درجة الانحسار بسبب نتائج الانتخابات، وإن كانت درجة حرارة هذا النفوذ قد خفت بعض الشيء.
-------------------- |
ثانياً: أعلنت (كوسوفو) أمس استقلالها، وسارعت الولايات المتحدة للاعتراف بها. والمعروف أن أمريكا هي كانت وراء هذا الاستقلال، فهل يعني هذا أن إدارة بوش تريد بمساعدة مسلمي كوسوفو إصلاحَ موقفها من المسلمين في الشرق الأوسط بعد جرائمها في العراق وأفغانستان نتيجة عدوانها المستمر هناك؟
الجواب:
1ـ إن الولايات المتحدة لم تدعم استقلال كوسوفو من أجل الإسلام والمسلمين، بل إن هذا ليس وارداً عندها لا من قريب ولا من بعيد.
إن المسألة تتعلق بصربيا، فقد شكلت صربيا شوكة في حلق أمريكا التي تريد بسط نفوذها في البلقان، حيث إن وجود أمريكا في البلقان يمكنها من التأثير والتحكم بفاعلية في المنطقة، فالبلقان بوابة روسيا وآسيا الوسطى وكذلك بوابة ما تسميه أمريكا (أوروبا الجديدة) في البلقان وأوروبا الشرقية، وهذا التحكم يخدم مصالح أمريكا سياسياً واقتصادياً وأمنياً وحتى عسكرياً.
وقد كانت صربيا عائقاً صلباً (أو على الأقل مضايقاً) أمام هذا الأمر، ولذلك اهتمت أمريكا بإضعاف صربيا، فكانت وراء فصل الجبل الأسود عن اتحاده مع صربيا، وكانت وراء حملة الحلف الأطلسي على الجيش الصربي في كوسوفو وفي صربيا نفسها، وكانت وراء مشاريع فصل كوسوفو..
2ـ إن استقلال كوسوفو هو عملياً ليس من نوع استقلال الدول المعروف، فهو وفق قرار دولي يبقي كوسوفو تحت وصاية دولية باسم الأمم المتحدة، ولكنها فعلياً وصاية أمريكية تتحكم في رئيس كوسوفو، ورئيس وزرائها وكل حكومتها ...
3ـ أما ما أظهر الأمر وكأنه مساعدة للمسلمين وإنقاذ لهم، فهو فظاعة الجرائم الوحشية التي ارتكبتها حكومة صربيا ضد مسلمي كوسوفو، فقد ارتكبت فيها من المجازر ما جعل المسلمين في كوسوفو ينظرون إلى حلف الناتو وبخاصة أمريكا كناصر لهم، وهذا ما ظهر في الاحتفالات، فقد كانت أعلام أمريكا مرفوعة في الاحتفالات بقدر يكاد يساوي أعلام كوسوفو (المستقلة) إن لم تكن أعلام أمريكا أكثر.
والخلاصة أن أمريكا بذلت الوسع في موضوع كوسوفو إضعافاً لصربيا المحسوبة على روسيا، وذلك لتصبح البلقان بأكملها قلعة من قلاع أمريكا دونما عوائق، ولم يكن ذلك نصرة للمسلمين ولا تصحيح موقع أمريكا عند المسلمين في الشرق الأوسط، فجرائم أمريكا في بلاد المسلمين في تصاعد مستمر.
إن نصرة المسلمين وإنقاذهم من جرائم الكفار، سواء أكان المجرمون أمريكيين، أم بريطانيين، أم يهوداً، أم روساً أم صرباً أم هندوساً ... في أفغانستان، والعراق، وفي فلسطين، والشيشان وكوسوفو والبوسنة والهرسك، وكشمير ... لا يقوم به الكفار، فالكفر ملة واحدة، وإنما يقوم بالنصرة والإنقاذ المسلمون الصادقون المجاهدون بقيادة خليفتهم، في دولة الخلافة الراشدة.
وإنه لمما يحز في النفس أن الجرائم الوحشية ترتكب في بلاد المسلمين، ولا يجدون لهم حاكماً مسلماً صادقاً ينصرهم، لدرجة أن بلغ بهم الهوان أن يلتمسوا إنقاذهم من الكفار!
--------------------
|
ثالثاً: يقوم بوش بزيارة إلى خمس دول في أفريقيا بنين، وراواندا، وتنزانيا، وغانا، فهل يعني ذلك أن أمريكا تشن حملة سياسية (ساخنة) ضد أوروبا في أفريقيا من خلال هذه الزيارات؟
الجواب: إن الأمر ليس كذلك، حيث إن الدول الخمس التي زارها بوش هي من أتباع الولايات المتحدة دونما منازع أوروبي، فهو لم يجعل في جدول زيارته دولاً محسوبة على فرنسا أو بريطانيا، ليس هذا فحسب، بل هو لم يجعل في جدول زياراته دولاً متنازعاً عليها بين أمريكا وأوروبا مثل تشاد أو كينيا ... وحيث إنه اقتصر في زياراته على الدول التابعة لأمريكا تبعية مستقرة، فهذا يعني أن زيارته تلك ليست حملة سياسية ضد أوروبا لا ساخنة ولا باردة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في سنة الانتخابات يكون (مقصقص) الأجنحة من حيث فاعلية السياسة الخارجية، فهم يصفونه بالبطة العرجاء، هذا في حالة الرئيس الناجح، فكيف لرئيس مثل بوش؟ فهو بطة (كسحاء)!
إن الراجح في زيارات بوش هذه أنها لأغراض انتخابية لدعم الحزب الجمهوري في الانتخابات، فان حملة الحزب الديمقراطي تركز على فشل سياسة الحزب الجمهوري الخارجية، ولذلك فإن بوش يتقصد زيارة الدول التي له فيها (احترام) لإبراز الوجه (غير القبيح) في السياسة الخارجية. فهو يزور دولاً خمساً في أفريقيا التي لأمريكا (تأييد) فيها، تماماً كما زار فلسطين المحتلة وسلطة عباس، ودول الخليج ... لأغراض انتخابية.
ومثل هذه الزيارات عادة لا تكون لإقرار مشاريع أو حلول، بقدر ما هي لإبراز حرارة الاستقبال، والبساط الأحمر المفروش له ...
|
|
14 صفر الخير 1429هـ |
|
20/02/2008م |
|
|
|
|
|
الكفاح السياسي والصراع الفكري
|
|
|
جاء في نشرة التحريك السياسي الصادرة من الحزب أن الكفاح السياسي هو أسلوب وليس طريقة. فإذا كان الأمر كذلك، أي (الكفاح السياسي، الصراع الفكري) هو أسلوب وليس طريقة، فهل يعني هذا أن مرحلة التفاعل هي التي من الطريقة، وأن ما يجري خلالها من أعمال سياسية وفكرية هي أساليب ؟ علماً بأن هناك آيات في القرآن الكريم واضح فيها الكفاح السياسي والصراع الفكري مع رؤوس الكفر في قريش ؟
الجواب:
نعم، إن التفاعل هو من الطريقة.
ومن الجدير ذكره أن العمل السياسي والفكري هما كذلك من الطريقة، فمرحلة التفاعل تقتضي ذلك، ولا تتم بدونه، بل هي ليست تفاعلاً دون العمل السياسي والفكري.
وأما (الكفاح) السياسي و(الصراع) الفكري، فهما تحد صارخ بالعمل السياسي والفكري. وهذا التحدي هو أسلوب، فقد يلزم هنا ولا يلزم هناك.
وحتى أقرّب المسألة فإن توزيع نشرة قد يكون بأسلوب كفاحي فتوزع علناً في تحدٍ صارخ ... وقد تكون توزيعاً عادياً ...
فالصراع والكفاح لهما مدلول فيه التحدي الصارخ مع ملحقات هذا التحدي ... وهذه أساليب.
أما ما ذكر في القرآن الكريم فهو حالات محدودة كانت موجهة لرؤوس الكفر بسبب أمور زائدة في السوء عن مجرد الكفر، فهم كانوا يحاربون الإسلام والمسلمين بشدة رغم الأدلة الناطقة بالحق ... فذكرت مهاجمتهم الساخنة القوية في تلك الآيات الكريمة ... ومع ذلك فلو أحصيتهم لوجدتهم أعداداً محدودة مع أن الكفار كانوا كثيرين.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعمل أساليب تختلف في القوة تجاه الكفار، فمثلاً لما ذهب إليه صلى الله عليه وسلم أحد رؤساء قريش (كأنه عتبة)، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عرض عليه الإسلام بالحجة المقنعة والحكمة البالغة بأسلوب هادئ مؤثر ... حتى عاد الرجل إلى قريش بهيئة غير التي ذهب فيها كما وصفه رؤساء قريش الذين أرسلوه، وبخاصة وقد مدح أمامهم الكلام الذي سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم ...
في حين أن أحد رؤساء قريش (كأنه وائل) لقي الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رأس الكفر ذاك يحمل في يده رميم عظام، فأبرزه للرسول صلى الله عليه وسلم وسأله: هل ربك يستطيع أن يعيد هذا إلى الحياة ؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم ويبعثه حياً، ثم أضاف الرسول صلى الله عليه وسلم: ويدخلك جهنم ... فهنا لم يجبه الرسول صلى الله عليه وسلم عن سؤاله فحسب بل أضاف إليه تعنيفاً ...
وهكذا فإن الأسلوب يشتد قوة أو يخف قوة وفق ما يناسب الجهة المقابلة.
ولأوضّح الصورة أكثر:
اقرأ هذه الآية {اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري. اذهبا إلى فرعون إنه طغى. فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} فواضح في هذه الآية أن المطلوب هو النقاش الفكري الهادئ اللين.
والآن اقرأ هذه الآية الكريمة في الموضوع نفسه، وكذلك هي بين موسى وفرعون أيضاً، لكن في موقف آخر، فبعد أن عرضت على فرعون البَيِنات والدلائل ... ومع ذلك بقي مستكبراً متمادياً في الطغيان ... عندها لم يكن قول موسى عليه السلام له ليناً، بل عنيفاً بأن وصفه (مثبوراً) أي هالكاً ملعوناً ...
وهذه هي الآية الكريمة {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا. قال لقد علمت ما أنزل هاؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً}
فالنقاش اللين كان في البداية لعرض الأدلة والبينات، ولكن بعد أن قدمت البينات والأدلة القاطعة بصائر، ومع ذلك استمر الاستكبار والطغيان،عندها كان النقاش العنيف ...
آمل أن أكون قد وضحت الصورة تماماً.
ولذلك تجدنا نقول في كتبنا عن الأعمال السياسية في مرحلة التفاعل: (... يبرز في هذه الأعمال السياسية الصراع الفكري والكفاح السياسي ...).
فالصراع والكفاح يبرزان في هذه المرحلة بسبب الصدام مع رؤوس الكفر عادةً فيناسبهم هذا الأسلوب. ولكن مع كفار آخرين، أو في وقت آخر، قد يلزم العمل السياسي والفكري بأسلوب آخر.
وأكرر إن العمل السياسي والفكري من الطريقة، حيث مرحلة التفاعل تقتضيهما ولابد، فقط تصعيد العمل السياسي والفكري، أي الكفاح والصراح، هو الأسلوب، ويستعمل في الزمان والمكان المناسبين.
|
|
14 صفر الخير 1429هـ |
|
20/02/2008م |
|
|
|
|
|
جـواب سـؤال: إعطاء الزكاة لذوي الحاجات غير الأساسية
|
|
|
السؤال: ورد في كتبنا أن الفقير هو من لا مال عنده يكفي حاجاته الأساسية (مطعمه وملبسه ومسكنه)، ومن كان كذلك فإنه يعطى من الزكاة. غير أن هناك حاجاتٍ أخرى تقرب من الأساسية، وكانت الدولة الإسلامية تسدها لذوي الحاجات هذه من بيت مال المسلمين مثل (طلبة العلم، الإعانة للزواج، توفير العلاج). ولكن في أيامنا هذه لا توجد الدولة الإسلامية التي تسد هذه الحاجات، والسؤال هو:
هل يمكن سدها من الزكاة من باب:
1 - عدم وجود الدولة الإسلامية لسد هذه الحاجات
2 - هناك أقوال لبعض الفقهاء يجيزون ذلك بشروط معينة
3 - إنها حاجات ليست كماليةً بل هي أقرب للحاجات الأساسية
ثم هل لو اتبعنا رأي فقيه يقول بإعطاء الزكاة لسد هذه الحاجات، هل نكون خالفنا المتبنى؟
الجواب: نحن عندما عرَّفنا الفقير الذي يعطى من الزكاة بأنه هو من لا مال عنده لسد الحاجات الأساسية، قد قلنا ذلك بناءً على أدلة وأوردناها في النظام الاقتصادي ص213 سطر 4 - 13 حيث قلنا: (وقد اعتبر الإسلام الفقر اعتباراً واحداً للإنسان في أي بلد وفي أي جيل. فالفقر في نظر الإسلام هو عدم إشباع الحاجات الأساسية إشباعاً كاملاً. وقد حدد الشرع هذه الحاجات الأساسية بثلاثة أشياء هي: المأكل، والملبس، والمسكن. قال تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } وقال: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ } روى ابن ماجه عن أبي الأحوص قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» مما يدل على أن الحاجات الأساسية، التي يعتبر عدم إشباعها فقراً، هي: الطعام، والكسوة، والمسكن.)
وكذلك في الأموال ص197 سطر 10 - 13 حيث قلنا (الفقراء: وهم الذين لا يأتيهم مالٌ يكفيهم، لسد حاجاتهم الأساسية التي هي المأكل، والملبس، والمسكن. فمن يدخل عليه أقلُّ مما يحتاجه، لسد حاجاته الأساسية، اعتبر فقيراً، تحل عليه الصدقة، وله أن يأخذ منها،)
وهذا هو الراجح لدينا في | | |