الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
أمس كانت ذكرى الإسراء والمعراج، فاحتفل المسلمون، وخطب الخطباء، وتحدث المتحدثون، وأظهروا شوقهم إلى الأقصى والصلاةِ فيه، ثم أنشد المنشدون مدائح وأناشيد، وبكى من بكى وحزن من حزن ... لكنَّ هؤلاء المتحدثين وأولئك الخطباءَ والمنشدين لم يذكروا مَنْ حَفِظَ الأقصى وفلسطين، حتى إذا ذهب ذهبت فلسطين والأقصى، لم يذكروا الخلافة حافظةَ الدين والدنيا، لم يذكروا الخليفة الذي يُقاتَل مِنْ ورائه ويُتَّقى به، أليس هذا غريباً عجيباً؟!
نتكلم عن فلسطينَ وعن الأقصى، وعن المعراجِ وأرضِ المسرى، البلدِ الطيب المبارك، ولا نذكر الخلافة التي فتحتْهُ، والخلافةَ التي أنقذتْه، والخلافة التي حفظتْه .. لم يذكر الخطباءُ كيف تُعاد الأرض المباركة، ونفرٌ من أهلها ينادي بالفم الملآن بتقاسمها مع يهود، لم يذكر الخطباء كيف تُحفظ بيضةُ الإسلام، وكيف تُصان الأعراض والحرمات، وكيف يُمنع تمزُّق المسلمين، وكيف يُقضى على نفوذ الكفار المستعمرين في بلاد المسلمين، أليس هذا غريباً عجيباً؟!
يذكر الخطباء ما وسعهم من قولٍ منمق جميل في المسرى والمعراج ولا يذكرون كيف يعيدون بلد المسرى إلى ديار الإسلام؟! ألا تحتاج الخلافةُ التي فتحته وأنقذته وحفظته، ثم عندما ذهبت ذهب، ألا تحتاج كلمةً من هؤلاء وأولئك؟ أليس هذا غريباً عجيباً؟
أيها المسلمون
نحن اليوم في الذكرى الخامسة والثمانين لِتَمَكُّنِ الكفار المستعمرين بالتعاونِ مع خونة المسلمين من العرب والترك، من القضاء على الخلافة في إستانبول، في الثامن والعشرين من رجب سنة ألفٍ وثلاثِمائة واثنتين وأربعين للهجرة الموافق للثالث من آذار سنة ألفٍ وتسعِمائة وأربعٍ وعشرين للميلاد، والحال هي الحال، تتداعى علينا الأمم كتداعي الأكلة إلى قصعتها، ونحن فوق المليار ولكننا غثاء كغثاء السيل!
بالأمس وجهنا لكم نداءً لِتَغُذُّوا السير معنا لنقيمَ الخلافة من جديد، وَجَّهْنا لكم نداءً يدعوكم إلى عز الدنيا وعز الآخرة. وجهنا لكم نداءً يدعوكم إلى اتباع السبيل القويم والصراط المستقيم. ناديناكم أن تَجِدُّوا معنا وتجتهدوا، فلا يهدأَ لكم بال حتى تُرفع رايةُ العُقاب، رايةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتخفق في الأعالي إلى عنان السماء، فتعودوا خير أمة أخرجت للناس.
فماذا وكيف أجبتم؟
فريق منكم أجاب واستجاب، وسار مع الركب من خلاله أو من ورائه، فصاحَبَنا المسير والمصير إلى حيث نقيم الخلافة بإذن الله من جديد، ونرفع الراية بإذن العزيز الحميد، فبارك الله في ذلك الفريق وجزاه الله خيراً.
لكنَّ هناك من قال وقال على أثر النداء وبعد النداء:
هناك من قال: غرَّ هؤلاء دينُهم، حزب التحرير مغرور بنفسه، إنه يحلم بإقامة الخلافة، وهي هذه الأيام مستحيلة! ونقول هل حزب التحرير يحلم وهو يتلو وعد الله بالاستخلاف لمن آمن وعمل صالحاً {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور 55]؟
هل حزب التحرير يحلم وهو يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعودة الخلافة من جديد: « ... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة»؟
ثم هل تكون الخلافةُ مستحيلةً في بلاد المسلمين؟ أيكون الحكم بالإسلام مستحيلاً في بلاد الإسلام؟ ولا يكون الحكم بغير الإسلام في بلاد الإسلام مستحيلاً بل أمراً واقعاً؟! ما لكم كيف تحكمون؟!
وقيل إن حزب التحرير لا بضاعةَ له إلا الخلافة، حيث حلَّ أو ارتحل لا ينطق إلا بالخلافة، لا يعرف غيرها، ولا إلْفَ له غيرُها ... هكذا!
نعم إن الخلافة هي البضاعةُ والصناعة، هي العزُّ والمنعة، هي حافظةُ الدين والدنيا، هي الأصلُ والفصل، بها تقام الأحكام، وتحدُّ الحدود، وتفتح الفتوح وترفع الرؤوس بالحق. هي التي شَرَع المسلمون بها قبل أن يشرعوا بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفنه صلوات الله وسلامه عليه، على أهمية ذلك وعظمته، وكل ذلك لعظم الخلافة وأهميتِها حيث رأى كبارُ الصحابة أن الاشتغال بها أولى من ذلك الفرض الكبير: تجهيز الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
نعم الخلافةُ هي البضاعةُ والصناعة، هي التي تقضي على دولة يهود وتعيد فلسطين كاملة إلى ديار الإسلام، هي التي تقضي على سلطان الهندوس في كشمير، وحكم الروس في الشيشان وكل القفقاس وتتارستان، هي التي تعيد القرم إلى أصلها، وكلَّ بلاد الإسلام إلى أصلها وفصلها. هي التي تحرر البلاد والعباد من نفوذ الكفر وعملائه، وبطش زبانيته وأزلامه. هي التي تمنع تمزُّق العراق والسودان، وتعيد اللحمة إلى الصومال، وتزيل الحدود والسدود التي رسمها الكفار المستعمرون من أطراف المحيط الهادي حيث إندونيسيا وماليزيا إلى شواطئ الأطلسي حيث المغرب والأندلس. إنها التي تنشر العدل والخير، وتُعز الإسلام والمسلمين، وتقطع دابر الظلم والشر، وتُذل الكفر والكافرين.
ويقول القائل أو تفعلُ الخلافة كلَّ هذا؟ أتصنع النصر وتدفع الهزيمة؟ ونقول نعم، يقول بهذا ربنا سبحانه وتعالى {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد 7]، ونصرُ اللهِ الحق لا يكون إلا بإقامة دولة الإسلام التي تقيم أحكامَه، فإذا أقيمت نصرها الله سبحانه، ورسختْ وعزّتْ، فاحترمها أصدقاؤها وهابها أعداؤها. ويقول بهذا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإمام جُنَّة يُقاتل من ورائه ويُتقى به» فالخليفةُ والخلافة جُنة، أي وقاية، ومن كانت له وقاية، فهو بإذن الله منصور في النهاية، لا تضيع حقوقه، ولا بلاده، ولا يجرؤ أن يقتربَ منه أعداؤه. وينطق بهذا تاريخ الخـلافة، فأين بيزنطة وصولجانها؟ وأين المدائن والأكاسرة؟ ثم من مدَّ الصوت بالتكبير في تلك البقاع الممتدة على طول الأرض وعرضها من المحيط إلى المحيط لولا دولة الإسلام وجند الإسلام وعدل الإسلام؟ ولو علمت الخـلافةُ أرضاً وراء المحيطين شرقاً وغرباً لخاضت عُبابَهما تدعو إلى الله الرحمن الرحيم العزيز الحكيم.
أيها المسلمون
تلك أقوال، واضح من مدلولها، أنَّ نداءنا لم يؤثر في نفر من الناس، لأن أولئك لا زالوا يظنون أن الخـلافة أمرُها بعيد حتى الاستحالة، ومثل أولئك لا ينفعهم مزيد مخاطبة أو نداء، فهم قد غشيهم ما غشيهم.
ثم هناك أقوال أخرى على أثر النداء، قالها أصحابها على استحياء، كأنهم يقررون عجزهم أو تقصيرَهم عن اللحاق بالرَّكب:
فمن القوم من ابتسم للنداء، ثم مضى،
ومنهم من غاص في أعماق اللغة فأخرج من روائعها مدحاً للنداء، ثم مضى،
ومنهم من قال قلوبنا معكم، وإذا أقيمت الخـلافة ستجدوننا معكم شاهدين لكم بالحق ثم مضى،
وكل هؤلاء أجابوا النداء بالقول دون الفعل، وهو قول لا يسمن ولا يغني من جوع، فهو كمن يرسم صورةَ رغيفٍ لرجل جائع!
|