في مقابلة لبرويز مشرف أمس مع إحدى المحطات الفضائية الخاصة، أقر بدور أمريكا في المباحثات مع بنازير بوتو في عقد صفقة مع حزب الشعب الباكستاني. كما تحدث عن مصالحة سياسية مع أحزاب المعارضة ومن ضمنهم نواز شريف، كي يشكل تحالف لمحاربة ما سماه بالإرهاب والتطرف. مؤكدا أن الإرهاب والتطرف هما أكبر مشكلة تواجه باكستان، واعتبر القضاء عليهما من صميم المصالح الباكستانية.
إنه نفس (مشرف) الذي انقضّ على السلطة قبل ثمانية أعوام واصفا سياسة نواز شريف بالشر والفساد. حتى إنه عدّل الدستور كي يمنع منافسيه من البقاء في منصب رئيس الوزراء لأكثر من دورتين. ولكن الآن تناقلت وسائل الإعلام عن الحكومة أنها تعلن عن مصالحة وطنية لقبولها عودة بنازير بوتو، بمنحها حصانة ضد أي مساءلة في تهم الفساد المنسوبة إليها.
والسؤال المطروح الآن هو لماذا أجبر مشرف على لعق لعابه الآن؟ والجواب بسيط. وهو أن مشرف وأمريكا أصبحا ضعيفين في الباكستان. فالعمليات العسكرية في وزيرستان، والانقلاب على قضية كشمير والجهاد، وسجن العالم الذري عبد القدير خان، وعملية المسجد الأحمر في إسلام أباد، وتدخيل الثقافة الغربية في مناهج التعليم، كل ذلك أغضب الشارع العام. فأصبحت الناس تكره مشرف بالقدر الذي تكره أمريكا وتراه أضحوكة موالية لأمريكا . وزيادة على ذلك فإن الناس في الباكستان رفضت تعريف أمريكا للإرهاب والجهاد. وفي نفس الوقت عجزت الحكومة عن أخذ تأييد الناس لها في الحرب على ما يسمى بالإرهاب. كما أن التحالف الحكومي الحالي (التحالف الإسلامي الباكستاني) أثبت عدم قدرته على علمنة البلاد والحرب على الإرهاب عن طريق القوة أو السياسة. والسبب هو أن من أعضاء هذا التحالف محافظين ولا يكرهون الإسلام. فهم في العلن يعلنون -شفهيا- تأييدهم لمشرف ولكن في الحقيقة لا يرضون إيجاد رأي عام لأمريكا في حربها ضد الإسلام.
فتحت هذا الظرف اضطرت أمريكا إلى البحث عن شريك يلعن العلمانية وله امتداد شعبي معادل للإسلاميين في المجتمع. ولم يكن أمامها إلا الخيار الوحيد وهو (حزب الشعب الباكستاني ) بزعامة بنازير بوتو. وجدير بالإشارة هنا إلى أن تمركز الناخبين لحزب الشعب الباكستاني يكمن في المناطق الريفية في مناطق البنجاب والسند، حيث الفلاحين الفقراء الذين لا يفرق بينهم وبين العبيد للإقطاعيين الذين يعملون عندهم. أما باقي مؤيديهم في الحضر فهم لا يتعدون الشريحة الرقيقة من المهمّشين في المجتمع الباكستاني. وهذا الذي يطمئن بنازير بوتو، من أنها لن تخسر أصوات ناخبيها حتى لو أعلنت بصراحة أجندتها الغربية المعادية للإسلام. وهذا الذي جعل مشرف يتردد في لقائه مع المحطة الفضائية حيث أكد على أن تقاسم السلطة مع بنازير بوتو هو احتمال وارد. ولكن الجانب السّيّء لأمريكا في هذا الخيار هو علاقة بنازير بوتو مع الإنجليز ، إذ إن تقاسم السلطة معها يعني السماح للإنجليز بالتدخل في رسم الخارطة السياسية لباكستان. فالذي يبدو أن الاتفاق بينهما قد حصل بالفعل وأن المسألة مسألة وقت حتى تعود بنازير بوتو وتتقاسم السلطة. ويبدو أيضا أن أمريكا مرتاحة لهذا الاتفاق إذ إنها تستطيع من خلاله إبقاء سيطرتها على الباكستان بمساعدة الجيش لها، كما فعلت في السابق، حتى بعد أن قبل مشرف التخلي عن بزته العسكرية تحت ضغط الاتفاق الأنجلو- أمريكي. وهذا ما أشار إليه مشرف في لقائه حيث قال” إنه لا يوجد أدنى خلاف في الرأي والتفكير بينه وبين قائد الجيش الذي سيليه”. أي أنه سيكون مواليا لأمريكا كما حال مشرف.
في خضم هذه الأحداث السياسية الحالية فإن الشعب الباكستاني هو الذي يتحمل أعباء حقيقة الأعمال الديمقراطية، والتي يحرّف فيها القانون كي يخدم الأهداف الاستعمارية. فإن الناس قد سئمت من القيادة الدكتاتورية وسئمت الأحزاب الديمقراطية وهي غير مستعدة للخروج إلى الشارع لمساندة أي منهما. فحادثة ترحيل نواز شريف الأخيرة أثبتت للناس عجز جميع أحزاب المعارضة.
الإسلام هو الوحيد القادر على حشد الشارع الباكستاني وهذا ما شاهدناه في أحداث الطعن في القرآن، والحرب ضد العراق وأفغانستان. إن الناس في الباكستان متلهفون للعودة للإسلام، والأمر يعود لحملة الدعوة في استغلال هذا الظرف، بزيادة أعمالهم في هذا الشهر المبارك، كي يرى الناس البديل الحقيقي الذي يبحثون عنه بوضوح. إن عامل الوقت ليس في صالح أمريكا وهي تعمل على تغيير طبيعة المجتمع بشكل متسارع قبل فوات الأوان. ولكن هيهات هيهات فإن أية ضربة للإسلام تقوّي المسلمين وتكرِّههم في أمريكا وحضارتها وترد المسلمين إلى الإسلام ووحدتهم. وهذا هو سلاح أمريكا ذو الحدين والذي يصعب عليها استخدامه لخدمة مصالحها.
|