الخبر:
حققت المقاومة في لبنان انتصارات على (اسرائيل) في جنوب لبنان, حيث أجبرتها على الإنسحاب من جنوب لبنان (ما عدا مزارع شبعا) في 25 أيار 2000, وكذلك في حرب تموز 2006 حيث تم صد الإعتداء (الاسرائيلي) وإيقاع خسائر كبيرة به وبهيبته, وكذلك من خلال المفاوضات غير المباشرة وإطلاق الاسرى اللبنانيين من سجون اسرائييل, إضافةً إلى غيرهم. ويستعد اليوم حزب الله وحلفاؤه لاحتفالات كبيرة بهذه المناسبة. وفي هذه الاثناء أُعلن عن مفاوضات سورية (إسرائيلية) سرية غير مباشرة وأعلن عن قرب مرحلة المفاوضات المباشرة.
التعليق:
طُعْم نصر على مصيدة الهزيمة
لا يسع مسلماً على وجه الأرض إلا أن يفرح بالنصر على (إسرائيل) وبهزيمتها, كما لا يسعه إلا أن يدعو للمجاهدين في شتى أصقاع الأرض بالخير والتوفيق, وأن يبارك لهم بتضحياتهم ويسأل الله تعالى أن يجعلها حلقات في سلسلة المشروع الاسلامي الكبير؛ إعلاء كلمة الله ووحدة الأمة وقطع يد كل عابث في بلاد المسلمين.
كما لا يسع مهتماً بأمته الإسلامية إلا أن يتفحص واقعها وحركتها ووجهة سيرها, وما يُخطّط لها, ليأخذ من ذلك العِبر فيستفيد من كل صواب أصابه ومن كل خطأ أخطأه.
وإن من أهم ما يستفاد من العِبر هو أن هذا الكيان (الاسرائيلي) المصطنع هو كيان هشٌّ ضعيف, رغم كل ما يقال عن ترسانة أسلحته، وما يزعم عن تفوقه العسكري. وهذا ما يؤكد الحقيقة: أنه ما كان لينشأ ويستمر, وتكون له هذه الغطرسة والإجرام لولا تواطؤ الأنظمة المحيطة به وخيانتها, ولولا تآمرها على شعوبها. وأنه لا سببيل إلى إزالة هذا الكيان إلاّ بإزالة هذه الأنظمة.
ومما يستفاد من العبر الهامة هو الطاقات والقدرات الهائلة الموجودة في الأمة, والقادرة على تحقيق انتصارات وانجازات تتجاوز كل توقع, عندما تنطلق بناء على عقيدتها, عقيدة الإيمان والالتزام بكل مقتضياته. فإذا كان جزء صغير من الأمة بإمكانات مادية ضئيلة مقارنة بما تملكه (اسرائيل), يستطيع أن يوقع بها هذه الهزائم, فكيف بمحيطها كله من عشرات الملايين الذين يتوقون للقضاء على هذا الكيان المسخ, كيف لو كسرت الأمة القيود التي تكبلها, فجرفت حكامها, وحررت نفسها وطاقاتها من قيود اعدائها, ووضعت طاقاتها وثرواتها في معركة القضاء على (اسرائيل).
إنه من أهم العِبر أن طاقات الأمة هائلة وأنه لا سبيل الى نهضة الأمة وتحقيق أهدافها ومنها إزالة (اسرائيل) إلاّ بتحريرنفسها من حكامها الخونة.
ومن نافلة القول أن هذه الانتصارات تمت بدعم سوري واضح, وهذا ينبغي أن يثير تساؤلات عند غير العارفين:كيف يقوم مثل هذا النظام الحاقد على الإسلام وأمته, وصاحب المجازر المتتالية في المسلمين, وصاحب المؤامرات والمفاوضات الخيانية السرية التي باتت علنية, والمتبجج بكل وقاحة بتعاونه مع أمريكا في الحرب على الإسلام الذي يسمونه إرهاباً, وبتقديمه خدمات هامة لأمريكا في هذه الحرب, كيف يقوم مثل هذا النظام بدعم المقاومة ضد (اسرائيل)!
وهو ما ينبغي أن ينبه إلى عِبرة أخرى نستفيدها من الاخطاء الخطرة, التي حذرنا منها الله تعالى بقوله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}.
إن الركون الى الظالمين, أعداء الله ورسوله (كالنظام السوري على سبيل المثال), ودعم هذا النظام للمجاهدين, ليس إلاّ استغلالاً منه لهم, فيتخذهم ادوات له يحقق بهم غاياته الخيانية التي هي في الأصل جزء من المشروع الاستعماري, فإذا ما استنفذ اغراضه منهم, ألقاهم لمصير أسود غير مأسوف عليهم, فلا يجدوا ولياً ولا نصيرا.
وبنظرة موضوعية نجد أن الاندحار (الاسرائيلي) في 25 أيار 2000 ليس الاّ تنفيذاً للقرار الدولي 425, وأن الخطاب السياسي, حتى من المقاومة نفسها, لا يستند الى مفهوم إسلامي حول وجود (اسرائيل) ووجوب قتالها وإزالتها, وإنما يستند إلى أن (اسرائيل) ما زالت تحتل مزارع شبعا (فقط) باعتبارها أرضاً لبنانية!
ولو أنعمنا النظر نجد أن من نتائج حرب تموز 2006, القرار الدولي1701, وقوات دولية (يونيفيل), تشكل حماية دولية للحدود (الاسرائيلية), وهذه هزيمة واضحة للأمة, بل إن المقاومة نفسها صارت حامية لحدود (اسرائيل), وبذلك صارت تؤدي الوظيفة المرسومة لها دولياً. وكل من يريد أن يلقي حجراً على شمال (اسرائيل), فإن (اسرائيل) هي آخر من يضطر لمواجهته بعد القوات الدولية التي هي أيضاً لا يلزمها هذا الدور إلاّ بعد المقاومة.
وكذلك الاحتفالات باطلاق الاسرى, وتعظيمها وكأننا أزلنا (اسرائيل) من الوجود, وقطعنا يد الاستعمار في المنطقة, تُستثمر كحلقة من حلقات الحل الاستعماري, فتأتي مترافقة مع التقدم السريع في المفاوضات السورية (الاسرائيلية). فكأن نشوة النصر والاحتفال به هي نشوة سكر ينسى معها الناس حقيقة القضية, و عِظَم الخيانة, وحجم الهزيمة. هزيمة الاعتراف بالواقع الفاسد, بل حمايته والدفاع عنه, و اعتبار ذلك نصراً.
إن تاريخ الامة في القرن الفائت مليء بمثل هذه الانتصارات التي لا يراد منها إلا ان تكون طُعماً على مصيدة هزائم, كل واحدة منها تجر خلفها هزيمة اكبر منها, ومن هذه الهزائم أن تصبح الهزيمة نصراً, وان يصبح الترويج لها حكمة لا يرفضها إلاّ حالم, ويصبح اليأس والخنوع واقعية ومنطقاً لا يرفضه إلاّ الخياليون!
فهل نستفيد هذه العِبرة, فنستفيق في غمرة صخب الاحتفال بابتلاع الطعم, و في غمرة ضجيج الإعلام الذي يضيع معه صراخ الاستغاثة من ألم المصيدة, وفي غمرة جفاف العروق من ضخ دمائنا وليس فقط بترولنا, وقوداً لمشاريع أعدائنا.
هل نأخذ العبرة من نتائج الركون إلى الظالمين, فنستفيق ولا نجعل نشوة السكر والانقياد للأعداء, نشوةَ نصر وحكمةَ قيادة؟
محمود عبدالكريم
|