الخبر: بعد مرور أكثر من شهر على تكليف رئيس لحكومة جديدة أُعلن اليوم، وبعد مخاض عسير مخضب بالدماء، تشكيل الحكومة.
التعليق: هل يوجد بعدُ من يصدق أن لبنان دولة؟!
انتهت مدة رئيس الجمهورية السابق السنة الماضية، وبقيت سدة الرئاسة فارغة شهوراً طويلة. ومن قبلُ كان الوزراء الشيعة انسحبوا من الحكومة وأعلنت المعارضة التي تقود نصف لبنان أن الحكومة غير شرعية، وأنه لا وجود بالتالي لأي سلطة تنفيذية في لبنان. بعد اتفاق الدوحة، انتُخب رئيس جديد للجمهورية، ما استدعى وفق الدستور استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، وبعد مضي أكثر من شهر على المخاض العسير أعلن رئيس الحكومة التشكيلة الحكومية. ومنذ انتخاب الرئيس الجديد والحكومة المستقيلة تصرّف الأعمال، أي لا تملك اتخاذ أي قرار سياسي ذي أهمية. والحكومة التي شكلت اليوم ستكون أمام استحقاق البيان الوزاري الذي على أساسه تنال الثقة، وسيكون هذا البيان مدار معركة سياسية جديدة. وريثما تنال الحكومة الجديدة الثقة تكون هي بدورها أيضاً حكومة تصريف أعمال. وإن قدِّر لهذه الحكومة أن تنال الثقة فإنها ستكون ميدان حرب سياسية بين أعضائها، لأنها حكومة ائتلافية، يسمّونها سُخفاً حكومةَ وحدة وطنية. وسيكون أمام هذه الحكومة في الأشهر القليلة المفترضة لعمرها إنجاز قانون الانتخابات النيابية، ومن ثَمَّ إجراء هذه الانتخابات التي ستفتح معارك قَبَلية جديدة في هذا البلد المسكين، ويا ويل أهل هذا البلد من معركة الانتخابات التي لا يعلم إلا الله تعالى ما ستجلبه على البلاد والعباد. وإن قدِّر لهذه الانتخابات أن تُنجَز فسيكون البلد من جديد أمام دوامة جديدة من استقالة الحكومة وتكليف رئيس جديد لحكومة جديدة وبيان وزاري وجلسة ثقة... وبين كل انتخاب واستقالة وتكليف وتشكيل وبيان وزاري وجلسة ثقة وكل استحقاق ومحطة دستورية يتقلب أهل لبنان على نار الفتن والاقتتال ومعارك الشوارع والزواريب والشتائم المتبادلة على الهواء وإثارة الضغائن والأحقاد والعصبيات... فهل هذه دولة؟!
إن السلطة السياسية في أعراف جميع العقلاء إنما وظيفتها رعاية شؤون الناس، بحيث تقوم على تنفيذ القوانين والأنظمة التي ارتضتها الجماعة السياسية، أي المجتمع الذي أقام تلك الدولة؛ إذ لولا السلطة السياسية لتحوّل المجتمع إلى فوضى وإلى شريعة الغاب، ولكانت شؤون الناس فوضى بدل الانتظام. وبالتالي، فإن نجاح الدولة يقاس بمدى نجاحها في رعاية شؤون الناس وتنظيم المجتمع وفق أعرافه وقناعاته ومقاييسه. فإن تحولت السلطة إلى مصدر للتوتر والفوضى والانقسام وإلى ميدان للصراع بين التيارات والقوى المسماة سياسية، فكيف يمكنها ادعاء الشرعية؟! وما مسوّغ وجودها؟!
المشكلة في لبنان معقدة. فما من مجتمع ترتكز عليه الدولة، وبالتالي لا وجود لوَلاء جامع للناس حول هذه الدولة.
وأجهزة الدولة في لبنان، تنفيذية كانت أم تشريعية أم قضائية، إنما هي مزرعة تتنافس القبائل التي يسمونها طوائف على الاستهام عليها والتنازع على الحصص فيها، من مناصب ومراكز ووظائف وأموال. فالدولة في لبنان في أحسن أحوالها شاهد زور على المحاصصة بين زعماء القبائل اللبنانية، وفي أسوأ أحوالها ميدان للصراع بينهم. ولكنها في جميع أحوالها صندوق بريد للقوى الإقليمية والدولية، فيه تودَع الرسائل المكتوبة بالدم والبارود، وفيه تُفتح وتُقرأ. فهل هذه دولة؟!
ولا يفوتنا أن نذكّر أن ما يجري في لبنان من تعثُّر في أجهزة الدولة والقرار السياسي فيه، إن كان فيه قرار سياسي، ليدل دلالة واضحة على فساد النظام الوزاري المعمول به فيه، كما في كثير من الدول، إذ يتوزع القرار السياسي بين رئيس الجمهورية والحكومة ورئيسها والوزراء ومجلس النواب، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الشلل في الحكم. ومن ترك أمرا من أمور الشرع أحوجه الله إليه.
إذا كانت الدولة جُنَّة يُتقى بها ويقاتَل من ورائها كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم فنعمت الدولة، وأما إن كانت غنيمة يتصارع عليها القراصنة وتداس فيها كرامات الناس وحرماتهم بالأقدام فلتذهب إلى مخلفات التاريخ.
أحمد القصص
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في لبنان
|