مراسلات English البث الاذاعي
بحث في الموقع

هنا إذاعة المكتب الإعلامي
إعـــلان
...والمزيد
مواقع أخرى
 

آخر الإضافات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

التعليق السياسي

"ليس بتقديم التنازلات يُرد العدوان"


إن اتباع الدول لسياسة تقديم التنازلات لمجرد التلويح بالعدوان هو اتباع لنهج سياسي خطير، ينذر بعواقب وخيمة على شعوب تلك الدول، فتبني الدول لمثل هذا النهج كلما حزبها أمر، أو تعرضت لخطر، يجعلها عُرضةً بشكل دائم للمزيد من الأخطار، ويجعل أعداءها لا يكفون عن التربص بها للنيل منها والاعتداء عليها.

والتجارب المريرة الكثيرة التي مرَّت بها الدول التي مارست سياسات تقديم التنازلات بزعم درء الأخطار تؤكد على حقيقة خطورة هذه السياسات من حيث تأثيرها على الشعوب، وكيف أن هذا التأثير كانت له نتائج كارثية مدمرة، ومن حيث الإخفاقات المتتالية وخيبات الأمل المتلاحقة التي لازمت تلك الدول والشعوب بسبب تلك السياسات العقيمة. ومع افتضاح أمر الدول التي انتهجت مثل تلك السياسات بانكشاف تجاربها المريرة على الملأ، وما أفرزته تلك التجارب من ظهور آثار ماحقة صدمت المجتمع، بحيث تجلى وقعها الصاعق للقاصي والداني بشكل مثير، إلا أنه مع ذلك فإن كثيراً من تلك الدول الخائبة لاسيما في المنطقة العربية والإسلامية ما زالت تتمسك بهذه السياسات الرعناء باعتبارها الخيار الوحيد الذي تملكه لمواجهة السياسات العدائية الخارجية، فهذه الدول لم تتعلم قط من تجاربها الفاشلة السابقة كما لم تتعلم من تجارب الآخرين.

وعلى سبيل المثال فلم تتعلم هذه الدول العبر والدروس من نظام صدام حسين قبل إسقاطه، ولم تتعظ من تصرفات صدام حسين الذي وافق على تقديم تنازلات كثيرة للأميركيين بلغت حد القبول بقيام المفتشين الدوليين بتفتيش كل شيء في العراق حتى قصوره الرئاسية وغرف نومه، ومع ذلك فلم تشفع له هذه التنازلات، بل اُتخذت وسيلة للتجسس على قوة العراق وإضعافها، وكانت هذه التنازلات مقدمة للإطاحة به فيما بعد.

ومن أحدث الأمثلة الحية على مثل هذه السياسات الانبطاحية عديمة الجدوى ما يجري في سوريا هذه الأيام، فالضغوط الدولية والإقليمية المتواصلة التي تمارس على سوريا، ومحاولة التلويح ضد سوريا بالعدوان عليها، وتخويفها بشتى الوسائل، تُقابَلُ من قبل القيادة السورية بسياسات الرضوخ التام والانصياع للأوامر، وبأسلوب الاستخذاء وتقديم التنازلات تلو التنازلات. ولو استعرضنا سلسلة من المواقف السياسية الخارجية التي اتخذتها القيادة السورية في الأشهر الأخيرة لوجدناها تكرس نهجاً سياسياً واضحاً يُعبِّر عن تلك السياسات أوضح تعبير.

وقد ابتدأت تلك السلسة بالعرض السوري التافه على الدولة اليهودية لاستئناف المفاوضات بين الطرفين من نقطة الصفر وليس من النقطة التي وصلت إليها المفاوضات السابقة، بمعنى أن الحكومة السورية قد تنازلت عن موقفها السابق لما يُسمى بوديعة رابين والتي تتعهد بحسبها الدولة اليهودية بإعادة جميع هضبة الجولان إلى سوريا.

ولكن هذا التنازل الخطير من قبل حكام سوريا قوبل باستخفاف يهودي كما قوبل بالمطالبة بتقديم سوريا للمزيد من التنازلات، ومنها إغلاق مكاتب المنظمات الفلسطينية المسلحة لأنها منظمات إرهابية ترعاها سوريا بحسب زعم اليهود، ولبَّت الحكومة السورية هذا المطلب في الحال وقامت بإقفال المكاتب، وضيَّقت على السياسيين حركتهم، ومنعت العسكريين منهم القيام بأية نشاطات أملاً في تقبل الدولة اليهودية العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن اليهود كعادتهم طمعوا في تقديم المزيد من التنازلات، وتقدموا بمجموعة اشتراطات جديدة، وحاولت القيادة السورية عبثاً استرضاء اليهود باتخاذ عدة إجراءات تعتبر كلها تنازلات، ومن هذه الإجراءات إيفاد مندوبين سوريين لحضور المؤتمرات المشبوهة التي عقدت في الأردن بمشاركة يهود، وعرض الحكومة السورية على الدولة اليهودية شراء تفاح الجولان، وتأييدها لحكومة محمود عباس، وترحيبها بقرارات قمة شرم الشيخ المذلة، واعترافها بالنهج الاستسلامي الذي عبَّرت عنه القمة، ثم بعد كل هذه التنازلات، قامت القيادة السورية بتكليف حكام مصر بالسمسرة لإقناع الحكومة اليهودية بالقبول بعودة المفاوضات مع سوريا، ثم وسَّطت مبعوث الأمم المتحدة تيري رود لارسن ليقوم بما فشلت فيه الوساطة المصرية، لكن جميع هذه التنازلات لم تقنع الدولة اليهودية بقبول إعادة التفاوض مع السوريين، بل على العكس من ذلك فقد أدَّت هذه الأساليب السورية المبتذلة إلى تصلب المواقف اليهودية أكثر فأكثر، وصارت تتقدم بطلبات تعجيزية تتعلق بضرورة رفع يدها عن حزب الله وما تسميه بمحاربة الإرهاب وطلبات أخرى.

إن هذه التنازلات السورية المجانية لليهود واكبتها تنازلات أخرى للأميركيين والأوروبيين، فبالنسبة للتنازلات المقدمة للأميركيين فإنها تمثلت في انخراط سوريا مع دول الجوار الأخرى للعراق في سياسات إضفاء الشرعية على الاحتلال الأميركي للعراق حيث شاركت سوريا مشاركة كاملة مع الآخرين في جميع المؤتمرات التي أوعزت أميركا بعقدها لدول الجوار بغية إسباغ الشرعية على الوجود الأميركي في العراق، والاعتراف بالحكومة العراقية العميلة التي فرضها الاحتلال في بغداد.

لكن أميركا التي تورطت في المستنقع العراقي لم تجد من بين دول الجوار غير سوريا لتكيل لها التهم الملفقة بمساندة المقاومة العراقية، فما كان من القيادة السورية إلا أن سارعت في تقديم تنازلات جديدة للأميركيين لم تُقْدِم عليها دول الجوار العميلة الأخرى، حيث أقامت ساتراً ترابياً عالياً على امتداد الحدود السورية العراقية لمنع تسلل المقاتلين، ولكن أميركا مع ذلك لم تكتف بكل ما قدمته سوريا لها من خدمات فطالبتها بالمزيد، فلبَّت سوريا الطلبات الأميركية المهينة الجديدة وقامت بتسليم المطلوبين العراقيين للقوات الأميركية ومن أبرزهم الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي المسجون صدام حسين، كما عرضت أيضاً على الأميركيين تسيير دوريات سورية أميركية مشتركة على طول الحدود لطمأنتهم على الموقف السوري المتفاني في حماية وتأمين ظهر قواتهم الغازية.

قد يقال بأن القيادة السورية هي قيادة عملية لأميركا وبالتالي فهي تقوم بكل ما يطلبه منها الأميركان نعم قد يقال هذا، ولكن هل العمالة قدرٌ لا يُرَد؟! ثم إن العملاء ليسوا سواء، فصحيح أن القيادة السورية هي قيادة عميلة لأميركا ولكن حتى العملاء يملكون بعض الكوابح التي تُمكِّنهم من عدم الانزلاق سريعاً في هوة التنازلات التي لا نهاية لها، وهذا طبعاً ليس تبريراً للتعاون مع الأعداء مهما كانت الظروف قاسية، لأن موالاة الكافر خيانة وجريمة وفجور.

والظاهر أن القيادة السورية الحالية تعيش حالة غير طبيعية من الرعب والخوف، ولا تملك الثقة بنفسها كما كان الحال أيام قيادة حافظ الأسد، فهي تخشى على نفسها من مجرد نسمة الهواء، وربما يعكس الرئيس بشار الأسد هذه الحالة من خلال تصريحه لمجلة التايم حيث قال بكل خسةٍ وجبن: "أنا لست صدام حسين أريد أن أتعاون، بلِّغوا عني هذا الكلام"، وتناقلت الصحف ووسائل الإعلام تصريحه هذا، ومنها صحيفة ليبراسيون الفرنسية التي اعتبرت هذا التصريح رضوخاً سورياً أكيداً للإدارة الدولية، وتوقعت خروج القوات السورية من لبنان في أقرب وقت، وهذا بالفعل ما حصل وما سيحصل.

فهذه السياسة التي انتهجتها القيادة السورية والتي تتمثل بالإسراع في تقديم التنازلات بمجرد التهديد والتلويح بالعدوان لا شك بأنها أطمعت الأوروبيين بشكل خاص لاسيما الفرنسيين والبريطانيين بالضغط على أميركا والأمم المتحدة واستصدار القرار الدولي 1559، وإرسال مبعوثين دوليين لمتابعة تنفيذ القرار، والعبث في الشؤون السورية واللبنانية، ولولا هذه السياسة الجبانة التي لوحظت على القيادة السورية لما تجرأت الدول الكبرى على ملاحقة سوريا في لبنان بهذه الطريقة المزرية، ولما تجرأت القوى اللبنانية المعارضة والتابعة للأوروبيين بالتمرد على سوريا بهذه السرعة، لذلك لم يكن غريباً أن النتيجة الطبيعية لهذه السياسات قصيرة النظر تُوِّجت بموافقة الرئيس بشار الأسد على سحب القوات السورية من لبنان، وإضاعة حصيلة جهود مضنية بذلتها سوريا في العقود الثلاثة الماضية لإعادة ضم لبنان إلى أصلها سوريا.

ولما أصبحت سياسة تقديم التنازلات هذه نهجاً ثابتاً للقيادة السورية اضطرت هذه القيادة إلى تقديم تنازلات جديدة لكل من هبَّ ودبَّ، فهذه المرة لم تأت التنازلات إلى الدولة اليهودية ولا إلى الدول الكبرى وإنما للمملكة الهاشمية الضعيفة في الأردن، حيث وافقت على ترسيم الحدود معها وانسحبت لها مئات الكيلومترات المربعة التي كانت تسيطر عليها منذ العام 1970م الأمر الذي لم يكن في حسبان القيادة الهاشمية الهزيلة أن تحلم به، على اعتبار أن الأردن ما هو إلا امتداد طبيعي لسوريا ومعبر لبلاد الشام.

هذه هي النتيجة المنطقية لتبني مثل هذه السياسات الاستخذائية، حيث أن تقديم التنازلات يُطمع الأعداء بتقديم المزيد منها، وبدلاً من أن تعمل هذه السياسات على صد العدوان كما يتوهم مُتَّبِعوها، فإنها تعمل على تسريع وتيرة الاعتداءات، وربما تؤدي في النهاية إلى الفتك بأصحابها.

أما الذرائع الواهية التي يبرر بها أصحاب هذه السياسة سياستهم والقول بأنهم لا يستطيعون المواجهة بسبب اختلال موازين القوى، وبسبب التكالب على سوريا من قبل الأصدقاء قبل الأعداء، فإن هذه الذرائع مرفوضة جملة وتفصيلاً، لأنها ذرائع زائفة بدليل أن نتائج هذه السياسة قد زادت حدة العدوان كماً ونوعاً عليها، ولم تؤدِ إلى صد العدوان أو إيقافه عنها.

وبما أنها سياسات أثبتت فشلها بشكل قطعي لذلك كان حرياً على من انتهجها أن يعود عنها، وأن يتخلى عن اتباعها قطعياً، وأن يتبنى عوضاً عنها سياسات المواجهة والمقاومة والتصدي، ثم يقارن بين النتائج، ويحكم بعد ذلك.

فعلى القيادة الحقيقية أن لا تهاب الأعداء، وأن لا تخشى السقوط، ومن يمتلك الإرادة والتصميم على المواجهة ويرفض تقديم التنازلات فلن يخسر ما يخسره الذي يقدم التنازلات، وفي الغالب فسوف يكسب الشيء الكثير،وعلى الأقل فهو يكسب كرامته وكبرياءه، وقبل ذلك فهو يكسب مرضاة الله، وموجبات نصره، وفي أسوأ الأحوال فهو لن يموت أو يسقط في حالةٍ من الخيبة والهوان كما يحصل مع الذين يقدمون التنازلات. وقديماً قيل: "تموت الحرة ولا تأكل بثدييها".

كتبه: أحمد الخطواني


 
17/3/2005م  

استماع إرسال لصديق تعليق أو سؤال طباعة عودة إلى القسم