مراسلات English البث الاذاعي
بحث في الموقع

هنا إذاعة المكتب الإعلامي
إعـــلان
...والمزيد
مواقع أخرى
 

آخر الإضافات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

التعليق السياسي

إخلاء قطاع غزة من اليهود ليس انسحاباً ولا تحريراً


لا يُعتبر قرار حكومة العدو اليهودي بإخلاء المستوطنين وإخراج جيش الاحتلال من قطاع غزة انسحاباً ولا تحريراً، وعليه فلا يعتبر هذا الإخلاء وذاك الخروج بحال من الأحوال نصراً تحقق للفلسطينيين، ولا إنجازاً يحسب لهم، وبالتالي فلا داعي للاحتفالات والمهرجانات التي تعبِّر عن الانتصارات والإنجازات.

إن واقع الانسحاب أياً كان لا يخرج عن حالتين اثنتين وهما إما ن يكون الانسحاب هروباً وهزيمة تحت ضغط السلاح، وإما أن يكون الانسحاب خروجاً عن طريق الاتفاقيات والمفاوضات. وخروج قوات الاحتلال اليهودي وإخلاء المستوطنين من قطاع غزة لم يكن هذا ولا ذاك، فهو لم يكن هروباً تحت السلاح ولا خروجاً عن طريق المفاوضات والاتفاقيات وبالتالي فلا يعتبر انسحاباً ولا تحريراً.

فخروج اليهود من قطاع غزة كان من طرف واحد وسُمي فك ارتباط، فهو في واقعه إذاً إخلاءً وليس انسحاباً. والدليل على ذلك أن السلطة الفلسطينية ومنذ الإعلان عن خطة شارون لفك الارتباط حاولت مراراً وتكراراً أن تكون شريكة في الخطة، وحاولت أن تحوِّل الخطة إلى اتفاقٍ منسقٍ معها، لكن حكومة العدو اليهودي كانت دائماً ترفض أي نوع من الشراكة أو التفاوض أو التنسيق مع السلطة حول الخطة، لدرجة أن السلطة الفلسطينية ظلت تجهل كل تفاصيل الإخلاء حتى اللحظة الأخيرة، وكانت السلطة تشتكي للمبعوثين الأميركيين والأوروبيين والدوليين من تجاهل الدولة اليهودية لها في تنفيذ الخطة، وكثيراً ما وسَّطت أطرافاً واستجدت وتوسلت من أجل أن تضعها الدولة اليهودية في الصورة لكنها عجزت عن تحقيق ذلك تماماً، وصمَّمت حكومة شارون على أن لا تطلع السلطة على شيء من الخطة برغم كل الوساطات والاستجداءات والتوسلات التي صدرت عنها.

على أن واقع أي انسحاب متعارف عليه دولياً هو أن تخرج قوات الاحتلال من المناطق المحتلة خروجاً كلياً، بحيث لا تلوي على شيء ولا تحتفظ بشيء، وذلك كما حصل مع نفس قوات الاحتلال اليهودي عند خروجها عام 2000م من جنوب لبنان، وكما حصل في حالة انسحاب القوات الأميركية من فيتنام، وكما هو حاصل مع كل حالات انسحاب قوات الدول المستعمِرة من مستعمَراتها.

وهذا بخلاف الإخلاء الذي قامت به قوات الاحتلال اليهودية من قطاع غزة فإنها أخلت المستوطنين وأخرجت الجنود من القطاع لكنها أبقت سيطرتها وسلطاتها على الأجواء والميناء والمعابر والمخارج والتي ستحتاج إلى مفاوضات مضنية حولها مستقبلاً. وقال موفاز وزير دفاع العدو اليهودي إنه لن يسمح بدخول الفلسطينيين إلى المستوطنات التي تم إخلاؤها إلا بعد شهر، وقال بأن قوات الاحتلال خرجت من القطاع وأخلت المستوطنين برغبتها وإرادتها ولا داعي لأن يحتفل الفلسطينيون بالإخلاء.

وبذلك فإن قوات الاحتلال اليهودية لم تنسحب حقيقة من القطاع تحت النار ولا عبر المفاوضات. فالكلام عن الانسحاب ما زال سابقاً لأوانه، لأن تشغيل ميناء غزة ومطارها ما زال مرهوناً بموافقة الاحتلال، ولأن فضاء غزة ما زال محرما على الفلسطينيين استخدامه فهو تحت سيطرة طائرات الاحتلال، والمعابر والمخارج ما زالت تحت سيطرة المحتلين.

وهكذا، فإذا كانت مفاصل القطاع ومرافقه الحيوية وسمائه ومعابره ما زالت بأيدي الاحتلال فكيف لنا أن نقول بأن الاحتلال قد زال من أرضنا وأن القطاع قد تحرر من اليهود؟؟.

يجوز الحديث عن الانسحاب فقط عندما يزال كل أثر للمحتل زوالاً تاماً، وعندما نتحكم نحن بالمفاصل والمرافق والمعابر والفضاء، وهذا على الأقل مستبعد في هذه الفترة. والتحرير يعني إزالة كل وجود للمحتل، وإنهاء كل القيود وآليات التحكم التي مفاتيحها بيد الاحتلال، ويحصل التحرير عادةً جبراً عن المحتل وليس برضاه.

أمّا وقد ثبت أن ما يجري في قطاع غزة هو عملية إخلاء وليس عملية انسحاب، فلنناقش إذاً دوافع هذه العملية ولنضعها في إطارها الصحيح ولا تأخذنا العواطف بعيداً عن الفهم السياسي السديد لها.

يختلف البعض في تفسير دوافع الإخلاء اختلافاً بيِّناً، فمنهم من يقول إن المقاومة هي الدافع وراء الإخلاء، ومنهم من يقول إن المفاوضات هي الدافع، ومنهم من يقول إن غزة لا تعتبر أرضاً إسرائيلية من ناحية توراتية، ويقول آخرون إن غزة ذات كثافة سكانية فلسطينية عالية فلا تحتاج الدولة اليهودية لمزاحمة أهلها فيها، والحقيقة أن جميع هذه الأقوال داحضة ولا تعتبر دوافعاً ولا حججاً تصلح للاستدلال بها على عملية الإخلاء.

فالمقاومة وإن كانت أوقعت باليهود خسائر فادحة وأوجعتهم في حالات معينة لكنها ليست هي الدافع وراء عملية الإخلاء، لأن مثل هذه المقاومة وجدت في الضفة الغربية وفي كل الأراضي الفلسطينية المحتلة كما وجدت في غزة، وهي موجودة أصلاً منذ زمن بعيد، فلو كانت المقاومة هي الدافع لعملية الإخلاء لكان الإخلاء قد تم في مناطق أخرى غير غزة، ولكان قد تم منذ مدة طويلة وليس في هذه الأثناء تحديداً.

وأما المفاوضات والاتفاقيات فليست هي قطعاً الدافع لعملية الإخلاء، لأن السلطة الفلسطينية نفسها تعترف بأنها ليست طرفاً فيها، ولأن الإخلاء لو جرى وفقاً لاتفاقيات لتقاطر الوجود الدولي الكثيف حولها من كل حدب وصوب، ولشهد المجتمع الدولي بكامل ثقله على إتمامها بصخب دولي كبير.

وأما القول بأن اليهود لا يعتبرون غزة جزءاً من أرض (إسرائيل) فهذه أيضاً حجة واهية، ولا تصلح لاعتبارها دافعاً لعملية الإخلاء، لأنه وإن اشتُهر عن رابين قوله بأنه يود لو يصحو من نومه ويجد غزة وقد ابتلعها البحر، ولأنه وإن قال بعض المتدينين من اليهود بأن غزة مناطق ملعونة ومحرمة عليهم، وأنها ليست جزءاً من أرض (إسرائيل)، إلا أن هذه الأقوال لا تعتبر بتاتاً الدافع وراء عملية الإخلاء، وذلك أولاً أن هذه الأقوال لم تشتهر إلا حديثاً، وثانياً لأن الدولة اليهودية قد احتلت غزة وسيناء عام 56 ولم تنسحب منهما إلا تحت ضغط أميركي، واحتلت أيضاً غزة مرة ثانية مع الضفة الغربية عام 67 ولم تنسحب منها حتى الآن، ولو كانت ترغب بالانسحاب منها لفعلت ذلك في كامب ديفيد عند انسحابها من سيناء. وثالثاً لأن الدولة اليهودية لو كانت لا تعتبر غزة أرضاً (إسرائيلية) لما شحنتها بالمستوطنات بحيث أصبح 40% من قطاع غزة أراضي استيطانية، فلو كانت تريد الانسحاب منها فلماذا إذاً تملأها بالمستوطنات؟؟

على أن شارون كان قد قال بوضوح قبل عامين فقط أن الانسحاب من نتساريم مثل الانسحاب من تل أبيب، وهذا كله إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الدولة اليهودية لم يكن وارداً عندها إخلاء قطاع غزة من المستوطنين والجنود على الأقل قبل عامين من الآن.

أما القول بأن الدافع للإخلاء هو كون قطاع غزة بقعة صغيرة من الأرض عالية الكثافة ولا يريد اليهود مزاحمة الفلسطينيين فيها فهذا الكلام لا قيمة له ولا يعتبر دافعاً للإخلاء، لأن مشكلة الازدحام هي مشكلة فلسطينية وليست يهودية، فاليهود في القطاع ينعمون بالاستحواذ على مساحات واسعة تبلغ نسبتها 40% من القطاع ولا يزيد عددهم عن 8 آلاف نسمة، ولا يضرهم مشكلة الازدحام الموجودة لدى أعدائهم.

فهذه الحجج التي يسوقها البعض باعتبارها دوافع تقف خلف عملية الإخلاء هي حجج واهية ولا تقوى على الصمود أمام البحث العميق والاستدلال الدقيق، وبالتالي فهي لا تعدو مجرد شبهات ظنوها دوافعاً وما هي بدوافع.
أما الدافع الحقيقي للإخلاء فليس كل ما ورد وإنما هو دافع سياسي تقف أميركا من خلفه. فأميركا هي التي حملت شارون على تبني خطته المسماة فك الارتباط، وهي التي دفعته على تنفيذها وعلى تحمل تبعاتها، وهي التي دعمته سياسياً ومالياً لإنجاحها رغم تجشمه للمتاعب الكثيرة من أعضاء حزبه والمستوطنين، وهي التي منحته الضمانات المعروفة لتكون الثمن الذي يستطيع به تطبيق الخطة، وإسكات معارضيه، وإقناع الرأي العام.

فشارون هذا والذي كان يعتبر أبا للاستيطان، هو الذي رأت فيه أميركا بالذات أنه الأنسب لإزالة المستوطنات من غزة لتصبح سابقة لا يخشى من سيأتي من بعده على تكرارها.

فأميركا منذ البداية كانت ترى أنه لا بد من إيجاد دولة فلسطينية بحيث تعتبر الأساس لأي حل أو تصفية للقضية الفلسطينية، لذلك عندما نضجت الظروف تبنت إدارة بوش لأول مرة وبشكل صريح فكرة الدولة الفلسطينية وتحولت إلى رؤية خاصة لبوش ولإدارته.

ولصعوبة تطبيق الفكرة، كان على أميركا أن تبدأ في عملية تطبيقها بدأً بإزالة المستوطنات، لأن الدولة الفلسطينية الموعودة لا يستقيم إيجادها مع وجود الاستيطان خاصة في غزة التي لا تحتمل وجود مستوطنات فيها لصغر حجمها، فكانت خطة الفصل الأحادية التي اقترحها شارون أو خطة فك الارتباط، هي الخطوة الأولى في تنفيذ الفكرة الأميركية التي ضمنتها في خطة خارطة الطريق.

والذي سرّع في تنفيذ هذه الخطة ذلك المأزق الكبير الذي وقعت به أميركا في العراق وأفغانستان، فهي تريد أن تخفف الضغط عليها من خلال تحريك المسألة الفلسطينية وتهدئة الأجواء المعادية لها لاسيما في العالم الإسلامي.

هذا هو الدافع السياسي الحقيقي وراء إخلاء اليهود من قطاع غزة، وهذا الدافع لا يتعارض ولا يمنع من استخدام أوراق ضغط أخرى كورقة المقاومة والانتفاضة، وكورقة ضرورة وجود أفكار عن السلام والأمان بين اليهود والعرب وما شاكل ذلك من تلك الأوراق التي لا تعتبر الدافع وراء عملية الإخلاء وإنما تعتبر وسائل وآليات تساعد في تحقيق الهدف الذي دافعه الوحيد هو تحقيق الرؤية السياسية الأميركية في المنطقة.


أبو حمزة


 
16/8/2005م  

استماع إرسال لصديق تعليق أو سؤال طباعة عودة إلى القسم