بعد الدمار الكبير الذي خلفه إعصار كاترينا ورد بوش العاجز على المأساة الإنسانية التي حلت بمدينة نيوأورلينز، فإن أسطورة أمريكا كقوة عظمى قد تحطمت.
الدولة التي تتفاخر بإنجازاتها في مجال الفضاء وبأسلحتها المتطورة وبقدرتها على سحق الشعوب كانت استجابتها لرفع الألم والمعاناة عن أبناء شعبها كما استجابة دول العالم الثالث لدرجة أن أمريكا اضطرت الى أن تبتلع كبرياءها وأن تطلب مساعدات طارئة من الإتحاد الأوروبي والناتو، فطلبت بطانيات، ومواد إسعافات أولية، وعربات نقل مياه وطعام لضحايا الإعصار.
هذه هي أمريكا التي تدعي أنها تملك المثل العليا فوق باقي الشعوب وتؤمن بأنها رائدة المساواة وحقوق الإنسان. ولكن تحت السطح كانت العنصرية التي شهدها العالم أجمع والتي تجلت في المعاملة الشنيعة للفقراء والأمريكيين السود الذي يمثلون أكثرية اللاجئين.
لننسى موضوع أن أمريكا قادرة على خوض حربين معا على المسرح الدولي أو رغبتها الطموحة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. عدم قدرة أمريكا على التعامل مع كارثة صنعها الإنسان على أرضها و التزاماتها في العراق وأفغانستان طرح وعرى استثنائية أمريكا من دون دول العالم كما أظهر انكشافها الإستراتيجي أمام العالم.
الأزمة جعلت الإدارة الأمريكية في حيرة بين المحافظة على قوات كافية في العراق وأفغانستان لمتابعة العملية السياسية وبين إعادة الجنود الأمريكان ومعداتهم للمساعدة في عمليات الإغاثة في لويزيانا، ميسيسبي والولايات المجاورة.
هذه أصبحت نقطة تحول لأمريكا وطريقة تعامل بوش مع تداعيات كترينا في أمريكا وموازنتها مع التزامات أمريكا فيما وراء البحار وخاصة في العالم الإسلامي سيحدد مصير رئاسته ومكانة أمريكا في العالم.
من الصعب رؤية يوش يتغاضى عن الدمار الذي خلفه كترينا في أمريكا. التقديرات الأولية تتوقع أن حوالي 10000 شخص فقدوا حياتهم وبأن 500000 نزحوا عن المنطقة المنكوبة. على أمريكا أن تنفق مليارات الدولارات لتعيد الحياة الى بعض طبيعتها في المناطق المتضررة. مبلغ ال 10.5 مليار دولار هو مبلغ زهيد يجب أن يرتفع بشكل كبير اذا كان بوش جادا في اتمام هذه المهمة.
التأثير على الاقتصاد الأمريكي كان أيضا كارثيا. أقل التقديرات تتوقع أن إصلاح الأضرار التي سببها كترينا قد ترتفع لتبلغ 50 مليار دولار اذا أخذ بالاعتبار الدمار الذي لحق بالبنية التحتية كالطرق والجسور. ميناء نيوأورلينز هو أحد موانيء الجنوب الأمريكي المزدحمة وهو مدخل رئيس لتوزيع النفط. الميناء يستعمل لتصدير 20% من صادرات الولايات المتحدة وسيبقى مغلقا لعدة أسابيع. كترينا أيضا أوقفت 92% من انتاج نفط خليج المكسيك و 83% من انتاج الغاز الطبيعي في الخليج حسب معلومات الحكومة الأمريكية. منطقة خليج المكسيك تنتج حوالي 25% من مجمل انتاج النفط في الولايات المتحدة.
قرار بوش بضخ 30 مليون برميل من النفط من المخزون الاستراتيجي الأمريكي وتعهد مؤسسة الطاقة العالمية بضخ 60 مليون برميل أخرى لم تفعل الا القليل لتخفيض أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية. بالإضافة لذلك فإن تأثيرها لا يذكر على سعر الغازولين في الولايات المتحدة والذي قفز الى أكثر من 3$ للغالون الواحد.
من أجل تمويل جهود الإغاثة فإن الحكومة الأمريكية ستضطر الى أن تقترض المزيد من الأموال من دائنين دوليين. هذا لن يزيد فقط في عجز الميزانية الأمريكية والذي بلغ 650$ بليون دولار أمريكي عام 2004 ولكن سيجعل الدولار الأمريكي عرضة للبيع بشكل كبير. النتيجة قد تكون كارثة أكبر من الكساد الذي عم في ثلاثينيات القرن الماضي.
مع تلك الصعوبات على بوش أن يتعامل مع انتقادات متزايدة من الداخل. الأسئلة حول الإستجابة البطيئة من الحكومه الفيدرالية، عدم استعداد المؤسسة الفيدرالية لإدارة الأزمات، تجاهل الإفريقيين الأمريكيين ، عدم كفاية الأموال لتقوية حواجز صد المياه، غياب قوات الحرس الوطني الأمريكي و انتشار المعدات والقوات الأمريكية في العراق. كل هذا يهدد بأن يصبح مصيبه لرئاسته.
الوضع في العراق وأفغانستان لا تبدو بحال أفضل لبوش ولا للشركات التي تدعمه. على الرغم من صرف 500 بليون دولار فإن أمريكا ليست حتى قريبة من السيطرة على آبار النفط في العراق أوفي منطقة قزوين. ولم تستطع أمريكا أن تتقدم بشكل أساسي في إيجاد حلول سياسية مستقرة في العراق وأفغانستان.
ضراوة المقاومة في العراق وأفغانستان ليست فقط خارجة عن السيطرة بل أنها تهدد بإخراج الإنتخابات القادمة في كلا البلدين عن طريقها. في البداية أمريكا كانت تريد زيادة قواتها في العراق بحوالي 20000 جندي إضافي قبل الإستفتاء على الدستور المقرر في 15 أكتوبر القادم ولكن بسبب كترينا فإن وزارة الدفاع الأمريكية خفضت هذا الرقم إلى 2000.
في هذه الظروف فإنه من الخطير جدا عل أمريكا أن تعيد نشر جنودها وعتادها العسكري للتعامل مع آثار كترينا. هذا سيكون له تداعيات خطيرة على وضع الولايات المتحدة في المنطقة وما بعدها. سحب قوات كبيرة من العراق وأفغانستان سيشجع مراكز قوى آخرى لملأ الفراغ.
الإنسحاب من أفغانستان سيحث روسيا والصين على فرض نفسها في آسيا الوسطى. السيطرة على نفط بحر قزوين وإزالة النفوذ الأمريكي من آسيا الوسطى، القوقاز والبلطيق سيبدو ممكنا أكثر لسياسيي روسيا والصين.
ربما يشجع ذلك أيضا الصين على إرجاع تايوان لسيادها.
الانسحاب من العراق سيشجع الإتحاد الأوروبي وروسيا على القضاء على مشروع أمريكا لصياغة الشرق الأوسط والتحكم في نفط المنطقة. ولكن ربما يكون الخطر الأكبر من خطأ في الحسابات الأمريكية هو ظهور الخلافة والتي ستبدأ بنشوئها نهاية سيطرة الغرب أو الشرق على الأرض الإسلامية.
في الأيام القادمة فإن أصدقاء أمريكا وأعدائها سيراقبون نقطة التحول هذه. لم يعد بوش يستطيع التحكم في النتيجة. الشعب الأمريكي والأمة الإسلامية هم الذين سيقررون مصير أمريكا على المسرح الدولي.
كتبه بالإنجليزية: عابد مصطفى
|