في يوم الأحد الثامن عشر من سبتمبر أصبح مشرف أول رئيس باكستاني يخاطب اليهود الأمريكيين. في خطابه قال مشرف: "ليس لدى باكستان أية مخاصمة أو اختلاف مباشر مع اسرائيل. لا نشكل خطراً على أمن إسرائيل، ونثق بأن اسرائيل لا تشكل خطراً على الأمن القومي الباكستاني". تحدث مشرف أيضاً عن إمكانية جعل العلاقات رسمية بين البلدين عندما تمضي إسرائيل قدماً مع خارطة الطريق.
لقد كان خطاب مشرف نتيجة للدبلوماسية العامة ولقاءات على مستويات رفيعة بين المسؤولين الباكستانيين والاسرائيليين والتي بدأت على قدم وساق قبل ثلاث سنوات. جاك روسن، رئيس الكنغرس اليهودي الأمريكي، شرح للجمهور كيف أنه وغيره من أعضاء الكنغرس كانوا يعملوا بسرية في السنوات الثلاثة الماضية لتطبيع العلاقات الباكستانية الاسرائيلية.
العلاقات بين البلدين ظلت سرية نسبياً إلى أن زار مشرف كامب ديفيد عام 2003. بعد تعهده بالدعم اللامحدود لحرب أمريكا على الارهاب وتسلمه ثلاثة بلايين دولار من الدعم الأمريكي، لمح مشرف فوراً على إمكانية السلام مع اسرائيل لما قال: "ماهو خلافنا مع اسرائيل؟ يجب أن يفكر المرء". عام 2004 دعى شمعون بيريز مشرف لزيارة اسرائيل. رد مشرف: "لو كانت العلاقات بين الدولتين متوطدة، فسيسرني زيارة اسرائيل".
لقد استعانت إدارة بوش باليهود الأمريكان لتيسير الاتصالات بين اسرائيل وباكستان، كما استعانت بدول اسلامية أخرى وعلى وجه التحديد تركيا لسمسرة اللقاء الأخير بين وزيري خارجية باكستان واسرائيل. حتى توقيت تصريح مشرف بأن اسرائيل لها حق الوجود خطط لها الأمريكان وليس مشرف كما ذكرت بعض وسائل الاعلام الباكستانية.
إن أمريكا قلقة للغاية بشأن تردد شارون للعودة إلى خارطة الطريق بعد انسحاب دولته من غزة واجزاء من الضفة الغربية. لقد أمرت أمريكا مشرف لربط الاعتراف باسرائيل بالاستمرار في عملية خارطة الطريق واقامة دولة فلسطين يوماً ما. لذا قال مشرف: "عملية السلام تمضي قدماً نحوالقيام بدولة فلسطينية مستقلة، سنقوم بخطوات أخرى لتطبيع العلاقات والتعاون، متطلعين إلى علاقات دبلوماسية متكاملة".
مشرف ليس الوحيد في ارسال نداءات صداقة لاسرائيل. دول اسلامية أخرى كقطر واندونيسيا ارسلوا نداءات مماثلة تحت الاشراف الامريكي والبريطاني.
من هذه الناحية تأمل أمريكا لاستدراج شارون إلى خارطة الطريق وتحريك المسيرة السياسية الخامدة إلى الأمام. من وجهة نظر شارون العودة السريعة إلى خارطة الطريق قد تضر بحكمه. كما يعتقد شارون وحزبه بأنهم قد لعبوا دورهم للسلام وبدأوا بحملة كثيفة لتحميل الجانب الفلسطيني مسؤولية اكمال مسيرة السلام.
إصرار شارون على القاء حماس السلاح والشلل شبه التام للإدارة الأمريكية جراء اعصار كاترينا ثبتت من موقف اسرائيل الرافض لخارطة الطريق. سياسة أمريكا المستعملة للجزرة مثل وعد باكستان للاعتراف باسرائيل ربما لا تكون كافية لاستدراج شارون إلى طاولة المفاوضات. في وقت ما ستضطر أمريكا على استعمال العصا لاجبار اسرائيل للتجاوب مع رؤية أمريكا لحل الدولتين. يعتمد حدوث ذلك على قدرة بوش على التقليل من الكارثة السياسية من كاترينا و إكمال التزاماتهم نحو العراق، كلتا هاتين المسالتين تهددان بتقويض رئاسة بوش.
لو كان مشرف وغيره من حكام المسلمين مخلصين لقضية فلسطين لاستغلوا منذ زمن ضعف اسرائيل لدعم الفلسطينيين. انخفاض سكان اسرائيل واعتمادها على مياه الدول العربية وانسحابها من سيناء وجنوب لبنان وغزة واجزاء من الضفة الغربية واعتمادها الزائد على أمريكا يجعلها في موقف خطير للغاية. ولكن ما يضاعف من خطورة الموقف على اسرائيل هو عودة الشعوب الاسلامية إلى دينهم مما يجعله من المستحيل تقبلهم بشرعية دولة اسرائيل. هذه الحقائق غير القابلة للنقاش تجعل عملية الاعتراف باسرائيل وهم وتجعل أي اتفاقية يتوصل إليها لا تساوي الورق التي تكتب عليه.
يبدو أنه من المستحيل أن يقوم شخص بحنكة مشرف بتجاهل هذه الحقائق والانحياز بجانب أمريكا ضد الشعب الفلسطيني. ألم يتعلم مشرف شيئاً من فصل شرق باكستان (بنغلادش) من باكستان؟ من الأسباب الأساسية لخسارة شرق باكستان هو أن باكستان لم تستطع توصيل المساعدات لجنودها المتمركزين في شرق باكستان بسبب شساعة البلاد الهندية. هذه الواضع مطابق من عدة نواحي للوضع الذي ستقام على أساسه الدولة الفلسطينية. حدود غزة ستكون مسيطرة عليها بالكامل من اسرائيل وستكون موصولة بأجزاء من الضفة الغربية بواسطة ممر، في الوقت الذي تحتفظ فيه اسرائيل بالسيطرة الكاملة. كيف يمكن أن يشكل هذا السجن دولة؟
تخلي مشرف عن الشعب الفلسطيني نابع من نفس صفات تخليه عن الأفغان والعراقيين والكشميريين وأهل وزيرستان. لا عجب أن كندوليزا رايس وصفته مؤخراً بالشخص الممتاز.
|