جمهوريات التعذيب

كريج موريي.
السفير البريطاني السابق في أوزبكستان.


نص محاضرة ألقيت في جامعة يورك في 24/شباط/2006

سأبدأ بسرد واقعة صغيرة حدثت أثناء عملي. فقد عملت في السلك الدبلوماسي بعد تخرجي من الجامعة في عام 1984. و شققت طريقي على سلم المراكز حتى وصلت إلى منصب سفير في أوزبكستان في عام 2002 لغاية أكتوبر 2004 حيث طردت من عملي الذي كان جيداً لغاية تلك اللحظة. وأود أن أروي لكم حادثة مضت منذ مدة ليست بعيدة في مسيرتي العملية، وقد لا تبدو وكأن لها علاقةً بالموضوع ولكن فيما بعد أرجو أن تدركوا هذه العلاقة.

كنت سكرتيراً أولاً في السفارة البريطانية في وارسو في التسعينيات، وكنت مسئولا عن القسم السياسي والاقتصادي في السفارة البريطانية في وارسو، وكان هناك سكرتير أول آخر يقوم رسمياً بمهام شبيهة بالمهام الموكلة إليّ ولكنه في الواقع كان من المخابرات البريطانية MI6. وكان لدي صديق بولندي في وارسو يعمل في مجال المطاعم، وكان يملك ويدير أفضل مطعم في بولندا في ذلك الوقت، كما أنه كان يدعى إلى كثير من المناسبات الحكومية، كان نوعاً ما شخصية بارزة في المجتمع حيث يدعى إلى حفلات العشاء السياسية وقد كان ثرثاراً كبيراً وناقلاً للنميمة السياسية، كان اسمه ستيفان. في أحد الأيام التقيت ستيفان وأخبرني قصة حول رئيس الوزراء البولندي جوزيف أليكسيس ولم أتردد في أن أقول لستيفان أن هذه القصة غير حقيقية وأنها لم تحدث، فقد كنت هناك وهذا ليس ما قاله الرجل. لم يزد ستيفان أن قال: «حسناً».

في اليوم التالي كنت في مطعم آخر في وارسو - وهذا ما يفعله معظم الدبلوماسيين- الجلوس في المطاعم وتناول وجبات إضافية. كنت أتناول الغداء ورأيت ستيفان وتوم السكرتير الأول الآخر في السفارة جالسين في طرفٍ قصي من القاعة، وللمفاجأة انظروا ماذا وجدت في اليوم التالي على مكتبي: ملف أحمر براق وفيه معلومات من المخابرات MI6 تتضمن تلك القصة عن رئيس الوزراء البولندي، فكتبت عليها: «هذا هراء هذه المعلومة من ستيفان (وكتبت اسمه كاملاً) وقد رواها لي، إنها غير صحيحة لأني كنت هناك» وأرسلت الملف إلى المخابرات MI6 . وكانت النتيجة أني عوقبت رسمياً لتسمية مصدر المعلومات وكان يجب ألاّ أفعل ذلك مطلقاً. أما حقيقة أن المعلومات لم تكن صحيحة فلم يكن هذا هو شاغل المخابرات. وما تبع ذلك يثير الاهتمام أكثر.

في اليوم التالي قابلت ستيفان وقلت له: «لقد رويت لتوم تلك القصة أليس كذلك؟» أجاب «أجل» وهنا سألت: «ولكني قلت لك إن هذه القصة غير حقيقية فلماذا فعلت ذلك؟» ابتسم ستيفان وقال: «لقد دفع لي ثمانية آلاف دولار لتلك القصة».
إن هذه الواقعة حقيقة تماماً وتقدم لكم رؤية في عمق واقع عمل المخابرات البريطانية أكثر مما تقدمه أفلام جيمس بوند. وستحكمون فيما بعد على علاقة هذه الواقعة بما سأرويه لكم عما حدث لي في أوزبكستان وما رأيت في أوزبكستان.

أوزبكستان دولة مريعة تقع شمال أفغانستان، وهي إحدى دول الاتحاد السوفييتي السابق التي تنتهي بـ «ستان» والتي يصعب على الناس التمييز بينها ولكنها أكبر هذه الدول مساحة ويبلغ عدد سكانها 24 مليوناً، وهم يشكلون نصف سكان آسيا الوسطى. وكانت طشقند العاصمة رابع أكبر مدينة في الاتحاد السوفييتي، تحكمها حكومة ما بعد السوفييت وقيادتها لم تتغير، فالرئيس إسلام كريموف كان رئيساً لجمهورية الأوزبك الاشتراكية السوفييتية وكان في منصبه منذ سنواتٍ طويلة، ومن المستحسن أن نفهم ماذا حدث وكيف حصلت الدولة على استقلالها.

قد يكون معظمكم أصغر من أن يتذكر، ولكن كان هناك محاولة انقلاب ضد غورباتشوف حين كان رئيساً للاتحاد السوفييتي. كانت لديهم دبابات خارج البرلمان الروسي – البيت الأبيض – وكانت هناك مواجهة حيث أطلقت الدبابات نيرانها على البرلمان. وكان هناك ذلك الموقف المشهور ليلتسين حيث تسلق الدبابات وخطب في الجنود لوقف دعمهم للانقلاب الذي انهار بعد حين. كانت تلك بداية صعود يلتسين إلى السلطة. وكان كريموف ورؤساء دول آسيا الوسطى الآخرون الذين كانوا أعضاءً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي، قد ساندوا الانقلاب الشيوعي المتشدد ضد غورباتشوف ولهذا كانوا في غاية القلق حين فشل. بعد ذلك سرعان ما انهار الاتحاد السوفييتي وتفكك، وكان السبب الذي قدمه هؤلاء للحصول على الاستقلال هو الحفاظ على النظام السوفييتي. ومن الواضح أن روسيا كانت تتخذ طريقاً آخر – كانت روسيا تبتعد عن الشيوعية وتتجه نحو إصلاحات السوق الحرة والحرية السياسية الأكبر. لم يكن رؤساء بقية دول الاتحاد السوفييتي يريدون ذلك، واعتقدوا أنهم يستطيعون الحفاظ على النظام السوفييتي بالانفصال. ومع أن هذا في الواقع عكس رؤيتهم ولكن هذا ما حدث.

والآن من المهم أن نفهم هذا لأن جورج بوش يفهمه. كريموف الآن الصديق المخلص للولايات المتحدة والحليف الأكبر في المنطقة. وكوندليزا رايس وكولن باول ودونالد رامسفيلد وديك تشيني – كلهم زاروا أوزبكستان. ونزل كريموف ضيفاً على بوش وتناول معه الشاي في البيت الأبيض. ثم حين زار وزير الخزانة الأمريكية أونيل أوزبكستان في نوفمبر 2002 ألقى خطاباً يوجز سوء الفهم الأمريكي، حيث امتدح كريموف باعتباره أحد الأفراد الذين ساهموا في تدمير الاتحاد السوفييتي وتقويض إمبراطورية الشر، وقال أنه كان مقاتلاً من أجل الحرية في مصاف فاليسا وهافل، وهذا فهم خاطئ تماماً وبشكلٍ جذري من النوع الذي لا يقع فيه إلا المحافظون الجدد الأمريكان.

لقد حافظت هذه الدول على النظام السوفييتي الذي يمنع الملكية الفردية، وكل الأرض ملك للدولة. ولم يخصخص من الصناعة إلا القليل. وما تم خصخصته ذهب إلى أيدي أعضاء النظام وعائلاتهم وخاصة ابنة الرئيس. ومازال الاقتصاد يعتمد على الزراعة بشكلٍ كبير 60% من الأيدي العاملة يعملون في الزراعة في مزارع الدولة وتساهم الزراعة في 60% من الدخل القومي. القطن هو أكبر المحاصيل، وتعتبر أوزبكستان ثاني أكبر مصدر للقطن. ينتج القطن في مزارع الدولة ولا يباع إلا إلى شركات التجارة التابعة للدولة. والسعر الذي تدفعه الشركات مقابل القطن حوالي 3% من سعر القطن في الجارة كازاخستان، حيث الإنتاج قطاع خاص. إذاً هذا مؤشر جيد على سعر السوق: حوالي 3% من سعر السوق. ثم تقوم الشركات التجارية العامة ببيع القطن إلى الشركات العالمية بسعر السوق العالمية، وهكذا يمكنكم أن تتخيلوا كيف يكون هامش الربح. ليس غير معقول فحسب وإنما غير شفاف أيضاً. ليست هناك إحصاءات رسمية، وغير مسموح لك أن تعرف مقدار العائد أو النفقات وأين تذهب. وهذا يؤدي طبعاً إلى هامش هائل للفساد. ومن المهم أن نفهم أن الشركات الغربية متورطة في ذلك الفساد.

كيف يمكنك أن تجعل مزارع القطن تنتج قطناً بهذا السعر الرخيص؟ لقد زرت يوماً إحدى هذه المزارع بمساحة 12 ألف هكتار على سبيل المثال و16 ألف عامل. والعامل يقبض أجرة بمقدار دولارين في الشهر، أي أجرة يومه سبعة سنتات. القصد هو أن هذا يعتبر عمل سخرة. مازالوا لا يمنحون تأشيرات خروج لئلا يهرب السكان من البلاد، ومازالت هناك تأشيرات بين المدن. إذا ولدت في مزرعة تابعة لدولة الأوزبك فستظل هناك طيلة حياتك، وغير مسموح لك بالذهاب إلى مدينة أخرى. وبهذا يكون النظام هو نظام عبودية. وليس هذا كل شيء، وإنما في وقت حصاد القطن الذي يقطف بالأيدي في مشاهد تذكر بالجنوب الأمريكي قبل 150 عاماً، يؤتى بآخرين للعمل بدون أجر مثل طلاب الجامعات والمدارس لمدة شهرين إلى ثلاثة شهور في الخريف، وعليهم أن يقطفوا 80 كيلو غراماً في اليوم، ويجبر طلاب الابتدائية بعمر 7 سنوات على القيام بذلك، كما أن عليهم أن يناموا في الحقول بدون طعام كافٍ أو أجر. إن هذا في الواقع عمل سخرة على نطاق واسع. ويكاد الغرب لا يعرف شيئاً عن ذلك. من المحزن أنه لا يمكن فعل الشيء الكثير لإصلاح الأمور إلا بالضغط على الشركات التجارية. ولكن كيف لأي منا أن يعرف إذا كان القميص الذي يرتديه يحوي قطناً من أوزبكستان، لأن بطاقة القميص تقول لك أين صنع ولكن لا تكشف من أين جاءت خيوط القطن. هذه هي صناعة القطن.

الذهب هو ثاني أكبر صناعة في أوزبكستان. فهي سادس أو سابع أكبر منتج للذهب في العالم. وأيضا ينتج الذهب في مجمعات حكومية. وهي أيضاً واحدة من أكبر منتجي اليورانيوم في العام. وهي لا تقوم بعمل شركة بالمعنى الذي نفهمه. وعائد الشركات لا علاقة له أبداً بمبيعاتها أو أسعار الذهب. تحصل الشركة على مخصصاتها من التمويل الحكومي من وزارة المالية لتدفع منه أجوراً زهيدة ونفقات المعدات ومصروفات أخرى. يشحن الذهب إلى سويسرا لبيعه هناك. أما ما هي كمية الإنتاج فهذا سر الدولة. وليس هناك وسيلة لمعرفة كمية العائد ولكنه بالتأكيد أكثر بكثير جداً من المخصصات التي تدفعها وزارة المالية للشركة والأرباح الهائلة هي ما يمول ميزانية الدولة، ولكن كل هذا التعامل السري يفسح مجالاً كبيراً للسرقة. وصناعة الذهب هي التي تدر على الأخص الثروة الشخصية الهائلة للرئيس. وهو يأخذ طبقاً لبعض المصادر الذين أعتقد أنهم في مواقع تمكنهم من المعرفة، 10% من عوائد صناعة الذهب.

من وجهة النظر الاجتماعية والسياسية، فإن أوزبكستان تعتبر دولة شمولية تماماً حيث لا حرية للتجمع ولا حرية للتعبير ولا حرية على الإطلاق للإعلام ولا حرية دينية، ولا يسمح لأي معارض بالتنافس في الانتخابات. ويقوم النظام على المخبرين والشرطة السرية والتعذيب. مدينة طشقند تضم مليونين من السكان. ومن الحقائق الدالة أنه ليس هناك مكتبة واحدة لبيع الكتب في طشقند، هناك أكشاك قليلة تبيع الكتب المستعملة وبين حين وآخر تقفل هذه الأكشاك. ولكن ليس هناك مكتبة واحدة في كل المدينة وهذا يعطيك فكرة عن فقر المعلومات. وليست هناك وسائل إعلام مستقلة على الإطلاق. كل الأخبار تحت رقابة الدولة. عندما وقعت أحداث 11 أيلول استطاع كل الناس في أنحاء العالم في خلال بضع ساعات أن يشاهدوا الأحداث المريعة على شاشات التلفاز. أما في أوزبكستان فلم تسمح بأية أخبار لمدة 72 ساعة بعد وقوع الحدث. ونحن نتحدث عن بلاد على هذا البعد وهذا الانقطاع عن العالم، بحيث تنجح مثل إدارة الأخبار هذه. إن الشعب لا يحصل على أية معلومات.

حينما وصلت إلى هذه البلاد ولم يمض علي سوى أسبوعين، سألني زميل في القسم السياسي إذا كنت أود أن أشهد محاكمة أحد المعارضين، فأجبت بالإيجاب. كان المتهم شخصاً اسمه هودار بيجينوف. وكانت تهمته مع خمسة آخرين هي ارتكاب حوالي عشرين جريمة. ولم يكن كلهم متهمين بكل الجرائم، ثلاثة متهمون بهذه الجريمة واثنان بتلك وهكذا. كانوا في قفص حديدي يبدوا عليهم الهزال والوهن وآثار التعذيب. كان يحيطهم 17 حارساً مسلحاً. وطوال مدة المحاكمة كان القاضي يكيل الإهانات إليهم. كان جو المحاكمة فظيعاً وقد ذكرني بالصور التلفزيونية القديمة للمحاكمات المسرحية التي كان يقوم بها النازيون. وقد التصق في رأسي تعليقان تلفظ بهما القاضي وكانا نموذجين لنبرة تعليقاته المعادية للإسلام عموماً. قال: «أنا مندهش كيف وجدوا وقتاً للقيام بكل هذه الأفعال الشريرة في حين أنه كان عليهم التوقف والصلاة خمس مرات في اليوم». وقد ضحك كل موظفي المحكمة تأييداً له. وفي مرحلة أخرى قال: «كيف يفهم أحدكم ما يقوله الآخر ولديكم جميعاً مثل هذه اللحى الطويلة؟».

دخل صائغ يدعي أنه ضحية لسرقة مسلحة قام بها ثلاثة من الرجال، وطلب منه أن يتعرف على الثلاثة من بين المتهمين. لست خبير إحصاء ولكن كانت ندرة حصول هذا الأمر عالية جداً، فقد استطاع أن يختار ثلاثة من ستة لم يكونوا متهمين بسرقته. وقد غضب القاضي بشدة وقرأ أسماء الثلاثة الذين كان يجب عليه أن يختارهم وحين وقفوا قال القاضي: «هؤلاء هم الرجال. أليس كذلك؟» فقال الشاهد: «آه.. نعم» وهنا قال القاضي: «ثبتوا في السجل أنه تعرف على المذنبين بشكل صحيح». لم أصدق أني كنت موجوداً هناك يومها. ثم حدث شيء وضع الختم على طبيعة الحدث. أو الترتيب المصمم للعرض علينا. كان أحد المتهمين رجلاً عجوزاً، كان قد وقع على إفادة تقول بأن اثنين من المتهمين وهما ابنا شقيقه كانا على صلة بأسامة بن لادن. وأنهما كانا يذهبان إلى أفغانستان ويلتقيانه بانتظام. كان يقف هناك وكان شيخاً واهناً ومنحنياً، شرقي الملامح وله لحية بيضاء طويلة ويغطي رأسه بغطاء رأس. كان واقفاً حين قرأت إفادته، ثم فجأة اعتدل في وقفته وحدق في عيني القاضي وقال: «هذا ليس صحيحاً، لقد عذبوا أولادي أمامي حتى وقعت على الكلام، نحن مزارعون فقراء، وماذا نعرف عن أسامة بن لادن؟ ما علاقتي بأسامة بن لادن؟» وقد تكالب عليه الحرس وأخرجوه بسرعة. ولكني شعرت أنه كان يقول الحقيقة.

في نهاية المحاكمة وجد أن المتهمين جميعاً مذنبون وبعضهم حكم بالموت. كانت إحدى التهم قتل اثنين من رجال الشرطة، وقد اكتشفت من منظمة هيومان رايتس ووتش HRW أن عدداً كبيراً من الناس ربما 12 أو 20 فقد نسيت أيهما، قد تمت إدانتهم بالجريمة. ولم يكن هناك إيحاء بأن هذين الشرطيين قد قتلا بواسطة أحداث شغب أو مؤامرة. وإنما الحكاية أنه حين تحدث جريمة حقيقية مثل القتل تستخدم حكومة الأوزبك هذه الذريعة للتخلص من الكثير من المعارضين بدون مشكلة. والآخرون الذين حكم عليهم بهذه الجريمة بالذات لم يكونوا من طشقند، وإنما من مختلف أنحاء الدولة.

أقول لكم حقيقة أخرى: في أوزبكستان نسبة تجريم المتهمين في المحاكمات أكثر من 99%. أعرف هذا لأن وزارة التنمية الدولية في بريطانيا DFID لديهم مشروع وضع معدات تسجيل في قاعات المحاكم من أجل التسجيل الرسمي. لأن إحدى مشاكل النظام هي أن أقوال الدفاع لا تسجل أبداً. لقد أقيمت عدة آلاف من المحاكمات وسجلت. وهكذا سألت كم متهماً خرج من هذه المحاكمات بحكم البراءة، وكان الجواب... صفر. وقد أثرت هذا الموضوع مع وزير الخارجية الأوزبكي وقال لي: «إذاً أنت ترى أن نظامنا منضبط. في بلدكم لديكم نظام سيء حيث يمكن اتهام الأبرياء. في بلادنا لا يتهم الأبرياء مطلقاً وإنما المذنبون فقط. ولهذا يحكم عليهم جميعاً». هذا الجواب طبعاً أعاد لي الاطمئنان!!

في اليوم التالي استلمت من ذات زميلي في القسم السياسي مظروفاً. قال ربما لا تود أن تنظر في هذا، ولكنها القضية القادمة. ومع هذا فقد أخرجت الصور من المظروف، وكانت صور جثة رجل اسمه افازوف، كانت أمه التي جاءت بالصور وكان متهماً بأنه عضو، وربما كان فعلاً، في حزب التحرير وهي طائفة إسلامية متطرفة، ولكنها لا تدعو للعنف، ولكن العضوية في تلك الطائفة هي جريمة بحد ذاتها، وقد اعتقل حيث عذب من أجل توقيع براءة من مذهبه، والمعتقلون عادة يعذبون من أجل التوقيع على البراءة والتأكيد على ولائهم للرئيس ثم الإفشاء بأسماء رفاقهم. إذا قمت بكل ذلك فلديك فرصة معقولة للخروج من السجن بعفو رئاسي. وقد عذب المعتقل مع زميله ابيسوف من أجل توقيع البراءة وقد رفضا ذلك كما استمرا في الصلاة خمسة أوقات في اليوم. نتيجة لذلك رميا في حاوية مليئة بالماء المغلي فقضي عليهما. لم أكن أعرف كل هذه التفاصيل في وقتها، كل ما رأيته هو تلك الصور لهذه الجثة التي تبدو في صورة شنيعة ولم أستطع أن أتصور ماذا حدث للمتوفى.

أرسلت الصورة إلى قسم الطب الشرعي في جامعة غلاسكو. كان هناك الكثير من الصور، وقد كتب لي رئيس خبراء القسم والذي أصبح الآن كبير خبراء الطب الشرعي في بريطانيا أن التفسير الوحيد هو «الغمر بالماء المغلي». قال «غمر» وليس رشاً أو إرذاذاً بالماء المغلي، لأن هناك خط موج واضح حول الجذع الأعلى و الأطراف العليا وأيضاً كان من الواضح أن نوع الحرق سببه سائل مغلي وليس لهب نار. كما اكتشف الخبير أن أظافره قد انتزعت. وقد صدمني كل ذلك.
ما أن انتشر في أوزبكستان أني معني بهذه الحالات حتى بدأ الناس يقصدون بابي: الضحايا وأهالي الضحايا. وقد بدأنا في إنشاء دليلاً مصوراً يتضمن هذه الحالات الشنيعة، ولا أستطيع أن أقدم لكم إحصائية دقيقة ولكن من بين هؤلاء المتهمين الـ99% الذين وجدوا «مذنبين»، يكون أكثر من 90% منهم قد اعترفوا بأشياء لم يرتكبوها. ونسبة التجريم غير العادية، ونسبة الاعترافات غير العادية مبنية كلها على أشكال التعذيب الفظيعة، وهذه ليست حالات معزولة. فقد جاء الموفد الخاص للأمم المتحدة في قضايا التعذيب في نوفمبر 2002 وقدم تقريراً يقول فيه أن ممارسة التعذيب في أوزبكستان كانت «منتشرة ومنتظمة» في كل أجهزة الأمن.
حين تصبح سفيراً تقوم بزيارات مجاملة لنظرائك، وهكذا ذهبت لزيارة السفيرين الفرنسي والألماني وقلت لهما: «إن هذا شيء مفزع، لا أصدق ما أجده هنا. أنا مصدوم به». قال لي السفير الفرنسي: «أوه.. عليك ألا تقابل هؤلاء الناس إذا كان ذلك يقلقك». وقال الألماني: «طبعاً كلنا نعلم أن انتهاكات حقوق الإنسان هنا بالغة السوء، ولكننا نعرف أيضاً أن الرئيس كريموف هو حليف مقرب جداً من الولايات المتحدة، ولهذا لدينا اتفاق على ألا نذكره».

أرسلت برقية إلى لندن بحديث السفير الألماني وقلت إني أفترض أنه ليس هناك مثل هذا الاتفاق بأي شكل رسمي، وأني لا أشك في أن الوزراء البريطانيين لن يقبلوا بشيء مثل هذا، واقترحت القيام ببعض الخطب وإثارة جلبة حول ذلك. وقد بدأت بتنفيذ اقتراحي (قبل أن يكون لديهم وقت للإجابة).

الزيارة التي قمت بها للسفير الأمريكي كانت الأكثر مدعاة للاهتمام. قلت إن منظمة هيومان رايتس ووتش كانت تقول أنه هناك حوالي سبعة آلاف سجين سياسي في أوزبكستان. وكنت في هذه المرحلة قد بدأت في التجول في المدن والقرى والحديث إلى الناس. وكنت في كل مناسبة أحاول أن أحصل على فكرة عن عدد المعتقلين لأسباب سياسية أو دينية في هذه المدينة أو تلك. وفي إحدى المدن في وادي فرانة اختفى 300 شخص من سكان عددهم الإجمالي 1500، وقد بدأت أكون رأياً ، هناك في الواقع أكثر من 7000 سجين، خاصة أن هذا العدد يشمل فقط أولئك الذين اعتقلوا لأسباب سياسية أو دينية، في حين أن هناك الآلاف الذين زرعت في بيوتهم مخدرات أو أسلحة من أجل توريطهم في تهمة. وكان مثيراً للملاحظة أن كل المعارضين السياسيين في أوزبكستان تقريباً ينامون وفي الخزانة المجاورة لأسرّتهم كمية كبيرة من المخدرات تستطيع الشرطة أن «تعثر» عليها دائماً.

إذا شملت هؤلاء الذين لا تحب منظمة مراقبة حقوق الإنسان تبنيهم لأنهم متهمون رسمياً بجريمة، يكون الرقم الصحيح هو أن هناك من 10 إلى 20 ألف سجين في أوزبكستان بسبب معتقداتهم. قال لي السفير الأمريكي: «حسناً معظمهم مسلمون» وكأنه اعتقد أن هذا يفسر كل شيء. فأجبته أني لا أعتقد أن هذا سبب كافٍ لاحتجازهم. قال: «ولكنهم مسلمون متطرفون»، قلت: «مما أستطيع رؤيته هناك حالات قليلة جداً من العنف الإرهابي أو السياسي في أوزبكستان، ومعظم هؤلاء الناس ليسوا متطرفين بمعنى أنهم يدعون للعنف». ما قاله لي كان: «نحن جيران أفغانستان، جيران طالبان، إن نوع المجتمع الذي فرضته طالبان هو بحد ذاته نوع من العنف، وعلى سبيل المثال قمع النساء وهو بحد ذاته نوع من العنف. فإذا كان هذا هو الذي نمنعه، فإن تقليل الحريات المدنية ليست شيئاً سيئاً». وقد أجبته بأنه ليس هناك في تاريخ أوزبكستان حالات مثل نموذج طالبان من التطرف الإسلامي، وبالتأكيد فإن الناس الذين التقيت بهم لم يكونوا من نوع متطرفي طالبان بأي شكل. وأكثر من ذلك حتى لو كان بعض هؤلاء الناس يدعون لمجتمع أساسه الإسلام بتطبيق الشريعة وما إلى ذلك وفما دام هؤلاء لا يدعون إلى العنف من أجل الوصول إلى غايتهم فإنه يظل بمثابة حالة: «أنا أكره ما تقوله ولكني سوف أدافع عن حقك في أن تقوله». وقلت أني بالتأكيد لا أعتقد أن هناك أي مبرر لرمي الناس في السجن وخلع أظافرهم.

على أية حال كان الأمريكان ومازالوا مستعدين لإعطاء كريموف مجالاً واسعاً من التحرك إلى مدى إغراقه بمساعدات من عدة مئات من ملايين الدولارات كل عام. ومنذ بدأ القلق يثار حول انتهاكات حقوق الإنسان في أوزبكستان أصبح الأمريكان أكثر حرصاً في الإقرار بالقيمة الكلية للمساعدات. وهناك الكثير جداً مما يصب من ميزانيات مختلفة (بعضها مخفي) حتى أنه من الصعب تحديد مبلغ المساعدات الأمريكية لأوزبكستان. في كانون الأول 2002 أصدرت السفارة الأمريكية في أوزبكستان تصريحاً صحفياً يقول إن مساعدات أمريكا لأوزبكستان في عام 2002 كانت أكثر من 500 مليون دولار وإذا وضعنا هذا بمنظور آخر، نجد أن هذه المساعدات أكثر بكثير مما تقدمه الولايات المتحدة لكل غرب أفريقيا، مما يبين كما أعتقد أن معيار المساعدة ليس التقدم والنمو. ومنذ ذلك الحين وهم أكثر حذراً سيما ما يخص إعلان قيمة المساعدات العسكرية والأمنية. وربما خفضت الآن قليلاً، ربما أصبحت الآن بين 300 و 500 مليون دولار في السنة للحفاظ على نظام كريموف.

لقد قلت لك آنفاً أنه لا مجال هناك للديمقراطية، كان هناك تقاليد لأحزاب تعود لفترة ما قبل السوفييت. كان هناك حزبان في أوزبكستان وكلاهما يضمان معارضين متميزين وكلاهما ممنوعان من الاشتراك في انتخابات كانون الأول البرلمانية، وأشك كثيراً أن يعرف أحد من الحضور هذا.. حيث ليس هناك وسيلة لمعرفة ذلك، ولكن في أوزبكستان تجري الانتخابات في 26 كانون الأول في نفس يوم انتخابات أوكرانيا – وكلتاهما جمهوريتان في الاتحاد السوفييتي السابق – في الانتخابات الأوزبكية لم يسمح لأحزاب المعارضة بالاشتراك، بل سمح للأحزاب التي تؤيد الرئيس وبرنامجه.

والآن كلنا شاهدنا كولن باول على شاشة التلفاز وهو يندد بتزييف الانتخابات في أوكرانيا ويتحدث عن الحاجة إلى نشر الديمقراطية. ولكن الولايات المتحدة لم تقل شيئاً عن صديقها وانتخاباته المزيفة في أوزبكستان لأن الديمقراطية ليست على الأجندة هنا. حين ذهبنا إلى الحرب مع الولايات المتحدة - اعتقدت في ذلك الوقت أنها كانت بشأن ملف أكاذيب أسلحة الدمار الشامل- ولكن اتضح أن الأمر لم يكن ذلك على الإطلاق، وإنما كان لفرض الديمقراطية. كيف يمكننا أن نفعل ذلك في مكان من العالم في حين أننا ندعم في نفس الوقت رئيس أوزبكستان وهو أحد أكثر الدكتاتوريين شروراً في العالم؟ الجواب طبعاً أنه ليس هناك منطق في هذا لأن الديمقراطية في العراق هي مبرر لحرب تشن خصيصاً من أجل مصالح أمريكا الهيدروكربونية النفطية والغازية وهي أيضاً مصالحهم في أوزبكستان.

لأمريكا قاعدة جوية في أوزبكستان، فيها سريتان من القوة الجوية الأمريكية رسمياً، وهناك الكثير مما لا يفصحون عنه، ويحميها عدة آلاف من القوات وقد استخدمت في العمليات ضدّ أفغانستان. وأصبحت الآن قاعدة مستديمة وهو مكون مهم من مكونات مفهوم دونالد رامسفيلد لما يسميه (أوراق زنبق الماء الطافية) التي تحيط بما يسميه (الشرق الأوسط الكبير) وهي سلسلة قواعد جوية يمكن للولايات المتحدة استخدامها: القواعد البريطانية في قبرص هي الطرف الغربي وأوزبكستان هي الطرف الشرقي. سلسلة من أوراق الزنبق الطافية حيث يمكن لأمريكا أن تبرز عضلاتها العسكرية بسرعة في أي منطقة غنية بالبترول في الشرق الأوسط.

في اليومين الماضيين، أعطيت إشارة البدء لبناء خط أنبوب إلى أفغانستان من شأنه أن يحمل احتياطات الغاز الهائلة في آسيا الوسطى إلى الخارج. وأوزبكستان في حين أنها الدولة المسيطرة في آسيا الوسطى ولكنها ليس لديها كميات مهمة من الهيدروكربونات، ولكن في مصطلحات القوة العسكرية وعدد السكان هي اللاعب المهيمن في المنطقة، وآسيا الوسطى لديها غاز يكفي لتجهيز العالم الغربي في المستويات الحالية للاستهلاك لخمسين عاماً آخر على الأقل. وهكذا فإن كل هذا هو حول استعراض القوة والهيدرو كربون، وإذا كان يمكن استعراض القوة بشكل أفضل بدعم ديكتاتور فلا بأس مادام لا أحد يعرف، لأنه لا أحد في الغرب يعرف شيئاً عن ذلك. إن عدد الناس في الغرب الذين يعرفون ما قلته لكم اليوم قليل جداً، وربما تكونون الناس الوحيدين في مقاطعة يورك الذين يعرفون أي شيء عن أوزبكستان. والأوزبك يلعبون دورهم ويساعدون تبرير الأمريكيين بأن ما يفعلونه هو جزء من الحرب على الإرهاب. والوسيلة الرئيسية لتنفيذ ذلك هي تقديم معلومات استخباراتية تربط المعارضة الأوزبكية بالقاعدة.

في نوفمبر 2002 كنت جالساً أقرأ في مادة استخباراتية من MI6 فرأيت بعض الإشارات التي تدل على أن بعض الاستخبارات مستقاة من CIA وقد قدمت لها من جهاز استخبارات آخر، ومن النص كان واضحاً أن المعني هو الاستخبارات الأوزبكية. كان هناك تقريران: أحدهما حول تهديد لسمرقند وهي مدينة في أوزبكستان، والتهديد من المقاتلين الطاجيك في التلال، وهم مقاتلون مسلمون يقول التقرير أنهم سوف يهبطون من التلال ويهاجمون المدينة. ونحن نعرف أن هذا على وجه الخصوص لم يكن صحيحاً، فالملحق العسكري كان هناك ونحن نعرف المواقع فليس ثمة معسكرات تدريب حيث قيل أنها هناك. والتقرير الثاني كان يتحدث عن روابط بين جماعة معارضة أوزبكية والقاعدة وأسامة بن لادن. نفس الأسلوب الذي رأيته سابقاً. بدأت أفكر: هل حصلوا على هذه المعلومات من خلال التعذيب؟ كيف وصلت إلى هنا؟ ومن أين أتت؟ لهذا قلت لنائبتي: «أريد أن أعود إلى لندن وأقدم شكوى في هذا الموضوع، ولكني لا أريد أن أجعل من نفسي أضحوكة، فهل يمكنك أن تذهبي وتتحدثي مع الأمريكيين لأنه من المحتمل أن يكونوا قد وضعوا شروطاً لضمان ألا تمرر إليهم معلومات حصل عليها الأوزبك من خلال التعذيب. وربما اشترط الأمريكان حضورهم لاستجوابات الأوزبك إذا كانت المادة سوف تنتهي إلى الولايات المتحدة». طبعاً كان هذا قبل أبو غريب حين كنت أشعر بسذاجة أن حضور الأمريكان الاستجوابات سوف يمنع تعذيب الناس ناهيك عن المساعدة فيه و تسهيله. وهكذا ذهبت وقابلت رئيس محطة CIA في طشقند وقالت له: «رئيسي يشعر بالقلق من أن تكون هذه المعلومات نتجت عن تعذيب» فقال لها: «ربما تكون جاءت نتيجة تعذيب، لا نرى في ذلك مشكلة». وعادت وأخبرتني بما حصل وهكذا ذهبت إلى لندن وقلت: «هذه المعلومات لا قيمة لها لأنها قد تكون نتيجة تعذيب» ولم ترد عليّ لندن في الواقع.

عدت في شباط وأنا أقول نفس الشيء تقريباً، فاستدعوني إلى لقاء في آذار 2003 حيث قال لي المستشار القانوني في وزارة الخارجية السير مايكل وود إنه ليس شيئاً غير قانوني الحصول على معلومات تحت التعذيب. إذا قرأت اتفاقية الأمم المتحدة ضد التعذيب تجد أنها لا تقول أن ذلك غير ممكن، بل هي تقول أنك لا تستطيع أن تعذب الناس، وتقول أنك لا تستطيع استخدام مادة حصلت عليها من التعذيب في المحكمة، وهي لا تقول أنك لا تستطيع أن تذهب إلى جهة أخرى عذبت شخصاً وتحصل على المواد المتحصلة بالتعذيب وتستخدمها.

في رأيي أن الاتفاقية الدولية لم تقل ذلك لأنه شيء لا تحتاج إلى قوله. إضافة إلى أنه كان يغفل المادة الرابعة من الاتفاقية التي تتحدث عن التواطؤ في التعذيب. أساساً إذا كنت تحصل بانتظام على مواد من جهة أمنية تستخدم التعذيب بانتظام، وإذا كنت تكرر استعانتك بتلك الجهة للحصول على المواد تحت التعذيب فإنك شريك. ومازالت وزارة الخارجية تؤكد أنه لا بأس من الحصول على تلك المواد. والمبرر الرسمي هو: «إننا لا نقوم بالتعذيب ولا نشجع التعذيب ولكننا سنكون عديمي الإحساس بالمسؤولية إذا أهملنا معلومات تتعلق بالحرب على الإرهاب».

وإذا ضغطت عليهم سيقولون: «ماذا إذا قدم لنا الأوزبك فجأة معلومات أن طائرة سوف تصطدم بمبنى Canary Wharf ؟ هل تريدنا حقاً أن نهمل هذه المعلومات؟» هذا طبعاً يقلل من حقيقة أن المعلومات ليست كلها صحيحة على أية حال، كل هذا هراء. كان من المستحيل أن تلتقط النتف الحقيقية وسط كل هذا الزبد، يجب أن أعترف أني صعقت ولكني مرة أخرى فكرت بسذاجة: «إننا نحصل على هذه المعلومات من أناس تعرضوا للتعذيب ومن الواضح أن الناس في لندن لم يستوعبوا ذلك. حينما أوضح لهم الأمر سيتوقفون».

ولكن لم يكن هذا هو الواقع. في هذه المرحلة ازدادوا غضباً خاصةً بإحساسهم بأني أقول أن الاستخبارات لم تكن جيدة، ولا أعتقد أني ساعدت نفسي بالتلميح إلى أن ملف أسلحة الدمار الشامل كان هراءً أيضاً. كان يبدو عليهم الولع بالمعلومات الاستخباراتية الضحلة، وهكذا لم يجدوا أن تلك الإشارة كانت لطيفة، ولكن إنها نقطة مهمة جداً. يجب أن تسألوا أنفسكم لماذا تحب الأجهزة الاستخباراتية المعلومات؟ لقد رويت لكم قصة زميلي توم وستيفان، وملف أسلحة الدمار الشامل الذي يحوي 152 مادة اتضح أنها كلها غير صحيحة... كل مادة لعينة منها. كل هذه المواد جاءت من دفع مكافآت ضخمة لمخبرين محتالين، ليس فقط كانوا يحصلون على معلومات يريدون سماعها، كانوا يريدون أن يسمعوا أن صدام حسين خطر رهيب، أرادوا أن يسمعوا أن المعارضة في أوزبكستان كلها مرتبطة بالقاعدة وكلهم يريدون تفجير كاناري وارف، لماذا؟ حسناً إذا كنت بطبيعتك شكاكاً فستقول أنه سواء بالوعي الظاهر أو بالوعي الباطن، فكلما كان الخطر يبدو أكبر كلما كانت الحاجة تزداد للأجهزة الأمنية، وبالتالي هذا يعني ميزانيات وموارد أكبر وأجور أعلى ومعدات للعب بها. وعليك أن تسأل: «من يستفيد من ذلك؟» هم المستفيدون، نعم هم المستفيدون. كما أنهم يفيدون الحكومة لتقديم مبررات لطوني بلير ليقف في مجلس العموم ليقول: «لأني مسئول عن سلامة كل الشعب في المملكة المتحدة فإننا نستطيع أن نلغي الحريات التي وجدت منذ أيام الماغنا كارتا»، إنهم يستفيدون من هذه الأكاذيب.. الأكاذيب التي تم الحصول عليها من التعذيب. مازال هناك أشخاص في سجن بيلمارش محتجزين هناك منذ ثلاث سنوات دون محاكمة، حتى بدون إعلامهم بالتهم الموجهة إليهم على أساس مواد استخباراتية.

لقد رأيت ذلك بعيني في أوزبكستان فقط ولو كننت سفيراً في السعودية أو في مصر أو سوريا وعدد من الأقطار فسوف اطلع أيضاً على معلومات نتجت عن تعذيب. علاوة على ذلك هناك دلائل متزايدة حول قيام الولايات المتحدة بشحن أشخاص من الدول التي لا تمارس التعذيب إلى دول تمارسه من أجل تعذيبهم والحصول على معلومات منهم. نوع من المقاولات الباطنية للتعذيب. إذاً هذا هو نوع الأدلة الهراء التي تستند إليها الحكومة لحجز الناس في هذه البلاد ويبدو لي أننا فقدنا كل مفاهيم الشرعية في العلاقات الدولية. في نوفمبر انتقدت هذه البلاد – المملكة المتحدة – من قبل لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة في جنيف. كيف تركنا ذلك يحدث؟ لقد دخلنا في حرب غير شرعية ضد العراق متحدين رغبة مجلس الأمن. حتى أننا لم نكلف أنفسنا لطلب قرار ثان من مجلس الأمن لأننا عرفنا مسبقاً أننا سوف نخسر التصويت وهكذا ذهبنا إلى الحرب بدونه. وقد قال كوفي عنان بعد ذلك أن الحرب غير قانونية ولا أعتقد أنكم سوف تجدون الكثير من الأكاديميين أو خبراء القانون الدولي الذين يعارضونه في الرأي. إن الرأي القانوني واضح جداً في جبهة وجهة النظر التي تقول أن الحرب غير شرعية. لقد دسنا على أخلاقنا ولم نخجل من حقيقة أننا قدمنا لمجلس الأمن ملفاً مليئاً بالأكاذيب.

ما الذي حدث لهذه البلاد؟ كنت أحب عملي فيما مضى وكنت فخوراً بتمثيل بلادي. كنت فخوراً لتمثيل بلادٍ كنت أظنها تدافع عن حقوق الإنسان، وحكم القانون والأمم المتحدة والعدل في العلاقات الدولية. ويبدو أننا رمينا كل ذلك من النافذة لصالح سياسة تقول: «إن الولايات المتحدة هي القوة المتفوقة الوحيدة في العالم، ويمكنها أن تفعل ما تشاء وسنكون على ما يرام لأننا سنكون أفضل رفاقها». إن هذا لا يشكل أساساً لسياسة خارجية على الإطلاق. أعتقد أنه من الضروري تماماً للناس أصحاب النوايا الحسنة في هذه البلاد أن يبدؤوا بالفعل بإثارة جلبة حول هذا الموضوع ولديكم فرصة جيدة لأن هناك انتخابات عامة قادمة. من الواجب عليكم حين تعودون إلى منزلكم.. إلى دوائركم الانتخابية أن تبحثوا عن مرشحين راغبين في تحمل مسؤولية هذه القضايا. إذا كانوا في حزب العمل اسألوهم لماذا بحق الجحيم لم يتركوا حزب العمال حتى الآن؟ يمكنهم أن يكونوا ديمقراطيين ليبراليين أو خضراً أو أي شيء ولكن علينا أن نحاول إعادة إنعاش مسيرة الديمقراطية ونحفز الناس على الاهتمام بها. أما أنا فسوف أذهب إلى بلاكبرن وأرشح نفسي كمستقل أمام جاك سترو من أجل إثارة وعي الجمهور بهذه القضايا بأقصى ما أستطيعه من قدرة، سوف تقوم صحيفة الجارديان بنشر يوميات حملتي مما سوف يعطي فرصة في إثارة بعض هذه القضايا. ولكن ليس مقبولاً أن تكتفي بالقول: «آه... نعم هذا شيء شنيع» عليك أن تخرج وتفعل شيئاً لأن هناك خطراً حقيقياً، إذا استمرينا في الانزلاق إلى الشمولية والانزلاق نحو مساندة نظام عالمي لا يقوم إلا على قوة متفوقة وحيدة، فلن تكون هذه البلاد في السنوات القليلة القادمة، بلاداً يمكن أن يفخر بها أياً كان.

كريج موريي
السفير البريطاني السابق في أوزبكستان

 

 

 

.

 

>
عن أوزبيكستان
إصدارات
كتابات
صور تحكي
صوتيات ومرئيات
شارك بكلماتك
اتصال
الصفحة الرئيسية
الحملة الثانية
الحملة الأولى