روى ابن اسحق في سيرته قال : كانت بنو مخزوم يخرجون بعمّار بن ياسر وبأبيه وأمه ، -وكانوا أهل بيت إسلام -، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة . فيمرّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول – فيما بلغني - : (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة . (
وروى الإمام البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسدٌ بردةً ، وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدّة ، فقلت : ألا تدعو الله ؟! وفي رواية أخرى عند غير البخاري ، (ألا تدعو لنا ألا تستغفر لنا ؟! ) ، فقعد وهو محمرٌ وجهه فقال -: لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيُشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليُتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل " زاد بنان – أي أحد رواة الحديث – والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ).
هذه هي بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الإيمان الصابرين على دينهم ، الصابرين على الهدف المنشود ، الذي يسعون لتحقيقه في الأرض بإقامة سلطان الله فيها ، ونشر الرحمة ، والضياء والنور الساطع فوق ربوع الأرض وبين بني البشر ...
بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخيرة البشر من الخلق وهم يحملون لواء التغيير ؛ تغيير الفساد بالرشاد ، وتغيير الاعوجاج بالاستقامة ، وتغيير الظلام والظلم والجهل بالنور والعدل واليقين في الدنيا والآخرة ...
إنها لجائزة عظيمةٌ عظيمة من الله تعالى!! لا يستطيع إعطاءها أحد سواه ، فمن يستطيع مناصرة المظلوم الضعيف الذي لا حول له ولا قوة من ظالم عاتٍ متغطرس، عالٍ متكبر في الأرض لا يقف أمامه أحدٌ من الناس؟؟! ، من يستطيع مجازاة الصابرين على صبرهم وإيمانهم وعملهم الصالح بجنة عرضها كعرض السماء والأرض ، وإعطاءهم أجرهم فيها بغير حساب سوى الله تبارك وتعالى ؟؟! .
ففي هذيـن الحديثين الشريفين جائزتان عظيمتان لأهل الإيمان ، الصابرين على إيمانهم ، العاملين على التغيير ، متحملين في سبيل ذلك كل ألوان القهر والعذاب والاضطهاد وضنك العيش ، والسجن والحرمان والجوع والعطش والمطاردة والملاحقة ...!!
أما الجائزة الأولى فهي في دار الدنيا ، وهي تمكينٌ واستخلاف في الأرض ، وأمنٌ وعدل ورفاه وعزّة ومنعة وقوة ، وفي نفس الوقت علوٌّ فوق الظالمين ، وكسرٌ لأعناقهم لتتهاوى تحت أقدامهم، وذلك بعد الانتصار عليهم فكرياً وعسكرياً ، وخضوع أرضهم جميعها لسلطان المسلمين .... عند ذلك يفرح المؤمنون بهذا النصر العظيم ، وهذا التمكين الراسخ الثابت ، الباسق العالي الشاهق ، فتطمئن نفوسهم وتسكن وتهدأ ، وتشفى صدورهم مما أصابها من قهرٍ وظلم وتسلط واضطهاد .
هذه الجائزة العظيمة قد كانت للأنبياء والرسل قبل رسولنا عليه السلام وصحابته الغرّ الميامين ، ) ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض فنجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض ... ) ( القصص / 5 ) . وكانت لرسولنا عليه السلام حيث مكَّن لهم الحق تبارك وتعالى في المدينة المنورة ثم في جزيرة العرب كلها ، ثم في كثير من أرجاء الأرض.
وأن هذه السنَّة الإلهية العظيمة ماضيةٌ وباقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، قال تعالى مبيناً ذلك : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ) ( النور / )55 . وهذه الآية الكريمة من سورة النور قد نزلت في المدينة بعد الدولة ، وفي هذا إخبارٌ من الحق تبارك وتعالى لمن يأتي بعد الرسول عليه السلام ؛ إخبارٌ أنهم موعودون ومبشّرون بما جاء في هذه الآية من بشارات .
وسنقف قليلاً عند بعض المعاني العظيمة في هذه الآية البيّنة لأنها تلزمنا نحن حملة الدعوة ونحن نمرّ في نفس الأحوال التي مرّ بها رسولنا عليه السلام قبل قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة .
وأول هذه المعاني العظيمة : أن الوعد الإلهي الذي ورد في هذه الآية الكريمة لحملة الدعوة المخلصين هو وعدٌ قطعي لا شك فيه ، ولا يتخلف أبداً ، لأن الوعد في هذه الآية مسندٌ إلى الله تبارك وتعالى لا لأحد سواه من الخلق " وعد الله " ، وعندما يُسند الأمر إلى الله تبارك وتعالى القادر المقتدر ... خالق السماوات والأرض وما بينهما ... الذي يقول للشيء إذا أراده كن فيكون ... فإن هذا الوعد لا يتخلف أبداً مهما كانت الأحوال ، ومهما كان حال حملة الدعوة من ضعف وقلّة ، وحال الظالمين من كثرة وقوة وسلطان ، فمن أوفى بعهده من الله ؟! ومن أصدق من الله قيلا ؟! ، ومن أصدق من الله إخباراً وحديثاً ؟!.
والحقيقة أن هذه المسألة العقيديّة يجب أن ترسّخ أمرين مهمين عند حملة الدعوة من شباب الحزب ، الأول : اليقين بنصر الله تعالى وتمكينه لحملة الدعوة بوفائه بعهده ووعده الذي وعد ، وعدم ورود أي شكّ أنّ ذلك يتخلف ، فإن حصل هذا الشك كان ذلك خلل في الإيمان ويجب مراجعة ذلك حتى يحصل اليقين الجازم .
فيجب على حملة الدعوة أن يكون عندهم اليقين بأن دولة الإسلام ستقوم ، وأن وذلك منّة من الله تعالى لهم ، وجائزة عظيمة بسبب صبرهم وإيمانهم وعملهم الصالح ، وأن قيامها لن يؤخره شيء من عوائق الواقع أو البشر ، لأن الله تبارك وتعالى يهيئ الأسباب جميعاً التي تتقدم هذا الأمر الجلل العظيم .
الأمر الثاني : النظر إلى مسألة الزمن نظرةً إيجابية لا سلبية ، وذلك أن الله تبارك وتعالى يريد بالأمور خيراً لا شراً للمسلمين ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) (البقرة / 216 .
فإذا نظرنا إلى سيرة الصحابة رضوان الله عليهم رأينا أن النصر الإلهي قد جاءهم على موعد طيّب تهيأت فيه الأجواء ، وظهر زيف المبادئ الفاسدة ، وحصل التصديق بصِحّة هذا الدين حتى من أعداء الدين أنفسهم ، وفي نفس الوقت تهيأت فيه نفسيات الصحابة بعد رحلة اختبار وامتحان وابتلاء ؛ تهيأت لحمل الأمانة العظيمة ، وتهيأت لاستقبال أمر جلل لمعرفة قدره وشأنه ، وكذلك تهيأت الأجواء في حاضنةٍ طالما انتظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون قادرة على نصرة هذا الحق وحمله وحمايته .
وهكذا سيأتينا نصر الله تعالى على موعد طيب تماماً كما جاء رسول الله وصحبه ، فيجب على حملة الدعوة أن لا ينظروا إلى مسألة الزمن نظرةً سلبية أبداً توصل البعض منهم للتشكيك في إخلاصه ، أو في الفكرة التي يحملها ، فيبدأون بكيل الاتهامات لأنفسهم ولغيرهم أو للحاضنة التي تجمعهم . فهذا إن حصل عند البعض عن جهلٍ وسوء تقدير ، فإنه يتنافى مع مسألة اليقين بوعد الله تعالى ، ويتنافى مع حكمة الله ومع سننه في الدعوات السابقة للأنبياء ومن ناصرهم من المؤمنين .
فالنصر من الله تعالى يأتي على موعد مضروب ، ومن الخطأ أن نقول أن النصر قد تأخّر أو تقدّم لأن ذلك هو من علم الغيب الذي لا يعلمه أحد سوى الله تبارك وتعالى ، (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم ) ( الأنفال / 10 .
ولو نظرنا إلى عامل الزمن بعقلنا المحدود الذي لا يحيط بجميع الأمور من كافّة جوانبها لرأينا أن الزمن السابق كان لصالح الدعوة لا عكس ذلك .
فالدعوة مرت في مراحل من الاختبار والتمحيص ، والتجارب ما جعلها أكثر قوة وعافيةً ، ومعرفة بأمور الحكم والسلطان والسياسة والرعاية الداخلية والخارجية ، وازداد عدد أتباعها في البلاد العربية وخارجها أكثر من أي وقت مضى حتى باتت فروعها تمتد في القارات الخمس على وجه المعمورة ، وحصلت لها الأجواء التي مكّنت القريب والبعيد من التعرف عليها ، ومعرفة ثباتها وثبات حملتها ، وصفاء فكرهم وقوته ، وازدادت ثقافتها، وازداد عدد المبدعين من حملة هذه الثقافة حتى أصبح عندها مفكرون وعلماء ومبدعون يتفوقون على غيرهم.
وإن هذا الأمر بحدّ ذاته هو شيء طيب إذا نُظر من خلاله إلى مسألة الزمن الفائت ، فالدعوة لا سمح الله لم تنحدر كما حصل مع دعوات أخرى إسلاميةٍ أو غير إسلامية ، وإنما تقدمت إلى الأمام خطوات كبيرة ، وكبيرة جداً .
ولو نظرنا في نفس الوقت إلى الخصوم الفكريّين الذين وقفوا في وجه الدعوة في الخمسينات والستينات من أتباع القومية العربية وزعاماتها ، وأتباع الاشتراكية والبعثية وغير ذلك من دعوات واهية ، لو نظرنا إلى هؤلاء الخصوم فماذا نرى ؟! نرى أن أفكارهم قد ذابت كما يذوب الجليد حيث هيأ الله لها أسباب الذوبان من عقول الأمة ومن قلوبها ، حيث هُزمت فكرياً وعسكرياً في الساحة وهزم قادتها ، فأين عبدا لناصر ، وأين غيره من أتباع القومية ، أين هم أتباعهم ، بل أين هي أفكارهم اليوم ؟!
أما إذا نظرنا إلى المبادئ الشريرة على وجه الأرض فإننا نرى أن الله تبارك وتعالى قد هدم واحداً منها هدماً تاماً أدى إلى تفكك دولته ، وتبعثر منظومته كما يتبعثر العقد المنفلت ، وأخذ الناس يلعنونه ويتهمونه بأبشع التهم . لقد انهدمت الاشتراكية التي طالما حاربت الإسلام بشكل عام وحاربت أنصار حملة الدعوة بشكل خاص داخلياً وخارجياً ... لقد انهدم شعارٌ يقف على النقيض التام مع الدعوة ومع حملتها ، وليس ذلك فحسب بل إن شعارهم الذي تغنّوا به سنوات طويلة ورددّوه ( لا إله والحياة مادة ) ، قد نبت في أرضه اليوم شعارٌ يقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ووجد في تلك الأرض أنصار للدعوة أقوى من أماكن كثيرة في الأرض وهم يعملون بجدّ وإخلاص لإعلاء راية الإسلام في تلك الأرض .
وليس هذا السقوط هو فقط بالنسبة للاشتراكية ، بل إن الرأسمالية تسير اليوم على خطاً حثيثة في نفس الاتجاه الذي تهاوت فيه الاشتـراكية ، ولولا الكذب والتدجيل على الشعوب ، والعمل على مصّ دمائها لانهارت هذه الكذبة الكبيرة ( الرأسمالية ) ولرأيت أتباعها يحطّمونها ويحطمون شعارها ( شعار الحرية) تماماً كما حُطّمت شعارات الاشتراكية واحدةً تلو الأخرى في روسيا ودول أوروبا الشرقية ، ولكن الكذب يطوّل عمر النظام قليلاً ولا يبقيه أبد الدهر تماماً كما تتخفى الأنفس الكاذبة خلف كذبتها زمناً معينا ثمّ سرعان ما تنفضح بعده على رؤوس الأشهاد وتنكشف .
وإذا نظرنا إلى أبناء الأمة الإسلامية من جماهير المسلمين في العالم الإسلامي ، لرأينا أن الناس قد ضاقوا ذرعاً بهذه الزعامات ، وبأفكارها المطبّقة عليهم قهراً وقسراً ، ولرأينا التململ في أكثر بقاع العالم الإسلامي ضد الأفكار والزعامات معاً ، فأبناء الأمة – وخاصة بعد الأحداث الجسام التي مرّت في العالم الإسلامي في الفترة الأخيرة – أخذوا يتطلعون للانعتاق وللتحرر مما هم فيه من تبعية واستعباد وتسلط ، وهذا الأمر لم يكن من قبل في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، بل إن الجماهير كانت تهتف خلف قيادات كاذبة وأفكار موهومة .
أما البشرية بشكل عام فإنها كذلك ضاقت ذرعاً بالفكر الرأسمالي الكاذب ، بعد أن رأت سياسات دوله مثل أمريكا ودول أوروبا ، ورأت شعارات الحريّة المزيفة لا تطبق حتى داخل أرضها في الحكم واختيار الحاكم، وفي القوانين والتشريع ، وفي غير ذلك ، ورأت الانتهاك الصارخ لأبسط حقوق الإنسان في الحروب الحيوانية الهمجيّة السائرة وراء أهداف وضيعة ، كما حصل في أفغانستان والعراق ... لقد بدأت بعض الشعوب بالفعل تتطلع للانعتاق من ربقة الرأسمالية حتى داخل أرضها ، وبدأ أعداد من يعلنون إسلامهم في أمريكا وأوروبا يزداد يوماً بعد يوم ، وبدأت الشعوب تضيق ذرعاً بسياسات الساسة في أمريكا مما دفعهم للتظاهر والاعتراض على ذلك بمئات الآلاف .
أما ما يتعلق بالدعوة نفسها فقد أصبح يُحسب حسابها حتى من رؤوس الدول الكافرة ، وعقدت من أجلها مؤتمرات على مستوى عالٍ كالمؤتمر الذي عقد في ( طشقند ) ، والمؤتمر الذي عقد في ( واشنطن ) وضمّا أبرز قادة المنطقة المتخوّفة من نشاط حملة الدعوة في وسط آسيا ، حيث ضمت قادةً من الصين ومن أمريكا ومن روسيا وحتى من كبار رجال المخابرات في هذه الدول ، وضمت أيضاً قادة الدول المعنيّة في آسيا الوسطى في أوزبكستان وقرغيزتان وطاجاكستان ....
إننا نستطيع أن نقول أن النظرة إلى الزمن الماضي الذي مرت به الدعوة ترينا التقدم الكبير الذي أحرزته ، والخطوات العظيمة التي قطعتها ، حتى باتت قاب قوسين أو أدنى من موعود الله تبارك وتعالى ، رغم كل المحاولات المستميتة للحيلولة دون هذا الهدف العظيم من تلك الأنظمة الدكتاتورية التي تستمد قوتها وبقائها من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وجميع دول الكفر على وجه الأرض . ورغم الحرب الشرسة التي تقودها تلك الدول ضد حملة الدعوة .
أما الأمر الثاني من دروس هذه الآية المباركة فهو : شرط الاستحقاق الذي اشترطه الحق تبارك وتعالى على حملة الدعوة حتى يمنّ عليهم بالفرج القريب ، وهو : استمرارية الإيمان الصادق والتقوى ، والعمل الجادّ المخلص المبني على هذا الإيمان الصاد ق ،( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ... ).
إن من يدرك عظم الجائزة الإلهيّة التي وعدها الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين يدرك عظم الشرط لهذه الجائزة الذي اشترطه الحق تبارك وتعالى لذلك ، فالاستحقاق ( الجائزة ) ليس أي أمر من أمور الدنيا ، ليس مالاً ولا جاهاً ولا سلطاناً ، إنه ( أمانة وحي السماء ) التي اجتبى لها الحق تبارك وتعالى من الملائكة رسلاً ومن الناس ( الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس .... ) الحج / 75.
فالحق تعالى قد سلّم أمانة وحي السماء لخيرة الخلق من الأنبياء والرسل عن طريق خيرة ملائكة السماء جبريل عليه السلام ، وذلك حتى يكونوا أمناء عليها في حسن تبليغها والقيام بأمرها على أفضل وجه كما أراد الله تعالى .
وكذلك الأمر هو بالنسبة للدولة الإسلامية والقائمين عليها ، فهي وريثة النبوّة والرسالة في الحمل والتبليغ والأداء ( وكذلك جعلناكم أمـة وسطاً لتكونوا شهـداء على الناس .... ) ( البقرة / 143 ) . ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ... ) ( الحج / 41 ) .
فلا بد مـن الاجتباء والتمحيص والاختيار للاختيار والتحميل ، لأنّ الأمر عظيم ، والحمل ثقيل ، والأمانة غاليةٌ على الله تبارك وتعالى .
لا بد من معرفة الإيمان ، ومعرفته تكون بالاختبارات والامتحانات والابتلاءات ثم الصبر على ذلك والثبات رغم كل ذلك ، .. تكون بجعل الدنيا وشهواتها وأموالها ومناصبها خلف ظهورهم ، وجعل مرضاة الله تعالى والدار الآخرة أمام ناظرهم، .. تكون بالتصدّي والتحدّي لكل ألوان الظلم وأعوانه رغم القيد وقسوته ، ورغم شدة سوط الجلادين ، ورغم شظف العيش ووعورة السير وكثرة العقبات ... يكون بالنظر إلى الغاية العظيمة والجليلة في الدنيا وإلى ثوابها العظيم ؛ إلى بناء دولة الخلافة الراشدة منارة الله في أرضه تحت سمائه ، وضالة التائهين وسط ظلام الليل الدامس وعتمة الدجى ، وبالنظر إلى الغاية وراء ذلك في الآخرة إلى مرضاة الله تعالى .
ولا بد من معرفة هذا الإيمان الصادق ، وذلك من خلال العمل الصالح المستقيم ، ومعرفته تكون بالثبات والالتزام بطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دون الحيد عنها رغم كل الرياح التي تحاول إخراج القاطرة عن مسارها الصحيح ... رغم محاولات الدول العظمى التي ترسم الخطوط العوجاء بجانب الخط المستقيم وتضع الإغراءات الكثيرة للسير فيه ، ورغم الأفّاكين الكذابين من العلماء الضالين " علماء السلاطين " الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه ، رغم الحرمان والتسلط والقهر من قبل أجهزة الحكم العميلة وأسيادها من دول الغرب .
لقد مرّ من هو خير منّا في هذه التجارب الشاقّة فصدقوا مع الله فصدقهم الله عهده ووعده ؛ لقد مرّ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسولهم الكريم بكل ألوان هذه الابتلاءات في الإيمان والعمل الصالح .
فقد عرضوا على صحابة الرسول عليه السلام الإغراءات الكثيرة ليـرجعوا عن دينهم ، ولكنهم أبوْا إلاّ الإيمان حتى العبيد المستضعفين منهم أمثال بلال وعمار وياسر رضي الله عنهم جميعاً ، وعرضوا على رسولهم عليه السلام ذلك فأبى أيضاً إلاّ الإيمان والعمل الصالح والمضيّ إلى موعود الله تبارك وتعالى .
ولعل في قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه أكبر دليل على هذه التضحية بكل ألوان المتع والشهوات وبهارج الدنيا وزخارفها ، حيث كان شاباً مُرفّهاً ، يتضوّعُ المسك من جنباته ، وهو يلبس أحسن الثياب ويأكل أحسن الطعام حتى قال البعض : ما عهدنا في مكة كلها رجلاً أكثر رفاهية من مصعب ... !! .
لقد أسلم مصعب رضي الله عنه فحُرم من كل ذلك ، وأخذت أمه تريه من ألوان العذاب ما لا تطيق الجبال ، وبعد أن عجزت عن ذلك ظنّت أنه يعزّ على ابنها أن يراها وقد لحقها الأذى فتلين نفسه ، فمنعت عن نفسها الطعام والشراب حتى أشرفت على الهلاك . فماذا قال لها مصعب بقلب المؤمن العارف البصير المتبصّر بهدفه والغاية العظمى وراءه ؟! قال لها : لـو أن لك مئة نفس وخرجت منك نفساً نفساً ما تركت هذا الدين !! فلما يئست منه تركته وشأنه .
لقد استحق أولئك النفر المؤمن من صحابة رسول الله( صلى الله عليه وسلم ( الاستخلاف بعد صبر شاق ، وبعد عمل تعجز عنه الجبال .
أما الأمر الثالث الذي أشارت إليه الآية الكريمة ويلزم حامل الدعوة فهو : ذكرُ الجائزة الكبرى في الدنيا . ( ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً .... ) ( النور / 55 ) .
وهذه النقطة يتفرع منها أمران مهمان :
الأول : النظر فيمن استحق الاستخلاف في الأرض بالنظر في صفاتهم وأحوالهم وطريقتهم التي ساروا عليها .
الثاني : طبيعة الخلافة التي ننتظرها ، هل هي أية خلافة أم أنها خلافةٌ على نمط خاص ؟!.
أما الأمر الأول : فإن الأسوة الحسنة التي أمرنا الحق تبارك وتعالى النظر فيها هي طريقةُ وصفات من استحق الخلافة والاستخلاف . فكلمة (كما استخلف (لها دلالتان : الأولى كيفية العمل ؛ أي المنهج ، والثانية : صفات " العامل " أي أخلاق العاملين، وهم الصحابة ومعهم خيرة البشر كلِّهم " رسول الله صلى الله عليه وسلم " .
فلا بد إذن من النظر في سيرة ذلك الرعيل الأول في كل عمل وقول وتصرّف من أعمالهم وأقوالهم وتصرفاتهم حتى نكون مثلهم في الصفات العمليّة .
ولا بد أيضاً من النظر في أخلاقهم وتضحياتهم بأنفسهم وأموالهم ، وإيثارهم في أمور الدنيا والمال ... لا بد من النظر في عبادتهم وتقربهم إلى الله كيف قاموا الليل عاماً كاملاً لم تفترْ لهم همة ، وكيف ضحّوا بأموالهم ووطنهم عندما هاجروا من مكة إلى المدينة ، وكيف تآخوا أخوين .. أخوين ، وآثروا إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ) ( الحشر / 9 ) .
لا بد أن ننظر إلى صهيب الرومي وهو يترك ماله خلفه في مكة ويدلّ الكافرين على مكانه ، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم دون مال ولا متاع من الدنيا وقد كان غنياً في مكة . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ربح البيع أبا يحيى .. ربح البيع ... !!
أما الأمر الثاني وهو طبيعة الخلافة التي ننتظرها . ( كما استخلف الذين من قبلهم ) وهذا ما فسّره حديث المصطفى عليه السلام عندما قال : " ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة ثم سكت " ( رواه احمد في مسنده . (
... نعم إنها الخلافة التي تنتظر أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين وجدوا سنّةً أماتها الناس وكتاباً عطلوه ، فأقبلوا على الكتاب والسنة يحيونها ويعملون بها في الناس لإعادة سلطان الله في الأرض .
إنها الخلافة التي تنتظر الغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس ، ... الغرباء في بلادهم وبين بني قومهم ... إنها الخلافة التي لم تظهر في التاريخ الإسلامي إلاّ مرّة واحدة ، ولن تتكرر بعد ذلك إلا مرّة واحدة نحن موعودون بها في القريب العاجل إن شاء الله ... خلافة راشدة تحكم في الناس بكتاب الله وسنة رسوله فينتشر العدل والأمن والرفاه وبحبوحة العيش والتمكين في الأرض . " وليمكنن لهم دينهم ...
رابعاً : أما الأمر الرابع في هذه الآية العظيمة " آية الاستخلاف النورانية، فهو : إشارة الحـق تبارك وتعالى إلى عمل هذه الخلافة والقائمين عليها وهو عبادة الله تبارك وتعالى ، وإلـى الضمانة لاستمراريّة هذا الاستخلاف كذلك وهو أيضاً عبادة الله تبارك وتعالى ؛ أي تحقيق معنى العبوديّة في الأرض ، تحقيق معنى قوله تعالى : " يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ..." أي إن عمل هذه الخلافة هو الاستخلاف وهو : القيام بأمر الله ونهيه في الأرض ، أي تطبيق النظم الثلاث ( السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية ) على أساس العقيدة السليمة ، وحراسة هذا الأمر والقيام بأمره بالرعاية الدائمة من قبل الحاكم وحراسته من قبل الأمة جميعاً .
والحقيقـة أن الناظر في تاريخ هذه الأمة المجيدة يرى صدق هذا الإخبار الإلهي الجازم ؛ يرى كيف كان ارتباط -الاستخلاف والتمكين والأمن- بالعبودية لله تعالى ، كلّما قويت العبودية قويت أمـور الاستخلاف والتمكين ، وكلما خَبتْ أمور العبادة وضعفت ضعفت الخلافة .!!
ففي عهد المصطفى عليه السلام وصحابته كان تحقيق معنى العبودية على أرفع مستوى أراده الله تعالى ، فكان معنى الاستخلاف على أفضل حال ، وفي عهد الخلفاء الراشدين استمر الحال كذلك ، ثم بدأ الانحدار شيئاً فشيئاً كلما انحدرت الدولة في أمور العبودية شيئاً انحدر أمر التمكين والأمـن أيضاً ..... وهكذا حتى هدمت الدولة فانطبق عليها قوله تعالى : " ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " .
هذا من حيث البشارة الأولى " في دار الدنيا " أما البشارة الثانية في الدار الآخرة فماذا عنها ؟!
إن الكلام عن البشارة الثانية في الدار الآخرة لا يقارن بالكلام عن بشارة الدنيا ... فشتان بينهما . فتلك بشارة لم يجعلها الحق تبارك وتعالى إلا لمن نجح في أمر العبودية بحقّ ومات وهو على ذلك ... لمن نجح في أمر العبودية التي خُلق من أجلها الإنسان على وجه الأرض ، " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون مـا أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ..... " ( الداريات / 56 ) .
إن في هذه الجائزة العظيمة – جائزة الصبر والإخلاص والعمل الصالح بتضحيةٍ وتفانٍ – كرامات عظيمة أولها : الرضا الذي لا سخط بعده أبداً ، قال عليه السلام : " إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة . فيقولون لبيك ربنا وسعديك . فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك . فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك ، فقالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟! ، فيقول : أُحِلُّ عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبداً " ( رواه الإمام البخاري ) .
فأي جائزة- لمخلوق ضعيف محتاج -أعظم من رضا خالق السماوات والأرض وما بينهما عنه ؟! ، إنه لا شيء أعظمُ من ذلك حتى الجنان العراض والنعيم الذي لا يزول ..!! .
ومن الكرامات العظام أيضاً بعد الرضا أخذ الأجر بغير حساب ، قال تعالى : " إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حسـاب " ( الزمر / 10 ) ، وليس الصبر هنا فقط الصبر على البلاء ، بل إنه مطلق الصبر على البلاء في الجسد ، وعلى مشاقّ الدعوة وتعبها ، وعلى الأذى من قبل الظالمين ، وعلى الفقر والظلم والقهر والتسلط والاضطهاد والسجون والتعذيب ... فكل أولئك الصابرين يأخذون أجرهم بغير حساب ، وما أعظمَ هذا العطاء عندما يكون من عظيم مقتدر كريم عنده خزائن السماوات والأرض !! .
ومن الكرامات أيضاً عظم التشريف والتكريم الذي يلقاه المؤمنون العاملون الصابرون المجاهدون ، عظم التشريف والتكريم من وقت خروج أرواحهم من أجسادهم حتى يدخلون الجنة ، وبعد دخولهم لها . حيث تتلقاهم ملائكة السماوات تقول لهم : " بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم " ( الحديد / 12 ) .
ويساقون إلى الجنة زمراً في موكب مهيب تحدوهم الملائكة وتحفّهم الرحمات ، وتفتّح لهم أبواب الجنان ، ويخيرون من أي أبوابها يدخلون " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين " ( الزمر / 74،73 ) . " جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤون كذلك يجزي الله المتقين ، الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون " ( النحل / 32،31 ) .
وبعد ذلك يعيشون في سعادة ونعيم مقيم لا ينتهي ، في جوار مليك مقتدر ، في جواره ورعايته وكنفه " وأما الذين سُعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاءً غير مجذوذ " ( هود / 108 ) .
هذه هي كرامة من يحمل هذا الدين العظيم ؛ يحمل أمانة وحي السماء ؛ أمانة الرسل وميراثهم ... كرامة من يضحّي بنفسه ووقته وجهده وماله ، وقد يضحّي بدمه في هذا السبيل العظيم ... إنها كرامة عظيمة في الدنيا والآخرة ، وإنه حريٌّ بحملة الدعوة أن يعرفوا قدرها ليعرفوا قدر ما يحملون وما يتحملون في سبيله ..
وفي نهاية هذا الموضوع أخاطب حملة الدعوة الأعزاء على الله أولاً ، والأعزّاء علينا وعلى أمة الإسلام جميعاً ، أخاطب حملة الدعوة ... حملة النور والهداية والرشاد وخاصّةً أولئك الرجال الرجال ، أولئك الصابرين بإيمانهم وقناعتهم بضرورة تغيير هذا الفساد العريض الذي تعيشه البشرية بشكل عام ، وتعيشه أمة الإسلام بشكل خاص ... أولئك الثابتين الشامخين شموخ الجبال الشمّ في سجون الظلمة رغم كل القهر والقيد وقسوته ، ورغم الحرمان والعذاب والاضطهاد الشديد ، ونخصّ من هؤلاء تلك الثلة المؤمنة في سجن الطاغية الكافر اليهودي المجرم حاكم " أوزبكستان " ... تلك الثلة الصابرة الصامدة رغم القتل المنظّم ، ورغم التعذيب الشديد المفضي إلى الموت ، ورغم التعتيم والعزلة بحقهم .. ، فلا تلين لهم قناة ، ولا ينثني فيهم عزم ، ولا تفْتر في أضلاعهم إرادة ...
إلى اخوتنا في آسيا الوسطى؛ في أوزباكستان وقرغيزيا وطاجاكستان والقرم وتتاريا وتركستان الشرقية المسمة(سانغ يانغ) الى أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين جعل لهم طوبى في الدنيا والآخرة ، وجعلهم رفقاءه على الحوض ... لقد وجدوا سنة أماتها الناس ، وكتاباً عطّلوه فأقبلوا بقلوب مؤمنة مخلصة صادقة على هذا الكتاب المكرّم ، وهذه السنة المطهّرة لإحيائها في الناس ؛ لإعادة مجدهما، ومجد أمة الإسلام بهما ...
إلى أولئك الإخوان ورفقاء الدرب والعمل في أرض خراسان في كافة جمهوريات روسيا ،... هؤلاء الأبطال ... هؤلاء المؤمنون بحقّ وصدق ... الذين علّموا حتى جلاديهم دروساً في الصبر والثبات فعجبوا منهم ومن قوّة احتمالهم على الأذى ... يتحملون كلّ أنواع العذاب وهم واقفون يرفعون رؤوسهم عالياً إلى السماء ... إلى خالقهم جلّ وعلا ... تصعد أرواحهم وهم كذلك تحت سياط الظالمين فيزدادُ الباقي منهم عزاً وقوةً وتصميماً على المضيِّ قدماً نحو مرضاة الله تعالى في الدنيا والآخرة ... إلى أولئك الإخوان في أرض خراسان وفي كل مكان يُرفع فيه اسم الله ، وتُرفع فيه كلمته ، ويُعمل فيه لإعادة الخلافة الراشدة إلى سابق عزها ... يُعمل فيها لإعادة مجد الأمة ورفع الظلم عنـها ، ولرفعها كـذلك إلى المكـانة التي أرادها الله تعالى لها لتكون " خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله "(كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ( آل عمران / 110 ) ، " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " ( البقرة / 143 ) .
إلى كل هؤلاء وأولئك أقول : أقول كما قال رسولناعليه السلام لآل ياسر ولأصحابه من السلف الصالح " خير القرون " من هذه الأمة المجيدة المجاهدة ... صبراً أيها المؤمنون المجاهدون ، الحاملون لواء العزة والكرامة والشرف الرفيع ... صبراً صبراً صبراً ... فإن موعدكم رضا الله والجنة ... وإن موعدكم غداً قريباً بإذنه تعالى تمكينٌ في الأرض واستخلافٌ ودولةٌ وأمن وعزّةٌ ومنعةٌ ورفعة ... ترضون بها ويرضى بها عنكم ربكم ، وتشفى بها صدوركم وصدور قوم مؤمنين ... حتى يسير الراكب – لا أقول من صنعاء إلى حضرموت – ولكن أقول من أدنى الأرض جنوباً إلى أدناها شمالاً ومن أدناها شرقاً إلى أدناها غرباً لا يخشى أحداً إلاّ الله تعالى ...
ثانياً : إن هذا الظلم الذي يقوم به حاكم أوزبكستان وكلّ الطغاة في الأرض وعلى رأسهم سيدة الشر والإرهاب والكفر والتسلط على وجه الأرض " أمريكا " ... إن هذا الظلم إنما هو خنجرٌ مسموم يوجهونه إلى صدورهم ؛ فهو السلاح الأخير الذي يستخدمه الظلمة بعد إفلاسهم في كل السبل الأخرى لثني المجاهدين عن جهادهم ...
فقد استخدم سادات مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأطهار كلّ ألوان الصدّ فكرياً ومعنوياً ، وبالإغراءات وبغير ذلك فلم ينفعهم شيء ... وعندما أفلسوا من كل محاولاتهم لجأوا إلى تعذيب الضعفاء وإلى المقاطعة وإلى التهديد بالقتل ... فماذا كانت نتيجة ذلك ؟! هل انهزم الرسول وأصحابه ؟! هل نجح أولئك الظلمة في ظلمهم وكفرهم وصدّهم عن سبيل الله .. ؟! إنهم قد فشلوا فشلاً ذريعاً، حيث قويت الدعوة وامتدت وزاد أنصارها بزيادة كلّ لون من ألوان الصد عن سبيل الله ... لم ينفعهم شيء لأن حربهم هي مع الله أولاً قبل أن تكون مع حملة الدعوة " قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " ( الأنعام / 33 ) ، " ولقد كُذّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبـدل لكلمـات الله ولقد جاءك من نبإى المرسلين " ( الأنعام / 34 ) .
لقد نجح رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم كل محاولات إفشاله لأن الأمر مرتبط بالله تعالى الذي يقول : " إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحبّ كلّ خوانٍ كفور ، أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإنّ الله على نصرهم لقدير الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حقّ إلا أن يقولوا ربنا الله ... " ( الحج / 40،39 ) .
وأنتم كذلك أيها الأبرار يا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ارض خراسان... يزداد أنصاركم في كل يوم تطلع فيه الشمس ويزداد إفلاس هؤلاء الظلمة ، وتنكشف أوراقهم واحدةً تلو الأخرى ، وذلك بسبب قوة ما تحملون أولاً وبسبب ثباتكم وإيمانكم وتأييد الله لكم .
ثالثاً : إن هذا العذاب والاضطهاد والتمحيص الذي تمرّون به إنما هو علامة رضىً ومحبة من خالقكم لأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه غالباً ما يكون مقدمةً لتسلّم الأمانة العظيمة التي حمّلها الحقّ تبارك وتعالى رسولكم وأصحابه بعد رحلة عذابٍ ومشقةٍ تنوء بها الجبال الراسيات ... فهذه أيها الأخوة هي علامة الرضا من الله تعالى وعلامة الصدق قال تعالى : " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون ولقد فتنّا الذيـن من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " ( العنكبوت / 3 ) ، " أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثل الذين خلواْ من قبلكم مسّتهم البأساء والضّراء وزُلزلوا حتى يقول الرسولُ والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " .
رابعاً : إن وعد الله في التمكين والاستخلاف لكم ولحملة الدعوة جميعاً لا يتخلّف ولا يتأخر وغالباً ما يسبقه تهيؤٌ في الأرض وفي عقول البشر ، وفي الأرض التي تحتضنُ دولة الإسلام ، وفعلاً فإن الناظر في أرجاء الأرض يرى هذا التهيؤ بكل صوره الطيبّة ، وإن ما جرى في أرض خراسان بالذات هو إحدى صور هذا التهيؤ العظيم ، حيث انهارت دولة الاتحاد السوفياتي التي مدّت سلطانها على كل جمهوريات المسلمين هناك ، وإن ظهوركم في هذه الأرض التي كانت ميّتةً من الدعوة فأحييتموها بإيمانكم ودعوتكم الصادقة هو أيضاً إحدى صور هذا التهيؤ العظيم . وهناك صورٌ أخرى من التهيؤ في الأرض تلمسونها وتعلمونها مثل ظهور فسادِ الرأسمالية ِ بأبشع صورها حتى عند أتباعها ، وإفلاسها الفكري ولجوئها إلى الأساليب القذرة والبهيميّة ، وهي تسير اليوم على خطى الاتحاد السوفياتي في الانحدار والتردّي والذي نسأل الله تعالى أن يوصلها إلى ما وصلت إليه سابقتها روسيا من قبل . ومن صوره أيضاً انكشاف الأفكار الفاسدة التي عشعشت في عقول كثير من المسلمين من القوميّة العربية، والاشتراكية والوطنية ، وانكشاف الزعامات التي حملتها كذباً وبهتاناً حتى باتت كل الزعامات في العالم الإسلامي اليوم في دائرة الاتهام ، وفي دائرة العداء من قبل الأمة جميعاً.
خامساً : لقد وعد رسولكم عليه السلام وهو الصادق المصدوق أنها ستعود خلافةً راشدة على منهاج النبوة " ثم تعود خلافةً راشدةً على منهاج النبوة " ( رواه احمد من حديث طويل ، واشترط ربنا شرطاً لذلك وهو وجود طائفة تعمل للإسلام على أساس الإيمان والعمل الصالح " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ... " ووعد رسولكم كذلك أنها لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق لا يضّرها من خالفها ولا من خذلها حتّى يأتيها نصر الله وهي على ذلك فقال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ ، لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم نصر الله وهم على ذلك ، قيل أين هم يا رسول الله ؟! ، قال : في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس .... "
فأنتم أيها الرجال الأبرار- في ارض خراسان- أتباع جماعة خرجت من بيت المقدس ، وهي الجماعة الوحيدة التي خرجت من بيت المقدس ، وما زالت ظاهرةً على الحق رغم مخالفةِ من خالفها من أبناء المسلمين ، ورغم خذلان من خذلها من حكّام المسلمين ومن أعوانهم ... ما زالت ظاهرةً على الحق منذ أكثر من خمسين عاماً رغم كل المحاولات لإخراجها عن الطريق المستقيم ، ورغم كل المحاولات لصدّها عن طريق الله ، ورغم كلّ ألوان العذابِ والإعدامات بالجملة في سجون الظلمة وفي بلاد المسلمين . وإن هذه الطائفة ستنتصر في نهاية المطاف .. سيأتيها نصرُ الله كما وعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم " حتى يأتيهم نصر الله وهم على ذلك " .
فصبراً أيها المجاهدون الأبرار ... صبراً يا مناراتِ النور في بحر الظلام والضلال والضياع ... ويا أعلام الهدى في عالم الكفرِ والشرّ .. صبراً فإن موعدكم الاستخلافَ والتمكينَ والأمن غداً قريباً في دار الدنيا ... وإن موعدكم الجنة غداً في الدار الآخرة عند مليك مقتدر .
" ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً " ( الإسراء / 51 ) .
" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( آل عمران / 200 ) .
{{ صدق الله العظيم }}
