خلال اليومين ما بين 21 –22مارس ، قام أعضاء "حزب التحرير " بتطويق مركز إدارة الحكم المحلي في كار-سو، وسط صرخات "الله أكبر" عبروا عن احتجاجهم على احتجاز رجال الأمن المحلي 12 شخصاً من حزبهم لمدة ثلاثة أيام. مطالبات المحاصرِين لاقت تأييداً وسط العديد من أقارب المعتقلين ، وبشكل أساسي النساء ، كانت أوامر الشرطة في مكان الحدث مشددة ، في ذلك اليوم وصل إلى حي المركز متخصصون في الكفاح ضد التطرف الديني من إدارة الحكم المحلي لمنطقة أوش وجهاز الأمن القومي الأوزبيكي.بغض النظر عن الاحتياطات التي اتخذتها الشرطة فإن 200 من المحتجين لم ينوا التفرق ، فقط بمساعدة ممثلي الشعب الديبلوماسيين تم احتواء الأزمة . الساحة بدأت تخلو بالتدريج ، قامت الشرطة بالقوة بسحب المحتجين النشيطين في باصات نقلتهم إلى محطة القطارات ، يقول المحلل السياسي في المجموعة العالمية لردع الأزمات سانيا ساغنايفا ." كان من المتوقع أن تحصل مواجهات شبيهة بهذه بين الشرطة والحكومة من جهة وبين حزب التحرير من جهة أخرى ، أعداد التحريريين في كرا - سو كانت كبيرة لدرجة أن الشرطة لا تدري ماذا تفعل معهم ، لهذا ظهرت مشكلة بسبب حزب التحرير عند الأجهزة الأمنية التي لا تستطيع أن تتقبله.كانت هناك حوادث عندما داهمت الشرطة ليلاً منازل التحريريين واعتقلتهم لا لشئ إلا لأنهم يحملون أفكار حزب التحرير".
حزب التحرير تأسس سنة 1953م في فلسطين ، خطط مؤسسه تقي الدين النبهاني بمساعدة الحزب لتحرير فلسطين من الإسرائيليين ، وبعد مضي عدة سنوات أخذ حزب التحرير في النمو فظهر في لبنان ، الأردن ، سوريا و في مصر . في آسيا الوسطى بدأ الكلام عن الحزب في بداية التسعينيات ، ظهرت في البداية آثار نشاط حزب التحرير في مناطق طشقند ، نمنغان ، أنديجان في أوزبيكستان ، بعدها بقليل في منطقة سودسك في طاجكستان وفي جنوب قيرغيزستان . حتى نهاية القرن العشرين كان معروفاً عن أهداف الحزب أن يعمل على إقامة دولة خلافة إسلامية على أرض آسيا الوسطى . لا شك أن ثمة فرق كبير بين حزب التحرير الفلسطيني في بداية الخمسينيات وحزب التحرير في جنوب قيرغيزستان في نهاية عقد التسعينيات ، ليس فقط في الأهداف الأساسية للعمل بل وفي طريقة التفكير وفي ثقافة وعقيدة الأعضاء .يقول سانيا ساغنايفا "يريد إقامة الخلافة ،على سبيل المثال ، كل مسلمي البلد وأن تكون العاصمة إسلام أباد ". وفي الحقيقة إن مشكلة مجتمع قيرغيزستان بالنسبة لحزب التحرير تتلخص في غياب معلومات موثقة حول الحزب . وبالتالي فإن إدراك نشاط الحزب يكون على أساس المعلومات التي تقدمها أجهزة الأمن . وللأسف الشديد ، فإنهم لا يتحكمون في المعلومات عن الحزب ، ويبقى السؤال ماذا يعني "حزب التحرير"يطرحه الكثيرون وليس كلهم يسمع جواباً .
حزب التحرير مثله مثل أي حزب آخر يتكون من حلقات ، تتكون من 5 أشخاص ، في المرحلة الأولى الذي ينجذب إلى الحزب يستحوذ على لقب " دارس "، ولا يعرف "الدارسين " في حلقة ما "الدارسين " في حلقة أخرى .هذا الأسلوب السري يسمح لحزب التحرير الهروب من الكشف والإخفاق . يدرس الأعضاء المستقبليون في الحزب مشرف – معلم متمرس لعدة شهور. في قائمة المواضيع التي تُدرس تدرج السياسة ، الاقتصاد ، علم الاجتماع ، الجغرافيا والدين الذي يحتل تقريباً 10-15% من وقت العملية الدراسية . بعد إنهاء الصف الدراسي الأول ، يتقدم "الدارس" لامتحان ويعطي القسم الأمانة للأمير ، ويصبح كامل الحقوق كأعضاء في الحزب أو "كحزبي" ، ومن ثم تحت إشراف "النقيب" يبدأ "الحزبي" التمكن من الصف الثقافي الثاني ، في الأساس يدرسون الكتب المحظورة في كثير من دول العالم وهي : مفاهيم حزب التحرير ومجلة "الوعي" . وغير ذلك فإن على "الحزبي" أن يلاحق الأحداث السياسية ، الاقتصادية والاجتماعية في البلد ، وغير تلقي الثقافة النظرية فإن الحزبيين يمارسون النشاط العملي ، يوزعون النشرات ، ويدعون إلى الإسلام ، يجب على كل عضو في الحزب أن يدعو 5 أشخاص ويكون ذلك في البداية وسط أقاربه، وفي بداية المرحلة الثالثة يحصل أعضاء الحزب على لقب "نقيب" ، وهكذا دواليك .في نهاية المرحلة الدراسية يعطى الأفضلين لقب "مساعد" أو "أمير حلقة كبيرة" ، يبدأ تكوين "حلقة" جديدة ، من كل حلقة يوجد عضو واحد فقط يعرف مباشرة المسؤولين الأعلى ، والذين بدورهم يعرفون قدراً محدداً من مسئوليهم ، البحث عن نهاية السلم الحزبي، كيفية بناءها ومن أميرها يعتبر أمراً في غاية الصعوبة بسبب السرية التامة . مالية حزب التحرير تعتمد على تبرعات الأعضاء ، ولكن النشاطات الأساسية ترتكز على ممولين مؤثرين .
يقول الإمام قاسيموف رحمة الله حجي أنه :"يحظر تسمية أعضاء حزب التحرير بالإسلاميين المتطرفين ، فهم لا ينتمون ولا إلى أي تيار إسلامي حالي ، بالإضافة إلى ذلك فهم لا يعطون دراسة الإسلام وقتاً كثيراً ، وهذا ما لا يتناسب مع أي حركة دينية ، جهة ما تستغل من أجل الوصول إلى أغراضها السياسية الدينَ و الجهلاء من أبناء شعبنا " وبالرغم من ذلك فإن أجهزة الأمن القيرغيزية تقود حرب حقيقية ضد الأصولية والتطرف الإسلامي . يحتل حزب التحرير المرتبة الأولى في قائمة أخطر الأحزاب ، ضدهم تطبق القوانين الصارمة المتعلقة بالتطرف الإسلامي ، حسب معطيات إدارة الحكم الداخلي في منطقة أوش فإنه وفي العام الماضي قد وضعت أسماء 316شخصاً من أجل الحيطة والحذر ، وتم بقوة الشرطة مصادرة 721 نسخة من كتب الثقافة الأصولية ، ومن بينها نشرات وكتب ومجلة "الوعي" حسب النيابة العامة فإنه تم تسجيل 36 حادثة ذات اتجاه ديني متطرف ، ملفات 12 شخص من الذين انتهكوا القانون بهذه الصورة رُفعت للمحكمة ، حسب رأي قوات الأمن فإنه يوجد مادة في القانون تمنع معاقبة المتطرفين لارتكابهم مثل هذه المخالفات، كثيراً من المحكومين يتملصون بدفع غرامة مالية ، وبقطع النظر عن الانتقادات المتكررة من طرف الشرطة وقوات حفظ الأمن فإن النواب في جوكوركو كيناشا لم يتبنوا لغاية الآن تعديلاً في القانون فيما يتعلق بالتطرف الديني. ومن هنا فإن المشكلة حتى النهاية لم تدرس ، وفي حق حزب التحرير يوجد الكثير من النقاط البيضاء .
في الوقت الحاضر فإن أعداد الحزبيين تزداد كل يوم، وهذا لم يعد سراً ، ويبقى سبب شهرة حزب التحرير العالية وسط السكان سراً داخل خزنة ذات سبعة أقفال ، وخصوصاً وسط الشباب ،حسب رأي الإمام قاسيموف رحمة الله حجي ، فإن كثيراً من الناس صاروا في صفوف حزب التحرير بسبب جهلهم وعدم معرفتهم للقرآن ، عن طريق الخداع يجبرهم الأصوليون الحقيقيون على العمل لحسابهم ،ببذر الفتنة في الشعب ، ونسف نفوذ الحكم ، يتفق مع هذا الرأي كثيرون من ممثلين الأجهزة الأمنية ،وبالأخص رئيس قسم إدارة الحكم المحلي في منطقة أوش ، بيغمتوف زياد ، فهو يقول : "في الوقت الحاضر لا أحد يدرس في المدارس ،خصوصاً في القرى ، الصغار درسوا حتى الصف الرابع أو الخامس، وأولئك الذين انتهت بهم الدراسة لغاية الصف العاشر لا يعرفون الكيمياء والفيزياء ، بل وحتى لا يعرفون جدول الضرب ، عدم معرفة المفاهيم الأساسية في العلاقات القائمة في المجتمع تجعلهم فريسة سهلة للمتطرفين ".
اللاهوتيين والدينيون متفقون في الوقت الحاضر على أن من الصعب إطلاق مفهوم "التطرف الديني" على حزب التحرير فقط لأنه يريد إقامة دولة إسلامية . نشاط الحزب يتعلق بمجرى النواحي السياسة ، الاقتصادية والاجتماعية ، وبصرف النظر عن هذا فإن كثيراً من المتخصصين يؤكدون أنه لا بد من رفع مستوى الناس التعليمي فيما يتعلق بأمور الدين ، وأحد هذه الحلول هو رفع مستوى أهلية الأئمة . في قيرغيزستان -حسب معطيات تفتقر إلى التأكيد- يعمل 1100مسجد ، ثلثها غير مسجلة رسمياً . هذا العدد الضخم من المؤسسات الدينية ينقصه رجال الدين المتخصصون .يقول المتخصص في الشؤون الدينية في إدارة منطقة أوش شامشيبيك زاميروف :"في مساجد منطقة أوش 80% من السكان ممن لا يملكون الثقافة الدينية ، ولا يعرفون :ثر من 2-3 سور من القرآن يعملون كأئمة " ،مفتي قيرغيزستان عبد الرحمانوف كيمسانباي أجي أعترف أيضاً بوجود مثل هذه المشاكل ، ولكن يوجد _حسب رأيه_ حلول لهذه المشاكل وبدون تضحيات مالية كبيرة ، يقول المفتي :"عدلنا بعض الشئ في المناهج التعليمية في الجامعة الإسلامية ، وعندما سينصرف الطلاب إلى العطلة الصيفية سنقوم بإعداد دورات تعليمية طويلة الأمد للأئمة المتدربين" .
بناءً على ما تقدم ، فإن السبب الأول في شهرة حزب التحرير يرجع إلى جهل السكان ، وكثير من المحللين لا يتفقون وهذا الرأي ، يعتبر سانيا ساغنايفا أن "حزب التحرير ليس حزباً بل حركة احتجاجية لا تتفق مع سياسة الدولة القائمة ، هذا وقبل كل شئ التطاول على صلاحية الحكم، أعضاء الحزب من يمرون خلال التعذيب، بكل بساطة يمكن شرح سبب شهرة حزب التحرير ، فالحزبيون في أحيان كثيرة جهلة ، أناس جائعون ،فقدوا كل ثقة في الحكم القائم، ليست لديهم القدرة على قراءة الجرائد ، الكتب والمجلات ،كثيرون منهم لا يشاهدون التلفاز ،ولا يسمعون الراديو وذلك بسبب غياب هذه التكنولوجيا عن وسطهم ،والشعب الفقير وجد راحته في الدين ، ولذلك فإن حزب التحرير يستخدم أحكام الإسلام من أجل تحقيق أغراضه".
طبيعياً أنه من الصعب على الحكومة أن تحوز على شعبية وسط شعب جائع ، ذلك أن إطعام الشعب ليس بسبب احترام الحكومة له، وإنه من الغباء مدح ما تقوم به أجهزة الدولة من استبداد وتعسف بمصير شعبها. ، وهنا بالذات حركة كحزب التحرير تجد لها مكاناً . وما دام ليس واضحاً لغاية الآن ما هو حزب التحرير ، ومن يقف ورائه ، فإن من الصعب نزع القناع ، وهل يلزم ذلك ، بل وربما أن أصحاب القناع أنفسهم يرغبون في نزعه ، ولكن هذا يتطلب شروطاً لا يستطيع النظام أن يفصح عنها بشكل رسمي حتى الآن . من الممكن أن هذا هو "حزب التحرير"الذي بدأ يؤمن به الكثيرون في قيرغيزستان ، وكذلك لا يستبعد انهم متطرفون دينيون يحاولون قلب النظام الدستوري ، وحتى تتم دراسة هذه الظاهرة فإنه لن تتقاسم أجهزة الأمن مع الشعب المعلومات المتعلقة بهذا الأمر، تأثير الحزب سوف يزداد ، وصفوفه سوف تنمو . وبمراعاة الظروف الاجتماعية والسياسية القائمة في البلاد ، فإن هذا الأمر ربما سيزداد على شكل متوالية هندسية ، التطويق والاحتجاجات مثل كارا –سويسكيم سوف تتكرر ، في هذه الحالة لا بد من الحوار وتبني حلول بنّاءة ، ربما أن أحد الطرفين أو كليهما يتنازل عن مبادئه .
