بسم الله الرحمن الرحيم

على أبوابِ رمضان
يَعتَصِرُني الألمُ ويَحدوني الأمَل

بقلم: عبدِ الرحمنِ المقدسيِّ (تُرابْ)
الحمدُ لله شَقَّ النور ، وعَلِمَ هَواجِسَ الصدور ، نافذٌ أمرُهُ ، دائمٌ بِرُّهُ ، شديدٌ بطشُهُ ، واجبٌ حمدُهُ ، فتباركَ اسمُهُ وجَلَّ ذِكْرُهُ ، محمودٌ بكلِّ لسانٍ ، معبودٌ بِكلِّ زمانٍ ، مقصودٌ بكلِّ مَكانٍ ، وأشهدُ ألاَّ إلهَ إلا اللهُ الرحمنُ الرحيمُ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ بالقرآنِ رحمةً للعالَمينَ الداعيَ إلى توحيدِ اللهِ في الحاكميةِ... لا وطنيةٌ ولا علمانيةٌ , لا قوميةٌ ولا اشتراكيةٌ ولا ديموقراطيةٌ...
أما بعدُ .... أيها الناسُ:
ما أسرعَ الأيامَ تَمُرُّ كَلَمْحِ البصرِ وإنها واللهِ نذيرٌ للبشرِ, لا يَفرَحُ الإنسانُ بمرورِها بِقَدْرِ ما يَحْزَنُ على فَواتِهَا ، ففي تَصَرُّمِهَا انقضاءٌ للعُمُرِ وفي زوالِها تقريبٌ من الْحُفَرِ.
في هذه الأيامِ نستقبلُ أيامَ رمضانَ الغاليةَ والعزيزةَ على النفسِ بعدَ أنْ طُوِيَتْ منذُ عامٍ كاملٍ بما أودَعْنَاها منْ أعمالٍ ستشهدُ علينا غَداً أمامَ اللهِ تعالى .
فأهلاً وسهلاً بكَ أيها الضيفُ الحبيبُ حَلَلْتَ أهلاً ووَطِئْتَ سَهْلاً وحَيَّى اللهُ الْهِلالُ الذيْ يُبَشِّرُ بقدومِكَ... عُذراً عُذراً... أيُّ هِلالٍ؟!! بَلْ أهلَّةٌ!!!
وكيفَ لا وفلسطينُ والأردنُّ جِيرانٌ وكُلٌّ يَصومُ على حِدَةٍ!!!
ورَفَحُ ومِصْرُ تَوْأَمَانِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يسبحونَ!!!
وإنْ تعجَبْ فعجَبٌ قولهُم, أوْ تضحكُ فعَجَبٌ ضحِكهُم على المسلمينَ بقولِهم إنّ في اختلافِ المطالعِ وَحْدَةً!!! وأَيْمُ اللهِ ما سمعنا بهذا في المِلةِ الأولى !!!
أيُّها الإخوة ُالأكارِمُ :

إنَّ مِمَا يُضحِكُ الثكلى, ويُجهضُ الحُبلى, مناداةَ ُبعض ِ علماءِ المسلمينَ من أتباع ِالسلاطين ِ, بوضعِ ِمَرصَدٍ عام ٍبأمِّ القـُرَى ـ مَكة َـ لتكونَ مَرجعَاً دينياً للمسلمينَ كما الفاتيكانِ للنصارى الكاثوليكِ !!!
وهذا -لَعَمْرِيْ- طمسٌ للإسلام ِوإبعادٌ لهُ عن حقيقتِهِ الناطقةِ بأنهُ دينٌ ومنهُ الدولةُ . وهذا ما لا يَقبلُ بهِ مسلمٌ وَرِع ٌتقيٌّ لا مِنَ السابقين, ولا مِنَ اللاحقينَ !
فليسَ من التقوى أن يصومَ الأردنيٌ بالمُدورةِ والرَّمثا , وفي اليوم ِنفسِهِ يُفطرُ الحجازيُّ بحالةِ عمَّار! والسوريُّ بدِرعَا, وليسَ بينهُما إلاَّ بضعة ُأمتارٍ ! وغداً لا قدَّرَ اللهُ إن صارَ لأهل ِفلسطينَ دولةٌ ًـ مستقلةًٌـ فليسَ بمستبعدٍ أن يكونَ لهُم يومُ صوم ٍخاصٌّ بهم , أو يومانَ: يومٌ بدولةِ رامَ الله , وآخرُ بغزة !!! أو أن يصومَ أهلُ غزة َمعَ مصرَ !وأهلُ الضفةِ معَ الأردن !
على غرارِ دول ِالضرارِ المحيطةِ بهم , فقد أصبَحَ واللهِ من المُضحكاتِ المُبكياتِ كذلكَ, أنْ تصومَ بعضُ البلدان ِ الإسلاميةِ بعدَ يوم ٍأو يومين ِمن بَدءِ الصوم ِبقطرٍ إسلاميٍّ مُجاور!!
وقسّ على ذلكَ ما يجري في جميع ِإفرازاتِ سايكس بيكو العفنةِ , بحُدودِهَا المُصطنعةِ بينَ المسلمينَ تَحَسُّباً مِن وَحدتِهم , وإمعاناً في تمزقِهم وترسيخ ِفُرْقَتِهِم !!
آللهُ أمرَ بذلكَ أيُّها المسلمون !! أمْ أنهُم على دين ِاللهِ يَفترون!!!
جَفَّتْ مآقيْنا يا ربُّ فأسْعِفْها ، و أرْهَقَتْ كاهلَنا الذنوبُ فخَفِّفْها ، وتلاحقَتِ النكباتُ على أفئدتِنا فَوَاسِهَا وتقلَّبَتْ أحوالُ الضمائرِ والنياتِ فَطَهِّرْهَا وتَعَرَّضَتِ الأجسادُ لِسَخَطِ الجبارِ فأنْقِذْهَا وتوالَتْ صَيْحاتُ الاستغاثةِ فأغِثْهَا, وما زادَنا حكامُنا ومِنْ ورائِهِمُ الكفارُ غيرَ تخسيرٍ وتقتيلٍ وتدميرٍ.
أظْلَمَتِ الدنيا في وُجُوهِنَا يا ربُّ فَأَنرها... ببركة شَهْرِ العِزَّةِ والكرامةِ، شهرِ الفتوحاتِ والانتصاراتِ.
ها قدْ عادَ علينا رمضانُ وحالُنا وحالُ الامةِ كرجلٍ استوقدَ ناراً فلما أضاءَتْ ما حولَهَا جَعَلَ الفَراشُ يَقَعْنَ في النارِ, فقامَ الرجلُ يمنعُهُنَّ فلا يستطيعُ ويغلبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فيها. مِصداقاً لقولِ رسولِ الله صلى اللهُ عليه و سلم: (مَثَلِيْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ ناراً فلما أضاءَتْ ما حولَهَا جَعَلَ الفراشُ وهذهِ الدوابُّ التي يَقَعْنَ في النارِ يَقَعْنَ فيها وجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فيَقْتَحِمْنَ فيها فذلك مَثَلِيْ ومَثَلُكُمْ أنا آخُذُ بِحُجُزِكُمْ عنِ النارِ, هَلُمَّ عنِ النارِ هَلُمَّ عنِ النارِ, فتغلبوني فتقتحمونَ فيها ). صَحَّحَهُ الألبانيُّ : انظرْ حديثَ رقمِ: ثمانيةٍ وخمسينَ وثمانِ مِئةٍ وخمسةِ آلافٍ في صحيحِ الجامعِ
حالٌ مؤلِمٌ مُوْجِعٌ تذوقُ فيهِ الأمةُ مَرارةَ الذلةِ والمهانةِ والنكباتِ, حيثُ الراقصاتُ والفناناتُ يُسْتَضَفْنَ في الْخِيامِ الرمضانيةِ ليتحدثْنَ عن فلسطينَ وتحريرِها والعراقِ وجحيمِها, ونضالِهِنَّ الطويلِ على خَشَباتِ المسرحِ والمسلسلاتِ والأفلامِ, وما أَعَدُّوْهُ من قِيامٍ لِلَيالِيْ رمضانَ عَبْرَ مسلسلاتٍ ساقطةٍ هابطةٍ جديدةٍ!!!
ها قَدْ أهلّ علينا رمضانُ... ولسانُ حالِهِ يقولُ لنا:
أينَ دينُكم، أينَ عزتُكم وكرامتُكم، أين خَيْراتُكم، أين غَيْرَتُكُم على أعراضِكم، أينَ جَمْعُكُم؟!!!
إِلى متى تَرْضَوْنَ بالفُرقةِ وأهلِها، الى متى ستُحِبُّوْنَ الحياةَ، إلى متى ستَرْكَنُوْنَ إلى الذينَ ظَلَمُوا، إلى متى يَنْجَحُ الكفارُ في تضليلِكم عن دينِكم ، إلى متى يَبيعُ بعضُكم دينَهُ بِعَرَضٍ من الدنيا زائلٍ ، إلى متى تُحِبُّونَ العاجِلةَ وتَذَرُوْنَ الآخرةَ ، إلى متى تُعِيْنُونَ حكامَكم ، إلى متى تُصَدِّقُونَ كَذِبَهُمْ ، قدْ طالَ التصاقُكُم بالأرضِ ، وعيشُكُم بين الْحُفَرِ ، ألا تشتاقونَ الى الجنةِ وحُوْرِ الْعِيْنِ؟!!!
يا أحفادَ الخلفاءِ الراشدينَ والقادةِ الفاتحينَ الأتقياءِ الأقوياءِ وناشرِيْ الحضارةِ الإسلاميةِ في العالمِ.
أهكذا يكونُ حالُ خيرِ أمةٍ أخرجَتْ للناسِ !
أيكونُ هذا الحالُ لأمةٍ كانَ أجدادُها أمثالَ محمدٍ الفاتحِ وهارونِ الرشيدِ وعبدِ الحميدِ الثانيْ وغيرِهم من عظماءِ هذهِ الأمةِ .
محمدٌ الفاتحُ الذيْ لم يُجَاوِزِ الثالثةَ والعشرينَ وقدْ شَرَّفَهُ اللهُ بِمَدْحِ رسولِهِ صلى اللهُ عليه وسلم بقولِهِ: ( نِِعْمَ الأميرُ أميرُها ونعمَ الجيشُ ذلكَ الجيشُ).
وعبدُ الحميدِ الثانيْ الذيْ لَمْ تُغْرِهِ الملايينُ التي عرضتْها اليهودُ لخزينةِ الدولةِ مُقَابِلَ التنازلِ لهم والسماحِ لهم بالاستيطانِ في فلسطينَ ورَدَّ عليهم بقَوْلَتِهِ المشهورةِ: ( إنَّ عَمَلَ الْمِبْضَعِ في بَدَنِيْ أهونُ عليَّ مِنْ أنْ أرى فلسطينَ قدْ بُتِرَتْ منْ دولةِ الخلافةِ).
وهارونُ الرشيدُ الذيْ أجابَ مَلِكَ الرومِ بَعْدَ نَقْضِ عَهْدِهِ مَعَ المسلمينَ والعُدْوانِ عليهِم برسالةٍ هَزَّتْ كِيَانَهُ قالَ فيها: ( مِنْ هارونِ الرشيدِ إلى نِكْفُوْرَ كَلْبِ الرومِ، الجوابُ ما تَراهُ دونَ ما تَسْمَعُهُ ).
هذهِ هيَ عِزَّةُ المسلمينَ الذينَ اعتزّوا باللهِ فأعزَّهُمْ
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورةُ المنافقون الآيةُ الثامنةُ
أيها المسلمونَ:
أقبلَ رمضانُ شهرُ الإسلامِ فأَرُوْا اللهَ من أنفسِكم خيراً وانتصاراً لدينِهِ.
اُهْجُرُوا العُزْلَةَ فليستْ مِنْ شِيَمِ الإسلامِ والمسلمينَ. وحَذارِ, حَذارِ مِنْ إِمَاتَةِ الدينِ بالعباداتِ الفرديةِ منْ صَلاةٍ وصِيامٍ وتِلاوَةِ قُرآنٍ فحسبْ ، ثم تَرْكِ مصيرِ الأمةِ بيدِ أعداءِ اللهِ ورسولِهِ، بلِ اقتحامٌ للعَقَباتِ وخَوْضٌ لِلْغَمَرَاتِ .
فَوَاللهِ الذيْ رَفَعَ السماءَ بلا عَمَدٍ تَرَوْنَهَا إنّ الكفارَ يريدونَ تفريق أمتكم وكَسْرَ شوكَتِكُمْ ومَحْوَ دينِكم، فماذا أعددْتُمْ لهذا التحديْ العظيمِ ؟
فأَعْلِنُوها رسالةً قويةً مُدَوِّيَةً من هذهِ الديارِ إلى إخوانِكم المسلمينَ في العالَمِ، أنَّكُمْ جُنْدٌ للإسلامِ ما غَيَّرْتُمْ ولا بَدَّلْتُمْ واصْعَقُوا الكافرينَ والحاكمينَ والخائنينَ بأنَّ بيتَ المقدسِ لنْ تُصْبِحَ إسرائيلَ، وستظلُّ إسلاميةً حتى تَصيرَ عاصمةَ المسلمينَ في الأرضِ، داراً للخلافةِ، مِصداقاً لقولِ رسولِنا صلى الله عليه وسلم : إذا نَزَلَتِ الخلافةُ ببيتِ المقدسِ فَثَمَّ عَقْرُ دَارِها.
إنكم حقاً قادرونَ على إعادةِ عِزِّكُم بدولةِ الإسلامِ فالدولُ الكافرةُ ضخمةُ الْمَظهرِ وَاهنةُ الْمَخْبَرِ، فأمريكا وما يُسَمَّى بإسرائيلَ وحكامُنا قَدْ دَنَتْ مَنِيَّتُهُمَا وانْكَشَفَ عَوارُهُما على يَدِ مُجَاهِدِيْ العراقِ وأفغانستانَ ولبنانَ وفلسطينَ.
نعمْ أيها الإخوةُ:
وأَيْمُ اللهِ إنهم يَخْشَوْنَكُمْ وأنتم تَدْعُوْنَ لدولةِ الخلافةِ الراشدةِ، وما رَفْضُهُمْ وصَدُّهُمْ لرسالةِ أميرِ حزبِ التحريرِ الْمُوَجَّهَةِ إلى الحكامِ, ملوكاً ورؤساءَ وأمراءَ... في بلادِ المسلمين, من أطرافِ المحيطِ الهادئِ حيثُ إندونيسيا شرقاً إلى شواطئِ المحيطِ الأطلسيِّ حيثُ المغربُ غرباً , التي وَجَّهَهَا مؤخراً اليهم لَخَيْرُ دليلٍ على رَفْضِهِمُ الحكمَ بالاسلامِ وصَفِّهِم جَهاراً نَهاراً في صَفِّ الكُفْرِ والكافرينَ. ذلكَ أنهم يعلمونَ عِلْمَ اليقينِ ماذا تَعْنِيْ بالنسبةِ لهم هذهِ الدولةُ .
كيفَ لا وَهُمْ الذين عَرَكوا قُوَّتَها يومَ كانتْ تَحْكُمُ العالَمَ ؟ أَوَلَمْ تُدَسْ أنوفَهم بحوافِرِ خُيولِ المسلمينَ وتمَُرِّغْ جبروتهم بغبارِ أقدامِ المجاهدين ؟
أَوَليستْ هيَ مَنْ جَعَلَتْ قلوبَهُمْ تَصِلُ الحناجرَ في مواقِعِ العزّةِ مثلِ اليرموكِ وحِطِّيْنَ وغيرِها ...
يَخْشَوْنَ دولتَنا الإسلاميةَ القائمةَ قريباً بإذنِ اللهِ لأنهم يعلمونَ بل ويعتقدونَ أنّ هذهِ الدولةَ سَتُطِيْحُ برؤوسِهِم العَفِنَةِ وستغيرُ مَجْرَى التاريخِ الذيْ ما فَتِئَ يَسيرُ مُعْوَجّاً فتصلِحُهُ وتضَعُهُ حيثُ يَجِبُ أنْ يكونَ.
فها هو بوشْ يقولُ في السادسِ من تشرينٍ الأولِ ألفينِ وخمسةٍ ميلاديٍّ ، مُشيراً إلى وُجودِ استراتيجيةٍ لدى مسلمينَ تَهْدُفُ إلى إنهاءِ النفوذِ الأميركيِّ والغربيِّ في الشرقِ الأوسطِ،فقالَ: إنه " عندَ سيطرتِهِم على دولةِ واحدةٍ سَيَسْتَقْطِبُ هذا جُموعَ المسلمينَ، ما يُمْكِنُهُم من الإطاحةِ بجميعِ الأنظمةِ في المنطقةِ، وإقامةِ إمبراطوريةٍ أصوليةٍ إسلاميةٍ من إسبانيا وحتى إندونيسيا".
وتَحَدَّثَ رئيسُ وزراءِ بريطاينا توني بلير أمامَ المؤتمرِ العامِّ لحزبِ العمالِ في السادسَ عَشَرَ منْ شَهْرِ تموزٍ ألفينِ وخمسةٍ ميلاديٍّ، فقالَ " إننا نُجَابِهُ حَرَكَةً تسعى إلى إزالةِ دَوْلَةِ إسرائيلَ، وإلى إخراجِ الغربِ من العالَمِ الإسلاميِّ، وإلى إقامةِ دولةٍ إسلاميةٍ واحدةٍ تُحَكِّمُ الشريعةَ في العالمِ الإسلاميِّ عن طريقِ إقامةِ الخلافةِ لكلِّ الأمةِ الإسلاميةِ".
ايها الاخوةُ الاكارمُ:
إننا على موعدٍ معَ الخلافةِ الراشدةِ الثانيةِ التي ستكونُ دُرَّةَ الدنيا ومَنارتَهَا .
ولكنْ دونَ العملِ هذا أعمالٌ عظيمةٌ، فَمُدُّوْا أيديَكُم إلينا في هذا الشهرِ الفضيلِ وقد طالَ انكفاؤُها وابْسُطوا أيديَكم في العملِ لتخليصِ الأمةِ وقدْ طالَ انقباضُها.
هَيَّا تَحَرَّكُوا وأَعْلِنُوْهَا خلافةً على منهاجِ النبوّة، ضَعُوْا أيديَكُم بأيدِيْ العاملينَ وانْصُرُوا دينَكُم في شهرِ الانتصاراتِ الْمَجيدَةِ والفتوحاتِ العتيدةِ.
فَهَلُمُّوْا إلينا ليتحقَّقَ على أيديْنَا جميعاً وَعْدُ اللهِ سبحانَهُ وبشرى نبيِهِ صلى الله عليه وسلم.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ سورةُ النورِ الآيةُ الخامسةُ والخمسونَ.


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

خطأ اعتماد الحساب الفلكي في نفي رؤية الهلال

أجاز بعض العلماء اعتماد الحساب الفلكي في النفي فقط؛ بمعنى أنه إذا جاء من يشهد برؤية الهلال، ودلت الحسابات الفلكية على أن رؤية الهلال مستحيلة أو غير ممكنة؛ فإن هذه الشهادة ترد. ( فالحساب إذا نفى إمكانية الرؤية البصرية؛ فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي، فضلا عن أن يُقَدم عليه". ومن شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده، في أي قضـية من القضــايا؛ فإن رأى الحـس أو العـيان يكذبها ردهـا ولا كـرامة.
فالبينـة شـرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسًا وعقلا وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان اسـتحال القول شرعًا، لاسـتحالة المشــهود به، والشرع لا يأتي بالمســتحيلات.أما شهادة الشهود فتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب).

أما الحساب الفلكي الذي اعتمدوه في نفي رؤية الهلال فإنه يقوم على الحقائق التالية:

يدور القمر حول الأرض مرة واحدة كل 29 يوما و 12 ساعة و48 دقيقة، وأثناء دورانه هذا نراه بأطوار مختلفة: مبتدئًا بالمحاق، ومروراً بالهلال المتزايد، ثم التربيع الأول والأحدب المتزايد، ثم البدر والأحدب المتناقص، ثم التربيع الثاني، ثم الهلال المتناقص، وعودة مرة أخرى إلى المحاق.
وفي كل يوم تشرق الشمس من جهة الشرق صباحا، وتغرب في جهة الغرب بعد حوالي 12 ساعة تقريبا، وكما أن الشمس تشرق وتغرب فالقمر أيضا يشرق ويغرب، ولكنه لا يشرق دائما ليلا ويغرب نهارا كما يعتقد الكثيرون! فالقمر يشرق كل يوم في موعد يعتمد على طوره؛ فعندما يكون القمر محاقا فإنه يشرق مع الشمس ويغيب معها تقريبا. وعندما يكون هلالاً جديداً (متزايداً) فإنه يشرق بعد شروق الشمس بقليل ويغرب بعد غروب الشمس بقليل. وعندما يكون تربيعاً أولاً فإنه يشرق عند منتصف النهار ويغيب عند منتصف الليل تقريبا. أما عندما يكون بدرا فإنه يشرق مع غروب الشمس ويغرب مع شروق الشمس. ولرؤية هلال الشهر الجديد في السماء الغربية فإننا نقوم بتحري الهلال في اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري.

ولا بد من توفر شرطين أساسيين تستحيل رؤية الهلال بغياب أحدهما:

أولا: أن يكون القمر قد وصل مرحلة المحاق (الاقتران) قبل غروب الشمس؛ لأننا نبحث عن الهلال، وهو
-أي الهلال- مرحلة تلي المحاق، فإن لم يكن القمر قد وصل مرحلة المحاق فلا جدوى إذن من البحث عن الهلال.
ثانيا: أن يغرب القمر بعد غروب الشمس؛ لأن تحري الهلال يبدأ فور بداية اليوم الهجري الجديد عند غروب الشمس، فإذا كان القمر سيغيب أصلا قبل غروب الشمس أو معها؛ فهذا يعني أنه لا يوجد هلال في السماء نبحث عنه بعد الغروب.
فإذا لم يتوفر أحد الشرطين السابقين؛ فإن إمكانية رؤية الهلال تسمى "مستحيلة".

ولكن حدوث الاقتران قبل غروب الشمس وغروب القمر بعد غروب الشمس غير كافٍ حتى تصبح رؤية الهلال ممكنة؛ فهل يمكن رؤية الهلال إذا غرب بعد دقائق معدودة من غروب الشمس مثلا؟ بالطبع لا، وذلك لأسباب عدة، منها:

أولا: غروب القمر بعد فترة وجيزة جدا من غروب الشمس يعني أنه ما زال قريبا من قرص الشمس، وأن طور المحاق (الاقتران) قد حدث قبل فترة قصيرة من غروب الشمس؛ فعند الغروب لم يكن القمر قد ابتعد ظاهريا في السماء مسافة كافية عن الشمس حتى تبدأ حافته بعكس ضوء الشمس ليرى على شكل الهلال.
ثانيا: إذا نظرنا إلى جهة الغرب لحظة الغروب فسنلاحظ الوهج الشديد للغسق قرب المنطقة التي غربت عندها الشمس؛ فإذا ما وقع القمر في تلك المنطقة فإن إضاءة الغسق الشديدة ستحجب إضاءة الهلال النحيل.
ثالثا: إن وقوع قرص القمر قرب قرص الشمس وقت الغروب يعني أن القمر قريب جدًّا من الأفق وقت رصده، ووقوع القمر قرب الأفق سيؤدي إلى خفوت إضاءته بشكل كبير جدًّا؛ فنحن لا نستطيع النظر إلى الشمس وقت الظهيرة، في حين أنه يمكن النظر إليها وقت الغروب بارتياح أحيانا؛ وذلك لأن أشعة الشمس وقت الغروب تسير مسافة أكبر في الغلاف الجوي؛ مما يؤدي إلى توهين، وتشتت أشعتها، ولا يصلنا منها إلا القليل. وهذا ما يحدث للهلال أيضا فالغلاف الجوي عند الأفق كفيلٌ بأن يشتت جميع إضاءة الهلال فلا نعود نراه.

فاستنتجوا مما سبق أن قرص القمر يجب أن يكون على ارتفاع مناسب عن الأفق الغربي، وأن يبتعد مسافة كافية عن قرص الشمس حتى تزداد نسبة إضاءته، ولكي يبتعد عن وهج الشمس وبالتالي يزداد سطوعه.

وإذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس وغرب القمر بعد غروب الشمس، ولكنه لا يمكن رؤية الهلال لأحد الأسباب الثلاثة سالفة الذكر؛ فإن رؤية الهلال تسمى "غير ممكنة".

فلبيان خطأ الحساب الفلكي في رؤية الهلال نقول :
تعتمد جميع الحسابات الفلكية كما ذكرنا من قبل على مواضيع الرياضيات العالية : التكامل والتفاضل والقياس الفلكي والميكانيكي السماوي والفيزياء الفلكية وعلم نشوء الكون والكونيات وفيزياء الفضاء والبصريات الفضائية وعلوم القمر وجغرافيته الطبيعية والكواكب والأرصاد الجوية والاتصالات الفضائية والأجهزة الالكترونية الحديثة وتقنية الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى مواضيع أخرى مثل الديناميكية الحرارية ومكانيك السوائل والتحديد الحراري والدينامكية الجوية والمسح الفضائي والتحليل الإحصائي.
فكل هذه الحسابات تعتمد على الفيزياء الميكانيكية لحركة الكواكب حول نفسها وحول غيرها من الكواكب ، وتصور لنا كيفية تلك الحركة . وهذه الفيزياء الميكانيكية التي تسمى أيضا بالفيزياء القديمة تعتمد بدورها على قوانين نيوتن للحركة ، فقوانين نيوتن مثلا تحدد لنا كيفية حركة الأرض حول الشمس وكم من الوقت يستغرق ذلك وحساب متى تشرق الشمس وتغرب الشمس ومتى يكون هنالك كسوف بالساعة والدقيقة والثانية وفي أي البلاد يكون كسوفا كليا وأين يكون جزئيا ، وأيضا تحدد لنا متى يكون الاقتران وأين ومتى يولد الهلال .
فخطأهم هو من ناحية إنزال تلك الحسابات الميكانيكية على رؤية الهلال، أي على انعكاس ضوء الشمس على القمر ثم وصوله انتهاء إلى الأرض ، فمثلا عندما يقولون : عند الغروب لم يكن القمر قد ابتعد ظاهريا في السماء مسافة كافية عن الشمس حتى تبدأ حافته بعكس ضوء الشمس ليرى على شكل الهلال ، قد افترضوا أن ضوء الشمس يسير في خط مستقيم وبسرعة ثابتة منذ خروجه من الشمس وانعكاسه على سطح القمر حتى وصوله إلى الأرض، فلم تراع هنا قوانين الفيزياء الكميه في تلك الحسابات, أي لم تأخذ في عين الاعتبار إمكانية انحناء الضوء متأثرا بالقوى المغناطيسية المحيطة به الناتجة عن جاذبية الشمس وجاذبية القمر ثم جاذبية الأرض ، ولم تراع أيضا تأثير الغازات الموجودة في الكون والغلاف الجوي للأرض على اتجاه الضوء . فالفيزياء الكميه أو ما يطلق عليها اسم الفيزياء الحديثة والتي وضع أسسها العالم ماكس بلانك في عام 1901م ثم جاء من بعد العالم أينشتاين ثم العالم هيبيي ، أوجدت قوانين جديدة لدراسة الضوء وظواهره وكيفية تولده وسيره وانحنائه وانعكاسه وانشطاره .
فمن خلال الفيزياء الكمية استطاعوا أن يفسروا تأثر الضوء بالمجال المغناطيسي ، حيث أن هذا الضوء يحتوي على فوتونات أي جزيئات دقيقة مشحونة تتأثر بالمجال المغناطيسي المجاور ، والذي ينتج عنه انحناء تلك الأشعة عن مسارها الطبيعي عند اقترابها جسم كبير ( كوكب مثلا ) يحيط به في مجاله المغناطيسي. فمثلا كسوف الشمس كسوفا كليا ثم ابتداء انجلاء هذا الكسوف تكون أكثر نقطة تتجمع فيها الأشعة هي تلك التي يبدأ عندها هذا الانجلاء حيث أن أشعة الشمس تنحي بمرورها بجانب المجال المغناطيسي للقمر متمركزة في تلك النقطة ، فتكون كثافة تلك الأشعة أكبر ما تكون في تلك النقطة ، وهذا ما تفسره قوانين الفيزياء الكمية، ولا تستطيع تفسيره الفيزياء الميكانيكية .
ولقد كان هناك عدة تجارب في مجال التأثير على الضوء على انحنائه وعلى تسريعه باستخدام المجال الكهروميغناطيسي، أهمها تلك التجربة التي أشرفت عليها جامعة ميونخ في ألمانيا في العقد الماضي , والتي نتج عنها تسريع سرعة الضوء لعدة أضعاف والقدرة أيضا على إبطاء سرعته. فهذا أيضا بجانب التأثير على انحناء الضوء وشدة انحرافه .
أما بالنسبة لرؤية الهلال في حالة المحاق فهي واردة، وتفسيره هو أن خروج القمر من المحاق وولادته بعد الاقتران السطحي، وهو أن تقع الشمس والأرض في مستوى واحد ويظل القمر خارج الأرض وعلى نفس مستوى الشمس والأرض دون أن يكون على نفس الخط الواصل بين الشمس والأرض ، فطالما القمر على هذا الحال فإنه حسب قياسات الفيزياء الميكانيكية فإنه يستحال رؤية ضوئه على سطح الأرض، ولكنه حسب الفيزياء الكميه فإن أشعة الشمس المنعكسة على سطح القمر تتأثر بجاذبية القمر مما يؤدي على انحنائها باتجاه الأرض ، كما أن هذه الأشعة تتأثر أيضا بجاذبية الأرض مما يؤدي أيضا إلى انحنائها باتجاه مركز الأرض ، فهذا الذي يفسر رؤية الهلال في حالة المحاق بعدة ساعات على سطح الأرض
فخطأ الفقهاء اليوم في تعيين إمكانية أو عدم إمكانية رؤية الهلال في وقت محدد يرجع إلى الخلط بين ولادة الهلال وبين رؤيته, فحملت الحسابات المتعلقة بانعكاس الضوء على سطح القمر ووصوله إلى الأرض أي حسابات الفيزياء الكمية على الحسابات المتعلقة بدوران القمر حول الأرض ودورانهما معا حول الشمس أي حسابات الفيزياء الميكانيكية .
الإسلام قد حدد لنا بداية شهر رمضان برؤية الهلال, قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له"
رواه البخاري ، ومسلم بلفظ أغمي ، فالإسلام بذلك قد حل لنا مشكلة الاختلاف في تعيين بداية شهر رمضان الكريم حيث حصرها فقط برؤية الهلال وليس بتولده .
فلو كان للمسلمين دولة خلافة واحدة لأصبحنا جميعا صائمين بشهادة مسلم واحد عدل، وانجلى هذا الخلاف وتوحدت كلمة المسلمين تحت راية خليفة المسلمين. اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوب المسلمين، وأن تهديهم سبل السلام، وأن تجعلهم يدا على من سواهم، وان توحد كلمتهم تحت راية خليفة المسلمين، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاهم إلى يوم الدين .

كتبه للإذاعة : أبو حكيم


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

إخراج المشركين من جزيرة العرب

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" لَأُخْرِجَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا" رواه مسلم
قَالَ ‏ ‏مَالِك ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏حَتَّى أَتَاهُ ‏ ‏الثَّلْجُ ‏ ‏وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏فَأَجْلَى ‏ ‏يَهُودَ خَيْبَرَ ‏
والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله:" لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب كما هو معلوم.
وأمّا حقيقة جزيرة العرب، فقال مجد الدين في القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضاً.
قال الإمام الصنعاني في سبل السلام: وأضيفت إلى العرب لأنها كانت أوطانهم قبل الإسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت أيديهم، وقد تضمنت الأحاديث إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة العرب ومنها الحجاز لأنها بعضها.
قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يُمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام، وقال الشافعي ومن وافقه: إلاّ مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال، فإن دخل خفية وجب إخراجه فإن مات ودُفن فيه نُبش وأُخرج ما لم يتغير، لقوله تعال: { إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ}.
إن من المنكرات العظيمة التي ارتكبها حكام البلاد العربية والإسلامية ولا سيما حكام الجزيرة أنهم خالفوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أنهم استقدموا دول المشركين وجيوشهم وأساطيلهم البرية والبحرية والجوية إلى بلاد جزيرة العرب فقتلوا المسلمين فيها وقتلوا المسلمين منها، حينما احتلوا العراق وأفغانستان وانطلاقهم من قواعدهم العسكرية في الجزيرة، فأضاف الحكام إلى نجاستهم نجاسة المشركين هم وما يسمى بالعلماء الذين أفتوا لهم بجواز استقدام المشركين إلى جزيرة العرب والاستعانة بهم، ولم يكتفي الحكام بتلك النجاسة بل قاموا ببناء الكنائس لأولئك المشركين فتساووا معهم في الإشراك وخرجوا من ملة الإسلام.
إن الذي سيخرج المشركين من جزيرة العرب ويقضي على الشرك في الأرض جميعها ويُطبق الإسلام ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويحمل رسالة الإسلام رسالة رحمة ونور إلى العالم أجمع هو دولة الخلافة القادمة إن شاء الله والتي من غنائمها الأولى تلك القواعد العسكرية الموجودة في بلاد المسلمين، { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً } * { وَنَرَاهُ قَرِيباً } وليس ذلك على الله بعزيز.

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الأستاذ أبي مالك بمناسبة كتاب الحزب للحكام


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ لما أعطي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ، حتى قال قائلهم‏:‏ لقي واللّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء‏.‏قال‏:‏ ‏(‏فأين أنت من ذلك يا سعد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ يا رسول اللّه، ما أنا إلا من قومي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة‏)‏‏.‏ فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا‏.‏ وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال‏:‏ لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحمد اللّه، وأثني عليه، ثم قال‏:‏ ‏(‏يا معشر الأنصار، ما قَالَهٌ بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها على في أنفسكم‏؟‏ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه‏؟‏ وعالة فأغناكم اللّه‏؟‏ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم‏؟‏‏)‏ قالـوا‏:‏ بلـي، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفْضَلُ‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏(‏ألا تجيبوني يا معشر الأنصار‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بماذا نجيبك يا رسول اللّه‏؟‏ للّه ورسوله المن والفضل‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أما واللّه لو شئتم لقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ‏:‏ أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسَيْنَاك‏)‏‏.‏
‏(‏أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم‏؟‏ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم‏؟‏ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار‏)‏‏.‏
فبكي القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا‏:‏ رضينا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم قَسْمًا وحظاً، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا‏.‏
لقد أعطى الأنصار النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان مُكَـذَّبا، فصدقوه، ومخذولا، فنصروه، وطريدا فآووه، وعائلا، فآسوه
وأعطاهم الله بذلك عز الدنيا وعز الآخرة، وأصبح حبهم جزءا لا يكتمل الإيمان إلا به،
عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق , ومن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله } .
وقد استدار الزمان على هيئته يوم طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبائل العرب النصرة، القبيلة تلو القبيلة،
فأكثرهم من خاف حرب الأصفر والأحمر إن نصره، وهم يعلمون أنه يطلب النصرة على أن يملكوا العرب والعجم، ويصبحوا سادة الدنيا، لكن أكثرهم آثر الشياه والنَّعَم، ومتاعا رخيصا زائلا من الدنيا
فما هي إلا سنوات قليلة، بعد أن من الله على هذه الدعوة برهط قليل من الأنصار، إلا والدعوة تجتاح الجزيرة بيتا بيتا، وقبيلة قبيلة، ثم تنتقل إلى فارس والروم تدك عروشهم، ويخلد الأنصار في سجل صفحات الخالدين، نالوا عز الدنيا والآخرة
وسود التاريخ صفحات أبي جهل وأبي لهب، وابني عبد يا ليل، وغيرهم ممن رفض نصرة هذه الدعوة، فما بكت عليهم السماء والأرض، ومضوا إلى عذاب أليم خالدين فيه أبد الآباد.
واستدار الزمان لنرى بأم العين، رفض الرويبضات عز الدنيا ومنازل الأنصار في الآخرة، يؤثرون على ذلك تبعية ذليلة للغرب الكافر، وحرصا على متاع قليل مقابل خدمة مصالح الكافر المستعمر
فما هي إلا سنوات قليلة بإذن الله تعالى، حتى يتذكرهم الناس في ظل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، لاعنين ، سائلين المولى عز وجل أن ينزلهم منازلهم التي يستحقون يوم القيامة،
ومنهم من سيدرك الخلافة فتنزله المكانة اللائقة بالخانع الذليل الذي أذل عباد الله، واستمرأ أن يبقي بلاد المسلمين نهبا للكافر المستعمر
ودعوة الحق ماضية، غير آبهة بمن لم يدرك عظيم شأنها، فهو الخاسر الأكبر، وأما هذه الدعوة، فمنصورة بإذن الله تعالى
منصورة بثباتها على الحق، منصورة باتباع نهج نبيها صلى الله عليه وسلم، مهما كانت الصعاب

وإن غدا لناظره لقريب

ثائر سلامة أبو مالك
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قتل من صرّح بسب النبي صلى الله عليه وسلم

عن ابن عباس رضي الله عنه: أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَقَعُ فِيهِ ‏ ‏فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ ‏ ‏الْمِغْوَلَ ‏ ‏فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ فَقَامَ الْأَعْمَى ‏ ‏يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ ‏ ‏وَتَقَعُ فِيكَ ‏ ‏فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ ‏ ‏وَتَقَعُ فِيكَ ‏ ‏فَأَخَذْتُ ‏ ‏الْمِغْوَلَ ‏ ‏فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا ‏ ‏هَدَرٌ" رواه أبو داود والنسائي واحتج به أحمد.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في النيل: وفي حديث ابن عباس دليل على أنه يُقتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً وجب قتله. ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وقال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً.
وأما فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل العهد والذمة فقال ابن القاسم عن مالك: يُقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلاّ أن يُسلم. ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله.
وأما عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم لليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك فلأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل أنهم لما لم يُظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وعلى أي حال فالذي عليه اليهود من الكفر أشد وإنما حقن دماءهم العهد، وليس في العهد ولن يكون على التأييد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم أو من غيرهم كالنصارى وملل الكفر فقد تعدى العهد فينتقض فيصير كافراً بلا عهد فيُهدر دمه ووجب قتله.
وإن ما يقوم به الكفار اليوم من انتهاك حرمة النبي صلى الله عليه وسلم والإساءة إليه ما هو إلاّ تنفيذ لمخطط وضعته دول أوروبا وأمريكا تهدف منه إلى إذكاء روح الحقد الصليبية لدى شعوبهم ضد الإسلام بعدما أيقنوا ولمسوا بأن الإسلام يكتسح حواجزهم وينفذ إلى عقر دارهم فيُسلم من يُسلم من شعوبهم، وبأن الإسلام هو البديل الطبيعي والفطري لعقائدهم الفاسدة وديمقراطيتهم العفنة ورأسماليتهم المتوحشة، ودولة الإسلام القادمة إن شاء الله هي التي ستُنفذ حمل رسالة الإسلام بقوة إليهم وإلى العالم أجمع بشكل عملي وهي التي ستثأر من الذين أساءوا إلى نبينا عليه السلام {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

تعليق على تعليق السيد منذرعبدالله بعنوان حاكم سوريا لم يعد يستحي
نعم أخي منذر، حاكم سوريا لم يعد يستحي، ولكن من من حكام العرب والمسلمين يستحي؟
إن كانت الأمة قد انطلت عليها أكاذيب النظام السوري حول الصمود والتصدي ومعركة التحرير والكرامة المفقودة وعزة المواطن وتحرير فلسطين والإعداد للمعركة وبناء الجيش وتهيئة المخابئ والملاجئ وحفر الخنادق في شوارع دمشق وماحولها وتزريق الأضواء وتخصيص 70% من الميزانية السورية منذ عام 1963 للشؤون الحربية وحسم مبالغ من رواتب العمال والموظفين الشهرية تحت مسميات المجهود الحربي والجيش الشعبي، وحملات الإعتقالات غير المسبوقة بتهم التجسس لصالح العدو وبتهم التعاون مع أعداء الأمة وبتهم التخطيط ضد المعركة القادمة وبتهم تسريب معلومات عن القوة العسكرية ، وغير ذلك كثير.
إن كانت انطلت على الأمة لوقت طويل هذه الأكاذيب وهذه الترهات حتى فضح الله جل اسمه أهلها كما سيفضحهم يوم الفضيحة الكبرى ويفضح علماء السلاطين الساكتين عليهم. فهل انطلت على الأمة أكاذيب حسين الأردن الذي كان يأكل في مطيخ جولدا مائير بينما الجيوش تتصارع مع يهود؟ وهل انطلت عليها أكاذيب عبد الناصر عندما وعدها بمعركة تحرير كبرى وإذ به يزج بها بمعركة اعتقالات وتنكيل كبرى ورثها للرئيسين الذين اغتصبا السلطة من بعده؟
هل غابت عن الأذهان شخصيات كذبت ومازالت تكذب على الأمة جمعاء أمثال قذافي ليبيا الذي أنكر السنة الشريفة وغير القرآن، واستبدله بأخضر باهت من نتاج الخيال والشيطان، حينما كان يحفر الأخدود ويقتل فيها حملة الدعوة لا لشيء سوا لقولهم ربنا الله؟
هل نسيت الأمة مافعلته ميليشيات نصارى لبنان بالمسلمين في الحرب الأهلية اللبنانية؟ وهل أصبح عدو الأمس صديق اليوم، حتى رأينا الماروني صار "أخاً" لمسلم، بينما يعادي هذا "المسلم" مسلما آخر لأنه ضد الماروني
هل ابتعد عن ذاكرتها علمانية فتح واشتراكيتها، فصار السير ورائها واجباً ليس فقط وطنياً بل دينيا أيضا؟ وأصبحنا نتفق مع يهود على تهدئة ونحن نتبجح بإنكارنا لهم!
أخي منذر، حاكم سوريا لم يعد يستحي. هذه كلمة حق. وكلمة الحق تدفعنا لإتمامها من باب مالايتم الواجب إلا به فهو واجب، بالقول، حكام الأمة الإسلامية لم يعد يستحون، نقضوا عهودهم مع أمتهم وأقاموها مع يهود. نفضوا أيديهم من يد ربهم ووضعوها مع الكافر المعادي.
حكام الأمة لم يعد يستحون، ولكن علماء السلاطين ومفتو الديار ومشايخ المنابر الرسمية لم يعد يستحون أكثر، أوّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفوا على مقارعة الحكام والتغيير عليهم، ورموا وراء ظهورهم أمر الله لهم خاصة وللمسلمين عامة، بعدم السكوت على المنكر وبعدم المبيت أكثر من ثلاثة أيام بلا خليفة يجمع الأمة كلها في دولة إسلامية واحدة.
حاكم سوريا لم يعد يستحي ولم يكن يستحي لاهو ولا أبوه، لبعدهم عن الإسلام ولكفرهم به، ولكن الحكام الآخرين الذين يدعون الإسلام، لا يستحون من الله وهم يحاربونه ليل نهار وبكل قوة معهم.
وصدق الله العظيم، أخي منذر عبدالله، حين يقول:
إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.

أبو هاني - سوريا
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

إثم القول على الله بغير علم
رَوَى ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْمًا ‏ ‏يَتَدَارَءُونَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا وَمَا جَهِلْتُمْ ‏ ‏فَكِلُوهُ ‏ ‏إِلَى عَالِمِهِ" رواه أحمد في مسنده

وروى أيوب عن ابن بليكة قال: سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية، فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله.
وصحّ عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون.
وقال الشافعي رحمه الله: سمعت مالكاً يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله، وذكره ابن عجلان عن ابن عباس.
وقال أبو حُصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر.
وعن ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل:"الله أعلم" فإن الله قال لنبيه {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} ‏
فإذا كان هذا قول سلف الأمة الأخيار من الصحابة والتابعين وهم خير القرون على الإطلاق علماً وعملاً وورعاً، فماذا يقول اليوم علماء هذا الزمان من الذين يتجرؤون على دين الله ويفتون الناس بغير ما أراد الله، ما بالهم يتقحّمون النار يبتغون عرض الدنيا، يُرضون حكامهم ويُسخطون ربهم، يُضلون الناس عن علم أولئك علماء السلاطين الذين قال فيهم رسولنا الكريم عليه السلام:" إذا رأيتم العلماء على أبواب السلاطين فخافوا على دينكم منهم".


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

خواطر حامل دعوة3:
القمح السوري.. والسنوات العجاف

صحيح أن سوريا هي البلد الوحيد بين المنظومة المسماة بالبلاد العربية في العالم الإسلامي التي تزرع قمحها وتملأ مخازنها منه ولاتحتاج لاستيراده كما تحتاج مصر مثلا لذلك. فالأصل أنها لديها "قوت يومها" وأكثر من ذلك، فهي تملك احتياطيها منه، مما لايؤرقها ولايؤرق أهلها.
ومع ذلك فإن المواطن في سوريا هو من أقل المواطنين في العالم العربي من ناحية الأمن، سواء السياسي أم الغذائي أم الصحي أم الوظيفي!
والغريب العجيب، أنه مع انفضاح الأنظمة العميلة في العالم الإسلامي بانكشاف ضحالة أمنها الغذائي وانكشاف مجونها واستهتارها بأقوات الشعب، فإن المديح انصبّ على سوريا وعلى قمحها الصامد والمتصدي لكل حملة تجويع تستهدفها. فقيل ما قيل، كلمات كذب وتلفيق، مثل أن حافظ الأسد هو المخطط لهذا الإكتفاء الغذائي، أو أنه هو الذي كان يصر على المثابرة في زراعة القمح استعدادا لمعركة التحرير، والمقصود هنا طبعا تحرير فلسطين، ولتفويت فرصة تجويع الشعب السوري على العدو الصهيوني.
والحقيقة هي غير ذلك تماما. ولكننا كأمة تتوق باستمرار لاختلاق صورة أبطال نتوهم وجودهم أو نتوهم قيامهم بأعمال سامية. بانتظار الأبطال الحقيقيين الذين تعودنا بروزهم من بين صفوف الأمة لانتشالها مما هي فيه.
إن القمح السوري لاعلاقة له بالرغيف السوري.
فبرغم أن القمح يُزرع بكثرة في سوريا، إلا أن أن أزمة الخبز لم تكل أو تمل يوماً في ربوع سوريا المعطاءة. بل إن سوريا كانت تشهد أزمات خبز خانقة في حين أن قمحها لايُسمح لها بطحنه وعجنه وخبزه، بأمر الرئيس!
حتى في أيام حالكة، كان الناس في سوريا يغبطون إخوانهم في مصر ولبنان لوفرة الخبز عندهم ولندرته داخل سوريا. والسر في ذلك يكمن في الأسد السوري وفي الدب الروسي.
ففي أيام الإتحاد السوفييتي كانت روسيا تفرض على كل دولة من الدول التي تدور في فلكها، ولو اسميا، تصدير مادة ما لها، وكانت تعتمد عليها كليا بذلك.
لم تكن سوريا في السبعينيات والثمانينات دولة نفطية بعد، بل كان يظهر عليها أنها دولة زراعية فقيرة، لذا كان من نصيبها أن تزرع القمح وتكيّسه وتصدره للدب الروسي بالنوعية الممتازة. ومايتبقى للشعب فقط النوعية الرديئة أو النوعية التي كان الدب الروسي لايأكلها. ومن هنا تداول الناس اسم "الخبز الأسمر" وهو الخبز الرخيص الذي يتبقى للناس ولكن بكميات غير كافية. ومن المفارقات، أنه ثبت بعدها أن الخبز الأسمر هو الأجود والأفضل غذائيا وصحيا.
وذهب الاتحاد السوفييتي إلى غير رجعة، وأخذ معه حافظ الأسد إلى قعر التاريخ. وبقي ما خطه أمر ذاك الطاغية، بأن تُزرع المساحات المخصصة بالقمح ويستمر الإنتاج، ولكن لم يعد يُصدر للمقبور السوفييتي. فأين يذهب؟
فرب رمية من غير رام. رأف الله تعالى بالمسلمين في شآم الخير والبركة بدعاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لها. واستمر تدفق القمح مذكرا بحال المسلمين في ظل الزراعة في الدولة الإسلامية ووفرة الخيرات عليهم.
أذكر أنه في موسم من مواسم القمح، في سنة من سنوات الظلم في ظل حافظ الأسد، وضعت شحنات القمح بأطنانها اللامتناهية في أكياس الشحن في مرفئ اللاذقية بانتظار الشحن للسوفييت. وطال الإنتظار، تتالت الأيام، ولأمر سياسي أو اقتصادي ما، تأخر الشحن، فنبت القمح في الجو الساحلي الرطب مع السوء في التغليف، فضاع الموسم وضاع الحصاد. فسُحبت كل كميات القمح من بين أيادي الناس بالقوة، وأرسلت للإتحاد السوفييتي، وعانى الناس ماعانوه جراء ذلك.
إن تقزيم المشكلة الإقتصادية في العالم الإسلامي بمشكلة قمح هو ذر للرماد في العيون. وإن تحويل الشأن السوري من حكم متجبر وظالم ومحارب لله ولرسوله وللمسلمين، إلى موضوع الغذاء والقمح هو الظلم بعينه وهو التعتيم الكبير على الحقيقة.
فمتى كان الجلاد يرأف بضحاياه، ومتى كان الذئب يلتفت لإطعام فريسته قبل أن يقتلها، ومنذ متى كان الحمل الوديع آمنا في أحضان ذابحه!
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

انبثاق الفرَج من رحِم الشدّة

إن تصدي الحق ووقوفه أمام الطغيان الباغي ما هو إلا سنة الله على هذه الأرض التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان .

والناظر للأحداث التي حدثت في الأمم التي خلت من قبلنا والأحداث الواقعة في أيامنا هذه يرى أن الطغيان دائماً يمتاز بقوة الحكم والسلطان بل أن قوته تكون قوة الطاغية المتجبر اليقظ الحذر.
والحق يكون لا حول له ولا قوة ولا ملجأ ولا وقاية ولا حماية إلا الله عز وجل .

ولكن هذه القوة والجبروت والحذر لا تغني للباطل عن شيء بل لا تمكنه من الحق، وكيف يكون ذلك وهو في حراسة القوة الحقيقية، القوة الوحيدة التي بيدها الأمر وتدفع السوء وتعمي العيون بل وتتحدى الباطل تحدياً سافراً.

وتأتي الآيات الأولى في سورة القصص مبينة هذا التحدي ومعلنة انتصار الحق على الباطل مهما علا الباطل وطالت مدته ، تأتي على شكل حلقات لقصة من عدة مشاهد ما أن يسدل الستار عن مشهد حتى يرفع عن مشهد آخر تترابط أحداثها مع بعضها البعض.

قال تعالى : "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"
أي نريد أن نتفضل وننعم عليهم .

وتلك حكاية مضت .... حكاية فرعون وظلمه وكيف أنه علا في الأرض وتكبر وتجبر فأوقع على الناس أشد صور الاضطهاد والبغي ، على أناس لم يحملوا عقيدته وأنكروا ألوهية فرعون ودانوا للواحد القاهر الجبار .

فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع وتحكمه في عيشهم إلا انه كان يخافهم ويحذرهم فيبث عليهم العيون والأرصاد ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشَّفَّارِكالجزار.

هؤلاء المستضعفون يريد أن يمنَّ الله عليهم بمهابة من غير تحديد ويجعلهم أئمة وقادة لا عبيداً ولا وتابعين ، وأن يورثهم الأرض المباركة وأن يمكنهم فيها ويجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين، فيحقق الله ما يحذره فرعون وما يتخذ الحيطة دونه وهو لا يشعر .

هكذا كان التصوير القرآني قبل بدء عرض القصة ، والقلوب معلقة بأحداثها ومجرياتها وما ستنتهي إليه.
قوة تقف وجهاً لوجه مقابل قوة
قوة فرعون المنتفشة المنتفخة التي تبدو للناس قادرة على الكثير أمام قوة الله الحقيقية القوة الهائلة التي تتهاوى دونها القوى الظاهرية الهزيلة التي ترهبها الناس وتخافها.

ثم تبدأ القصة ويبدأ التحدي ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، بياناً منه سبحانه أن لا قوة تعلو قوة الحق بيد القادر التي تعمل سافرةً دون ستار.

فيأتِِي أمر الله : " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ "
مشهد الأم التي تضع أبنها، وهو في حضنها، وفي رعايتها، فإذا خفت عليه وفمه في ثديك وتحت عينيك "فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ"
فيستكمل الخطاب بـ : " وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ " مطمئناً لها بأن لا تخاف ولا تحزن بل ومبشراً لها أنه سيُردُ إليها بل وإنه سيكون أيضاً من المرسلين .

فيسدل الستار عن هذا المشهد العظيم ليأتي بعده مشهد آخر مشهد الأم الحائرة التي تتلقى الإيحاء المطمئن لها المبشر المثبت المريح فينزل البرد والسلام على قلبها.

فتتتابع المشاهد من مشهد إلى آخر كلها لتحقق الوعد المنشود والذي يصب في نصرة الله للحق .
فمن التقاط فرعون لموسى إلى طلب زوجته منه بأن لا تقتله "عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"
أي قدرة تلك التي تدفع فرعون للإبقاء على حياة موسى بل والبحث عمن ترضعه والخوف عليه من الموت أو الذبول ، وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنوده. فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون.
ومن ثم عودة إلى مشهد الأم المسكينة التي وصف القرآن قلبها بصورة حية " فَارِغًا " لا عقل فيه ولا وعي حتى كادت تقول أنا أمه فربط الله على قلبها بالصبر لتكون من المؤمنين المصدقين بوعد الله .
ولكن أم موسى لم تسكت وأبت الانتظار دون عمل فكان لا بد من بحث ومحاولة.

فقالت لابنتها " قُصِّيهِ " أي اتبعي أثره واعرفي خبره إن كان حياً. فلم تتوان الفتاة عن تلبية طلب أمها، لعلمها أن الوصول إلى الغاية لا بد من عمل وأن وعد الله لا يتحقق للمتقاعسين.
وبعد الصبر والعمل والمثابرة يأتي وعد الله وتتحقق البشرى يقول الله تعالى : " فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "
وقد عاد الطفل الغائب إلى أمه الملهوفة معافى في بدنه مرموقاً في مكانته يحميه فرعون وترعاه امرأته .
فجاءت هذه المشاهد لتبين أين يكون الأمن وأين تكون المخافة، وتعلم أن الأمن إنما يكون بجوار الله والتوكل عليه خير توكل والصبر والعمل والتبات والتصديق بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد.

وسنة الله لا تتبدل ولا تتغير ، ونحن هذه الأيام في الذكرى السابعة والثمانين لهدم الخلافة وفي صراع مرير لاستئناف الحياة الإسلامية منذ أكثر من سبعة وخمسين عاماً من العمل الجاد المجد.
والهجمة على الإسلام وأهله تزداد يوماً بعد يوم فاشتد الكرب وازداد الابتلاء على حملة الدعوة المخلصين في الأرض وازداد الصد والأذى في سبيل الله ، وطغى السلطان وبات هناك فراعنة في هذا الزمان.
فمن سجن وتعذيب وملاحقة إلى صدٍ حتى عن إحياء هذه الذكرى الأليمة.
فكان من الناس من يقول : لقد كثرت ألوان الفتن والتضليل والتحريف وتأخر النصر فهل من سبيل؟؟
وهل من مخلص يخلصنا مما نحن فيه من ذلٍ وهوان واستضعاف ؟؟
أين أهل القوة والمنعة ؟
ألا من ناصرٍ لهذا الدين؟؟
فهل انعدم الرجال وبتنا في زمن الجبناء؟
والكثير من هذه الأسئلة التي تتبادر في أذهان الناس وبعض حملة الدعوة، فمنها ما يُسمع على ألسنتها ومنها ما يجيش في الصدر دون تصريح، دلالة على النفسيات الراقية التي تتطلع إلى النصر وتتوق إلى العزة بل وكرهت عيشة الذل والمهانة .

وهنا نقول
إن الله تبارك وتعالى العزيز الرحيم العليم الحكيم القادر المقتدر إنما أمره بين الكاف والنون وهو الراعي والحارس لهذا الدين والحامي لهذه الدعوة وأهلها كما حرس موسى بعينه التي لا تنام ورده إلى أمه لتقر عينها .
والله تعالى وعدنا ووعده الحق وعد هذه الفئة العاملة المخلصة بالاستخلاف والتمكين والسنا والرفعة قال تعالى : " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "
فهذه الآية فيها وعد جازم بالاستخلاف والتمكين لمن آمن وعمل صالحاً بصدقٍ وإخلاص ومثابرة دون كلل أو ملل ولا نظر إلى متاع الدنيا من مناصب أو إرضاء لعباد الله دون الله ولا خوف من الظالمين وأعوانهم.
فالمسير وأن طال والاحتكاك والمواجهة وإن ازدادت فما هي إلا إرهاصات انبلاج فجر الحق ودنو ولادة عملاق الخلافة ليعود المسلم عزيزاً ممكنا في الأرض كما كان وينشر الله الإسلام فلا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا ودخل إليه الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل.
عز يعز فيه الإسلام وأهله وذل يذل به الشرك وأهله

نسأل الله العليّ القدير أن يجعلنا من شهودها وجنودها

اللهم استجب اللهم آمين.

أم سدين - بيت المقدس

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة الشيخ أبي الحسن الأنصاري
تاقت لمؤتمر الخلافة نسوة


تاقت لمؤتمر الخلافة نسوة

حملت على الأكتاف من تبعاتها

يرفعن رايات العقاب بأنفسٍ

آلامها دلت على غاياتها

وهتفن باسم الله دون تردد

ونسجن ثوب العز من كلماتها

فرمت عليهن السهام تجنيا

تلك التي تقتات من زلاتها

أختاه إن القوم طاش صوابهم

وكذا العجول تهيج في ساحاتها

قد كان أحرى أن يصوب سهمهم

لنحور من قد أجرموا ببناتها

يا من ركعتم للعداة تزلفا

عل العداة تجود من لبناتها

لستم حماة الدار بل سراقََها

بل أنتم من رحبوا بغزاتها

مهدتم صعب السبيل لبيعها

وفتحتم أبوابها لجناتها

جندتم أبناء أمة أحمد

حتى يكونوا من حماة عُداتها

وأسرتم الأحرار من أبنائها

وضربتم أشرارها بهداتها

سبحان ربك كيف يصبح مسلم

لبني القرود مصانعا لسراتها

ويذود عن أقفاصها متذللا

وكأنه من جنسها وذواتها

نسل اللئام عليك نقمة ربنا

أنت الذي من زاد في علاتها

وعلى الذين أتو بكل كبيرة

خنقت عباد الله في ويلاتها


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الخامسة والأخيرة

فرض تنصيب خليفة للمسلمين


سنبحث في هذه الحلقة معنى الخلافة والأحكام الشرعية المتعلقة بها ووجوب إعادتها ووجوب العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة دولة الإسلام، ونصب خليفة ونبين إثم القعود عن هذا الواجب. فما معنى الخلافة؟...

الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا. وهي إقامة لأحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة، فالإمامة والخلافة بمعنى واحد. وقد وردت الأحاديث الصحيحة بهاتين الكلمتين وبمعنى واحد، ولم يرد لأي منهما معنى يخالف معنى الأخرى في أي نص شرعي، أي لا في الكتاب ولا في السنّة لأنهما وحدهما النصوص الشرعية. ولا يجب أن يلتزم بهذا اللفظ ، أي الإمامة أو الخلافة، وإنما يلتزم بمدلوله.

ونصب خليفة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به ـ كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين ـ وهو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذب الله عليها أشد العذاب.

وقد تضافرت الأدلة على وجوب نصب خليفة على المسلمين في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.

أما الكتاب، فإن الله تعالى أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم - بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله، وكان أمره له بشكل جازم، قال تعالى مخاطباً الرسول عليه السلام : ( فَٱحۡڪُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ‌ۚ )[المائدة: 48]. وقال : ( وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَہُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ‌ۖ )[المائدة: 49]. وخطاب الرسول هو خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، وهنا لم يرد دليل تخصيص فيكون خطاباً للمسلمين قاطبة بإقامة الحكم. ونصب خليفة يعني إقامة للحكم والسلطان. كما أن الله تعالى فرض على المسلمين طاعة أولي الأمر، أي الحاكم الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله وليس الحاكم الذي يحكم بشرعة الكفر كحكام اليوم، فهؤلاء لا طاعة لهم علينا. وهذا يدل على وجوب وجود ولي الأمر على المسلمين. قال تعالى : ( يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ )[النساء: 59]. ولا يأمر الله بطاعة من لا وجود له. ولما يأمر الله بطاعة ولي الأمر فإنّه يكون قد أمر بإيجاده. فدل هذا على أن إيجاد ولي الأمر واجب. لأن وجود ولي الأمر يترتب عليه إقامة الحكم الشرعي. وترك إيجاده يترتب عليه تضييع الحكم الشرعي. وتضييع الحكم الشرعي فيه الحرمة والإثم.

وأما السنّة فقد روى مسلم " ‏عَنْ ‏زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏عَنْ ‏نَافِعٍ ‏قَالَ ‏جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏إِلَى ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ ‏حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ ‏الْحَرَّةِ ‏مَا كَانَ زَمَنَ ‏يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏فَقَالَ اطْرَحُوا ‏لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ ‏أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُهُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ ‏مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏لَا حُجَّةَ ‏لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ ‏بَيْعَةٌ ‏مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏".[رواه مسلم]. فالنبي – صلى الله عليه وسلم- فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون إلا للخليفة ليس غير. فالرسول هنا أوجب على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة لخليفة، ولكنه لم يوجب مباشرة البيعة من كل مسلم للخليفة. فالواجب هو وجود بيعة في عنق المسلم. فوجود الخليفة هو الذي يوجد في عنق المسلمين بيعة سواء بايعوا بالفعل أم لم يبايعوا. ولهذا كان الحديث دليلاً على وجوب نصب الخليفة وليس دليلاً على وجوب أن يبايع كل فرد الخليفة. لأن الذي ذمّه الرسول هو خلو عنق المسلم من بيعة حتى يموت، ولم يذم عدم البيعة. " عَنْ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏عَنِ ‏الْأَعْرَجِ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ ‏يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ ‏وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرًا ‏". [رواه أحمد].

وروى مسلم " عَنْ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏قَالَ ‏قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ ‏الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ " [رواه مسلم]. و" عَنْ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏"[رواه البخاري]. فهذه الأحاديث فيها إخبار من الرسول بأنه سيتولى أمر المسلمين ولاة، وفيها كذلك وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. ووصف الإمام بأنه جنة هو إخبار عن فوائد وجود الإمام وهو في الوقت نفسه طلب. لأن الإخبار من الله ومن الرسول إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. كما أن هذه الأحاديث تبين أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهذا يعني طلبا لإقامتهم، وفيها تحريم خروج المسلم من السلطان، لأن من خرج من سلطان الإسلام خلع من عنقه البيعة فإذا مات على هذه الحال مات ميتة جاهلية. وقد أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم- بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم، وهذا الأمر يتضمن إقامة خليفة، ولزوم طاعته والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. " عَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ".[سنن أبي داود] . فالأمر بطاعة الإمام هو أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة تفيد الجزم بأن لا يكون هناك في الدنيا أكثر من خليفة واحد، وأن يكون وجوده على الدوام. أي إذا مات أو عزل لابد من مبايعة غيره.

وأما إجماع الصحابة فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، فأجمعوا على تنصيب أبي بكر خليفة للمسلمين ولما توفي أقاموا عمر مكانه ومن بعده عثمان ثم عَلِيًا رضي الله عنهم جميعا. وهكذا كلما توفي واحد خلفه الآخر. وقد ظهر إجماع الصحابة وتأكيدهم على أن تنصيب خليفة هو من أولى الأولويات، حينما أخروا دفن الرسول – صلى الله عليه وسلم - واشتغلوا بمبايعة من سيخلفه. مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض، ويحرم على من يجب عليهم تجهيزه ودفنه الاشتغال بشيء غيره حتى يتم الدفن. فالصحابة الذين من المفروض أن يقوموا بتجهيز الرسول ودفنه، اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة، وسكت القسم الآخر عنهم ولم ينكروا عليهم ذلك. وشارك الجميع في تأخير الدفن ليلتين، ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. فكان ذلك إجماعاً على أن الاشتغال بنصب الخليفة يتقدم عن أي شيء آخر. وقد أجمع الصحابة طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة، ومع اختلافهم على الشخص الذي ينتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين، فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

فإقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة فرض على المسلمين بالدليل، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة. ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ بحاكم ذي سلطان. والقاعدة الشرعية تقول : ( ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب) فكان نصب الخليفة فرضاً من هذه الجهة أيضاً.

فهذه الأدلة صريحة بأن إقامة الحكم والسلطان فرض على المسلمين، وصريحة بأن الخليفة هو من يتولى الحكم وذلك من أجل تنفيذ أحكام الشرع، لا مجرد حكم وسلطان. انظر قوله – صلى الله عليه وسلم- فيما روى مسلم عن طريق عوف بن مالك " ‏خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا ‏ ‏نُنَابِذُهُمْ ‏عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ".[رواه مسلم]. فهو صريح في الإخبار بالأئمة الأخيار والأئمة الأشرار، وصريح بتحريم منابذتهم بالسيف ما أقاموا الدين، لأن إقامة الصلاة كناية عن إقامة الدين والحكم به. ففرض وجوب وجود خليفة يقيم أحكام الإسلام، ويحمله بالدعوة والجهاد، أمر لا شبهة في ثبوته في نصوص الشرع الصحيحة. وهذا الفرض هو فرض على الكفاية، فإن أقامه البعض ووجد فقد سقط عن الباقين، وإن لم يستطع أن يقيمه بعضهم ولو قاموا بالأعمال التي تقيمه فإنه يبقى فرضاً على جميع المسلمين، ولا يسقط عن أي مسلم ما دام لم يوجد الخليفة.

والقعود عن إقامة خليفة للمسلمين معصية من أكبر المعاصي لأنها قعود عن القيام بفرض من أهم فروض الإسلام، يتوقف عليه إقامة أحكام الدين، بل يتوقف عليه وجود الإسلام في معترك الحياة. فالمسلمون جميعاً آثمون إثماً كبيراً في قعودهم عن إقامة خليفة للمسلمين. فإن أجمعوا على هذا القعود كان الإثم على كل فرد منهم في جميع أقطار المعمورة. وإن قام بعض المسلمين بالعمل لإقامة خليفة ولم يقم بعضهم الآخر فإن الإثم يسقط عن الذين قاموا يعملون لإقامة الخليفة ويبقى الفرض عليهم حتى يقوم الخليفة. لأن الاشتغال بإقامة الفرض والتلبس به يسقط الإثم عن تأخير إقامته عن وقته وعلى عدم إنجازه. أما الذين لم يتلبسوا بالعمل لإقامة الفرض فإن الإثم بعد ثلاثة أيام من ذهاب الخليفة يبقى ساريا عليهم حتى ينصبوا من يليه ، لأن الله قد أوجب عليهم فرضاً فامتنعوا عن القيام به ولم يتلبسوا بالأعمال التي من شأنها أن تقيمه، ولذلك استحقوا الإثم واستحقوا عذاب الله وخزيه في الدنيا والآخرة. فاستحقاق العذاب على ترك أي فرض من الفروض التي فرضها الله ظاهر صريح، لا سيما الفرض الذي به تنفذ الفروض، وتقام به أحكام الدين، ويعلو به أمر الإسلام، وتصبح كلمة الله هي العليا في بلاد الإسلام، وفي سائر أنحاء العالم.

وأما ما ورد في بعض أحاديث العزلة عن الناس والاقتصار على التمسك بأمور الدين، فإنها لا تصلح دليلاً على جواز القعود عن إقامة خليفة، ولا على إسقاط الإثم عن هذا القعود. والمدقق فيها يجدها قد وردت في شأن التمسك بالدين لا في شأن الترخيص بالقعود عن إقامة خليفة للمسلمين. فمثلاً روى البخاري عن " ‏بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏يَقُولُ ‏: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ ‏نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ ‏ ‏دَخَنٌ ‏قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ".[رواه البخاري]. فإن هذا الحديث صريح بأن الرسول يأمر المسلم بأن يلزم جماعة المسلمين وأن يلزم إمامهم، ويترك الدعاة الذين هم على أبواب جهنم. فسأله السائل عن الحالة التي لا يكون فيها للمسلمين إمام وليس لهم جماعة ماذا يصنع مع الدعاة الذين على أبواب جهنم، فأمره حينئذ باعتزال تلك الفرق، لا أن يعتزل المسلمين، ولا أن يقعد عن إقامة إمام. فأمره صريح « فاعتزل تلك الفرق كلها» وقد بالغ في وصف اعتزاله لتلك الفرق إلى درجة أن لو بلغ به الاعتزال إلى حد أن يعض على أصل شجرة حتى يدركه الموت ويترك تلك الفرق التي على أبواب جهنم. وهذا معناه تمسك بدينك وابتعد عن الفرق الضالة، لتسلم بدينك من دعاة الضلال ولو تعض على أصل شجرة، لا أن تبتعد عن جماعة المسلمين وتقعد عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة إمام للمسلمين. فهذا الحديث ليس فيه أي عذر لترك القيام بالعمل لإقامة خليفة ولا أي ترخيص في ذلك، وإنما هو محصور بالأمر بالتمسك بالدين واعتزال الدعاة الذين على أبواب جهنم، ويبقى الإثم ساريا إذا لم يعمل لإقامة خليفة.

أما ما روي ‏" عَنْ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ‏وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ".[رواه البخاري]. فإن هذا لا يعني اعتزال جماعة المسلمين والقعود عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة خليفة للمسلمين حين تخلو الأرض من الخلافة، بل كل ما فيه هو بيان خير مال المسلم في أيام الفتن وخير ما يفعله للهروب من الفتن، وليس هو للحث على البعد عن المسلمين واعتزال الناس.

وعليه فإنه لا يوجد أي عذر لمسلم على وجه الأرض للقعود عن القيام بما فرضه الله عليه لإقامة الدين. ألا وهو العمل لإقامة خليفة للمسلمين حين تخلو الأرض من الخلافة، وحين لا يوجد فيها من يقيم حدود الله ويحفظ حرماته، ولا من يقيم أحكام الدين، ويجمع شمل المسلمين تحت راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. لا توجد في الإسلام أية رخصة تعفي من القيام بهذا الفرض حتى يُقام.

وقد بينا لكم من خلال هذه الحلقات خيوط المؤامرة والدور الذي قامت به الأحزاب والجمعيات ومعهم الجيش والضباط في هدم الخلافة وإلغاء الحكم بما أنزل الله. فكما أن الخلافة هدمت بعمل هذه الأحزاب والجمعيات والجيش فكذلك تقوم ويعاد بناءها من جديد بعمل الأحزاب ومساندة أهل القوة والنصرة من جيش وقبائل وقوى فاعلة في الأمة. وهاهو حزب التحرير يعمل منذ عقود في الأمة ومع الأمة لصالح الأمة. ويحمل الدعوة إلى الإسلام ويعمل للإسلام فقط. لتخليص هذه الأمة المنكوبة من أذرع الإخطبوط التي التفت حولها ولتحريرها من أفكار الكفر وأنظمة الكفر وهيمنة المستعمر الكافر. فيا أبناء الإسلام لا تفوتوا على أنفسكم فرصة الالتحاق بهذا الحزب والانضمام إليه، لتشاركوه في هذا العمل العظيم، وتبنوا معه دولتكم دولة الخلافة. فبادروا بتسجيل أسماءكم وأعمالكم في صحيفتين، صحيفة التاريخ لتذكركم الأجيال القادمة فتترحم عليكم، وصحيفة يوم العرض والحساب، يوم لا ينفعكم شيء إلا ما ادخرتم لأنفسكم من صالح الأعمال. أما أنتم أيها الجنود والضباط، أنتم يا أهل القوة والمنعة والنصرة، إننا نناديكم بهذا الإسم ونصفكم بهذا الوصف لأننا نأمل أن تكونوا من أهل النصرة والمنعة كما كان أهل يثرب من قبل أنصار رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هبوا لنصرة أمتكم وحماية أبناءكم وإخوانكم. هبوا للمشاركة في إنجاز هذا الفرض وتشييد هذا الصرح. فإن لكم مقاما وشأنا عظيما في إعلاء كلمة الله ونصرة دينه. فلا تكونوا أعوانا للسلاطين، لا تكونوا ترسا يتترس بكم رويبضة هذا الزمان. لا تكونوا جند حراسة تحرسون الذين كانوا سببا في هذه المصائب وهذه الأحزان. فإلى الخلافة ندعوكم أيها الضباط والجنود، إلى الخلافة ندعوكم يا قادة.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون النداء فيلبون. فقد قلت وأنت خير القائلين : ( ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُ ۥۤ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلَّذِينَ هَدَٮٰهُمُ ٱللَّهُ‌ۖ وَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ )[الزمر: 18]. اللهم أنجز لنا وعدك وأيدنا بنصرك، ومُنَّ علينا بخليفة يقيم فينا دينك، ويطبق علينا شرعك. اللهم آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


بقلم : خالد إبراهيم العمراوي
في : 21 رجب الفرد عام 1429 هـ
الموافق: 24 تموز (جويلية) 2008م


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة

إلغاء الخلافة


رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.

في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:

1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.

وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.

وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.

وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.

وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.

ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.

هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.


ابن خلدون
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الثالثة

فصل السلطنة عن الخلافة


لقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بداية الحكم بالكفر وإنشاء الدستور العلماني في أواخر الدولة العثمانية. وقد بينا بالأدلة القطعية أن خلفاء المسلمين أبرياء من هذا الجرم العظيم وأن الذين قاموا بهذا الأمر هم مجموعة من الخونة والمنافقين والكفار. وفي هذه الحلقة سنبين لكم كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، أو بالأحرى فصل الدين عن الدولة كمقدمة لإلغاء الخلافة نهائيا.

في زحمة الأحداث رأى أعداء الإسلام أن إلغاء الخلافة الإسلامية ليس بالأمر الهين وأن ذلك لا يمكن أن يتم دون وجود بطل وهمي يحيطونه بهالة ويظهرونه للعامة كأنه البطل المعجزة لتجري على يديه القذرة إلغاء الخلافة. وهكذا ظهر على مسرح الأحداث شخص سيء الذكر من يهود الدونمة إسمه مصطفى كمال أتاتورك. ( لعنه الله وحشره مع من أحب من الكافرين).

في بداية ربيع 1338هـ أرسلت انكلترا قواتها البحرية لاحتلال استانبول وألقت القبض على عدد من النواب من أعضاء حزب مصطفى كمال ورئيس الوزراء الأسبق سعيد حليم وسيقوا إلى السجون لمدة يوم واحد ثم نقلوا إلى مالطة. وسيطر الانكليز على العاصمة وفرضت الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة. وقد أظهرت بريطانيا بخبث ودهاء للعامة أنها تعادي مصطفى كمال وحزبه وأنها حليفة للخليفة العثماني وصديقة له. وهكذا انطلت الحيلة على العامة البسطاء وظهر لهم أن هناك فريقين متصارعين: الفريق الأول يمثله السلطان وإلى جانبه الانكليز، والفريق الثاني يمثله مصطفى كمال وجماعته الذين بدوا للناس أنهم ضد الانكليز. فأيدهم العامة وأغلبية ضباط الجيش.

وكانت تلك فرصة ذهبية للخائن مصطفى كمال فاغتنمها وأعلن عن إجراء انتخابات، بحيث تكون أنقرة مقرا للمجلس الجديد بعيدا عن مقر الحكم في استانبول. وانعقد المؤتمر القومي، ومن بعد نقل الموظفون والضباط وأجهزة الدولة إلى أنقرة. وبدأ بإنشاء الجيش والدولة. وأخذ يضع أسس الجمهورية التركية الجديدة سرا متظاهرا بكفاح المحتل الأجنبي وكان يقول: " إن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطنة وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي".

وبعد انتخاب لجنة تنفيذية برئاسته لإدارة شؤون البلاد وانضمام الكولونيل "عصمت إينونو" للوزارة اتخذت قرارات خطيرة أدت إلى الصدام المسلح مع حكومة استانبول. وكاد الخليفة بمساعدة المقاطعات والقبائل التي انضمت إليه بسرعة لنصرة الخلافة أن يقضي على حكومة أنقرة لولا تدخل الإنكليز لصالح مصطفى كمال. إذ بعد المعارك التي استمرت طيلة شهر أيار أوشكت أنقرة على السقوط. وفي هذه اللحظات الحاسمة التي أصبح فيها مصير مصطفى كمال وجماعته على كف عفريت أذاعت بريطانيا بأسلوب إعلامي واسع وخبيث شروط الصلح التي مضى عليها سنة ونصف من تاريخ الهدنة، وهي شروط معروفة باسم " معاهدة سيفر" التي وافق عليها السلطان ووقعها الداماد فريد باشا. فنتج عن ذلك تحول في الرأي العام وانصبت النقمة على الخليفة ورئيس وزرائه وعلى الإنكليز وهكذا تغير الموقف لصالح أنقرة وربح مصطفى كمال الجولة التي هيأها له الإنكليز.

بعد تلك الأحداث دعت إنكلترا إلى عقد مؤتمر لندن من أجل إعادة النظر في معاهدة " سيفر" وبحث المسألة الشرقية. والغريب أنها قامت بدعوة وفدين لهذا المؤتمر. وفد يمثل حكومة أنقرة وآخر يمثل الحكومة العثمانية الشرعية والتي يفترض أن تكون هي الممثل الشرعي الوحيد. لكن مصطفى كمال اعترض عن الدعوة وطلب أن يكون هناك وفد واحد يتكلم بصوت واحد. فأرسل الإنكليز دعوة مباشرة إليه باسم الحلفاء وذلك بمثابة اعتراف صريح بحكومة أنقرة. فذهب الوفدان منفصلين، وفد الخليفة برئاسة " توفيق باشا" رئيس الوزراء ووفد أنقرة برئاسة " بكير سامي بك" وعقد المؤتمر في شباط عام 1339هـ وتنازل وفد الخليفة عن حقه في الكلام لصالح وفد أنقرة، وحضر المؤتمر " لويد جورج " ممثلا لانكلترا، و" بريان " لفرنسا و الكونت " سفورزا " لإيطاليا.

بعد ذلك شعر رجال البلاد بنوايا مصطفى كمال تجاه الخلافة الإسلامية فحذروه من القيام بأي إجراء لإلغاء الخلافة. وهدده الجنرال " كاظم قره باكير"، المتحمس القوي للسلطان وصاحب المركز المرموق في الجيش والدولة، ومنعه من الإقدام على ذلك. لكن مصطفى كمال قام بتهدئته وطمأنه وأعلمه بأنه ليس في نيته التعدي على مركز الخلافة والسلطنة. وأيقن هذا المجرم أن الحل الوحيد لتنفيذ مخططاته هو اكتساح معارضيه وخصومه باستعمال القوة.

وفي تموز من عام 1340 هـ عقدت معاهدة الهدنة وانسحب اليونان من البلاد ولم يبق فيها سوى الإنكليز. فانفرد حينها " هارنجتون" بالعمل ودعيت حكومتا استانبول وأنقرة لمؤتمر " لوزان" بغية عقد معاهدة الصلح في 17 تشرين الأول. فسخط المجلس الوطني الكمالي واستطلع رأي مصطفى كمال الذي كان آنئذ في إزمير فلم يجب بشيء فاجتمع ذلك المجلس في جو مكفهر. وبعد أن حضر مصطفى كمال وصعد المنبر طلب من الحضور الإصغاء إليه واقترح فصل السلطنة عن الخلافة وأن تلغى السلطنة ويخلع وحيد الدين. فبرز الخطر وظهر الهياج، ورأى أغلبية المجلس أن يناقشوا الفكرة وأن يتعرّفوا على حقيقتها وأن يزِنوا نتائجها بضمائرهم وأفكارهم. فخاف مصطفى كمال من عقبى نتيجة البحث والدرس، فطلبَ أن يؤخذ الرأي دون نقاش، ووافقه على ذلك أصدقاؤه من النواب. إلا أن المجلس قرر إحالة الاقتراح إلى لجنة الشؤون القانونية لتبدي أولاً وجهة نظرها فيه ثم تعرضه بعد ذلك على المجلس. وذهب الاقتراح إلى اللجنة التي عكفت على دراسته ولم تلبث طويلاً حتى رأت مخالفته الجلية لأصول الإسلام فرفضته.

وما إن رأى مصطفى كمال توجه اللجنة إلى رفض الاقتراح حتى فقد سيطرته على أعصابه وقفز فجأة واعتلى مقعداً وهو يتميّز من الغيظ وصاح: " أيها السادة! لقد اغتصب السلطان العثماني السيادة من الشعب بالقوة، وبالقوة اعتزم الشعبُ أن يستردّها منه. إن السلطنة يجب أن تفصل عن الخلافة وتلغى، وسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث ذلك. كل ما في الأمر أن بعض رؤوسكم سوف تسقط في غضون ذلك". وكان يتكلم بلهجة الديكتاتور، فانفض اجتماع اللجنة. ثم دعيت الجمعية الوطنية من فورها لتناقش الاقتراح فجمع أنصاره من حوله وطلب أخذ الرأي عليه برفع الأيدي مرة واحدة، فاعترض النواب على هذه الخطة وقالوا: " إن كان لابدّ من أخذ الرأي فليكن مناداة بالاسم. فرفض مصطفى كمال وصاح وفي صوته رنة تهديد قائلاً: " أنا واثق من أن المجلس سيقبل الاقتراح بإجماع الآراء، ويكفي التصويت برفع الأيدي". ثم طرح الاقتراح على الأعضاء فلم ترفع غير أياد قليلة لتأييده. لكن النتيجة أَعلنت بأن المجلس أقر الاقتراح بالإجماع، فدهش النواب لذلك وقفز بعضُهم فوق مقاعدهم محتجّين صارخين: " هذا غير صحيح ونحن لم نوافق"! فصاح فيهم أنصار كمال يسكتونهم ويتبادلون معهم الشتائم.

وصدر قرار المجلس الوطني التركي متضمناً الفصل بين الخلافة والسلطنة، أي جعل الخليفة مجرداً من السلطات واعتباره صاحب منصب ديني وشخصية روحية فحسب، مخوِّلاً تصريف أمور تركيا السياسية والإدارية للوزراء.

وبعد خمسة أيام جرى انقلاب في استانبول تحت بصر الجنرال " هارنتجون" وعزلت حكومة السلطان بالقوة. وتحت حماية القائد الإنكليزي أجلي السلطان " وحيد الدين " وابنه وسمح لهما باصطحاب حقيبة صغيرة للملابس وحمّال لحمل بعض الأمتعة وانطلقت بهم سيارة إسعاف إلى زورق بخاري حملهم بدوره إلى بارجة حربية انكليزية كانت راسية بالميناء تنتظر ذلك، وأقلعت بهم إلى مالطة وذلك في 17 تشرين الثاني عام 1340 هـ ونودي بالأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ابن عم وحيد الدين خليفة للمسلمين بعد موافقة المجلس الوطني على ذلك.

وقد احتوى البيان الذي أصدره المجلس الوطني التركي على أربعة فصول بعد مقدمة عامة، وكان الفصل الأول منه خاصا بتعريف الخلافة وتوضيح شروطها، وأما الثاني فبكيفية اكتسابها، وأما الثالث فيتعلق بتقسيم الخلافة أو تفريق السلطنة عن الخلافة ليصل في النهاية إلى النتيجة التي كان يرمي إليها. وهذا عرض موجز لمضمون القرار:

يبدأ البيان بتعريف الخلافة وإيضاح مفهوم أهل السنة لها، وينتهي إلى أن الخلافة مسألة دنيوية سياسية أكثر منها دينية، ولذلك خلتْ النصوص الشرعية من إيضاحها بالتفصيل. ثم تعرض البيان إلى الأصوات التي تعارض القرار، وهذا يدل على قوة الأصوات المعارضة، فيذكر في إحدى عباراته : " وحيث أننا نلاقي أفكاراً باطلة وتعصباً لا مبرر له في شأن مسألة الخلافة في زماننا، كما هو الحال في كثير من الأحكام الشرعية سِواها، شرعنا إلى تحرير هذه الرسالة، وغرضنا منها تصحيح الأفكار وتنوير الأذهان بتفهيم حقيقة هذه الشرعية".

أما في فصل التعريف بالخلافة وإيضاحها يقرن المجلس كلمة (الخلافة) بالإمامة، فهي مرادفة لها، ولكنه يحصر الخلافة بالخلفاء الراشدين وحدهم، وأما الخلفاء من بعدهم لم يكونوا في حقيقة الأمر سوى رؤساء جمهور المسلمين لأن ولايتهم سياسية إدارية وليست روحية.

وتنتقل حيثيات القرار بعد هذا إلى عرض لما يُطلق عليه اسم " الخلافة الحقيقية والخلافة الصورية والحكمية". فالأولى هي الكاملة الجامعة للصفات والشروط والتي تمت عن طريق الانتخابات بواسطة الأمة، بخلاف الثانية وهي العارية عن هذه الشروط لأنها تمّت بالتغلب والاستيلاء، فهي ملك وليست خلافة من جهة، كما أن صاحبها لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لها من ناحية أخرى شأن خلفاء الأمويين والعباسيين، ما عدا عمر بن عبد العزيز الذي اقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم فألحقه البعض بالخلفاء الراشدين.

ثم يعتبر البيان أن الخليفة يعدّ من جهة نائباً عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناحية أخرى نائباً عن الأمة الإسلامية بصفته وكيلاً عنها فيحق للأمة عزله.

أما فيما يتعلق بتقييد حقوق الخلافة وواجباتها فيعود البيان إلى تقسيم الخلافة السابقة إلى خلافة كاملة حقيقية وخلافة صورية حكمية، ليضع نتائج البحث في ضوء هذا التقسيم بأن الخلافة بالمعنى الأول لا يجوز تطبيقها لأنها خلافة نبوة، بخلاف الشكل الثاني لها وهي الخلافة الصورية فإنه يجوز تقييدها.

والنتيجة المباشرة لكل هذه المقدمات التي ساقها هو أن الخلافة بعد أن أصبحت مرادفة للملك والسلطنة لم تعد إلا من المسائل السياسية، لهذا ألغاها المجلس بحيث " لا تضر الأمة والبلاد بتصرفاتها الاستبدادية، وأبقى السلطنة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية".

وتيقّن الناسُ بعد هذا أن حكام أنقرة الجدد كفرة، وصاروا يلتفون حول الخليفة عبد المجيد ويحاولون إرجاع السلطة إليه ليكون هو الحاكم الحقيقي للبلاد ويقضي على هؤلاء المرتدين. فأدرك المجرم مصطفى كمال الخطر، وعرف أن أكثرية الشعب تكرهه وتصفه بالزندقة والإلحاد، فنشط في الدعاية ضد الخليفة والخلافة، وأثار حماسة الجمعية الوطنية حتى سنّت قانوناً يقضي باعتبار كل معارضة للجمهورية، وكل ميل إلى السلطان خيانة عقابها الموت.

وشرع مصطفى كمال يهيئ الأجواء لإلغاء الخلافة. إلا أن النواب صاروا يتحدثون عن الخلافة وفائدتها لتركيا من الوجهة السياسية العامة. فقاومهم مصطفى كمال وقال : " أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن الأوان لتنظر تركيا إلى مصالحها وحدها، وتتجاهل الهنود والعرب وتنقذ نفسها من زعامة المسلمين".

وواصل مصطفى كمال حملته ضد الخلافة ودعايته ضد الخليفة، وأبرزه هو وأنصاره في صورة الخونة الذين يشتغلون لحساب الإنجليز. ولم يكتفِ بذلك، بل خلق موجة من الإرهاب ضد معارضيه من النواب الذين يريدون استبقاء الخلافة في تركيا. فإذا صرّح أحدهم بضرورة الخلافة ووجوب المحافظة على الدين، كلف المجرم شخصاً لاغتياله في الليلة التي تحدّث فيها. وإذا ألقى نائب آخر خطبة إسلامية أحضره وهدده بالشنق إذا فتح فمه بمثلها مرة أخرى.

وبهذا الترهيب والوعيد نشر الرعب في طول البلاد وعرضها، وضمن لنفسه ألا يعترض عليه معارض. ثم أرسل إلى حاكم إستانبول يأمره بالتشديد على الخليفة وإنذار أتباعه كي يتخلوا عنه.

وبعد أن نجح أعداء الله في تحقيق هذين الهدفين، أي إحداث الدستور العلماني المناقض لشرع الله ثم فصل السلطنة عن الخلافة لم يبق أمامهم بعد ذلك إلا إلغاء الخلافة كليا. وهذا ما سنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله.




بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة

إلغاء الخلافة


رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.

في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:

1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.

وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.

وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.

وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.

وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.

ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.

هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.


ابن خلدون
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الثانية

إنشاء الدستور العثماني


كنا في الحلقة الماضية قد بينا أن المسلمين لم يحكموا طوال فترة الخلافة بغير الإسلام، وأن الخلفاء أبرياء من تغيير نظام الحكم، وأن الذين قاموا بهذه الفعلة الشنيعة هم فئة من الخونة الماسونيين العملاء للغرب. فمن هم هؤلاء وكيف ومتى كان ذلك؟

في أواخر الدولة العثمانية تكونت حركة سياسية يهودية ماسونية تسمى " جمعية الإتحاد والترقي " وكانت هذه الحركة مدعومة من الدول الأجنبية التي تهدف إلى الإطاحة بالخلافة العثمانية وإلغاء الحكم الإسلامي. وقد تأسست هذه الجمعية عام 1894م. ووصلت إلى الحكم في الدولة العثمانية بعد الإنقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله في (27 نيسان 1909م). ومن ثم بدأت هذه الجمعية بفرض عملية التتريك على جميع المحافظات العربية وغيرها. ففرضت اللغة التركية في الدواوين والمدارس والمناهج. ثم ورطت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى مما أدى بها إلى الانهيار والسقوط وتقاسم الدول الاستعمارية لأراضيها. ومن المعلوم أن قادة الاتحاد والترقي كلهم على الإطلاق من الماسونيين وأغلبهم ليسوا من المسلمين ولا من عرق تركي. فأنور- بولندي، وجاويد – من يهود الدونمة, وكراصو - يهودي أسباني. والحديث عن هذه الحركة يحتاج إلى موضوع مستقل. لكن الذي يهمنا هنا هو الانقلاب على نظام الحكم والدستور الذي أحدثوه. فهو أول مشروع كفر يظهر في تاريخ الخلافة الإسلامية والبداية الأولى للحكم بغير ما أنزل الله.

ظهر الدستور في الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر الميلادي بعد ما شهدت الدولة مشروعات إصلاحية متعددة عرفت باسم التنظيمات الخيرية، قام بها بعض رجال الدولة من أمثال مصطفى رشيد باشا، ومحمد فؤاد باشا كشيسي زاده، ومحمد أمين عالي باشا، ومدحت باشا، وهؤلاء شغلوا منصب الصدر الأعظم في الدولة. وتشتمل تلك الإصلاحات على مبادئ عامة في الحكم والإدارة، وكانت تصدر مراسيم سلطانية تتناول إصلاح بعض الأمور في الدولة. خاصة بعدما تولى السلطان عبد الحميد الثاني الحكم خلفًا لأخيه السلطان مراد الخامس الذي أصدر فيه مجلس الوزراء بقيادة الصدر الأعظم قرارًا بعزله بناءًا على فتوى شرعية، وكان ذلك في (10 من شعبان 1293هـ الموافق31 من أغسطس 1876م).

وقد أمر السلطان عبد الحميد بتشكيل لجنة لوضع مسودة لمشروع الدستور، تحت رئاسة مدحت باشا بصفته رئيسًا لمجلس الدولة، وكان أعضاء اللجنة يتألفون من 28 عضوًا من كبار موظفي الدولة وعلماء الدين والعسكريين وبعض الشخصيات العامة.

وبعد عدة جلسات مطولة ومناقشات حامية، انتهت اللجنة إلى وضع هيكل للنظام البرلماني يقوم على مجلسين، هما: مجلس للشيوخ ويطلق عليه إسم " مجلس الأعيان"، ومجلس للنواب ويطلق عليه إسم "مجلس المبعوثان". وبانتهاء اللجنة من مهمتها عين رئيسها مدحت باشا صدرًا أعظم للمرة الثانية في (3 من ذي الحجة 1293 هـ الموافق 19 من ديسمبر 1876م)، وبعد أربعة أيام من توليه المنصب الكبير أُعلن عن الدستور وسط قصف المدافع في اليوم الذي تزامن مع افتتاح مؤتمر إستانبول الدولي.

وكان هذا المؤتمر قد عقد بقرار من الدول الأوروبية الكبرى وتحت إشرافها ؛ للنظر في وضع شروط الصلح بين الدولة العثمانية والصرب، وفي أوضاع سكان الولايات المسيحية الخاضعة للدولة العثمانية في أوروبا. ولقد استغل مدحت باشا انعقاد هذا المؤتمر للضغط على الخليفة العثماني في التعجيل بإصدار الدستور؛ مبديا له أن صدوره، أي الدستور، سيجعل الدول الأوروبية الكبرى تكف عن تدخلها في الشؤون الداخلية للدولة، بتعلة المطالبة بإدخال الإصلاحات في ولاياتها المسيحية في أوروبا.

وقد أطلق على هذا الدستور اسم المشروطية الأولى، وهو المصطلح التاريخي كما يطلق عليه القانون الأساسي، وهو مقسم إلى 12 قسمًا ويضم 119 مادة، ومواده مأخوذة من الدستور البلجيكي والروسي.

فالقسم الأول منه حدد الدولة العثمانية وعاصمتها. وقرر أن دينها الرسمي هو الإسلام بعدما كان نظام حكمها هو الإسلام. ثم تناول وضع السلطان وامتيازاته وطرق توارث الحكم، كما حدد الدستور حقوق السلطان وواجباته في مراقبة تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية، وسك العملة باسمه، والدعاء له في الخطب، وتعيين الوزراء وعزلهم، وإعلان الحرب وعقد الصلح وإبرام المعاهدات، والقيادة العليا للقوات المسلحة. ونصَّ الدستور على ضرورة تصديق السلطان على الأحكام القضائية الصادرة بالإعدام، وخوّله أن يسن قانونًا أو يصدر مرسومًا دون موافقة البرلمان.

وأما القسم الثاني من الدستور فقد نصَّ على الحقوق العامة لرعايا الدولة؛ وأكد على مساواتهم أمام القانون دون نظر إلى ديانتهم، وقرّر أن لهم كل الحقوق وعليهم جميع الواجبات، وأقرّ أن الحرية الشخصية مصونة ولا تُنتهك، وكفل حرية العبادة لغير المسلمين شريطة ألا يرتكب أحد في إقامة شعائره الدينية ما يخل بالنظام العام أو يتعارض مع الأخلاق الطيبة. ونصّ على أن التعيين في المناصب الحكومية ميسور للجميع بشرط توفر الكفاءة والمقدرة وإجادة اللغة التركية، وشدّد على تجريم انتهاك حرمة المساكن. إذ لا يُسمح لرجال الحكومة باقتحامها إلا في الأحوال التي يحددها القانون. وقرّر عدم السماح بجمع الأموال على شكل ضرائب أو تحت أي تسمية أخرى إلا طبقًا للقانون.

ثم تناول الدستور الفصل بين السلطات الثلاثة؛ وهذا الفصل بين السلطات يحدث لأول مرة في دولة الإسلام. فالصدر الأعظم يتولى السلطة التنفيذية، وهو رئيس مجلس الوزراء ويرأس اجتماعاته، ويكون شيخ الإسلام عضوًا في المجلس. أما السلطة التشريعية فينهض بها البرلمان الذي يتكون من مجلسين، أحدهما مجلس الأعيان أو مجلس الشيوخ، ولا يتجاوز عدد أعضائه ثُلث عدد أعضاء مجلس المبعوثان. ويتم تعيينهم من قبل السلطان، ويكون تعيينهم مدى الحياة، ويجب ألا تقل سن العضو عن 40 عامًا، ويكون قد أدى من قبلُ خدمات جليلة للدولة.

وأما مجلس المبعوثان فيتم اختيار أعضائه عن طريق إجراء انتخابات عامة في أنحاء الدولة، ويمثل كل نائب 50 ألف فرد من رعايا الدولة الذكور، ومدة العضوية 4 سنوات. وكفل الدستور الحصانة البرلمانية لأعضاء مجلس المبعوثان، فلا يجوز القبض عليهم أو محاكمتهم، إلا إذا قرر المجلس بأغلبية الأصوات رفع الحصانة عن العضو.

وأما السلطة القضائية فتمارس من خلال المحاكم الشرعية المختصة بالنظر في قضايا الأحوال الشخصية بالنسبة إلى رعايا الدولة المسلمين، أما غير المسلمين فتنظر في قضاياهم محاكم ملِّية خاصة بالمتنازعين. وإلى جانب المحاكم الشرعية توجد المحاكم المدنية التي تختص بالقوانين الوضعية، وكفل الدستور صيانة القضاء من أي نوع من أنواع التدخل في شؤونه، واحتفظ الدستور باختصاصات مجلس الدولة التي كان يمارسها قبل، باعتباره محكمة استئناف تنظر في الطعون المقدمة ضد القرارات الإدارية.

وقد أمر السلطان عبد الحميد بوضع الدستور موضع التنفيذ، فأجريت انتخابات عامة لأول مرة في التاريخ العثماني، وأسفرت عن تمثيل المسلمين في مجلس المبعوثان بـ71 مقعدًا، والمسيحيين بـ 44 مقعدًا، و4 مقاعد لليهود. وتألف مجلس الأعيان والشيوخ من 26 عضوًا. واجتمع البرلمان رسميًا في (4 من ربيع الأول 1294هـ الموافق 19 من مارس 1877م) في حفل كبير أقيم في قاعة الاحتفالات في قصر ضولمة باشي.

وبدأ المجلسان عملهما، وناقش مجلس المبعوثان بعض المشروعات، مثل: قانون الصحافة، وقانون الانتخابات، وقانون عدم مركزية الحكم، وإقرار الموازنة العامة للحكومة. وبعد إحدى عشر شهرًا من تاريخ الحياة النيابية أصدر السلطان عبد الحميد قرارا بتعطيل مجلس الأعيان والمبعوثان في (13 من صفر 1295هـ الموافق 14 من فبراير 1878م). واستمر هذا التعطيل زهاء 30 عامًا لم تُفتح خلالها قاعة البرلمان مرة واحدة. وظل العمل بالدستور معطلا حتى أصدر السلطان عبد الحميد الثاني في (23 من جمادى الآخر 1326هـ الموافق 23 من يوليو 1908م) قرارًا بإعادة العمل بالدستور. إلا أن أنصار الخلافة استنكروا مظاهر العلمانية والسير على خطى الغرب التي اتصف بها عهد الدستور، فطالبوا بالعودة إلى أحكام الشريعة الإسلامية. وفي 13 نيسان 1909م تحول السخط إلى تمرد قام به عدد من الضباط والجند، وهاجموا مجلس «المبعوثان» والباب العالي. وطالبوا بسقوط الحكومة الاتحادية وحل المجلس ونادوا بإلغاء الدستور وإعلان حكم الشريعة الإسلامية وانتشرت الفوضى وحمي الصراع بين الاتحاديين والمعادين لهم.

ثم توالت الأحداث وأخذ بعضها برقاب بعض إلى أن حققت هذه الجمعية غرضها الدنيء ونجحت في خلع السلطان عبد الحميد وإبعاده عن الحكم. وذلك باستصدار فتوى شرعية من شيخ الإسلام لخلع السلطان. وقد تم ذلك واستدعي رئيس الوزارة توفيق باشا إلى المجلس الذي عقد فيه الإجتماع لإبلاغ الخليفة القرار، لكنه امتنع فانتخب الاتحاديون وفدا عجيبا يندى له الجبين سيظل يذكره التاريخ أبدا، إذ كان هذا الوفد مؤلفا من الفريق البحري عارف حكمت - الكرجي - وآرام أفندي – الأرمني - وعمانوئيل قراصو – اليهودي - وأسعد طوبطاني – الأرناؤوطي- ، ودخل الوفد على السلطان عبد الحميد فوجدوه واقفا وكأنه بانتظارهم هادئ الأعصاب متزنا، فقرأ الفتوى الفريق عارف حكمت أمامه فأجابه السلطان : " ذلك تقدير العزيز العليم". ثم تقدم أسعد طوبطاني وقال له : لقد عزلتكم الأمة، فغضب عبد الحميد وقال: " تقصد أن الأمة خلعتني لا بأس ولكن لماذا جئتم بهذا اليهودي ( ويقصد قراصو) إلى مقام الخلافة؟".

هكذا نجح الماسون ومن وراءهم وكالة الاستخبارات الإنكليزية في القضاء على أخلص رجل لهذه الأمة. وبإبعاده عن الحكم خلا لهم الجو. ولم يخف الماسون علاقتهم بعملية الانقلاب على الخليفة وفرحتهم وبهجتهم بإبعاد هذا الخليفة الشهم عن الحكم، بل يفخرون بالأدوار الإجرامية التي قاموا بها. فقد قال الفيلسوف الماسوني " شاربيا" في حفل أقيم للماسون : " انظروا إلى إخوانكم الماسونيين السالونيكيين الذين قاموا بالحركة الدستورية التي قلبت الحكم العثماني في آخر عهد السلطان عبد الحميد دون أن تسيل نقطة دم واحدة ".

يجب إذن على أبناء الأمة الإسلامية أن يعلموا أن خلفاءهم لم يخونوهم ولم يحكموهم يوما واحدا بأحكام الكفر، وآخرهم هذا الخليفة الشهم. الذي وصفه " بسمارك يوما فقال : " إنه العقل المفكر والمخطط للدولة ولا يحظى سياسيوها بأكثر من 5% فقط". ولا يفوتنا هنا أن ننقل إليكم مقطعا من رسالة كان قد أرسلها السلطان عبد الحميد الثاني إلى الشيخ محمود أبو الشامات لتعرفوا من خلالها مدى وعي هذا الخليفة وإخلاصه للأمة الإسلامية. يقول في رسالته رحمه الله : "....ثم أعرض لرشادتكم على سبيل التاريخ ولِيُعلمَ عند ذوي العقول السليمة أمثال سماحتكم أنني ما تركت الخلافة الإسلامية إلا للضغط عليّ من قبل الجمعية العليا لجماعة الاتحاد (جون تورك) وقد عرضوا عليّ مبلغا قيمته مائة وخمسون مليون ليرة إنكليزية ذهبية لأبيعهم أرضا في فلسطين يسكنها اليهود فلم أقبل. وإني خدمت الملة الإسلامية مدة تفوق الثلاثين سنة لم أسود خلالها صحيفة للمسلمين ولا صحيفة آبائي وأجدادي من الخلفاء العثمانيين لذلك لا أقبل مطلقا. فاتفقوا حالا على خلعي ونفيي إلى سلانيك فقبلت بذلك وحمدت الله على أني ما خططت قلما ولا حرفا يسوء الدولة الإسلامية العثمانية وحصل ما حصل والحمد لله على ذلك وفهمكم كفاية". رحم الله السلطان عبد الحميد الثاني وأسكنه جنان الفردوس.

هذه إذن الخطوة الأولى في القضاء على الخلافة الإسلامية ثم تلتها خطوات أخرى لم يعرفها التاريخ الإسلامي من قبل وهي فصل السلطنة عن الخلافة ثم إلغاء الخلافة نهائيا. وهذا ما سنتحدث عنه في الحلقة القادمة إن شاء الله .



خالد إبراهيم العمراوي
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة
الحلقة الأولى


بادئ ذي بدء يجب أن يعلم المسلمون أننا لا ننتظر هذه المناسبة من كل سنة لنذكرهم بواجب العمل للخلافة. وواجب استئناف الحياة الإسلامية. بل نحن – بلا رياء ولا غرور- نعمل لها بالليل والنهار، وذلك منذ عقود، دون انقطاع ولا ملل ولا تراجع ولا فتور ولا استسلام ولا يأس ولا خوف، في انتظار اليوم الذي يمن الله فيه علينا بنصر من عنده. كما أننا في إحياءنا لهذه الذكرى الأليمة، أي ذكرى هدم الخلافة الإسلامية، لا نود منهم أن يقلدوا غيرهم ممن ترسموا خطى الغرب في أعياده ومواسمه فيعلنوا الحداد عليها في اليوم الذي يقابل تاريخ هدمها، وأن يقيموا لها المراسم ويشعلون الشموع ويقفون صامتين ومنتكسي الرؤوس لبضعة دقائق ثم يبكون. إننا لا نود منكم ذلك مطلقا أيها المسلمون. فهذه عادات سخيفة وتقاليد تافهة ليس لها أصل في ديننا وحضارتنا وثقافتنا الإسلامية. بل هي دخيلة علينا مثلها مثل الأفكار التي وفدت علينا من أرض الصليب في عاصفة هوجاء ملأت سماءنا بعجاجها وحجبت عنا شمس إسلامنا. فاختفى النور الذي كان يضيء حياتنا وخيمت الظلمات وتحركت وحوش الليل وأفاعي الظلام تفتك بنا وتنفث فينا سمومها.

إذن لا نريد في هذه الذكرى نواحا ولا بكاءًا، وإنما نود منكم أيها المسلمون الإستجابة للنداء. وها نحن نجدد التذكير لقوله تعالى : ( وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ )[الذاريات: 55]. ونعيد الخُطَبْ ( لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةً۬ وَتَعِيَہَآ أُذُنٌ۬ وَٲعِيَةٌ۬ )[الحاقة: 12]. ونكرر الأسئلة نفسها عساها توقظ نائما أو تنبه غافلا فيتوب إلى ربه. قال تعالى: ( يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةً۬ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَڪُمۡ جَنَّـٰتٍ۬ تَجۡرِى مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ )[التحريم: 8]. فيا أمة الإسلام إلى متى هذا الانحناء والركوع للأعداء؟ إلى متى هذا الركون والخضوع للحكام العملاء؟ إلى متى هذا الاستسلام للرويبضات السفهاء؟ إلى متى ستبقى السياط تُلهبُ ظهركِ وأنتِ تئنينَ من الألم في الخفاء؟ أذهب الرجال وبقي الغثاء؟ أم عقمت أرحام نساءك فما عادت تنجب الأبطال الأقوياء؟. أما آن لك يا أمة الإسلام أن تنهضي وترفعي رأسك إلى العلا، وتضحي بحياتك في سبيل دين الله فإن الحياة مهما طالت بك فإنها آيلة للزوال والفناء. أما آن لك يا أمة الإسلام أن تستجمعي قواك وتستردي سلطانك وتعيدي مجدك الذي بلغ في السابق عنان السماء. أوَ يرضى العقاب بالعيش في قن الدجاج ويدع الغربان حرة طليقة تحلق عاليا في الفضاء. أوَ تروم الأسود عيش النعاج وتتخلى عن عرينها للذئاب ليكونوا هم الملوك والأمراء؟

فيا خير أمة أخرجت للناس من سيتولى عنك تطبيق شرع الله وتنفيذ أحكامه ويتولى عنك رعاية شؤون الناس بأنظمة الإسلام؟ من الذي سينهي تسلط دول الكفر الاستعمارية على بلاد المسلمين؟ من سيتولى عنك حماية الثغور وحفظ الأعراض والديار ؟ من الذي سيسترد الثروات المنهوبة والأراضي المغصوبة ؟ من الذي سيخرج من بلادنا القواعد العسكرية ويبعد عن مياهنا الأساطيل الحربية؟ من الذي سيقفل أوكار الجوسسة ويطرد الجواسيس من بلادنا ؟ من سيتحمل عنك مسؤولية حمل رسالة الهدى ومشعل النور إلى البشرية؟ من الذي سيخرج الناس من الظلمات إلى النور؟ من الذي سيكسر قيد الاستعباد ويحرر العباد؟ من الذي سيعيد الكرامة والمساواة والعدل للبشرية؟ من الذي سيطهر الأرض من قاذورات الشرك والكفر والإلحاد؟ من الذي سيرفع عن البشرية هيمنة المبدإِِ الرأسمالي الجائر؟ من ومن ومن.....؟ إننا ندعوكم أيها المسلمون لتفكروا مليا فيما صنعه الكافر المستعمر بكم. تفكروا مليا في تلك المكائد والمؤامرات والدسائس والخطط التي حبكوها ليقضوا عليكم قضاءً مبرما ويمحوكم من على وجه الأرض محوا تاما حتى يخلو لهم الجو وينفردوا بالبشرية فيصنعون بها ما يشاءون ويذلونهم ويظلمونهم ويقهرونهم كيفما يريدون. إننا ندعوكم لتقوموا بالواجب المتروك والفرض المهمل. ندعوكم لتنصروا دين الله وتحملوا إسلامكم حملا مبدئيا ، فكريا وسياسيا. ففيه حياتكم وعزتكم وعلوكم وظهوركم وقوتكم وسعادتكم وفوزكم في الدنيا والآخرة. ندعوكم لتتبصروا وتتمعنوا في أحوالكم ووضعكم، ندعوكم لتستشرفوا مستقبلكم، ندعوكم لتقيموا دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة بعدما هدم الكفار خلافتنا الأولى.

وكما تعلمون فإن الخلافة الأولى سقطت عام 1924م ولم يتم إعادة الحكم بهذا النظام في أي مكان حتى الآن. ومن لازال حيا وعمره تجاوز الأربعة وثمانين عاما يكون من حيث تاريخ الميلاد متصلا بدولة الخلافة لأنه ولد زمن وجودها من قبل أن يتم إلغاءها. مما يعني أن المدة الفاصلة بيننا وبين آخر عهدنا بالخلافة لا تزيد عن عمر هذا الإنسان. وحتى الذين ولدوا بعد هدمها ببضعة عقود لا يقبل منهم التنكر لها لقرب عهدهم بها. ولذلك لا نستطيع أن نفهم حقيقة دهشتهم وتعجبهم من الخلافة. أو كيف ينسونها وتغيب عن أذهانهم بهذه السرعة العجيبة وهي التي كان لها حضور في المحفل الدولي وكانت الدول الكبرى تتعامل معها. وحتى الأحداث الكبرى التي وقعت في القرن الماضي فإن لها علاقة أو اتصالا بدولة الخلافة. كاتفاقية " سايكس- بيكو- سازانوف " عام 1916م. فالمعروف عن هذه الاتفاقية أنها كانت اتفاقية سرية بين فرنسا وبريطانيا بمصادقة روسيا القيصرية على اقتسام بلاد المسلمين بعد القضاء على الخلافة العثمانية التي كانت حامية لها. وقد تم الوصول إلى هذه الاتفاقية ما بين تشرين الثاني 1915 وأيار 1916م. بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي " فرانسوا جورج بيكو" والبريطاني " مارك سايكس"، وقد تم الكشف عنها لما وصل الشيوعيون إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917م. وهذه الاتفاقية تدل على أن بلاد المسلمين كانت قبل هدم الخلافة بلادا موحدة ولم يكن بين أقطارها حدود فاصلة. وكذلك الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت بين عام 1914 و 1918م. فإن دولة الخلافة بزعامة الاتحاديين شاركت فيها وخسرتها. ولا ننسى كذلك الفاجعة الثانية التي حلت بالأمة الإسلامية ألا وهي فاجعة فلسطين واحتلال يهود لها عام 1948م من بعد فاجعتهم في دولة الخلافة التي كانت حامية لها وحاجزا بينها وبين أطماع الصهيونية. فهذه الأحداث وغيرها مما لها علاقة أو اتصال بدولة الخلافة هي وقائع وحقائق تثبتها الوثائق الرسمية ويتدارسها الطلبة ولا يمكن لأحد أن يزعم أنها أساطير ووهم وخيال. فلماذا إذن نسمع تعاليق كاذبة وباطلة تسفه فكرة الخلافة وتزعم أنها خرافة؟ لماذا هؤلاء الكذابون الدجالون يوهمون أبناءنا بأن الخلافة خيال ووهم وحلم. كيف تكون وهما وخيالا وهي التي قادت العالم لأكثر من ثلاثة عشر قرنا وغيابها عنا لم يتجاوز عمر إنسان كما أسلفنا. أوَ ليس هذا عجيب غريب؟. إن هذه الزمرة من الكذابين والدجالين هي بلا شك عميلة للغرب وتعمل على طمس الحقائق ليبقى أسيادهم الغربيون مهيمنين على العالم الإسلامي فلا تصدقوهم ولا تطمئنوا لأقوالهم. فهؤلاء استمرؤوا العيش تحت مطرقة الغرب الكافر واستعماره لنا سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا ولا يريدون التحرر والتخلص منه. هؤلاء شواذ لا يمثلون طموح هذه الأمة المنكوبة. هؤلاء أقلام وأصوات وأحزاب وجمعيات وبرامج وأنظمة معادية للإسلام. هؤلاء عششت في أدمغتهم نخوة الجاهلية ويجن جنونهم إذا سمعوا حديثكم عن الخلافة. ولذلك هم يعذبونكم ويسجنونكم ويقتلونكم إذا ما رأوكم تعملون بجد وإخلاص للخلافة. فهم حراس الغرب وعيونه التي تتجسس عليكم.

أيها المسلمون إن الذين يبغضون الخلافة سيتصدون لكم بكل الوسائل، وسيحاولون معكم كل الأساليب لإقناعكم بأن فكرة الخلافة فكرة فاسدة لا تتناسب مع زمن التعددية والحريات وما شاكل ذلك. وسيقومون بنبش التاريخ ليحاجوكم ببعض الأحداث. فقد يقولون لكم إن الدعوة إلى الخلافة في هذا الزمان بدعة. وأن الخلافة التي تتحدثون عنها لم تظهر في التاريخ إلا مرة واحدة، ولفترة قصيرة جدا لم تتجاوز الربع قرن أيام الخلفاء الراشدين ثم اختفت بعد ذلك إلى الأبد. كما أن المسلمين عاشوا ولمدة قرون طويلة تحت الملك العضوض. وأن الأقطار الإسلامية كانت مستقلة عن بعضها البعض وتحكمها دول لا علاقة لها بالخلافة، وأنه كان هناك ظلم وسفك للدماء وشر مستطير فلماذا اليوم تطالبون بهذه الخلافة بعدما تخلصنا من الاستبداد والملك العضوض؟. نعم هكذا يقولون، وبهذا الشكل يطعنون في الخلافة ويروجون حولها الأكاذيب بقصد التشويش وإيجاد الكراهية لها في النفوس. ألا شاهت وجوههم وسفه الله أحلامهم. فكل ما يخرج من أفواههم عنها هو كذب ودجل وتزوير للحقائق. ونحن لهم بالمرصاد. فالخلافة أيها المسلمون ليست بدعة ولم تحكم العالم فترة وجيزة ومن بعد اختفت إلى الأبد بل كما بينا من قبل أن هذا النظام استمر لعدة قرون وانتهى العمل به في القرن الماضي. هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فإن القضية هنا لا تتعلق بالحكام وسلوكياتهم، وإنما تتعلق بالنظام ذاته. أي لا تتعلق بالخلفاء والولاة وعمال الدولة والأحداث والوقائع، وإنما تتعلق بنظام الحكم والدستور والقوانين. هذه هي المسألة الجوهرية في قضية الخلافة. فحينما نتحدث عن الوقائع التاريخية فإنه من الممكن أن يحصل مثلها في أي زمان. سواء كان زمن الخلافة أم هذا الزمان. لأن الذين يسوسون الناس هم بشر غير معصومين. فصحيح أنه كان هناك ظلم وتجاوزات لا يقرها الإسلام، وأن الذين حكموا المسلمين وصلوا إلى سدة الحكم عن طريق الوراثة وولاية العهد. وصحيح أنه كانت هناك دويلات انفصلت عن جسم الخلافة كليا أو جزئيا. وأنه كان هناك قتل وسجن وتعذيب وعزل لبعض الخلفاء. وأنه كانت هناك مذابح ومطاردة، وكان هناك تمرد على الدولة وثورات وقلاقل ومعارك واصطدام بين جيوش المسلمين. لكن رغم ذلك كله فإن الأمة لم تعرف قط في حياتها أيام الدولة الإسلامية أن حكامها حكموها بأحكام الكفر ولو ليوم واحد، بل حكموها على مدى القرون التي خلت بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- ولم تدخل أحكام الكفر بلاد الإسلام إلا في أواخر الدولة العثمانية لما وصل حزب الاتحاد والترقي للحكم، وسنتحدث عن ذلك في الحلقات القادمة بإذن الله. فما حدث إذن في تاريخ الأمة هي حوادث وأمور تتعلق بالبشر وسلوكياتهم وليس بنظام الحكم. فالبيعة مثلا سواء أخذت بمشورة من المسلمين أو بالقهر فإنها في كل الأحوال هي بيعة لخليفة وليست لملك. لأن الملوك لا يحتاجون إلى بيعة، وكرسي الملك تابع لسلالة العائلة المالكة ولا ينازعهم في ذلك أحد. أما الذي تعقد له الخلافة في الإسلام لا يشترط فيه أن يكون من سلالة الخليفة السابق له. ولهذا تعاقب على الحكم خلفاء ليسوا من سلالة واحدة مثل الأتراك العثمانيين الذين ليس لهم أي علاقة بسلالة الأمويين أو العباسيين. كما أن النظام الملكي يختلف عن نظام الحكم في الإسلام. وأما الظلم والتعدي على الحقوق الذي يتحدثون عنه فذلك كان ولا شك ولكن ليس بشكل دائم ومستمر على طول تاريخ الأمة. بل عاشت الأمة الإسلامية ولفترات طويلة في هناء واطمئنان وعدل وازدهار حتى أن المضطهدين في العالم حينذاك كانوا يفرون إلى الدولة الإسلامية لتحميهم وترعاهم مثلهم مثل بقية رعاياها دون تمييز أو تفاضل. ومهما يكن فإن الشرع طلب منا طاعة أولي الأمر على شرط أن لا يحكموننا بالكفر أو يأمروننا بمعصية. فإن أحسنوا إدارة شؤوننا فقد أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤوا فقد أساؤوا لأنفسهم لأن الله سائلهم يوم الحساب عما استرعاهم. فعن " ‏أَبَي حَازِمٍ ‏قَالَ قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ ‏فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ ‏‏عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ ‏" [البخاري ومسلم]. أما قولهم إنه لم تكن هناك دولة خلافة واحدة وموحدة للعالم الإسلامي وإنما كانت هناك عدة دول حكمت المسلمين تختلف في شكل الحكم عن بعضها البعض، فإن هذا القول باطل وغير صحيح. إذ أن الذي حدث هو انفصال لبعض الولايات عن الدولة إما جزئيا أو كليا. وكل ما في الأمر أن بعض الولاة استقلوا جزئيا عن الدولة وبقوا على ولائهم للخليفة يدعون له فوق المنابر ويرسلون له شيئا من الخراج والجنود وقت الحاجة. وحتى العملة الرسمية التي كانوا يتعاملون بها هي العملة المسكوكة باسم الخليفة. وأما الولايات الأخرى التي استقلت كليا عن الدولة وأعطاها المؤرخون أسماء مؤسسيها كالدولة الرستمية في المغرب أو الدولة الطولونية في مصر، فإنها في الحقيقة ولايات نازعت الخليفة في الخلافة وزعمت أنها أحق بها منه. ورغم ذلك فإن هذا الانفصال لم يستمر وسقطت تلك الدويلات بعد ظهورها لفترة قصيرة وعادت إلى جسم الدولة. وأطول فترة حكمت فيها دولة مستقلة عن الدولة الأم هي فترة حكم الأمويين في الأندلس. وأما شكل الحكم فإن الذين انفصلوا عن الدولة لم يطبقوا نظاما آخر مخالفا لنظام الدولة الإسلامية، ولم يحكموا المسلمين بأحكام الكفر ولم يأتوا بنظام مخالف لنظام الحكم في الإسلام، وإنما حكموا المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله. وخلاصة القول إن العالم الإسلامي لم يعرف من ذي قبل، وعلى مدى تاريخ الإسلام الحكم بغير ما أنزل الله. ولم يأخذ المسلمون من قياصرة الشرق ولا من ملوك الغرب ولو حكما واحدا. بل كانوا في فتوحاتهم يحكمون الشعوب بالإسلام والإسلام فقط، سواء دخلت تلك الشعوب في الإسلام أم بقت على دينها. هذه هي النقطة الجوهرية في بحث هذه القضية أما ما عداها من أمور كالحوادث والوقائع، والأحول والظروف، وكالقوة والضعف، والصعود والهبوط، والمد والجزر، فإنها أمور طبيعية تظهر وتختفي. أما أن تحكم الأمة بالكفر وتنقلب عن شرع الله وتتنكر له وتحاربه وتحارب أتباعه فإن هذا غير طبيعي . إذن متى عرف المسلمون الحكم بغير شرع الله. ومتى كان ذلك. وعلى يد من حدث ذلك. ومتى انتهى الحكم بالإسلام؟ هذا ما سنعرفه في الحلقات القادمة إن شاء الله.

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حرية العقيدة في المبدأ الراسمالي
______________________________________

نشأت فكرة الحريات ومنها حرية العقيدة مع نشوء المبدأ الراسمالي , وذلك نتيجة للظلم الذي مارسه الملوك والقياصرة في أوروبا وروسيا على الناس مستغلين الدين ورجال الدين مطية لاستعباد الناس واخضاعهم لسيطرتهم .
فثار الفلاسفة والمفكرون وأثاروا الناس من حولهم ضد الدين ورجاله, الذي رأوا فيهما العائق من تقدم الانسان ونهضته , وانه يحول بينه وبين التحرر والابداع .
والانسان لا يمكن ان يتقدم في الحياة وينعم بالسعادة والطمأنينه الا اذا نال هذه الحرية .
فكان ذلك الصراع بين الملوك والقياصرة ورجال الدين من جهة , الذين كانوا يطالبون باخضاع الحياة للدين , وبين المفكرين والفلاسفة الذين رأوا الدين اساس المشكلة .
ودارت بينهم مجادلات محتدمة عن وجود الخالق وعن علاقته بهذه الحياة , فأنكر بعض الفلاسفة والمفكرين هذه الفكرة , وأسفر هذا الصراع عن حل وسط قائم على فصل الدين عن الحياة , فالحياة وأنظمتها يتولاها الناس والسلطة الزمانية ممثلة بالدولة , والدين وشؤونه يتولاه رجال الدين والسلطة الروحية بعيد عن الحياة وأنظمتها .
أما مسألة العقيدة وهل هنالك خالقا ً أم لا وما علاقته بالأنسان , فهذه مسألة فردية تخص الفرد بعينه , وقد أعطوا هذا الفرد الحرية في اختيار العقيدة التي يريد . فنشأت بذلك حرية العقيدة في المبدأ الرأسمالي .
إذا فالمبدأ الرأسمالي اعترف ضمنا ً بوجود الخالق عندما نادى بفصل الدين عن الحياة , بمعنى ان هنالك خالقا ولكن يجب قطع العلاقة معه وأنه ليس له دخل في وضع أنظمة الحياة .
وبهذا المفهوم عالجت الرأسمالية فكرة وجود الخالق , ووضعت الاساس الذي قامت عليه وبنت عليه نهضتها .
وبالتدقيق في هذا الاساس الذي قام عليه الرأسمالي يتبين خطأ معالجة الرأسمالية لمسألة العقيدة وذلك من خلال :
1- ان مسألة العقيدة هي مسالة مصيرية للانسان , فهي التي تحدد له سبب وجوده في الحياة والغاية من وجوده , وما هو مصيره . فهي أساس الحياة وحجر الزاوية فيها .
فالحياة التي يعيشها الانسان ويحس بها من خلال ما هو موجود من حوله هل هنالك خالقا ً خلقها أم وجدة من تلقاء نفسها ؟
هذا هو السؤال الأساسي المصيري , الذي تحدد الاجابة عليه حياة الانسان ومصيره .
فالمبدأ الرأسمالي هرب من الاجابة على هذا السؤال واختار عدم الاجابة عليه .فهل الهروب من حل المشكلة هو الحل الصحيح لها ؟
2- ان الحل الذي قدمه المبدأ الرأسمالي لهذا السؤال المصيري قائم على الجمع بين النقيضين .
فالمسألة اما ان يكون هنالك خالق ولا بد من وجود علاقة معه , او عدم وجود خالق وبالتالي ليست هناك علاقة . وهذان أمران متناقضان , فكيف يمكن الجمع بينهما ؟
فالحل الوسط الذي قدمه المبدأ الرأسمالي بفصل الدين عن الحياة هو جمع بين نقيضين تأبى العقول السليمة القبول به لاستحالته .
3- تعامل المبدأ الرأسمالي مع مسألة العقيدة على انها مسألة فردية تخص الفرد وحده ويختار العقيدة التي يشاء .
وهذه مغالطة مقصودة لصرف الابصار عن نور الحقيقة . وذلك لان الفرد لا يمكن ان ينفصل عن الجماعة فهو فرد منها , فكيف يعالج مسالة اساسية مصيرية بعيدا ً عن كونه فردا ً من جماعة . فما تحتاجه الجماعة يحتاجه هو كفرد , وما يحتاج اليه كفرد يشارك الجماعة به . ومسألة العلاقة بالخالق لا تخصه هو فقط كفرد بل هي مما يحتاجه الجميع , فهل يحتاج الفرد بصفته الفردية لخالق يدبر أمره , وتستغني الجماعة عن هذا الخالق !!!!!! هذا لعمري عين المغالطة .
4- لو سلمنا جدلا ً ان للانسان حرية العقيدة , واختار هذا الانسان عقيدة قائمة على ان للحياة خالق خلقها وهو الذي يدبر جميع شؤونها . فماذا يفعل الانسان حينها ؟
هل يتبع عقيدته التي تفرض وجود علاقة مع خالقها ؟ أم يتبع المبدأ الرأسمالي القائم على قطع هذه العلاقة ؟
5- ان واقع الانسان يقر بأته مهما سمى في تفكيره ونبغ في عبقريته فإنه لا يستطيع ان يضع نظاما ً صحيحا ً لحياته وذلك لعجزه وعدم إحاطته بجميع مشاكل الحياة .
فعجزه هذا يفرض انه محتاج لخالقه , فلا بد من وجود علاقة معه , وهذا ما تنفيه الرأسمالية لا لشئ الا للهروب من حل المشكلة وعدم البحث عن الحل الصحيح لها . وهذا استخفاف بكيفية معالجة القضايا المصيرية ووضع اساس متين للحياة .
6- لم يقم المبدأ الرأسمالي أي دليل على عقيدته هذه , واكتفى بقطع العلاقة مع الخالق . فهل يقبل عقل سليم أن يسلم لفكره أين كانت علاوة على كونها فكرة اساسية مصيرية دون دليل يبرهن على صحتها ؟
7- لم يراع المبدأ الرأسمالي فطرة الانسان , فالأنسان يشعر طبيعيا ً بأنه عاجز وناقص ومحدود ومحتاج , فهو بفطرته هذه يشعر بوجود خالقا ً له وانه محتاج اليه .
فالرأسمالية لم تراع هذا الجانب الفطري في الانسان , بل تنكرت له ولم تأخذه بالحسبان بل حصرته بالناحية الفردية . وكأن احتياج الانسان للخالق يقتصر على أداء بعض الطقوس والشعائر الفردية , وتغافلت عن شعور الانسان بالحاجة الى الخالق ليدبر له جميع شؤون حياته .
8- ان قصور الدين النصراني عن وضع علاج شامل لجميع شؤون الحياة واستغلال ملوك اوروبا وقياصرتها له لا يعني ان ذلك يعم ليشمل كل دين .
فالاسلام دين مبني على العقل موافق للفطرة اعطى الاجابة الصحيحة عن اساس الحياة عندما اقر بوجود الخالق ووجوب تسيير انظمة الحياة بما جاء به الوحي من نظام الهي . وقد نصب من الادلة والبراهين القاطعة على صحة هذه العقيدة .

من خلال هذه النقاط وغيرها الكثير يبرز خطأ المبدأ الرأسمالي في أساسه وخطأ حرية العقيدة التي ينادي بها .
بل ان فكرة حرية العقيدة وغيرها من الحريات هي فكرة خيالية يستحيل تطبيقها في الواقع, وما تقوم به الدول الغربية الرأسمالية وعلى رأسها أمريكا من محاربة الدين الاسلامي ومنعه من اقامة دولته وصد الناس عنه بإلصاق تهمة الارهاب به دليل على عدم وجود فكرة حرية العقيدة عند اصحاب هذا المبدأ نفسه .
بالاضافة الى ذلك فإن تطبيق المبدأ الرأسمالي في المجتمعات الغربية وصرف الناس عن اساس الحياة الاول وهو وجود خالق لهذه الحياة , حول حياة الناس في تلك المجتمعات الى جحيم لا يطاق حيث اصبحت الحياة عبارة عن مصالح مادية بحته لا بقاء فيها الا للاقوياء أما الضعفاء والفقراء فقد اصطلوا بنار الظلم والحرمان .
وما تعانيه المجتمعات الغربية من خواء روحي واضطراب نفسي وتفسخ في علاقات الافراد في المجتمع ومن انحلال وفساد واحتكار واستغلال لهو خير دليل على فساد هذا المبدأ وفساد فكرة الحرية فيه .
وهذا الامر هو ما دفع الكثير من أفراد تلك المجتمعات للبحث عن العقيدة الصحيحة التي وجدوها في العقيدة الاسلامية , فأقبلوا على اعتناقه بالالاف , مما شكل مشكلة للقائمين على ذلك المبدأ , فلجأوا الى محاربة الاسلام بكافة الأساليب الشيطانية ليحولوا دون اعتناق افراد مجتمعاتهم للاسلام .بل وللحيلولة دون عودة الاسلام كمبدأ عالمي يضع العلاج الصحيح لما تعانيه البشرية جمعاء من مشاكل .
يقول الحق سبحانه وتعالى :" الا له الخلق والامر " هذا هو اساس المبدأ الاسلامي . فالله هو سبحانه الخالق وله وحده الامر والنهي ووضع النظام الصحيح للبشر .
وعندما تعود الامور الى مجراها السليم وتوضع في نصابها الصحيح بقيام دولة الاسلام التي تطبق المبدأ الالهي حينها سيدرك الجميع صحة هذا المبدأ وصحة عقيدته , وحينها يقبلوا على اعتناقه من كل فج وصوب . وصدق الله العظيم القائل :" اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا "
تم بحمد الله 8-7-2008


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حرية العقيدة في المبدأ الراسمالي
______________________________________

نشأت فكرة الحريات ومنها حرية العقيدة مع نشوء المبدأ الراسمالي , وذلك نتيجة للظلم الذي مارسه الملوك والقياصرة في أوروبا وروسيا على الناس مستغلين الدين ورجال الدين مطية لاستعباد الناس واخضاعهم لسيطرتهم .
فثار الفلاسفة والمفكرون وأثاروا الناس من حولهم ضد الدين ورجاله, الذي رأوا فيهما العائق من تقدم الانسان ونهضته , وانه يحول بينه وبين التحرر والابداع .
والانسان لا يمكن ان يتقدم في الحياة وينعم بالسعادة والطمأنينه الا اذا نال هذه الحرية .
فكان ذلك الصراع بين الملوك والقياصرة ورجال الدين من جهة , الذين كانوا يطالبون باخضاع الحياة للدين , وبين المفكرين والفلاسفة الذين رأوا الدين اساس المشكلة .
ودارت بينهم مجادلات محتدمة عن وجود الخالق وعن علاقته بهذه الحياة , فأنكر بعض الفلاسفة والمفكرين هذه الفكرة , وأسفر هذا الصراع عن حل وسط قائم على فصل الدين عن الحياة , فالحياة وأنظمتها يتولاها الناس والسلطة الزمانية ممثلة بالدولة , والدين وشؤونه يتولاه رجال الدين والسلطة الروحية بعيد عن الحياة وأنظمتها .
أما مسألة العقيدة وهل هنالك خالقا ً أم لا وما علاقته بالأنسان , فهذه مسألة فردية تخص الفرد بعينه , وقد أعطوا هذا الفرد الحرية في اختيار العقيدة التي يريد . فنشأت بذلك حرية العقيدة في المبدأ الرأسمالي .
إذا فالمبدأ الرأسمالي اعترف ضمنا ً بوجود الخالق عندما نادى بفصل الدين عن الحياة , بمعنى ان هنالك خالقا ولكن يجب قطع العلاقة معه وأنه ليس له دخل في وضع أنظمة الحياة .
وبهذا المفهوم عالجت الرأسمالية فكرة وجود الخالق , ووضعت الاساس الذي قامت عليه وبنت عليه نهضتها .
وبالتدقيق في هذا الاساس الذي قام عليه الرأسمالي يتبين خطأ معالجة الرأسمالية لمسألة العقيدة وذلك من خلال :
1- ان مسألة العقيدة هي مسالة مصيرية للانسان , فهي التي تحدد له سبب وجوده في الحياة والغاية من وجوده , وما هو مصيره . فهي أساس الحياة وحجر الزاوية فيها .
فالحياة التي يعيشها الانسان ويحس بها من خلال ما هو موجود من حوله هل هنالك خالقا ً خلقها أم وجدة من تلقاء نفسها ؟
هذا هو السؤال الأساسي المصيري , الذي تحدد الاجابة عليه حياة الانسان ومصيره .
فالمبدأ الرأسمالي هرب من الاجابة على هذا السؤال واختار عدم الاجابة عليه .فهل الهروب من حل المشكلة هو الحل الصحيح لها ؟
2- ان الحل الذي قدمه المبدأ الرأسمالي لهذا السؤال المصيري قائم على الجمع بين النقيضين .
فالمسألة اما ان يكون هنالك خالق ولا بد من وجود علاقة معه , او عدم وجود خالق وبالتالي ليست هناك علاقة . وهذان أمران متناقضان , فكيف يمكن الجمع بينهما ؟
فالحل الوسط الذي قدمه المبدأ الرأسمالي بفصل الدين عن الحياة هو جمع بين نقيضين تأبى العقول السليمة القبول به لاستحالته .
3- تعامل المبدأ الرأسمالي مع مسألة العقيدة على انها مسألة فردية تخص الفرد وحده ويختار العقيدة التي يشاء .
وهذه مغالطة مقصودة لصرف الابصار عن نور الحقيقة . وذلك لان الفرد لا يمكن ان ينفصل عن الجماعة فهو فرد منها , فكيف يعالج مسالة اساسية مصيرية بعيدا ً عن كونه فردا ً من جماعة . فما تحتاجه الجماعة يحتاجه هو كفرد , وما يحتاج اليه كفرد يشارك الجماعة به . ومسألة العلاقة بالخالق لا تخصه هو فقط كفرد بل هي مما يحتاجه الجميع , فهل يحتاج الفرد بصفته الفردية لخالق يدبر أمره , وتستغني الجماعة عن هذا الخالق !!!!!! هذا لعمري عين المغالطة .
4- لو سلمنا جدلا ً ان للانسان حرية العقيدة , واختار هذا الانسان عقيدة قائمة على ان للحياة خالق خلقها وهو الذي يدبر جميع شؤونها . فماذا يفعل الانسان حينها ؟
هل يتبع عقيدته التي تفرض وجود علاقة مع خالقها ؟ أم يتبع المبدأ الرأسمالي القائم على قطع هذه العلاقة ؟
5- ان واقع الانسان يقر بأته مهما سمى في تفكيره ونبغ في عبقريته فإنه لا يستطيع ان يضع نظاما ً صحيحا ً لحياته وذلك لعجزه وعدم إحاطته بجميع مشاكل الحياة .
فعجزه هذا يفرض انه محتاج لخالقه , فلا بد من وجود علاقة معه , وهذا ما تنفيه الرأسمالية لا لشئ الا للهروب من حل المشكلة وعدم البحث عن الحل الصحيح لها . وهذا استخفاف بكيفية معالجة القضايا المصيرية ووضع اساس متين للحياة .
6- لم يقم المبدأ الرأسمالي أي دليل على عقيدته هذه , واكتفى بقطع العلاقة مع الخالق . فهل يقبل عقل سليم أن يسلم لفكره أين كانت علاوة على كونها فكرة اساسية مصيرية دون دليل يبرهن على صحتها ؟
7- لم يراع المبدأ الرأسمالي فطرة الانسان , فالأنسان يشعر طبيعيا ً بأنه عاجز وناقص ومحدود ومحتاج , فهو بفطرته هذه يشعر بوجود خالقا ً له وانه محتاج اليه .
فالرأسمالية لم تراع هذا الجانب الفطري في الانسان , بل تنكرت له ولم تأخذه بالحسبان بل حصرته بالناحية الفردية . وكأن احتياج الانسان للخالق يقتصر على أداء بعض الطقوس والشعائر الفردية , وتغافلت عن شعور الانسان بالحاجة الى الخالق ليدبر له جميع شؤون حياته .
8- ان قصور الدين النصراني عن وضع علاج شامل لجميع شؤون الحياة واستغلال ملوك اوروبا وقياصرتها له لا يعني ان ذلك يعم ليشمل كل دين .
فالاسلام دين مبني على العقل موافق للفطرة اعطى الاجابة الصحيحة عن اساس الحياة عندما اقر بوجود الخالق ووجوب تسيير انظمة الحياة بما جاء به الوحي من نظام الهي . وقد نصب من الادلة والبراهين القاطعة على صحة هذه العقيدة .

من خلال هذه النقاط وغيرها الكثير يبرز خطأ المبدأ الرأسمالي في أساسه وخطأ حرية العقيدة التي ينادي بها .
بل ان فكرة حرية العقيدة وغيرها من الحريات هي فكرة خيالية يستحيل تطبيقها في الواقع, وما تقوم به الدول الغربية الرأسمالية وعلى رأسها أمريكا من محاربة الدين الاسلامي ومنعه من اقامة دولته وصد الناس عنه بإلصاق تهمة الارهاب به دليل على عدم وجود فكرة حرية العقيدة عند اصحاب هذا المبدأ نفسه .
بالاضافة الى ذلك فإن تطبيق المبدأ الرأسمالي في المجتمعات الغربية وصرف الناس عن اساس الحياة الاول وهو وجود خالق لهذه الحياة , حول حياة الناس في تلك المجتمعات الى جحيم لا يطاق حيث اصبحت الحياة عبارة عن مصالح مادية بحته لا بقاء فيها الا للاقوياء أما الضعفاء والفقراء فقد اصطلوا بنار الظلم والحرمان .
وما تعانيه المجتمعات الغربية من خواء روحي واضطراب نفسي وتفسخ في علاقات الافراد في المجتمع ومن انحلال وفساد واحتكار واستغلال لهو خير دليل على فساد هذا المبدأ وفساد فكرة الحرية فيه .
وهذا الامر هو ما دفع الكثير من أفراد تلك المجتمعات للبحث عن العقيدة الصحيحة التي وجدوها في العقيدة الاسلامية , فأقبلوا على اعتناقه بالالاف , مما شكل مشكلة للقائمين على ذلك المبدأ , فلجأوا الى محاربة الاسلام بكافة الأساليب الشيطانية ليحولوا دون اعتناق افراد مجتمعاتهم للاسلام .بل وللحيلولة دون عودة الاسلام كمبدأ عالمي يضع العلاج الصحيح لما تعانيه البشرية جمعاء من مشاكل .
يقول الحق سبحانه وتعالى :" الا له الخلق والامر " هذا هو اساس المبدأ الاسلامي . فالله هو سبحانه الخالق وله وحده الامر والنهي ووضع النظام الصحيح للبشر .
وعندما تعود الامور الى مجراها السليم وتوضع في نصابها الصحيح بقيام دولة الاسلام التي تطبق المبدأ الالهي حينها سيدرك الجميع صحة هذا المبدأ وصحة عقيدته , وحينها يقبلوا على اعتناقه من كل فج وصوب . وصدق الله العظيم القائل :" اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا "
تم بحمد الله 8-7-2008


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة للأخ سيف الحق، بعنوان: سنوات عجافٌ

سَنَوَاتُ عُسْرٍ بِالرَّزَايا حُمِّلَتْ = تِسْعِيْنَ إلا سِتَّةً قَدْ أَحْوَلَتْ
شَمْسُ الأمانِ عَنِ الخَلِيْقَةِ أَغْرَبَتْ = وَالبَدْرُ أَوْكَسَ وَالكَوَاكِبُ أَغْبَرَتْ
وَالأرْضُ غَطاها الأَسىْ فَتَبَدَّلَتْ = وَطَغَى السَّوادُ عَلىْ السَّمَا فَتَلَبَّدَتْ
وَتَسَامَقَتْ سُحُبُ السَّمَامِ وَأَرْسَلَتْ = سَيْلَ السِّقَامِ ، سَقَىْ فَأَفْسَدَ مَا نَبَتْ
وَتَهافتت فِتَنُ العُتاةِ وأطْبَقَتْ = قِطَعُ الظَّلامِ عَلىْ العِبَادِ وَغَطْرَسَتْ
أَغْرَوا قُلوْبَ الغَافِليْنَ فَغُلِّفَتْ = بِدَهّائِهِمْ فَتَنُوا النُّفُوْسَ فَأَغْفَلَتْ
وَالشَّرُّ يُنْشَرُ ، وَالشَّرِيْعَةُ هُمِّشَتْ = وَالشِّرْكُ يُشْكَرُ وَالشَّهَادَةُ شُوِّهَتْ
وَعَلا دُخَانُ النَّافِخِيْنَ فَأَنْتَنَتْ = رِيْحُ الخِيَانَةِ فِيْ الأُنُوْفِ وَأَزْكَمَتْ
بِصَفِيْحِهِمْ صَكُّوا الصُّدُورَ فَأَصْمَتَتْ = وَصِحَافُهُمْ صَدَحَتْ تُصَاهِرُ مَنْ صَمَتْ
سُدَّتْ ِبِهمْ سُبُلُ السَّلامِ وَعَسَّفَتْ = فِيْهَا الأَبَالِسُ وَالضِّبَاعُ وَعَفَّسَتْ
حَتَّىْ تَحَكَّمَتِ الحِرَابُ وَأُحْكِمَتْ = بِرَحَىْ التَّطَاحُنِ ، والمَكَائِدُ أُحْبِكَتْ
فَتَمَكَّنَ الكُفَّارُ مِنَّا إِذْ هَوَتْ = دَارُ الخِلافَةِ بَعْدَ عِزٍّ وَانْتَهَتْ
وَتَقَطَّعَتْ دُوَلاً ضِرَاراً أَبْعَدَتْ = عَنْهَا كِتَابَ اللهِ حِيْنَ تَعَدَّدَتْ
هِيَ أُمَّةٌ خَيْرُ العِبَادِ إذا هَدَتْ = وَمَشَتْ عَلىْ نَهْجِ الرِّسَالةِ وَاهْتَدَتْ
نُصِرَتْ بِآياتٍ عَلَيْهَا أَجْمَعَتْ = وَاليَوْمَ تَسْمَعُهَا حُرُوْفاً أُعْجِمَتْ
ضَلَّتْ وَتَاهَتْ حِيْنَ مَالَتْ وَالتَهَتْ = وَاسْتَبْدَلَتْ نُوْرَ الحَيَاةِ بِمَا بَهَتْ
تَرَكَتْ رِسَالَةَ رَبِّها وَتَهَاوَنَتْ = فِيْ حَمْلِهَا وَمَعَ العَدُوِّ تَعَاوَنَتْ
وَاسْتَقْبَلَتْ رُسُلَ النِّفَاقِ وَصَدَّقَتْ = أَنَّ المُجَاهِدَ مَارِقٌ وَتَمَلَّقَتْ
وَتَدَابَرَتْ شِيَعاً وَعَنْهُ تَفَرَّقَتْ = فَتَّ التَّشَاحُنُ حَوْلَهَا فَتَمَزَّقَتْ
وَاسْتَسْلَمَتْ لِلكُفْرِ يَعْبَثُ مَا اشْتَكَتْ = نَامَتْ عَلىْ فَرْشِ النَّجَاسَةِ وَانْكَفَتْ
تَشْكُو المَجَاعَةَ وَالسِّنِيْنَ ، بِهَا اكْتَوَتْ = وَتَقُوْلُ مَا بَالُ السَّمَاءِ تَكَدَّرَتْ!
وَالله يَدْعُوْهَا فَلوْ هِيَ آمَنَتْ = وَبَنَتْ عَلىْ آيَاتِهِ وَاسْتَغْفَرَتْ
لَتَدَفَّقَتْ خَيْرَاتُهَا ولأَبْلَقَتْ = أَبْوَابَهَا ، وَالأَرْضُ طَوْعاً أَقْبَلَتْ
لَوْ أَنَّهَا للهِ آبَتْ وَابْتَغَتْ = رَحَمَاتِهِ لَتَنَزَّلَتْ وَلأسْبَغَتْ
لَكِنَّها عَنْ ذِكْرِهِ قَدْ أَعْرَضَتْ = هَلْ يَرْفَعُ الضُّرَّ الدُّعَاءُ إِذَا دَعَتْ؟!
إلا إذا ثابَتْ إِلَيْهِ وَوَحَّدَتْ = وَعَلىْ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيْمِ تَوَحَّدَتْ
وَمَضَتْ عَلىْ هَدْيِ الكِتَابِ وَأذْعَنَتْ = وَتَذَاكّرَتْ كَلِمَاتِهِ وَتَمَعْنَتْ
وَسَعَتْ لِنُصْرَةِ دِيْنِهَا واسْتَرْشَدَتْ = وَاسْتَجْمَعَتْ كُلَّ القُوىْ وَتَحَشَّدَتْ
هَذِيْ سَبِيْلُ اللهِ لَوْ هِيَ أسْلَمَتْ = وَاسْتَمْسَكَتْ بِكِتَابِهِ لاسْتُخْلِفَتْ
وَاسْتَرْجَعَتْ عِزّاً تَلِيْداً وَانْجَلَتْ = أَحْزَانُها بِوَغَىْ الجِهَادِ وَجَلْجَلَتْ
وَعَلا النِّدَاءُ مُجَدِّداً هِمَماً خَوَتْ = وَمُبَدِّداً جَبَرْوتَ أَقْوَامٍ غَوَتْ
لَتَنَزَّلَ النَّصْرُ المُبِيْنُ وَلاعْتَلَتْ = قِمَمَ الجِبَالِ الشَّاهِقَاتِ وَمَا عَلَتْ
فَالنَصْرُ يَنْزِلُ إنْ أطاعَتْ وَارْتَضَتْ = حُكْمَ الشَّرِيْعَةِ فِيْ الحَيَاةِ وَما اقْتَضَتْ
يَا أُمَّةَ الإسْلامِ هَا قَدْ آذَنَتْ = شَمْسُ الخِلافَةِ بِالشُّرُوْقِ وَأذَّنَتْ
شَقَّ الغُبَارَ سَنَا ضِيَاهَا وَانْجَلَتْ = وَسَمَتْ لِتَنْشُرَ دِفْئَهَا وَتَأَلَّقَتْ
عَادَتْ لِتَسْطُعَ فِيْ الفَضَاءِ فَأَرَّقَتْ = نَوْمَ الطُغَاةِ بِنُوْرِهَا حَيْثُ ارْتَقَتْ
تَرْنُوْ إليْهَا ثُلَّةٌ قَدْ حُرِّرَتْ = مِنْ كُلِّ فِكْرٍ شَائِبٍ وَتَحَرَّكَتْ
وَاسْتَخْلَصَتْ تِرْيَاقَ دَائِكِ وَانْبَرَتْ = لِتُعِيْدَ عِزَّتَكِ الَّتِيْ قَدْ أَدْبَرَتْ
وَاسْتَعْصَمَتْ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَبْشَرَتْ = بِالوَعْدِ مِنْ رَبِّ السَّمَاءِ وَبَشَّرَتْ
وَدَنَتْ إِليْكِ بِوَعْيِهَا وَتَقَدَّمَتْ = وَمَشَتْ عَلىْ دَرْبِ النَّبِيِّ بِهِ اقْتَدَتْ
رَفَعَتْ لَدَيْكِ نِدَاءَهَا وَاسْتَنْصَرَتْ = وَدَعَتْ لِمَجْدِكِ فِيْ الوَرَىْ وَاسْتَبْصَرَتْ
فَمَتَىْ تَعُوْدِيْ لِلكِتَابِ ، تَحَقَّقَتْ = بُشْرَىْ الرَّسُوْلِ .. خِلافَةً قَدْ رُشِّدَتْ

كَتَبَها سَيْفُ الحَقّ

ليوم الخميس 27 رجب الفرد 1429هـ
31/07/ 2008 م

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم اتلله الرحمن الرحيم

قصيدة للأخ أبي المجد، بعنوان: لاح الصباح


لاحَ الصَّبَاحُ بِنورِهِ الوَضَّاحِ = سُبحانَ رَبِّكَ فَالِقِ الِإصْبَاحِِ
هَبَّتْ نَسائِمُهُ وَأَذَّنَ فَجْرُهُ = فَاصْدَعْ بِذِكْرِ اللِه يا ابنََ رَبَاحِ
مَالَ الصَّبَا بِفُرُوعِ أَزْهارِ الرُّبَى = فَتَخَطَّّرَتْ في قَدِّهَا المَيَّاحِ
وِتَوَضَّأتْ بِالطَّلِّ بَلَّلَ َخَدَّهَا = عَبَقَتْ بِطِيْبِ أَرِيجِهَا الفَيََّاحِ
وَالطَّيْرُ صَادِحَةٌ تَدُورُ مَعَ النَّدَى = رَشَفَتْ صَبُوحَ الفَجْرِ دُونَ جُنَاحِ
دَفَّتْ على أَغْصَاِنَهَا وَتَهَيَّأَتْ = تَغْدُو بِشَوْقٍ تَنْتَشِي بِرَوَاحِ
خَلَعَ الضِّيَاءُ عَلى السَّنَابِلِ حُلَّةً = مِنْ عَسْجَدٍ مَنْثُوَرٍةٍ بِأَقَاحِِ
فَتَخَالَُهَا لُجَجَاً تَمُوجُ مَعَ الهَوَا = لَطَمَتْ فُؤَادَ السَّابِحِ المَلَّاحِ
أو رُبمَا جَيْشٌ تَأهَّبَ لِلعِدى = يَعدُو عَليهِ بِعَاسِلٍ ذَبَّاحِ
فَيَذوبُ في الأشْواقِ تَأخُذُهُ الرُّؤَى = لملاعب الفرسان والنُّضَّاحِ
بَيْنَ الظُّبَا وَتَقَصُّفِ المُرَّانِ = وَتَشَابُكِ الَأرْمَاحِ بالأَرْمَاحِ
وَتَقَطُّعِ الأَوْدَاجِ بِالأوْشَاجِ = وَتَنَاوحِ الَأرْوَاحِ بِالأَرْوَاحِ
وعِناقِ كل مُقَنَّعٍ بمقنعٍ = وَشَبَا السُّيوفِ على وَريدِ وَقَاْحِ
اللهَ ما أَحْلَى الحَيَاةَ بِعِزَّةٍ = بينَ الطِّعَانِ وَضَرْبِةٍ بِصِفَاحِ
فَدَعِ المَهانَةَ وَلتقاوِمْ مُنكَرَا = وأْمُرْ بِمعروفٍ تَفُزْ بِفَلاِح
لا خَيْرَ في عَيْشِ الجَبَانِ يِروعه = رَفُّ الحَمَامِ إِذا هَفَا بِجَنَاحِ
وانْفُضْ غُبَارَكَ ,خُذْ بِنَاصِيَةِ العُلَا = يا ابنَ الكِرامِ أَرُومَةَ الفُتَّاحِ
فَإلى متى تَأسَى على مَجْدٍ مَضَى = تَبْكِي عليهِ بِمَدْمَعٍ سَفَّاحِ
وَعَلامَ تَخْضَعُ أو تُقادُ لِمُجرمٍ = أَخْنَى عَلَيْكَ بِحاقدٍ سَفَّاحِ
هَتَكَ الطَّهارَةَ ثُمَّ جَاءَ بِفِتْنَةٍ = ذَبَحَتْ دُمُوعَ العَينِ ذَبْحَ أَضَاحِي
جَعَلَ العِبَادَ مَطِيَّةَ الكُفَّارِ = وَأتَى بِكُفْرٍ في البِلادِ بَرَاحِ
فَأَخَذْتَ تَنْهَلُ مِنْ غُثَاءِ عُقُولِهِمْ = تَشْفِي غَلِيلَةَ قَارِحٍ مِلْوَاحِ
وَتَغُبُّ مِنْ كَاسِ المَهَانَةِ وَالخَنَا = تَرْوي الظَّمَا مِنْ آسِنِ الضَّحْضَاحِ
هذي الخِلافَةُ أَشْرَقَتْ أنوارُهَا = حَتَّامَّ تُنْكِرُ نُورَهَا وَتُلاحِي
حَتَّامَّ تَغْرَقُ في الكَرَى وتَظُنّ أّنَّ = اللَّيْلَ بَاقٍ مَا لَهُ مِنْ مَاحِي
وَبِأَيِّ مَعْذِرَةٍ تُكَذِّبُ حُجَّةً = شَهِدَتْ لَهَا الآيَاتُ بِالإِفْصَاحِ
فَهِيَ السِّياسَةُ والرِّياسَةُ والإبا = وَهِيَ القَنَا للعَسْكَرِ المُجْتَاحِ
وَهِيَ الرِّعَايَةُ والوِقَايَةُ والحِمَى = وَبِهَا تُقامُ شَريعَةُ الفَتَّاحِ
وَبِهَا نَذُبُّ عَنِ الحَبِيْبِ مُحَمَّدٍ = مِنْ كُلِّ كَلْبٍ لاهِثٍ نَبَّاح
تَاجُ الفُروضِ وَزينَةُ الأحْكامِ والدّ = رُّ المُطَرَّزُ فِيهِمَا بِوِشَاحِ
فَلَتَشْهَدُنَّ بِكُلِّ أرضٍ رَحْمَةً = فيها يُقَامُ الدِّينُ بالإصلاحِ
هَذيْ الخِلافَةُ قد أَظَلَّ زَمَانُهَا = فَتَزَيَّنِي يَا نَفْسُ للأفراحِ
فاللهَ ما أحْلى الحَيَاةَ بِعِزَّةٍ = بينَ الرَّصاصِ وَرَشْقِهِ الَّلمَّاحِ
بينَ القَنَابِلِ والصَّوارِخِ واللظَى = وَشُوَاظِهِ المُتَلَهِّبِ اللّفَاحِ
بينَ المَدافِعِ والقَوَاذِفِ والبِلى = وَتَزَلزُلِ الصُّفَّاحِ فَوْقَ بِطَاحِ
أَمْرَانِ مَا اجْتَمَعَا لِِعِزَّةِ أُمَّةٍ = إلا عَلَتْ فَوْقَ السَّمَا بِجَنَاحِ
حُكْمٌ بِدِينِ اللهِ ثم مَنَازِلُ ال = أبطالِ في سُوحِ الوَغى بِسِلاحِ
لا خيرَ في عَيْشِ امرئٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ = شَاكِي السِّلاحِ بِقُوَّةٍ وَكِفَاحِ
فَالْحَقْ بِرَكْبِ العَامِلِينَ فَإِنَّهُمْ = مَاضُونَ نَحْوَ العِزِّ في إِلْحَاحِ
وَأَزِلْ سِتَارَكَ عَنْ بَشَائِرَ أَسْفَرَتْ = وَأَمِطْ لِثَامَكَ عَنْ صَبَاحٍ ضَاحِي

كَتَبَها أبُو المَجْد
جِنِيْن - فِلَسْطِيْن

يوم الجمعة 18 رجب الفرد 1429هـ
22/07/ 2008 م

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدرات الأمة الإسلامية البشرية
نسبة الشباب فيها مقارنة مع الغرب

مقدمة: حار العلماء والمفكرون وصناع الرأي في زماننا في أمر الشباب المسلم بعد أن استحوذت الحكومات على الشباب وأدخلتهم في برامج تخدم أغراضها التضليلية، ولم تفلح كافة المؤتمرات والأبحاث التي ناقشت مسألة الشباب في الوصول إلى نتيجة مرضية تجمع هذه الطاقات الهائلة وتستثمرها على الوجه الأمثل. ويرجع سبب ذلك الفشل الذريع إلى غياب الدولة الواحدة التي تجمع شباب المسلمين، وتضع البرامج المناسبة لاستثمار طاقاتهم المتفجرة، وتستفيد في الوقت نفسه من الخبرات المتراكمة لدى الكهول والشيوخ طبقاً لمفاهيم الإسلام واستحقاقاته، وصرنا نرى كيف تضيع هذه الجهود الشبابية الجبارة والخبرات الهائلة هباءاً منثوراً. ففي القطاع العسكري، يدخل الشباب في برامج التجنيد العسكري الإجباري أو الاختياري، فيتدرب الواحد منهم على السلاح وأمور أخرى بدنية وعسكرية، ثم يرمى به إلى الحياة خارج الثكنات دون أي فعالية عسكرية تذكر، وإذا كان في الجيش النظامي فإنه يخدم فيه عدد سنين ثم يخرج إلى التقاعد المبكر أو العادي وكأنه موظف في شركة مدنية، لا علاقة لها بشؤون حفظ البلاد ونشر الإسلام ومقاتلة الكفار وغير ذلك من المهمات التي أوكلها الإسلام للجندي المسلم. وفي القطاعات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية وغيرها، فإن برامج استثمار الموارد البشرية وتخطيط وتوزيع القوى العاملة تخضع لمعايير متواضعة تنظر إلى الشباب باعتبارهم جزءاً من أدوات الإنتاج لا جزءاً من صناعة الحياة ودفع عجلة المجتمع إلى الأمام، ناهيكم عن اهمال دور الشباب في أعمال حمل الدعوة الإسلامية ونشر المبدأ الإسلامي عن طريق الجهاد في سبيل الله بمراحله الثلاث، وذلك كون الجهاد ليس له مكان على خارطة برامج الدول القائمة في العالم الإسلامي البتة. بل إننا نلاحظ إهداراً متعمداً للطاقات الشبابية في برامج لا طائل من ورائها كالرياضة وأعمال اللهو المنظم التي تروج لها وسائل الإعلام الفاسد التابع لتلك الدول. وكذلك فإن مناهج التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات تتبع سياسة خرقاء تهدف لإخراج أجيال من الشباب لا تعرف عن قضايا أمتها شيئاً يذكر، وتتجاهل تماماً أي حديث يمت بصلة لتاريخ المسلمين ولغتهم وثقافتهم وحضارتهم والجهاد في سبيل الله، ونشر دين الله في الأرض لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتحقيق أسمى الغايات بالاستشهاد في سبيل الله. وما فتوى الشيخ آل الشيخ مؤخراً حول حرمة خروج الشباب للجهاد دون إذن "ولي الأمر" إلا خير دليل على خبث الحكام وتضليل العلماء.
موقع الشباب في المجتمع: بادئ ذي بدء، لا بد لنا من التسليم بحقيقة أن الشباب هم عماد المجتمع، وهم الذين تلقى عليهم مسؤليات القيادة والتنفيذ معاً، فهذا علي رضي الله عنه كان شاباً صغيراً ومع ذلك كان قائداً فقيهاً، وهذا الصحابي أسامة بن زيد رضي الله عنهما كان أميراً على جيش فيه أجلة الصحابة رغم حداثة سنه، وما أحوج الأمة اليوم لأمثال هؤلاء الرجال الذين استطاعوا أن يغيروا مجرى التاريخ ويحولوه إلى عالم إسلامي مترامي الأطراف ينعم بالأمن والرفاه، بعد أن فتحوا البلاد ونشروا العدل في كل مكان. لقد كان معظم الصحابة صغار السن أول عهد الإسلام، ولكنهم كانوا كبار العقول، وعظيمي النفسيات، عاشوا من أجل هدف عظيم هو تحكيم الاسلام ونشره في العالم، فصارت الدنيا بايديهم، ودانت لهم ملوك الروم والفرس، كانوا شعاعاً يضيء للناس معالم الطريق. ما أحوج الأمة اليوم للشباب المسلم الذي يترسم خطا الصحابة الكرام من أجل إنهاضها وإعادتها إلى سابق عزها في ظل دولة الخلافة الثانية الراشدة على منهاج النبوة.
فعاليات الشباب في أول أيام الدعوة الإسلامية: يقول الشيخ أبو إسحق الحويني: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بُعث حالفه الشباب وخالفه الشيوخ، ويقول الشيخ محمد حسان: إن الشباب هم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم حين بُعث، فأبو بكر كان عمره 38 سنة، وعمر: 27، وسمى ابن مسعود ومعاذاً....، وجاء في كتاب الدولة الإسلامية من منشورات حزب التحرير، فصل تكتل الصحابة: وكان عليه الصلاة والسلام في أول أمره يدعو من آنس فيه الاستعداد لقبول هذه الدعوة بغض النظر عن سنه ومكانته، وبغض النظر عن جنسه وأصله. ولم يكن يختار الناس الذين يدعوهم إلى الإسلام اختياراً، بل كان يدعو جميع الناس، ويتحرى استعدادهم للقبول، وقد أسلم كثيرون. وكان يحرص على أن يثقف جميع الذين يعتنقون الإسلام بأحكام الدين ويحفظهم القرآن. فتكتل هؤلاء وحملوا همَّ الدعوة، (وقد بلغ عددهم منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أمر بإظهار أمره نيفاً وأربعين شخصاً) ما بين رجل وامرأة من مختلف البيئات والأعمار، أكثرهم من صغار الشباب، وكان فيهم الضعيف والقوي والغني والفقير. وقد آمن به صلى الله عليه وسلم ولازمه ودأب على الدعوة معه كل من:

1. علي بن أبي طالب وكان عمره 8 سنوات
2. الزبير بن العوام وعمره 8 سنوات
3. طلحة بن عبيد الله وكان ابن 11 سنة
4. الأرقم بن أبي الأرقم وهو ابن 12 سنة
5. عبد الله بن مسعود وهو ابن 24 سنة
6. سعيد بن زيد وهو دون العشرين
7. سعد بن أبي وقاص وهو ابن 17 سنة
8. مسعود بن ربيعة وهو ابن 17 سنة
9. جعفر بن أبي طالب وهو ابن 18 سنة
10. صهيب الرومي وهو دون العشرين
11. زيد بن حارثة وهو في حدود العشرين
12. عثمان بن عفان في حدود العشرين
13. طليب بن عمير وهو في حدود العشرين
14. خباب بن الأرت وهو في حدود العشرين
15. عامر بن فهيرة وهو ابن 23 سنة
16. مصعب بن عمير وهو ابن 24 سنة
17. المقداد بن الأسود وهو ابن 24 سنة
18. عبد الله بن جحش وهو ابن 25 سنة
19. عمر بن الخطاب وهو ابن 26 سنة
20. أبو عبيدة بن الجراح وهو ابن 27 سنة
21. عتبة بن غزوان وهو ابن 27 سنة
22. أبو حذيفة بن عتبة في حدود الثلاثين
23. بلال بن رباح في حدود الثلاثين
24. عياش بن ربيعة وهو في حدود الثلاثين
25. عامر بن ربيعة وهو في حدود الثلاثين
26. نعيم بن عبد الله وهو في حدود الثلاثين
27. عثمان بن مظعون وكان في حدود الثلاثين
28. عبد الله بن مظعون وكان عمره 17 سنة
29. قدامة بن مظعون وكان عمره 19 سنة
30. السائب بن مظعون وكان في حدود العشرين
31. أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي وعمره في حدود الثلاثين
32. عبد الرحمن بن عوف في حدود الثلاثين
33. عمار بن ياسر فيما بين الثلاثين والأربعين
34. أبو بكر الصديق وهو ابن 37 سنة
35. حمزة بن عبد المطلب وعمره 42 سنة
36. عبيدة بن الحارث وعمره 50 سنة
37. كما آمن عدد من النساء

ولما نضج هؤلاء الصحابة في ثقافتهم، وتكونت عقليتهم عقلية إسلامية وأصبحت نفسيتهم نفسية إسلامية في مدة ثلاث سنوات اطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وأيقن بنضجهم في عقولهم، وبسموهم في نفسياتهم، ورأى إدراكهم لصلتهم بالله بارزة آثاره في أعمالهم، فارتاحت نفسه لذلك كثيراً، إذ صارت كتلة المسلمين قوية قادرة على مجابهة المجتمع كله فأظهرها حين أمره الله.
حاجة المسلمين اليوم لطاقات شبابية تضطلع بأعباء الدولة الإسلامية فور قيامها قريباً بإذن الله: إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى جهود العاقلين المخلصين من شبابها حاجة الأرض العطشى إلى مدامع الغيث، لأن الشباب وحدهم القادرون على حمل بشائر التفاؤل والأمل إلى صدور أبناء الأمة، القادرون على منح الأمة ابتسامة رجاء وأمل تحفظ وجودها وتمنحها إمكانية الاستمرار في مواجهة الأخطار والمحن المتكالبة على أبنائها، المحيطة بهم من كل حدب وصوب إحاطة السوار بالمعصم، ولن يكون ذلك إلا إذا تخلص الشباب من أمراض التفاهة والميل إلى اللهو واللامبالاة، وتخلصوا إلى الأبد من التقليد السطحي الأعمى لأبناء الأمم الأكثر مدنية، وتبرؤا من شعورهم بالغربة والانسلاخ عن دينهم وتاريخ أمتهم. ومما لا شك فيه أن الدولة الإسلامية القائمة قريباً بإذن الله ستكون بحاجة ماسة إلى حشد من الرجال في مختلف تخصصات الحياة ومجالاتها، وهي في نفس الوقت ملزمة بطرح برامج طوارئ سريعة ومكثفة لسد العجز المؤكد وجوده في بعض فروض الكفايات كالمجتهدين في الفقه والعلماء من أصحاب التخصصات النادرة والخبراء في الشؤون العسكرية وإدارة بيت مال المسلمين وما شابه ذلك. وهذا يستلزم إخضاع قطاع واسع من الشباب المبدعين لتنفيذ تلك البرامج بإخلاص وجدية ومثابرة منقطعة النظير. وقد يستدعي ذلك الطلب من كثير من المهاجرين المسلمين العودة إلى دولة الخلافة فوراً لاستيعابهم في برامجها. ولا بد من ملاحظة أن تجزئة بلاد المسلمين إلى دويلات ضرار أقيمت على أنقاض الدولة الإسلامية العثمانية قد شتت الحشود المبدعة في مختلف المجالات، وجعلتها مزقاً متصارعة مبعثرة، وتفرق الشباب المسلم تبعاً لذلك، وتكرست انتماءاته الوطنية، وتم إشغاله في برامج اللهو المنظم والإفساد المتعمد، ما يمكن أن نعده عوائق وعقبات تقف أمام تحقيق ما نصبو إليه من توجيه واستثمار لطاقات الشباب المسلم قبل إقامة دولة الخلافة. ومن ناحية أخرى، فإننا نلاحظ أن معظم الخبراء والمخططين وصناع القرار السياسي والعسكري والاقتصادي والتكنولوجي في بلاد المسلمين هم من الغربيين أو من رجالهم الموالين لهم، ما يزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الخلافة عند قيامها في عملية التخلص من هؤلاء الخبراء والاعتماد على مسلمين أصحاب مؤهلات مماثلة لسد النقص الحاصل لا محالة.
تأثر بعض الحكومات القائمة في العالم الإسلامي بأنماط التخطيط الاجتماعي الغربي ينعكس سلباً على شبابنا: ليس غريباً على حكام لا يحكمون بما أنزل الله، ولا يكترثون بنظرة الإسلام لجيل الشباب وكيفية علاج مشاكله واستثمار طاقاته، ليس غريباً عليهم – وهم يتبعون الغرب في سياساتهم – أن يستنسخوا برامج الغرب في معالجة قضايا الشباب، ويسنون القوانين التي تتيح لهم تنفيذها وتضمن نجاحها. وهم بما يملكون من أدوات التنفيذ والترويج لما يريدون، قد أحدثوا تغيرات ملحوظة في معدلات النمو السكاني، وتوجيه اهتمامات الشباب نحو الوجهة التي يريدها أولئك الحكام. ومن المؤسف حقاً أن العلماء والمفكرين ينسجون على منوال الحكام في دعواتهم الإصلاحية ومناشدة الحكام التدخل وهم يعرفونهم كما يعرفون أبناءهم!
لقطات تاريخية تظهر أهمية الشباب في بناء الدول وتقويتها: هناك مثالان من التاريخ القديم والحديث، يمكن ضربهما للدلالة على دور الشباب في بناء الدول وتقوية بنائها بعد إقامته:
*الأول: ما حصل مع النبي صلى الله عليه وسلم لما أقام الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، حيث تجمع شباب الخزرج والتفوا حول قيادتهم في نصرة دين الله واحتضانه، وبذلوا في سبيل ذلك المهج والأرواح والأموال والجهود، والتحامهم مع الطاقات الشبابية المهاجرة من مكة، ما أرسى دعائم الدولة الفتية. ولما جاء أبو ذر الغفاري بقبيلتي غفار وأسلم إلى المدينة مردفين، قويت شوكة الدولة بهذا المدد البشري والمادي.
*الثاني: ما حصل مع يهود زماننا الذين مد لهم الكفار وحكام العرب حبل المساعدة، وهيأوا لهم الظروف السياسية اللازمة لإقامة كيانهم على أرض فلسطين، وأردفوهم بالمهاجرين اليهود من مختلف الأعمار والكفاءات لتثبيته وتقويته.
علاقة شيخوخة المجتمعات الغربية بهجرة الوافدين المسلمين إليها: إن النظرة الرأسمالية وحتى الاشتراكية ومنها الشيوعية تنطلق من قاعدة تقول: إن المواليد الجدد أفواه جائعة تحتاج إلى إنتاج يسد جوعاتها. خلافاً لما يقوله الإسلام بأن المولود الجديد طاقة منتجة سرعان ما ستأخذ دورها في العمل والكسب لتعيل آخرين يفوقون في عددهم من أعالوها. وقد أدى مفهوم الحد من النسل في الدول الرأسمالية إضافة إلى الثراء الفاحش، ونظرتهم إلى السعادة بأنها النيل بأكبر قسط من المتع الجسدية، أدى ذلك كله إلى تناقص الاهتمام بالمواليد الجدد إلى حد جعل معدلات النمو السكاني في بعض المجتمعات عندهم تشير إلى السالب، أي أنهم يتناقصون ولا يزيدون. ولاستمرار الحياة عندهم، وضمان الحصول على الخدمات المختلفة، كان لا بد لهم من استيراد العمالة اللازمة لذلك، فكانت الهجرة من البلاد الفقيرة ومعظمها إسلامية. ولم تقتصر الهجرة على طبقة العمال – وإن كانت هي الغالبة – ولكنها امتدت لتشمل هجرة العقول من العلماء الذين لا مكان لهم في بلادهم يناسب علمهم، ومن السياسيين غير الموالين لحكوماتهم والمضطهدين، إضافة إلى الهجرات الجماعية القسرية التي أملتها ظروف الحروب والاحتلالات كما حصل في فلسطين والعراق والسودان وغيرها من بلاد المسلمين. وقد أدى هذا الوضع إلى تفريغ بلاد المسلمين من خيرة شبابها ليكونوا خدماً في بلاد الرأسمالية المجرمة التي تحاول تغطية شيخوخة مجتمعاتها بشباب المسلمين. ولكن انقلب السحر على الساحر، فقد أثبتت الدراسات أن الوجود الإسلامي في الغرب قد بدأ يشكل رأس الحربة في التحدي الحضاري بين الإسلام والرأسمالية في عقر دارها.
مطلب شرعي وحيوي من شباب المسلمين: لا بد لكل شاب مسلم أن يسال نفسه كيف يبنبغي عليه أن يكون؟ وعن ماذا يبحث؟ وكيف يحب أن يموت؟ أيكون إنساناً منعزلاً عن أمته، أو ربما تابعاً لعدوه؟ أيكون إنساناً لا هدف له من الحياة؟ أيقبل أن يكون من ميتي الأحياء؟ حدد أيها الشاب طريقك واختر المسلك الذي سلكه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تنس أنك سوف تقف أمام الجبار سبحانه وتعالى وسوف يسالك عن شبابك فيما أفنيته، أيها الشاب المسلم: إنك تستطيع أن تصنع الكثير، لا تحقر نفسك، كن جنديا من جنود الله في الارض، التف حول إسلامك، وكن معه حيث دار، فاعمل مع العاملين للخلافة، واصنع معهم لدينك دولة تطبقه وتحمله للعالم أجمع. هذا هو سبيلك أيها الشاب كي تفوز في الدنيا والاخرة.
الحل الوحيد لمشكلة الشباب سلوكاً واستثماراً هو الخلافة: إننا نقف اليوم على خط المواجهة الساخنة مع حكام دويلات الضرار الذين يسيرون في الاتجاه المعاكس لما هو مطلوب شرعاً في كل المجالات، وخصوصاً مجال استثمار طاقات الشباب المسلم فيها. وبغض النظر عن أي إحصاءات أو أرقام في مجال قراءة أحوال الشباب المسلم في العالم الإسلامي وخارجه، فإن الحقيقة الأكيدة أن الحل الوحيد الناجح لمشاكلهم جميعاً – داخل بلاد المسلمين وخارجها - سواء في مجال انضباط السلوك أو استثمار الجهود، إنما يكون في ظل دولة الخلافة الإسلامية الراشدة الثانية على منهاج النبوة. فالخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين في الدنيا لإقامة أحكام الشرع، وهي الدولة الوحيدة القادرة على استيعاب كافة المسلمين في العالم كمواطنين في دولة واحدة، وجمع شملهم والحد من تشتتهم المكاني والفئوي والوطني، وإنهاء غربتهم التي طالت. وإنها ستكون الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بمعين لا ينضب من الشباب، وأيم الحق إن هذا العدد الهائل من الشباب المسلم في بلاد المسلمين وخارجها - عندما يجمع في دولة الخلافة - يعتبر أمارة هامة للقدرة على القيام بأعباء الدولة مهما كثرت وكبر حجمها، ما إن غيرها من الدول في العالم اليوم يقف عاجزاً وقاصراً عن تحقيق عشر معشاره. ولا ينبغي لنا أن نغفل ولو لحظة واحدة عن توفيق الله ونصره للمسلمين إذا أخلصوا دينهم لله وأخبتوا له. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
فاللهم عجل لنا بقيام الخلافة، واجعلنا من جنودها وشهودها، ومن العاملين المخلصين لإقامتها.

إعداد: أبو عبد الله عميرة/ بيت المقدس
الأربعاء 5/7/1429 هـ، الموافق 9/7/2008 م



ملحقات وتعليقات
ملحق رقم 1: مقال بعنوان: (الغرب وتحدي الأصولية الإسلامية...محاولة للتفسير)، لخوان آبيلس وهو أستاذ جامعي للتاريخ الحديث وباحث بمعهد إلكانو الملكي للدراسات الدولية والاستراتيجية/إسبانيا، وترجمه: عبده ولد عبد القادر، باحث وصحفي في يومية السراج الموريتانية، يقول فيه تحت عنوان جانبي: التحولات السكانية: (من المؤشرات المطمئنة على المدى المتوسط أن الضغط الديمغرافي والحاجة إلى استيعاب الأجيال الشابة في طريقهما إلى الانخفاض. وهناك أمر مهم لا يلقى عادة الانتباه الكافي وهو الانخفاض الكبير في معدلات الخصوبة في البلدان الإسلامية. فإذا كان معدل الأطفال لكل سيدة تراوح بين 6 و7 خلال القرن العشرين، فإنه مع بداية القرن الحادي والعشرين تغيرت الوضعية كليا كما رأينا سابقا، وهذا يدفع إلى الأمل بأن تجد بلدان إسلامية نفسها في أوضاع سكانية مريحة وذلك خلال سنوات قليلة.)
تعليق: ويناقض الكاتب نفسه بشكل صارخ عندما يقول في نفس المقال:
(الانبعاث الإسلامي في أحد أوجهه قد يكون بسبب اضمحلال قوة الغرب وقيمه وثقافته، كما إن ارتفاع أسعار النفط في نهاية السبعينيات من القرن الماضي قد ساعد أيضا على ظهور قوة الإسلام واحتقار المسيحية، ولكن مع انخفاض أسعار النفط بمنتصف الثمانينيات خفت الأصولية الإسلامية، ولكن تزايد التكاثر السكاني الإسلامي والنزوح إلى المدن من الأرياف والقرى أجج الأصولية مرة أخرى في بداية التسعينيات..إن معدل الازدياد السكاني في العالم هي 1.8 ولكن في العالم الإسلامي هذه النسبة هي 2.8 إلى 3% إن لهذا التوسع السكاني المضطرد ثلاث سلبيات سياسية على الحكومات الإسلامية والتي تجاورها:
أولا: إن الشباب هم دائما المؤيدون للاحتجاج والثورة والإصلاح. فهولاء الشباب سيكون لهم الدور الأكبر في تغذية الحركات الإسلامية الجهادية والتي قد تتخذ العنف سبيلا لتحقيق أهدافها
ثانيا: إن الجيل المسلم الجديد الذي سيدخل سوق العمل سيجد فجوة تفصله عن سلطة غير مهيأة لاستقباله مما قد يوفر أساسا لتوتر مع النظام الذي يحكم بلده
ثالثاً: والأهم إن الضغط السكاني والركود الاقتصادي مجتمعين مع عدم الاستقرار الاقتصادي لبلدانهم سيؤدى إلى موجات من الهجرة إلى دول الجوار التي قد لا تكون إسلامية مما سيؤدى إلى ظهور أزمة مهاجرين وهي أول مشاكل نقاط الصدع الحضارية
ملحق رقم 2: العولمة وشيخوخة سكان العالم، الدول الرأسمالية ومشاريعها في العالم الثالث: يقول الدكتور عمر عبد الجبار أستاذ مساعد(سابقاً) لعلم الإجتماع/جامعة الخرطوم عن الشيخوخة بأنها مزيج من العوامل البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تؤثر على الناس عندما يتقدم بهم العمر. وقد شاخ السكان في الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى بسبب ما تشهده تلك المجتمعات من زيادة في نسب السكان كبار السن نتيجة لاتجاهين ديموغرافيين طويلي المدى:
1. انخفاض معدلات الخصوبة أو نزوع الأسر نحو إنجاب عدد أقل من الأطفال.
2. انخفاض معدلات الوفيات وارتفاع توقع الحياة.
وهناك أكثر من 34 مليون مواطن أمريكي تعدت أعمارهم 65 عاماً، ويتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلي حوالي 80 مليون شخص في عام 2030.
ويضيف بأن شيخوخة سكان العالم والعولمة تنحوان نحو إضعاف معاملة كبار السن على نطاق العالم، ومن أسباب ذلك:
• زيادة أعداد كبار السن تشكل عبئاً اقتصادياً متعاظماً على أسرهم.
• بما أن الاقتصاديات الزراعية السابقة قد أصبحت جزءاً من الاقتصاد العالمي الناشئ فإن طرق التفكير والسلوك التقليدية غالباً ما تتغير.
• عندما تُجتث الأسر الممتدة من المزارع وتنتقل إلي المدن بحثاً عن العمل في المصانع فإن مقدرتها علي دعم الأعضاء غير العاملين غالباً ما تتضاءل.
ويعقد مقارنة بين كبار السن في المجتمعات البسيطة والحديثة فيقول:
يتميز كبار السن في المجتمعات البسيطة بما يلي:
• يحتلون مكانة اجتماعية عالية.
• أرباب اسر وعشائر.
• نتيجة لبطء التغير التقني فان معارفهم ومهاراتهم تحتفظ بأهميتها ولا تهمل.
• تأتي المعارف من الذاكرة، التقليد والحكمة.
• يواصل كبار السن المساهمة في النشاطات ذات القيمة.
أما في المجتمعات الصناعية الحديثة نجد أن كبار السن:
• يكونون في مكانة اجتماعية منخفضة.
• ليسوا أرباب أسر.
• يعيش كبار السن وحدهم أو مع شركائهم في منازل منفصلة أو في دور كبار السن.
• معارفهم ومهاراتهم تفقد أهميتها بسرعة.
• المعارف والمهارات تكتسب من نظام التعليم والتدريب وليس الخبرة.
• هناك سن رسمية وغالباً إجبارية للتقاعد.
تعليق: يعتبر ما قاله الدكتور عمر مؤشراً واضحاً على فساد تدبير النظام الرأسمالي بل إجرامه عندما يتعلق الأمر بمواطنيه الذين تقدمت بهم السن، فكيف يكون تعامله مع مواطني الدول الأخرى الأضعف والأفقر؟ إنه لا شك سيكون أكثر شراسة، وأقل رحمة، وما تفعله الدول الرأسمالية من مص دماء الشعوب المستضعفة واستغلال الأيدي العاملة فيها بأجور زهيدة، وتوظيف طاقات تلك الشعوب الشبابية في أعمال قذرة كشركات الحراسة، والقيام بحروب نيابة عنها وعن دولها كما هو الحال مع أثيوبيا في الصومال، إنه الاستغلال البشع والعبودية الحديثة!
ملحق رقم 3: مقتطف من كتاب جديد صادر عن البنك الدولي بعنوان "الهجرة الدولية والتنمية الاقتصادية والسياسة" الذي شارك في تحريره كل من كاغلار أوزدين، وهو خبير اقتصادي بمجموعة بحوث التنمية بالبنك الدولي، وموريس سكيف، الخبير الاقتصادي الأول ببرامج الهجرة الدولية وبحوث التنمية. يقول موريس سكيف: إن التوقعات تشير إلى عدم تناقص أعداد المهاجرين في المستقبل، حيث يقول "إن الهجرة لن تستمر على معدلاتها الحالية فحسب، بل إنها ستزيد. فمعدل النمو السكاني في البلدان المرسِلة سيواصل ارتفاعه، في حين أن معدل النمو السكاني في أوروبا آخذ في الانكماش، مع تقدم السكان في العمر". مضيفاً أنه من المتوقع أن يرتفع عدد السكان في أفريقيا جنوب الصحراء وحدها - التي لم يتم تضمينها في دراسات الحالات الواردة في الكتاب - بنحو 200 مليون نسمة بحلول عام 2030.
ملحق رقم 4: مقال لهادي يحمد من باريس بعنوان: منظمات يمينية تستغل الحديث عن تزايد مسلمي أوروبا للتخويف من الإسلام، سنة 2028. بروكسل ذات غالبية مسلمة: توقع خبير بلجيكي في علم الاجتماع والإحصاء أن يشكل المسلمون غالبية سكان العاصمة البلجيكية بروكسل، خلال الـ20 سنة القادمة إذا تواصلت وتيرة الهجرة ومعدل المواليد في صفوف سكانها من أصول مسلمة...ويبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة بالعاصمة بروكسل 3 أفراد، مقابل ما بين 4 و5 أفراد بالنسبة للعائلات من أصول مسلمة مهاجرة....وتضيف الدراسة أن الديموجرافيا السكانية بالنسبة لمسيحي أوروبا "سيئة للغاية"، موضحة أن "معدل النمو السكاني في أوروبا حاليا هو 1.4 طفل لكل امرأة، فيما يتطلب الاستمرار السكاني أكثر من طفلين لكل زوجين، أي بمعدل 2.1 طفل لكل امرأة، وهو ما يعني أن المعدل السكاني الحالي يمثل الثلثين فقط مما هو مطلوب".
ملحق رقم 5: تقرير نشرته مؤسسة دويتشه فيله (DW) جاء فيه بأن تراجع عدد المواليد في ألمانيا يهدد بشيخوخة المجتمع: تلقت الآمال الألمانية في زيادة عدد المواليد لطمة قوية بعد أن أظهرت أرقام جديدة صادرة عن مكتب الإحصاءات الاتحادي أن عدد السكان في ألمانيا يواصل التراجع. الخبراء يتوقعون تناقص سكان البلاد بنحو 10 ملايين بحلول عام 2050.
ملحق رقم 6: مجلة الوعي الإسلامي/الكويت العدد 514: جاء فيه: هل يشكل النمو الديموغرافي لعرب الـ48 خطراً على الكيان الصهيوني؟ ما يلي: تعتبر الحركة الصهيونية أن أهم شيء لحفظ اسرائيل هو ضمان أغلبية يهودية في فلسطين، وأخيراً شكَّل العامل الديموغرافي والتعداد السكاني لإسرائيل من حيث نسبة السكان اليهود في الدولة العبرية مقابل نسبة المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948 إحدى أهم القضايا التي أكدت تصريحات الحاخامات والمسئولين أنها تقض مضاجع المؤسسة الإسرائيلية، وخصوصا في ظل استمرار ارتفاع نسبة الفلسطينيين في الداخل إلى درجة هدد فيها الميزان الديموغرافي العام للدولة العبرية التي تخشى من فقدان أغلبيتها اليهودية• في العام 2000 م نشر أستاذ الجغرافيا اليهودي في جامعة حيفا أرنون سوفير دراسة مستفيضة عنوانها إسرائيل: ديموغرافيا 2000 ـ 2020م أخطار وإمكانات، وكان أبرز ما توصل له أن 42% فقط من اليهود، مقابل 58% من العرب سيعيشون في المنطقة الواقعة بين الأردن والبحر في سنة 2020م، من مجموع 15.2 مليون نسمة، واقترح في دراسته الفصل حتى لا يختفي الكيان الصهيوني عن الخريطة خلال سنوات...وتشير آخر الإحصاءات إلى أن تعداد السكان العرب الفلسطينيين في الدولة العبرية بلغ في نهاية العام 2002، نحو1,26 مليون نسمة، وهم يشكلون نسبة 19% من مجمل السكان في تلك الدولة. وتؤكد معطيات نشرتها دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، أن نسبة الزيادة الطبيعية لدى اليهود بلغت خلال العام الماضي 1,4%، في حين بلغت لدى المسلمين 3,4%، ولدى المسيحيين 1,3%، ولدى الدروز 2,1%• ويتبين من المعطيات المذكورة أن التعداد الكلي لسكان إسرائيل بلغ في نهاية العام 2003م 6,631 مليون نسمة• وتوضح المعطيات أن السكان اليهود في إسرائيل هم الأكبر سناً من بين المجموعات الإثنية الأخرى، إذ إن 12% من اليهود يبلغون 65 سنة فما فوق، وبالمقابل فإن السكان العرب هم الأصغر سناً، إذ يشكل أبناء 65% فما فوق أقل من 3% ويبلغ تعداد الأولاد تحت سن 14 سنة نحو 25,5% لدى اليهود، بينما تصل النسبة لدى العرب إلى نحو 43,2%، وبالنسبة لمعدل تعداد الأولاد في العائلة، فإن معدل تعداد أولاد العائلة اليهودية بلغ 3,1 بينما بلغ معدل تعداد الأولاد في العائلة العربية 5.1...وإذا ما عرجنا على العامل الأهم في الزيادة بالنسبة لدول العالم وهو النمو الطبيعي فنذكر أن المعهد المركزي للإحصاء في دولة الكيان أكد أن تعداد سكان الدولة العبرية يبلغ 6ر6 مليون نسمة، وأن النمو السكاني بلغ خلال العام 2002 ما يقرب من 127 ألف شخص أي 1.9%، وهي النسبة الأدنى منذ العام 1990 بحسب المعطيات الرسمية...
ملحق رقم 7: ملخص لبعض أطروحات المفكرين والدعاة الذين يشاركون في مؤتمرات الشباب، وقصور تلك الأطروحات عن إيجاد الحلول المناسبة لمشاكل الشباب:
*يوسف القرضاوي/رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: أكد بأن الشباب المسلم هم أعظم ثروة تملكها الأمة؛ فقوة الأمم لا تقاس بثرواتها المادية ولكن بما تملكه من قدرات إنسانية. وأضاف فضيلته أن مرحلة الشباب هي مرحلة القوة والعطاء والإنتاج، لذلك اهتم الله - عز وجل - بذكرها، وضرب لها مثلا وهو سيدنا يوسف - عليه السلام - الذي يمثل نموذج الشباب العفيف، وكذا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل الكهف، ومحطم الطواغيت سيدنا إبراهيم - عليه السلام -. وأشار القرضاوي إلى أن الشباب هم عماد الصحوة المعاصرة التي يشهدها العالم في الشرق والغرب، حيث هم الآن عمار المساجد بعد ما كان الشيوخ معمروها في الماضي، وهم غالبية حجاج بيت الله الحرام ومعتمروه بعدما كان قاصرا في القديم على الشيوخ، أو كما قال الإمام أبو حامد الغزالي عن الحج قديما في إحياء علوم الدين إن (الحج هو تمام الأمر وختام العمر). وأضاف القرضاوي أن الشباب هم عدة الجهاد في فلسطين، ويضحون بأنفسهم في سبيل دينهم وقضايا أمتهم، ودعا القرضاوي العلماء والشيوخ إلى البحث عن السبل وتوفير الحلول لإخراج الشباب من الإحباطات المفروضة عليهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وشدد القرضاوي على أن زيادة السكان هي إضافة قوة للأمة المسلمة منحها الله إياها وليس عالة أو نقمة من الله، ولكنها منحة تتطلب حسن التوظيف والاستثمار، مشيراً إلى أن الصين التي وصل عدد سكانها إلى ما يزيد على المليار نسمة، أصبحت أمة منتجة تصدر منتجاتها إلى جميع أنحاء العالم. وأكد القرضاوي أن الاستفادة من الشباب وتفجير طاقاته لمن يكون إلا بالإيمان الذي لو قمنا بتأصيله ما استوردنا شيئاً من الخارج، ولاستطعنا أن نثبت أن هؤلاء الشباب هم عماد الأمة وليس على هامشها وذلك لن يكون إلا بالائتلاف وليس بالاختلاف!
*تاج الدين الهلالي - مفتي استراليا: شدد على ضرورة أن نقدم لشبابنا الحلول العملية والعلمية للمشكلات التي يتعرض لها، مشيرا إلى أن شبابنا يعاني تفسخا اجتماعيا نتيجة الطغيان الإعلامي المتفلت الذي يزرع بين جنباته نيران الغريزة والرذيلة، وما بين بيئة تدعوه للفضيلة. مطالبا بتحديد خطوات عملية والعمل على حل مشكلات الشباب قبل الزواج وتحقيق التقارب بين الشباب المسلم في كل مكان، وإعطاء النماذج الحسنة من علماء المسلمين!
ولفت مفتي استراليا إلى أهمية تشجيع الصحوة التي تنتشر بين شبابنا المسلم، مؤكداً أهمية ضبط هذه الصحوة وضرورة تحقيق إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي. كما دعا الإعلام العربي إلى تحري الحقيقة وتقديم الصورة الحقيقية للأحداث، حيث إن الشباب لن يخلص لأمته وهو يرى الكذب والنفاق يخرج من بعض وسائل الإعلام العربية. وشدد على أهمية الصحوة الإسلامية التي يشهدها الغرب التي تتمثل في دخول أعداد كبيرة من أبناء تلك الدول في الإسلام لدرجة أن نسبة الدخول في الإسلام في استراليا - مثلا وصلت إلى 300% خلال العام الأخير.
*عمرو خالد: أبدى سعادته بالمشاركة في أعمال المؤتمر العالمي العاشر للندوة العالمية للشباب الإسلامي، مؤكدا أهمية الأفكار التي تدور حولها المؤتمر وأهمها فكرة التآلف والتلاقي بين الشباب المسلم. لافتاً إلى أن هذا التوجه كفيل بتحقيق الوحدة بين العالم الإسلامي بالشكل الذي يتمنى الجميع تحقيقه، وأشاد (خالد) بالروح التي تسود داخل أروقة المؤتمر التي تميزها التعايش بين العلماء والشباب. وقال لو تم تعميم أفكار التفاهم والتعايش بين الشباب والعلماء لأثمرت في اكتمال الصورة لدى الشباب المسلم بشكل متميز. وأشار إلى أهمية سيادة فقه الائتلاف وعدم التشتت بين الشباب الذي يبحث عما يتفق عليه، معلنا عن تبنيه مشروعا سماه (مشروع التحالف) خلال العام المقبل.
*راشد بن حمد الكثيري/عضو مجلس الشورى السعودي: أشار إلى ضرورة الوصول إلى إجراءات عملية من كلمات وأعمال المؤتمر، قائلا إنه حين ندقق في كلمات الافتتاح نجدها رسمت منهجا واضحا متوازيا لمستقبل الشباب المسلم. وأضاف أن الكلمات ستتعامل مع البحوث والدراسات لتحدد أهم القضايا التي تهم مستقبل الشباب وتعالج بعض قضاياهم. وأشار الكثيري إلى أن تعليم الشباب وتحقيق المفهوم المتوازن للدين هو أهم واجبات المؤسسات الدعوية نحو الشباب خلال الفترة الحالية، لافتا إلى ضرورة التركيز على الوسطية في الإسلام وتوضيح أنها تعتبر المنهج الذي يجب أن تسير عليه تلك المؤسسات أسوة بما تفعله الندوة العالمية للشباب الإسلامي. وأشار إلى ضرورة وضع خطط عمل مستقبلية لتفعيل دور الشباب في بناء الأمة الإسلامية، وشدد عضو مجلس الشورى السعودي على ضرورة إشراك الشباب في اتخاذ القرارات وتنمية الذات لضمان تحقيق الاستمرارية وعدم استحواذ الكبار على الأفكار والمشروعات!
*داود رشيد/نائب رئيس المجلس الأعلى الإندونيسي للدعوة الإسلامية: أشار إلى أن المسلمين غير العرب ينتظرون الكثير من المؤتمر العالمي العاشر للندوة العالمية للشباب الإسلامي، حيث إنهم في حاجة إلى التكاتف والتعاطف من جانب إخوانهم الدعاة والمصلحين. وقال (إن الشباب المسلم يحتاج الى التعاطف بين القيادات الدعوية والشباب ليعدلوا من وضعهم ويتعاملوا في عصر الكوكبة، فلو ضيعنا الفرصة سنضيع) على حد قوله. وأضاف نائب رئيس المجلس الأعلى للدعوة أن أمله كبير في أن يخرج المؤتمر بنتائج بناءة يستفيد منها المبعوثون، ويحملون هذه النتائج لتنفيذها في بلادهم. ولفت إلى أن المنظمات التنصيرية تقوم بتشكيل شبكات وثيقة بين أتباع ديانتهم، وصلت إلى حد أن من يحمل بطاقة من هذه الجمعية إلى أي دولة يحصل على تخفيضات في الفنادق، بالإضافة إلى تكريم واسع، لافتا إلى أنهم وصلوا إلى درجة عالية من الترابط، في الوقت الذي لا يهتم المسلمون بدعم بعضهم بعضا، الأمر الذي يفرض على المؤتمر التواصل الدائم مع حاضري المؤتمر لصالح الدعوة الإسلامية. وأضاف نحن مهددون بالغزو الثقافي بصورة هائلة في هذا العصر، وأكبر ضحاياه الشباب المسلم، حيث تنتشر الإباحية والإسفاف على الإنترنت بشكل هائل. وطالب رشيد المسؤولين عن الندوة العالمية للشباب الإسلامي تعريف الشباب بالمواقع الإسلامية حتى يتسنى لهم الدخول عليها بدلا من الدخول على المواقع الإباحية، مؤكدا أهمية رعاية المسلمين غير العرب، مدللا على ذلك بإندونيسيا التي يصل عدد سكانها إلى 230 مليون نسمة ثلثهم من الشباب يحتاجون إلى رعاية واهتمام وإمداد بالمعلومات عن الإسلام!
*محمد ياسر المسدي: قال إن انعقاد مؤتمر الندوة العالمية للشباب الإسلامي لا شك أنه عمل مبارك وعظيم، وعلى الأقل فإن المؤتمر يمثل فرصة كبيرة لنتذاكر أحوال المسلمين في العالمين العربي والإسلامي وكيفية النهوض بهذه الأمة، وكذلك الشباب الذي دفعهم لارتكاب العديد من الأخطاء وتسبب في كثير من المشكلات التي استغلها أعداء العرب والمسلمين. وأشار د. المسدي في تصريحات خاصة على هامش مؤتمر الندوة العالمية للشباب الإسلامي أن الفتن تلاحق الشباب، وأهم هذه الفتن ما تبثه القنوات الفضائية من مجون وما تحاول نشره من ثقافة غربية عن إسلامنا ومجتمعاتنا. ولذلك فلابد من تدخل الحكومات والقيام بدور للحد من هذه الفتن لأن الواقع يؤكد أن الحكومات في واد والناس في واد آخر، وهذا الواقع يفرض على علماء المسلمين بذل مزيد من الجهد، خاصة وأن مجهودات العلماء متفاوتة وعطاؤهم كذلك ولابد من استثمار هذه الطاقات بدلا من إهدارها!
*عصام البشير/المفكر الاسلامي السوداني: طالب بضرورة البدء في الإصلاح الفكري والسياسي والثقافي وصولاً إلى تقدم الأمة الإسلامية، لافتاً إلى أن الشباب لعب دوراً حيوياً في تاريخ المسلمين، مدللاً على ذلك بمحمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية ولم يتجاوز عمره أكثر من 17عاماً!
تعليق: نلاحظ أن جميع ما قيل بحق الشباب من قبل هؤلاء العلماء والمفكرين لا يعدو عن كونه محاولات لتشخيص واقع الشباب المسلم، ولكن أحداً منهم لم يصب في البحث مقتلاً، ولم يوفق إلى القول السديد في هذه المسألة الحساسة، وهكذا هو الحال مع جميع المؤتمرات والندوات التي تتناول هذا الموضوع، فإن القوم يكررون ذاتهم، ويناورون في أطروحاتهم تحت سقوف النظم الحاكمة التي أرسلتهم، فكانت النتيجة إهدار الوقت والمال والجهد، وبقاء الحال على ما هو عليه وأسوأ.
ملحق رقم 8: اقتباس من موقع قناة العربية على الإنترنت، نشر يوم الأحد 1 جمادى الثانية 1425هـ - الموافق 18 يوليو 2004م، يتحدث عن بلاد القيروان بعد أن حكمها المتفرنسون والمتنكلزون والمتأمركون المضبوعون بأفكار الغرب وأنماط حياته، حيث يقول محمد الفوراتي (قدس برس) في مقال له بعنوان: (تونس: أكثر المجتمعات العربية شيخوخة، ومؤشر الخصوبة فيها في تراجع مستمر): في ظاهرة غريبة على المجتمعات العربية يسير المجتمع التونسي بخطا متسارعة نحو الشيخوخة، حيث أفادت بعض الدراسات عن انخفاض المؤشر الإجمالي للخصوبة في تونس بشكل لافت للنظر. إذ كانت المرأة التونسية في العام 1966، عندما تصل سن الزواج تنجب أكثر من سبعة أطفال، بما يمثل مؤشرا إجماليا للخصوبة يقدر بنحو7.2 طفل لكل امرأة. إلا أن هذه النسبة عرفت تراجعا بالغ الخطورة. فقد شهد النمو السكاني في تونس تغيرات ملحوظة، فتقلص المؤشر الإجمالي للخصوبة من 7.2 في العام 1966، ليصل في العام 2002 إلى 2.0 طفل فقط لكل امرأة في سن الزواج. وأوردت صحيفة "الصباح" التونسية نقلا عن مصادر بالديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في تونس مجموعة من المعطيات، تشير إلى التغير الدراماتيكي بشأن انخفاض نسبة النمو السكاني في تونس، وذلك في انتظار ما قد توحي به نتائج التعداد العام للسكان الذي جرى مؤخرا من مؤشرات وحقائق. وقالت الصحيفة إن البرنامج الوطني لتنظيم الأسرة الذي انطلق في العام 1966 كان له الدور والإسهام المباشر في التأثير على مؤشرات الخصوبة داخل المجتمع التونسي، من خلال وضع برامج للتحكم في الخصوبة، والعمل على محاولة تعديلها لتحقيق المعادلة بين نسق النمو السكاني ومتطلبات التنمية الاقتصادية، لكن ذلك المخطط الذي ذهبت فيه الدولة التونسية بمثابرة واضحة "تكاد تلامس التطرف" صارت له الآن أثارا سلبية وخطيرة على المجتمع التونسي الذي يسير نحو شيخوخة متسارعة. واعتمادا على معطيات المعهد الوطني للإحصاء في ديسمبر/ كانون الأول عام 2003 فإن انخفاض نسبة النمو الطبيعي وصل إلى أقل من 2 في المائة، إذ بلغ مستوى 1.08 في المائة عام 2002 بعد أن كانت 1.14 في المائة عام 2002. وانخفضت نسبة الولادات من 17.1 مولودا لكل ألف ساكن عام 2000 إلى 16.7 مولودا لكل ألف ساكن عام 2002، وهو مؤشر يعكس سرعة تناقص أعداد الولادات في تونس. في المقابل ارتفعت نسبة الوفيات من 5.6 ساكن على كل ألف ساكن عام 2000 إلى 5.8 على كل ألف ساكن عام 2002. وكانت معلومات نشرت مؤخراً قد ذكرت أن أعداداً كبيرة من المدارس الابتدائية والثانوية في تونس قد أقفلت أبوابها في الأعوام الأخيرة في قرى ومدن صغيرة، في مختلف نواحي البلاد التونسية، بالنظر لعدم توفر الأعداد الكافية من الأطفال لارتيادها. ويرجع الكثير من المراقبين تناقص أعداد الولادات، التي تبشر بمستقبل يتسم فيه المجتمع التونسي بالهرم المتسارع إلى التحولات الاجتماعية المتسارعة وإلى السياسة الثقافية للدولة التونسية، وخاصة ما تعلق منها بالحث المتواصل خلال العقود الماضية، على تحديد النسل حتى كانت سيارات إسعاف حكومية تجوب الأرياف التونسية وتحث التونسيات على التوقف عن الولادة. وكانت أعمال تعقيم تقع في بعض الأحيان في الأرياف دون علم المعنيات بها، من أجل الحد من التزايد السكاني، الذي كانت الدولة تنظر له بوصفه عائقا أمام الرفاهية الاجتماعية. كما ساهمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وطول مراحل سني الدراسة وعمليات الانتقال من الريف إلى المدينة في تراجع سن الزواج، وانتشار العزوبية بين الشبان والشابات التونسية، حتى بلغ معدل سن الزواج للرجال 32 عاما، في حين وصل سن الزواج لدى النساء إلى 29 عاما، وهو ما ساهم في تراجع نسب الولادات مما يهدد بشيخوخة المجتمع.
ملحق رقم 9: اقتباس آخر من موقع آسيا الإلكتروني: يتجه الهرم السكاني بالمغرب إلى اتساع مساحة الشيخوخة على غرار الهرم السكاني لدى البلدان الغربية، مقابل تراجع مساحة الشباب وسط الساكنة المغربية. جاء ذلك في دراسة أنجزتها أخيرا المندوبية السامية للتخطيط (هيئة حكومية) حول الانتقال الديمغرافي في المغرب في أفق سنة 2030. وهذا يشير إلى مخاوف من هشاشة إجتماعية وفقر واضحين.
تعليق: لا يخفى على المتابع والمراقب أن باقي بلدان العالم الإسلامي تتبنى خططاً مدمرة مماثلة لما تبنته تونس والمغرب، يخشى من ظهور آثارها السلبية على الشباب في المستقبل القريب، ناهيكم عن عامل الهجرة الذي يتزايد يوماً بعد يوم من العالم الإسلامي إلى دول الغرب!






أبو عبد الله عميرة- صورباهر
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة أبي الحسن الأنصاري: يحمي الديار من الشرور إمامها
يحمي الديار من الشرور إمامها

وولاتها لنهوضها خدامها

فهم الذين لدينها قد بويعوا

وبأمر رب الناس هم حكامها

سطعت بهم شمس الخلافة دهرها

وحمى الشريعة قد علت آكامها

وهم الذين لمجدها قد شيدوا

صرح الحضارة شمخا أعلامها

وهم السراة القائمون لعزها

وبحومة الميدان هم قدامها

والساهرون على صيانة عرضها

حتى تخال بأنهم أرحامها

وكرام نفس يستضاء برأيهم

في النائبات إذا ادلهم قتامها

آباء صدق للعباد تسوسهم

بشريعة الرحمن عز مقامها

وملاذ أمن الناس في أيامهم

أدمت لهم كبد العداة سهامها

ومكانة الدين الحنيف منوطة

بكمال مصطنعاتهم أيامها

هجروا المضاجع والأسرة رغبة

عنها لمعضلة يموج غمامها

لا كالذين لأسرها قد نُصِّبُوا

فتمزقت في ظلهم أجسامها

بل خاصمو الدنيا لأجل أرومة

عزت بها مد الزمان كرامها

لا زالت الأيام تذكر فضلهم

وتدور في أفلاكهم أحلامها


شعر / أبو الحسن محمد الأنصاري
23 رجب الحرام 1429هـ
26 / 7 / 2008م

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة أبي الحسن الأنصاري: ألا هبوا لنحيي الدين فينا
ألا هبوا لنُحيِ الدين فينا

فإنا منذ قرن قد شقينا

وقوموا للعلا نبني عمادا

يخر له الجبابر صاغرينا

بحزب قد دعا لله جهرا

ولم يسلك طريق العابثينا

يُرَوِّجُ للورى فكرا عظيما

ويحمل دعوة المختار فينا

سليم الفهم محمود السجايا

ولا يرضى سوى الإسلام دينا

له في الناس أيام عظام

ورغم الظلم لم يحن الجبينا

يحذر من مفاهيم سقام

لها يدعو اللئام الغادرونا

ويطعن طعنة من غير سيف

بها يحمي عقول الأكرمينا

ويفضح كل خوار جهول

يعاون كل محتال علينا

ألا يا قوم إنا قد مللنا

من الذل الذي فيه اجتوينا

وتكرار الخطوب على حمانا

سواء قد رضينا أم أبينا

وعاملنا العدو بكل نهج

وأرغمنا بأن نحني الجبينا

له خضعت رقاب الناس قهرا

فأضحوا بالحديد مكبلينا

وساومهم على الإسلام سلما

فلما أن أبوا قطع الوتينا

وجرب كل أسلحة عليهم

وألجأهم لقوم مسرفينا

كرام أنتمُ يا قومُ كنتم

فماذا قد جرى كي نستكينا

ألستم خير من جاء البرايا

ومن نسل الكرام العاملينا

ألا هبوا فقد عادت سجاح

تقود إلى الخنا طوعا بنينا

وتحقنهم من الأدواء سما

وتعجنهم بمنهجها عجينا

فأنتم من يعيد الحق فيهم

ويجعل من يكيد لهم طحينا

فهبوا كي يعود لنا كيان

ونبني للعلا حصنا حصينا

ونحمل للبرايا كل خير

ونرجو الله رب العالمينا

بأن نلقاه يوم الدين راض

ونحيى في الجنان مكرمينا


شعر / أبو الحسن محمد الأنصاري


الاثنين 9/6 / 2008/    
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مطابخ الإعلام حقيقة لا خيال
يعد الإعلام في زماننا الراهن أداة فاعلة في التأثير على توجه الرأي العام وعلى صياغته وتكوينه ، فالإعلام في وقتنا الراهن يعد قوة مؤثرة حتى بدا للرأسماليين أن يطلقوا عليه إسم السلطة الرابعة لما له من أهمية وقوة وتأثير .
وأداة لها هذه الأهمية والقوة والتأثير لم يكن مستغرباً أو مستهجناً على الغرب أن يسيطر عليها ليتخذها مطية لتمرير مخططاته ومؤامراته بل إن الكثير من مؤسسات الإعلام كانت من إبتكاره وإنشائه لتقوم بدور ريادي على مستوى قضايا العالم خدمة لمصالحه .

وطبيعة ما تقوم به وسائل الإعلام من التأثير على الرأي العام ومن تسويق المشاريع الإستعمارية بقالب يسمى حضاري وحتى يكتب لها النجاح في هذا الدور تطلب ذلك منها أن تلبس لباس النزاهة والحيادية ، والحقيقة خلاف ذلك ، فما تدعيه وسائل الإعلام من الحيادية والنزاهة والمهنية والبعد عن الإنحياز ومجرد الإكتفاء بنقل الخبر دون إبداء رأي فيه ، هي دعاوى كاذبة ومحض خداع وتضليل ، ونحن في هذا المقال سنقف على طبيعة دور وسائل الإعلام ونفي النزاهة أو عدم الإنحياز أو الحيادية عنها وإثبات ان دورها هو دور محدد مسبقاً وإخراجها للأخبار لا يكون إلا بعد أن تمرر الخبر على مطابخ لصنعه وصياغته أو إظهار بعض جوانبه وطمس الأخرى أو حتى طمس الخبر بالكلية وذلك راجع لطبيعة الخبر ولطبيعة نوجه مؤسسة الإعلام التي تنشر الخبر .

ومن تتبع السياسية الدولية اليوم يجد أن لوسائل الإعلام دوراً في الصراع القائم بين الدول الإستعمارية المتنافسة فيما بينها فهناك وسائل إعلام تخدم السياسات الأوروبية بوجه عام والإنجليزية بوجه خاص وهناك وسائل إعلام تخدم مصالح أمريكا ، حتى دعا دور وسائل الإعلام هذه في اللعبة السياسية الى قيام أمريكا بالتعرض لقناة الجزيرة مثلاً عندما ضايقتها الأخيرة في تغطيتها لكل من أحداث الحرب على أفغانستان والعراق.

أما ما تدعيه وسائل الإعلام من حرية الإعلام والنزاهة والحيادية وعدم الإنحياز فذلك إدعاء باطل لما يلي :
أولاً : إن كبريات مؤسسات الإعلام هي مؤسسات مدعومة من قبل الدول التي توجهها أو تمتلكها أو تمولها وذلك كمؤسسة البي بي سي البريطانية-مثلاً- فهي هيئة حكومية تقوم بنشر وبث الأخبار المرئية والمسموعة منها بعشرات اللغات المختلفة وهي وإن إدعت الحيادية والنزاهة فلا ينطلي هذا الإدعاء على عاقل فلا يعقل أن تقوم الحكومة البريطانية بتمويل مؤسسة إعلامية تروج لأخبار تضر بالسياسة البريطانية أو تفضح أكاذيبها أو تبين قبح استعمارها وهي تنفق عليها وعلى جيش الإعلاميين والمراسلين التابعين لها الملايين الطائلة، وما يظنه البعض من بث المؤسسة لبعض الأخبار التي يظن أنها تضر بالمصالح البريطانية فهو مخطئ لأن هذه الأخبار لا تعدو أن تكون تسريبات مقصودة وموجهة ولها من الغايات ما لا يمكن لكثير من العامة إدراكه . وهناك من الحوادث والشواهد الكثير للدلالة على بعض ذلك من طرد لمدير الإذاعة لمخالفته للرواية الرسمية البريطانية حول الحرب على العراق ومن تعامل الهيئة مع تصريحات الجيش الجمهوري الإيرلندي في فترة سابقة الى غيره من الحوادث والتي يسردها كبار الإعلاميين انفسهم ليدحضوا بها كذبة الحيادية والنزاهة لدى كبريات مؤسسات الإعلام .والحديث يتسع ليشمل أموراً أخرى لا يتسع المقام لذكرها.
وقل مثل ذلك في بقية المؤسسات الإعلامية مثل رويترز و سي أن أن والأسيشويتد برس وغيرها .

هذا بالنسبة للمؤسسات الإعلامية العالمية أما المؤسسات الإعلامية في البلاد العربية والإسلامية ، فلا يخفى على كل بصير حالة الكبت التي تمارسها الأنظمة القمعية البوليسية في بلاد المسلمين سيما تجاه كل صوت أو تحرك منطلق من مبدأ الأمة ويسعى لنهضتها ، فالأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية أنظمة تابعة للكافر المستعمر وهي لا تعدو عن كونها مجرد اداة ومطية بيد الكافر المستعمر يستخدمها لتنفيذ مخططاته وحماية مصالحه لذا فكل ما في هذه الأنظمة مسخر لحماية مصالح الكافر المستعمر وتنفيذ مخططاته ومن ذلك المؤسسات الإعلامية التي تركز عليها الأنظمة القمعية سعياً منها لتضليل الناس وإستغفالهم وتمرير المخططات الغربية عليه ، ويقوم بهذا الدور المؤسسات الإعلامية الحكومية والمسمى مستقلة وكل منها له دور لا يمكن للآخر ان يسد عنه ، فبسبب فقدان الثقة بالمؤسسات الإعلامية الحكومية خرجت علينا الأنظمة بمؤسسات إعلامية تدعي الإستقلال والحيادية والنزاهة كقناة الجزيرة الفضائية ومعلوم بداهة أن حكاماً كحكام قطر لا يمكن لهم ان يقبلوا بقناة تهدد نظام حكمهم أو تجييش الرأي العام ضدهم ، وما فرقعات الجزيرة الإعلامية سوى لضرب المصالح الأمريكية التي تغرد قطر خارج سربها ومع ذلك تكون هذه الفرقعات ضمن حدود مضبوطة معينة لا تتعادها.

ثانياً : عدم النزاهة وعدم الحيادية تثبت من خلال تتبع السلوك الإعلامي لتلك المؤسسات ويتمثل ذلك بالآتي :
أ . إنتقائها للأخبار ، وهذا يتم ضمن سياسة منهجية مرسومة ولا يكون ذلك كيفما اتفق ، فالمؤسسة الإعلامية المعينة تنتقي أخبارها وفق توجهاتها السياسية لا الإعلامية ، وهذا يفسر-على سبيل المثال- اهتمام مؤسسة إعلامية بخبر خروج عشرات في مسيرة في بلد نائي وتلسيط الأضواء عليها وإعتبار هذه المسيرة تمثل رفضاً جماهيرياً لسياسات دولة ما بينما تتجاهل هذه المؤسسة خروج عشرات الآلاف في بلد يقع في قلب الأحداث وتعتبر هذا التحرك تحرك فردي لا يعول عليه ولا يلقى له بال.
ومثله أيضا تسليط الأضواء على إعتقال نظام لشخص مغمور لكنه عميل وتابع وتجاهلها لإعتقال المئات لا بل آلاف الأشخاص في نفس البلد كونهم ينتمون لتيار إسلامي غير مرغوب به سلطوياً وإعلامياً.
ومثله كذلك تسليط الأضواء على جرح عدد من الأشخاص في بلد ما اثر اشتباكات في مسيرات سياسية وتجاهلها لقيام نظام بقمع المئات والآلاف من المعتقلين السياسيين وإعدامهم رمياً بالرصاص .

ب . الشخصيات المستضافة في اللقاءات الصحفية والمقابلات التلفزيونية ، إذ تعمد وسائل الإعلام على استضافة شخصيات تم إبرازها من خلال وسائل الإعلام هذه لإعطائهم دور في الساحة السياسية ويكون إنتقاء هذه الشخصيات انتقاءاً مدروساً موجها وليس انتقاءاً عشوائيا بدليل اجماع هذه الوسائل على شخصيات معينة ربما لا يكون لها أية صفة رسمية .

ج .تهميشها للحركات النهضوية الصحيحة تمشياً مع سياسة الحكام في حرب فكرة الإسلام ، ويتمثل ذلك في تجاهلها لكثير من نشاطات هذه الحركات والأحزاب كحزب التحرير الذي ملأت فعالياته وأصداؤها معظم بلدان العالم ومع ذلك تصر وسائل الإعلام بإعتبارها طرفاً رئيساً وهاماً في صراع دعوات التغيير الحقيقية على تجاهل هذه النشاطات والفعاليات خوف إبرازها وإظهارها للأمة كي لا تتعاطف الأمة مع مثل هذه الدعوات . كما أنها إذا أضطرت ان تتحدث عن حزب كحزب التحرير لجأت الى الحديث مع شخص مناهض للحزب معادي لفكره وتوجهه بالرغم من أن المتحدثين الإعلامين والناطقين الرسميين والمكاتب الإعلامية للحزب منتشرة عبر جميع دول العالم وهذا يدل على مدى الإنحياز الذي تمارسه وسائل الإعلام ضدة دعاة التغيير والنهضة الحقيقية .

هذه بعض الإشارات والأمارات الدالة على عدم صدق دعوى النزاهة والحيادية وكل خبر لا يتم نشره إلا بعد تمحيصه وتمريره على جهات مختصة تقوم بدورها بإعادة صياغة الخبر أو تجاهله أو التركيز على جانب دون سواه أو إثارة ضجة إعلامية حوله أو إستضافة ضيف مؤيد أو معارض لمضمونه أو غير ذلك من الأساليب الكثيرة التي يتم التعامل معها وفق سياسة مرسومة للمؤسسة الإعلامية وليس ضمن مقاييس وضوابط إعلامية مزعزمة .

وخلاصة القول إن عدم حيادية وسائل الإعلام ليس تكهناً أو رجماً بالغيب أو تأثراً بعقلية المؤامرة كما يسمونها بل هو قول يطابق الواقع بالكلية والشواهد عليه أكثر من ان تحصى ويكفي للمرء أن يتابع نشرة إخبارية لقناة أو فضائية أو برنامجاً حوارياً ليدرك كم هي وسائل الإعلام غارقة في التآمر على فكر الأمة ومبدئها حتى أنها لم تعد تطيق أن تسمع صوتاً لدقيقة او دقيقتين من أفراد الأمة هنا وهناك وكل ذلك يؤكد ضلوع وسائل الإعلام هذه بل مشاركتها للكافر المستعمر في حربه على الإسلام والمسلمين .
إن على وسائل الإعلام أن أرادت الخير-وأنى لها ذلك وهي مملوكة لحفنة متآمرة على الأمة ومبدئها-أن تنحاز لقضايا الأمة فتبرز قضاياها وتسلط الأضواء على قادتها الحقيقيين وتقلع عن بث سمومها وأفكارها الخبيثة .
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

واقع التعليم بين الماضي و الحاضر عند المسلمين
في الماضي يوم كانت الامة الاسلامية في ظل دولة واحدة هي دولة النبوة فالخلافة الراشدة فالاموية فالعباسية فالعثمانية حتى القضاء على الخلافة الاسلامية في 3 آذار عام 1924م واليوم والامة الاسلامية بضع وخمسون دويلة
في الماضي كانت فلسفة التربية تقوم على ايجاد الشخصية الاسلامية المتكاملة عن طريق تربيتها روحيا وجسميا وعقليا واجتماعيا وبناء مفاهيم الفرد عن خالقه وعن الكون والانسان والحياة في ضوء القيم الاسلامية العليا التي تعمل على تكوين الاتجاهات الاسلامية المؤدية الى اشباع حاجات الفرد بحيث تجعله مهيأ لعبادة الله تعالى وتنفيذ شرعه في ضوء الكتاب والسنة .
ان فلسفة التربية الاسلامية تقوم على الشمولية والتوازن والواقعية في تربيتها للاجيال وتنشئتهم التنشئة الاسلامية السليمة
لقد هدفت التربية الاسلامية الى ايجاد جيل من ابناء الامة يدرك رسالته في الحياة ادراكا واعيا مستنيرا يؤدي رسالته بقوة وأمانة بحيث يدرك علاقته بخالقه ونفسه وغيره من الناس حقوقا وواجبات .
ان رسالة العملية التعليمية تقوم على بناء الشخصية الاسلامية وتوفير كل مايلزم الامة من معارف ومهارات وعلوم وتكنولوجيا تواكب العصر لتعود بالخيرعلى الامة والعالم أجمع في كل مناحي الحياة من خلال دولة الاسلام المنشودة دولة الخلافة التي بشر بها خير الانام .
ان عملية التدريس تقوم على تعاهد الفرد بالتنمية والرعاية الشاملة من كل الجوانب ليؤدي رسالته التي حددها الشرع الحنيف .
انها تقوم على منهج القرآن الكريم الذي يتسم بالتنوع والشمولية والواقعية – بمعنى معالجة الواقع – في تعليم الناس في شتى المجالات من عبادات ومعاملات و ....
يمكننا القول بأن مفهوم عملية التدريس تقوم على توجيه سلوك المتعلمين نحو الاهداف المرغوبة في المجتمع المسلم بحيث يكون المتعلم محورا للعملية التعليمية ، فعملية التدريس هي همزة الوصل بين محور المعرفة وأنواع السلوك فيه وبين المتعلم .
انها ليست عملا تلقينيا للمعلومات بل هي عملية تتضمن نواحي كثيرة ومتعددة تشمل كيفية اعداد الموقف التعليمي المناسب للمتعلمين بكل المعايير التربوية ، فالتدريس يعني تلك الاجراءات التي يقوم بها المعلم مع تلاميذه لانجاز مهام معينة وتحقيق أهداف محددة .
فالتعليم لا بد ان يحدث تغييرا في سلوك المتعلمين نحو الاهداف والفعاليات الموضوعة ، لذا لا بد ان تكون عملية تربوية هادفة تأخذ في اعتبارها كل العوامل المكونة للموقف التعليمي بحيث يتعاون من خلالها المعلم والطالب لتحقيق الاهداف التربوية .
وهي عملية اجتماعية انتقائية تتفاعل فيها كافة الاطراف التي تهم العملية التربوية من اداريين وعاملين ومعلمين وتلاميذ وصناع قرار بغرض نمو المتعلمين وتعديل سلوكهم واكسابهم المهارات المرغوبة تهيئة لهم للمستقبل المنشود .
فالتربية عملية ملازمة للانسان وهي مستمرة الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، وهي محكومة بالهدي الالهي والسنة المطهرة ، لذلك لايقبل الاسلام ان يتلقى المسلم تصوراته ولا أفكاره من غير مصادرها الاصلية ، ولهذا فمن الطبيعي ان يكون للتربية والمدرسة المفهوم المتميز الواسع النابع من منظور الاسلام في تربية الانسان لما خلق له واعداده للدنيا والاخرة فهو خليفة الله في الارض .
ان المدرسة ركيزة اساسية في صناعة ودعم تشكيل الشخصية للفرد الذي كونته الاسرة ودفعت به الى ميدان التعليم في مصنع منتج متميز .
انها المؤسسة التربوية الاولى التي تعرض على الطالب سلوكا معينا يناسب وظيفتها ودورها في المجتمع ، والمتعلم يذهب اليها من منطلق احترامه لها ولدورها الذي تؤديه في التربية والتعليم والتوجيه لا بد ان يترك الاثر الاكبر على المجتمع والامة ، والمدرسة برسالتها التربوية عملية ملازمة للانسان .
لقد هدفت المدرسة منذ بداياتها منطلقة من المسجد الى البناء المدرسي الخاص بها الى ان يكون الفرد المسلم انموذجا للدين الذي يدين به ويدعو له ونمطا حيا متحركا للفكر الاسلامي الذي يملأ قلبه وعقله ويصدقه سلوكه في الحياة مع نفسه ومع الآخرين .
لقد هدفت المدرسة الاسلامية الى الجمع بين متطلبات الحياة من علم وتكنولوجيا ومعارف متنوعة و تنمية روح الولاء للشريعة الاسلامية والبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة ، وكذلك استقامة الاعمال والتصرفات بحسبها وتكوين الفكر الاسلامي المنهجي لدى الافراد ليصدروا عن تصور اسلامي موحد فيما يتعلق بالكون والانسان والحياة وما يتفرع عنها من تفصيلات .
فهي تعمل على تأهيل الانسان المستخلف في الارض للقيام بدوره بكل الابعاد من خلال منظومة المفاهيم والقيم المؤثرة في السلوك في اطار بناء الشخصية الاسلامية المتكاملة ( عقلية ونفسية ) عن طريق غرس الثقافة الاسلامية وفي كل المراحل دون توقف في عقول الطلبة .
لقد سعت المدرسة الاسلامية ومنذ البداية وعملا بآيات القرآن الكريم على تشجيع وتنمية روح البحث والتفكير العمليين وتقوية القدرة على المشاهدة والتأمل والتبصر بآيات الله في الكون وما فيه وادراك حكمة الله في خلقه لتمكين الفرد من الاضطلاع بدوره الفعال وكذلك بيان الانسجام التام بين العلم والدين في شريعة الاسلام ، فان الاسلام دين ودنيا والفكر الاسلامي يفي بمتطلبات الحياة البشرية في أرقى صورها في كل عصر .
ان تعهد العقيدة الاسلامية الصحيحة النقية في نفس المتعلم ورعايته بتربية اسلامية متكاملة لاعطائه الهوية الاسلامية المتميزة الضابطة لسلوكه وتصرفاته وتنمية محبة الله وتقواه وخشيته في قلبه لتحقق العزة في الدنيا والسعادة في الدارين من أهم سمات المدرسة الاسلامية على مر العصور .
ان غاية التعليم في دولة الاسلام هي فهم الاسلام فهما صحيحا متكاملا وغرس العقيدة الاسلامية ونشرها وتزويد الطالب بالقيم والتعاليم الاسلامية وبالمثل العليا واكسابه المعارف والمهارات المختلفة وتنمية الاتجاهات السلوكية البناءة من اجل بناء وتطوير الدولة اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا وعلميا وسياسيا و .... وتهيئة الفرد ليكون عنصرا نافعا في بناء مجتمعه ويأتي ذلك من خلال :-
1. غرس عقيدة الاسلام والمعارف والمهارات المفيدة والاتجاهات والقيم المرغوبة لدى الطلبة ليشبوا عليها فاهمين لدورهم في الحياة واعين على عقيدتهم مدافعين عنها وعاملين في ضوئها لخير الدارين .
2. توفير الكوادر البشرية اللازمة لتحقيق تلك الغاية ويدفعها من نجاح الى نجاح .
3. الحرص على مصلحة الفرد والجماعة معا فهو يبتغي مصلحة الفرد من خلال تعليمه تعليما كافيا مفيدا لذاته ، كما يبتغي مصلحة الجماعة بالإفادة مما يتعلمه الافراد .
4. غرس الثقافة الاسلامية لدى الطلبة والتي هي عبارة عن المعارف التي كانت العقيدة الاسلامية سببا في بحثها كعلم التوحيد أم كانت مبنية على العقيدة الاسلامية كالفقه والتفسير والحديث أو كان يقتضيها فهم ما ينبثق عن العقيدة من أحكام مثل المعارف التي يوجبها الاجتهاد في الاسلام كعلوم اللغة ومصطلح الحديث وأصول الفقه وتاريخ الامة الذي هو جزء من ثقافتها لما فيه من اخبار عن حضارتها ورجالها وقادتها وعلمائها وثقافة الامة هي الصانع لشخصيات أفرادها فهي المؤثرة في سلوكهم والمحولة له الى السلوك المرغوب .
من كل ما سبق يمكننا تحديد مجموعة من الأهداف للعملية التعليمية في ظل دولة الاسلام نجملها بالآتي :-
1. اعادة الثقة بأحكام الاسلام واعادة تثقيف الامة بالثقافة الاسلامية التي تضمن بقاءها في مقدمة الامم فثقافة الامة هي العمود الفقري لوجودها .
2. غرس ثقافة الاسلام في أبنائها ومنع أي ثقافة دخيلة من الوصول اليهم .
3. ان استمرار عملية التعليم في المراحل المختلفة هو الطريق الوحيد لحفظ ثقافة الامة في صدور ابنائها لانها تمثل الرسالة الالهية الخاتمة .
4. وضع علاج ناجع لمحاصرة ابناء الامة الذين سممت أفكارهم من حملهم للثقافة الغربية مقتنعين بها او مقلدين لها منبهرين بزخرفها المادي .
5. ان من اهم الاهداف للعملية التعليمية هو الحفاظ على عقيدة الامة في النفوس لكي لا تقع في البدع والخرافات والشرك .
6. ان وضع المناهج يجب ان يكون من اجل صناعة الشخصيات الاسلامية والتي يجب ان تكون ضمن خطة منهجية منظمة .
7. ايجاد الكيان السياسي القوي ماديا وعقائديا بالعلم والايمان بالصناعة والتكنولوجيا مواكبة لكل مستجدات العصر التقني .
ان المتتبع لواقع التعليم في دولة الاسلام وما نتج عنه خلال عصور خلت نجد انها نجحت في جعل الامة الاسلامية تقتعد ذروة المجد وتقود البشرية جمعاء ، فكانت الاولى في كل المجالات ، خرجت مدارسها العلماء والساسة والقادة في شتى الميادين وأرست قواعد مجتمع مسلم يشار له بالبنان ، فكانت تخرج رجال دولة وقادة معركة ورجال فقه وعلم ونقلت العالم من دياجير الظلام الى نور الاسلام ، عم بها العدل والرخاء والتكافل وانتشر الخير في كل مكان وصلوه ، نعم أهلها بسعادة الدارين ، عرفوا الله حق المعرفة فعبدوه حق العبادة ، لقد أخذوا من علم الدنيا ما يلزمهم ليكونوا في الصدارة فتفوقوا وازدهرت مدنيتهم عبر العصور كازدهار حضارتهم .
لقد رعت الدولة الاسلامية المؤسسة التعليمية منذ البداية فوزنوا مداد العلماء بالذهب ، وأخذوا علم الدنيا من كل مكان دون حواجز ، كان التعليم حق للجميع مجانا ، لقد ركزت الدولة الاسلامية على أسلمة المعرفة وصبغها بالصبغة الاسلامية المميزة فطوروا العلوم وترجموا الكتب والمراجع طبقا للتصور الاسلامي فكان الاسلام عقيدة وشريعة ونظام حياة هو المحور الذي يدور الجميع حوله فهو بوصلتهم لسعادة الدارين .
لقد كانت اللغة العربية هي وعاء كل علم يترجم اليها ما يؤتى من غيرها من الامم .
وهنا لابد من الاشارة الى ان لغة العلم هي لغة الدولة القوية التي تفرض لغتها فالقوي يفرض لغته وعملته ووجهة نظره في الحياة على الضعفاء كما نلاحظ اليوم من تبعية دويلاتنا للغير .وكما كان في الامس يوم كان لنا دولة وتبعية الغير لنا .
ان واقعنا اليوم والذي لا يخفى على أحد ولا يحتاج لكبير جهد أو عناء بحث لتوضيح صورة عالمنا الاسلامي اليوم فالتبعية له عنوان وهو يسير خلف كل ناعق يقلد كل تافه ويأخذ كل أمر فاسد وهذا بأمر الكافر المسيطر علينا لتبقى سيطرته مستمرة فقد نصب على هذه الامة حكاما مخلصين لمخططاته وتعاليمه وارتقى المستعمر لينتقل من الحكام الى مناهج التعليم والكوادر المسؤولة تلك التي تخطط لدوام التبعية بتخريج أجيال من المتعلمين في امية مقننة وثقافة مزيفة وعقيدة هشة مخلخلة وانبهار بالكافر ومدنيته الزائفة ، لقد علم الكافر ان المدرسة صانعة الرجال فعبث بها وخلخل كيانها وجعلها مفرغة من مضمونها تخرج موسوعات علمية متحركة لا علماء ، فتم تغريب المسلم عن دينه على ايدي اساتذته بمنهاج مدرسي مبرمج وطريقة تلقين مملة منفرة للطالب .
ان من أهم طرق تأثير الكافر ومن سار على نهجه في بلاد المسلمين في تدمير عمليتنا التعليمية لنبقى في ذيل الامم وهو في الصدارة ينهب خيراتنا ويستعبدنا أمور منها :-
1. غياب القرار السياسي وسلبه بساسة يعملون لصالحه ومخططاته ممثلين بالحاكم وبطانته .
ان غياب القرار السياسي الواعي رغم توفر الامكانات المادية والبشرية وقد اثبتت الدراسات بان الكويت تنفق على التعليم للفرد الواحد أكثر مما تنفق امريكا ومع ذلك فالتعليم في الكويت ظاهر للجميع بانه لم يغير منها كدولة شيء فهي تابعة لا تقوى على شيء أما أمريكا فبالتعليم اصبحت الدولة الاولى في العالم علميا وصناعيا وعسكريا و ......
2. التخبط في القرار السياسي لدى صانعي القرار وارتباط هذا القرار بأفراد كشخص وزير التربية والتعليم أو من هو في موضعه نجد تغير القرار ووجود نقيض له اذا تغير الوزير أو ... واستلم المركز شخص آخر دون النظر الى خطة استراتيجية طويلة أو قصيرة الاجل لتحقيق الاهداف المنشودة للتطوير والتغيير فالاهداف مرتجلة والخطط آنية والبلاد مرتبط مصيرها بأشخاص ....
3. اهمال اللغة العربية لغة القرآن واضعاف دورها في التعليم وايهامنا بأن لغته هي لغةالعلم ولغتنا ثانوية حتى وصل الحد الى تدريس لغته في المرحلة الاساسية الدنيا تشويشا على اللغة العربية فأول ما يدخل الطالب المدرسة يبدأ يدرس مع اللغة العربية اللغة الانجليزية أو الفرنسية أو ......
4. افراغ الشريعة الاسلامية من مضمونها في المدارس والجامعات ووصل الحد الى جعلها تخصص لمن يرغب فيه فقط في الجامعات مما ادى الى تكريس علمنة التعليم وفصل الدين عن الدنيا وهذا منهج الرأسمالية .
5. تمييع المجتمع المسلم بمسلكيات منحرفة عنوانها الاختلاط والسفور وقد عمم هذا في معظم الجامعات عندنا ويسعى لأن يكون في مدارسنا ايغالا في محاربة الدين وتعاليمه ووصفه بالرجعية و ....
6. محاربة اللباس الشرعي ونجح في ذلك في الجامعات والمدارس الا القلة القليلة من ابناء هذه الامة وما تركيا وتونس الا أمثلة على ذلك ..... .
7. جعل الكافر ومفاهيمه وثقافته هي الاساس بدلا من العقيدة الاسلامية والثقافة الاسلامية .
8. دعم مناهج التعليم وتمويلها في البلاد الاسلامية بأموال طائلة حتى تبقى سائرة على النهج المرسوم والخطط الموضوعة .
9. تجنيد فريق من المثقفين الاستشاريين والخبراء الذين نشرهم في مراكز التعليم ومصانع اتخاذ القرار في الوزارات كاستشاريين لضمان الحفاظ على ما رسم وخطط لنا .
10. عولمة التعليم بما يخدم مخططاته المرسومة لبقاء تابعية عالمنا له .
11. ادخال التكنولوجيا لمؤسساتنا وفق خط مبرمج لا يسمح بالخروج عنه خاصة في مراكز الابحاث العلمية في الجامعات ، وهذه النقطة كفكرة التسليح لدويلاتنا من عتاد عسكري يظن انه سلاح و ......
12. التركيز على ابقاء الرجل غير المناسب في موضع صنع القرار عندنا في المواقع القيادية لانه ابن .... أو من الحزب الحاكم أو التنظيم ...... لتبقى مشاريع الكافر ومخططاته تمرر علينا وهذا المسؤول لا غنى له عن المستشارين الذين عينهم الكافر من حوله .
13. زيادة الحشو اللغوي وكثرة المواد المشتتة لذهنية الطالب المركزة على التلقين والحفظ ، ومن ينظر في حقيبة طفله المدرسية يرى كم بها من مقررات دراسية ..... .
14. عدم سيطرة الرؤية الاسلامية على مناهجنا وأساتذتنا في المدارس والجامعات ومعلوماتهم الضئيلة عن الاسلام فهم ليسوا بشخصيات اسلامية وارتباطهم بالاسلام غالبا ما يكون مشاعريا ، ففي مدارسنا تدرس سيرة عمر بن الخطاب كما تدرس سيرة المهاة غاندي ومانديلا و .... ويدرس تاريخ اوروبا كما يدرس تاريخ صدر الاسلام ، فتدريس الشخصيات العالمية بشكل مواز لتدريس الشخصيات الاسلامية هو تشويش للقدوة التي نريد أن يقلدها الطالب من السلف الصالح وهذا قمة الغزو الفكري المبرمج .
15. خضوع المؤسسات التعليمية لمنظمة اليونسكو الدولية كخضوع المؤسسة السياسية لقوانين الشرعة الدولية في الامم المتحدة ومجلس الامن مما يبقي هذه المؤسسات خاضعة للمستعمر الطامع في بلادنا وثرواتنا السالب لارادتنا وتعطيه الفرصة للتدخل في رسم سياستنا التعليمية بحيث لا تخرج عن الخط المرسوم .
16. التبادل الثقافي والاتفاقيات الثقافية بين بلادنا الاسلامية وبلاد الكفر هو غزو فكري ممنهج للعقول المسلمة التي يجذبها الغرب اليه بالهجرة والتغريب ..... .
والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن للمؤسسة التعليمية ان تغير في هذا الواقع وتعيد او تساعد في اعادة الامور الى نصابها الصحيح الذي نأمله جميعا ؟؟؟؟
والجواب على ذلك اذا توفر النظام السياسي المخلص بالقائد الرباني المخلص و بالقرار السياسي الصحيح النابع من مبدأ الامة وعقيدتها نقول يمكن التغيير وابراز دور المؤسسة التعليمية في ذلك وهنالك مجموعة من الشواهد اسلاميا وعالميا .
الشاهد الاول :- في مدرسة النبوة كان العرب في جاهلية وشقاء وبؤس ، فبدأ المنهاج الرباني في التغيير بأول كلمة نزلت على رسولنا الكريم بقوله تعالى " أقرأ ..... " في سورة العلق ايذانا بافتتاح مدرسة النبوة ، فكان من خلالها تغيير المفاهيم عند الناس من عبادة الاوثان الى عبادة الواحد القهار وانطلق الصحابة مشاعل نور وهدى للبشرية جمعاء يخرجون العباد من الظلمات الى النور امتثالا لقول الرسول الكريم " بلغوا عني ولو آية " وقول الله سبحانه وتعالى " ومن احسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا ...... "
والشاهد الثاني من الغرب الكافر وهنا أمريكا :-
عندما تفوق الروس عليها في غزو الفضاء واطلاق أول مركبة مأهولة مع العالم يوري جاجارين عام 1961م في 12 نيسان فما كان من الامريكان الا اجتماع الساسة اصحاب القرار وعلى اعلى المستويات لمواجهة هذا التفوق الروسي لما له من دلالة ، فكان القرار تغيير مناهج التعليم ورصد الاموال للبحث العلمي والتكنولوجيا فكان لهم السبق عام 1969م زمن الزعيم الامريكي ريتشارد نيكسون حيث نزل أول رائد فضاء على سطح القمر في المركبة أوبولو وهو نيل آرمسترنج وزملاءه وكان لهذا النزول دلالة كبيرة في المفاهيم السياسية الدولية .
وشاهد ثالث :- ان ماليزيا عام 1985م اجتمع الساسة وصناع القرار ليجيبوا على سؤال ما نوع الدولة التي نريد والى اين سنتجه وعقدوا عشرات اللقاءات والمؤتمرات وكان القرار السياسي نريدها دولة صناعية علمية ، وعلى هذا القرار تغيرت مناهج التعليم في المدرسة والجامعة لتحقيق هذا الهدف ، وخلال عشر سنوات عام 1995م كانت ماليزيا تعد من الدول الصناعية التي يشار لها ضمن مجموعة نمور آسيا .
أما الشاهد الرابع على أهمية التعليم ودوره المميز ان الغرب الكافر عندما عجز عن القضاء على دولة الاسلام الدولة العثمانية عسكريا لجأ للغزو الفكري وتدخل في طبقة المثقفين والمناهج فكان له ما أراد خلال فترة من الزمن لا زلنا نعاني آثارها حتى اليوم ، ونسأل الله العافية .
من كل ما تقدم يمكننا الاشارة بوضوح الى أهمية التعليم في البناء هذا التعليم الناتج عن قرار سياسي حكيم من دولة مبدئية ترعى شؤون الرعية انها دولة الخلافة القادمة بعون الله .
تم البحث بعون الله تعالى
ابو أحمد 7/7/2008م الاثنين
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

عودة الإسلام لقيادة العالم


مما لا شك فيه أن الإسلام قد تصدر السياسة الدولية لمدة ثلاثة عشر قرناً. فمنذ أن أقام النبـي محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم الدولة الإسلامية في المدينة وبعث الرسل إلى ملوك الدول ليقدموا الولاء والطاعة أصبح للدولة مكانة كبيرة بين الدول في ذلك العصر وبدأت الدولة تتوسع شيئا فشيئا في عصر الخلفاء الراشدين ومن ثمَّ في عهد الأمويين والعباسين والعثمانيين حتى أصبحت الدولة الإسلامية مترامية الأطراف من الصين شرقاً إلى بلاد الأندلس غرباً ومن أواسط أفريقيا جنوباً إلى حدود النمسا شمالاً وأصبحت الدولة الأولى في العالم التي يحسب لها ألف حساب.

لقد قام أعداء أمة الإسلام بالتأمر والكيد لها لإسقاطها عن الساحة الدولية منذ بعث النبي صلى الله عليه وعلى اله وسلم ، وقد تمكنوا من ذلك بمساعدة الخونة في إسقاط دولة الإسلام في 23/3/1924 وإلغاء الخلافة الإسلامية وبذلك تمكنوا من إبعاد الإسلام عن الساحة السياسية الدولية.

إن امة الإسلام امة حية، مهما حاول أعداءها ومهما كادوا لها لتدميرها أو القضاء عليها فلن يستطيعوا ذلك أبدا. فها قد ظهرت ثلة من الشباب المؤمن الصادق في القرن الماضي تدعوا وتعمل لإعادة بناء دولة الإسلام والعمل بما انزل الله حتى أصبح لها صدى في كل أصقاع الأرض وأصبح المسلمون يطالبون بإعادة الخلافة الإسلامية وإزالة الحكام الرويبضات الذين وضعهم الكافر ليمنع بذلك من إعادة الخلافة، مما حدا بالكافر أن يقوم وبشك مباشر باحتلال ارض الإسلام، لأنه أصبح يرى علامات قيام دولة الإسلام واضحة لديه وأصبح يصرح بذلك علناً.

إن المسلمون يؤمنون بأن الله منجز وعده فقد وعدهم في كتابه الكريم وقال تعالى { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }. النور55، كما بشرهم رسول الله صلى الله عليه وعلى اله وسلم وقال ((... ثمَّ تكون خلافة على منهاج النبوة)). رواه أحمد.
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

كيف تحرر البلاد؟

بعيد ضعف الخلافة وتفتتها وهدمها اقتسمت القوى الإستعمارية بلاد المسلمين بينها كغنيمة لحرب استمرت قروناً طويلة ، استطاع هؤلاء أن يكسبوا منها هذه الجولة لصالحهم . عاشت بلاد المسلمين حالة عامة من الإحتلال العسكري المباشر من قبل الدول الأوروبية : بريطانيا التي استولت على حصة الأسد كونها لعبت الدور الرئيس في هدم الخلافة وفرنسا وإيطاليا وهولندا والبرتغال واستراليا وغيرها ، واستمر الحال كذلك إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية والتي أفرزت أمريكا كقوة استعمارية جديدة وسعياً منها لبسط نفوذها على العالم سيما بلاد المسلمين الهامة ذات الموقع الإسترتيجي والثروات الهائلة والتي كانت معظمها في قبضة بريطانيا وسعياً منها للإستئثار بثروات المسلمين وخاصة النفط الذي اسال لعابها ولكي تتمكن من طرد الإستعمار القديم من المناطق الحيوية في العالم ولكي يتماشى سعيها هذا مع دعاوى الديمقراطية الزائفة والحريات الفارغة المضمون نهجت امريكا نهج الإنقلاب على الإستعمار القديم عبر اختلاقها لثورات وحركات مقاومة في البلدان المحتلة وعبر تجييشها للرأي العام المحلي والعالمي ضد الإحتلال الذي تنفر منه الطباع البشرية ولم يكن بالطبع قصدها تحرير البلاد وانما استبدال إحتلال بآخر.
استطاعت أمريكا ان تقضي على كثير من نفوذ القوى الإستعمارية كما استطاعت ربط البلدان التي طردت منها الاستعمار القديم بها اقتصادياً وسياسياً وفكرياً .
أما الجانب السياسي فقد ربطت الحكام الذين أوصلتهم لسدة الحكم بها كنواطير وعملاء لها يقومون على خدمتها وتسيير مصالحها وتنفيذ مخططاتها . واقتصاديا عبر القروض والسياسات الاقتصادية التي يفرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان باتا أداة طيعة بيد أمريكا للبطش بالمخالفين لسياساتها ولدعم الحكومات والأنظمة التي تواليها . وفكريا عبر الأوساط التي أبرزت في الأمة كأوساط فكرية ضبعت بالطريقة الأمريكية في العيش وباتت ترى ضرورة التحول في العيش الى النمط الأمريكي .
واستمر استبدال الاستعمار الفكري والسياسي والاقتصادي بالاستعمار العسكري ساري المفعول الى اواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي ، إذ أن الرياح سارت على غير ما تشتهي الدول الإستعمارية سيما أمريكا ولم تعد التبعية السياسية أو الإقتصادية كافية في بعض الأوقات لتسيير مخططاتها في المنطقة سيما المخططات المركزية المتعلقة بقضايا هامة وبمناطق حيوية مما دفعها للنكوص على نهجها واستخدام الإحتلال العكسري المباشر مرة أخرى فقامت بإحتلال أفغانستان والعراق .

من هذه المقدمة الموجزة نخلص الى أن بلاد المسلمين كانت ولا زالت تعيش تحت نير الإحتلال بأوجهه المتعددة والمختلفة فبلاد المسلمين منذ أن هدمت الخلافة واقعة تحت الإحتلال ولم تخرج عن طوقه المحكم ولو لبرهة زمنية قصيرة . لذا كان على مريدي التحرير الحقيقي أن يعوا على حقيقة الإستعمار الذي يجثم على صدر الأمة وأن يدركوا سبيل التحرير المستمد من مبدأ الأمة لكل أشكال الإستعمار فيسيروا وفق هذا الوعي والأدراك ليأخذوا بيد الأمة نحو التحرير الكامل في ظل سيادة مبدأ الأمة وعودة السلطان لها .
ولبيان كيفية تحرير البلاد من الإستعمار نبدأ ببيان الطرق المؤدية لذلك والمعتمدة على الدراسة والفهم الشرعي ونبدأ بأشكال هذا الإستعمار شكلاً شكلاً .

أولاً : الإستعمار العسكري المباشر ،
ويتمثل ذلك في صورتين رئيسيتين ، إحداهما الاحتلال عبر الجيوش وثانيها وجود القواعد العسكرية والاتفاقيات العسكرية بين بلاد المسلمين والدول الإستعمارية
أما الصورة الأولى فتحرير البلد المحتل لا يكون سوى بتحريك جيش البلد الذي تعرض للغزو الخارجي ويصبح الجهاد على أهل البلد المحتل فرضاً عينياً فإذا لم يستطع اهل ذلك القطر رد العدوان وقهر العدو انتقل الوجوب على البلدان المجاورة له الأقرب منهم فالأقرب حتى يتم تحرير البلد المحتل وحكم جهاد الدفع هذا حكم ظاهر بين في التشريع الإسلامي ولا يحتاج الى كثير بيان أو مزيد تفصيل ويكفي أن نذكر فيه قول الحق سبحانه (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) بيد أن جيوش الأمة اليوم لا تحرك ساكناً تجاه بلاد المسلمين المحتلة فترى البلاد تغتصب وترى الدماء تراق وترى الأعراض تنتهك فلا يهتز لها كيان ولايرمش لها جفن وكل ذلك بسبب خضوعها وخنوعها لأنظمة عملية ذليلة خانعة تابعة للكافر المستعمر وانقيادها لحكام لا يوجهون وجهوهم سوى شطر واشنطن ولندن وباريس ، وهذا الواقع السيء لجيوش الأمة الجرارة التي طال التصاقها بالأرض وصدأت معداتها ، هذا الواقع لا بد ان يدفع الأمة للضغط الدائم والمتواصل على أبنائها المنتسبين لهذه الجيوش ليحركوا فيهم نخوة الإسلام وليعيدوا لحمتهم بجسم أمتهم وان لا يفصلوا أنفسهم عن قضايا الأمة فيتحركوا وتتحرك معهم جيوشهم نصرة لقضايا الأمة عبر أقطار المعمورة بأسرها فيكونوا عوناً و نصيراً وسنداً لقضايا الأمة فيلقنوا كل من أساء لهذه الأمة ولدينها ولمبدئها أشد الدروس ويجعلوه عبرة لمن يعتبر . ومع عدم تحرك جيوش الأمة لا يعني أن أعمال المقاومة الفردية هي نهج وطريق يغني عن الجيوش فأعمال المقاومة والجهاد الفردي هي أعمال مشروعة لكنها لا تحرر بلاداً ولا تنكأ عدواً وهي-أعمال المقاومة- لها فائدة هامة إن أحسن إستغلالها وبقيت منضبطة بأحكام الشرع وبعدت عن المصالح والفئويات والتنافس السياسي الفارغ والخوض في اللعبة الديمقراطية التي تعد بديلاً لأي احتلال عسكري ، ففائدتها هي إبقاء جذوة الصراع مشتعلة بين الأمة وأعدائها وهذا من شانه أن يعيق مخططات الكافرين وأن يجعل كل من يسير في مخططاتهم في محل الشبهة والتهمة والرفض من قبل الأمة وهو من شأنه أن يعيق تقدم الإحتلال في مشروع الهيمنة على البلد المحتل ، أما إن نهج أصحاب المقاومة سبيلاً آخر وجعلوا المقاومة سلماً للوصول الى حكم تحكمه العمالة والتبعية وجعلوا مقاومتهم ورقة ضغط لتحسين أوضاعهم التفاوضية فذاك وبال على البلد المحتل ورهن لقراره بيد الكافرين ونقض لغزل قتال العدو .
وفي ظرفنا الراهن من تحكم الكفار ببلاد المسلمين ومن تبعية الحكام لهم وفي ظل هيمنة هؤلاء الحكام وتلك الأنظمة على جيوش الأمة يصبح العمل لإقامة الخلافة أوجب من ذي قبل كون الخلافة هي التي ستحرر كل أرض مغتصبة وستحمي أعراض ودماء وثروات المسلمين أينما كانوا لذا وجب على الأمة ان تغذ السير نحو الخلافة وأن تعمل جاهدة مع العاملين لها أو تؤازرهم لا لتسقط فرض الخلافة عن كاهلها فحسب بل وفرض الجهاد الذي علق برقبتها منذ أول شبر وقع تحت إحتلال الكافرين .
أما الصورة الثانية وهي الاتفاقيات العسكرية والقواعد العسكرية الرابضة في بلاد المسلمين ، فهذه الاتفاقيات ووجود تلك القواعد هما أمران محرمان ولا يصح للمسلمين أن يوافقوا عليهما وذلك لأنها تجعل للكافرين على المؤمنن سبيلاً وتجعل المسلمين يستعينوا بكيان الكافرين وهذا محرم كما تجعل المسلمين يقاتلون في صف الكافرين وهذا محرم كذلك ودليل ذلك كله قوله تعالى (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) وقوله عليه السلام (لا تستضيئوا بنار المشركين) وقوله أيضا (إنا لا نستعين بالمشركين) ، كما لا يخفى على كل بصير اليوم أن الاتفاقيات ووجود القواعد العسكرية هي صورة أخرى من صور الإحتلال المباشر والهيمنة على البلد والتحكم بمصيره فهي الانتحار السياسي بعينه .

ثانياً : الإستعمار السياسي ،
ويتمثل هذا الشكل من أشكال الإستعمار في الحكام والأنظمة السياسية التابعة للكافر المستعمر في جميع بلاد المسلمين بلداً بلداً . فهؤلاء الحكام ومعهم طبقة سياسية عميلة قد ربطوا مصير الأمة بالكافرين لا بل جعلوا الأمة وطاقاتها ومقدراتها مسخرة للكافرين فهم يريقون من أبناء الأمة الدماء ويحرمونهم لقمة العيش ويزجون بهم في غياهب السجون خدمة لمصالح أسيادهم وأولي نعمتهم من الكافرين المستعمرين . اما كيفية الخلاص من هذه التبعية السياسية فلا سبيل لذلك سوى بقلع هؤلاء الحكام وهدم هذه الأنظمة والاستبدال بها خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة فتكون دولة يسودها مبدأ الأمة وتعتمد على سلطان الأمة لا على دعم الكافرين .

ثالثاً : الإستعمار الإقتصادي ،
ويبرز ذلك عبر تبعية اقصاديات بلاد المسلمين للكافر المستعمر الذي يتحكم في مقدرات الأمة نهباً وسلباً ويغرقها بالديون بواسطة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ويرسم لها سياستها الإقتصادية الهادفة الى إبقاء هيمنته عليها دون أن يسمح لها بالتخلص من هذه الهيمنة كما يحجب عنها بل يمنع عنها أي مشروع يمكن أن يوفر تنمية حقيقية للبلد .كما يبرز ذلك ايضا عبر ارتباط عملاتها بالدولار كغطاء لها مما جعلها وبقية العالم عبيداً للإقتصاد الأمريكي . وسبيل الخلاص من هذه الهيمنة الإقتصادية لن تكون سوى بتطبيق النظام الإقتصادي الإسلامي الذي يكفل كما كفل من قبل استقراراً إقتصادياً للامة الإسلامية ويجعلها تعيش في حالة رخاء ويسر لما في هذا النظام من احكام تكفل ذلك كوجوب توفير الحاجات الإساسية لكل فرد من أفراد الرعية ووجوب إستغلال الأراضي الزراعية ووجوب إتخاذ الذهب والفضة أساساً للنقد وتحريم الربا والغش والإحتكار وغير ذلك من الأحكام ، ولن يكون هذا التطبيق في ظل هذه الأنظمة التابعة العميلة لذا وجب على الأمة مرة أخرى ان تسعى لإقامة الخلافة الراشدة الثانية من جديد حتى تطبق عليهم نظام الإسلام الشامل لكل مناحي الحياة بما في ذلك النظام الإقتصادي .


رابعاً : الإستعمار الفكري ،
ويتمثل ذلك بوجود جيش من المفكرين والجمعيات والمنظمات والكتاب والصحف والمجلات التي تروج للأفكار الغربية الغريبة عن مبدأ الإسلام ومحاولة إلباسها لبوس الإسلام في بعض الأحيان وهذه التبعية الفكرية قد وفرت تربة خصبة لإنبات العملاء السياسيين وكانت سكيناً طعنت به الأمة الإسلامية إذ قد ظنت في بعض هؤلاء بادئ الأمر خيراً فانطلت عليها حيلهم وساروا معها وحملوا افكار هؤلاء وتوجهاتهم .
وسبيل الخلاص من هذه التبعية الفكرية لا تكون سوى بالتصدي لهؤلاء فكرياً قبل قيام الخلافة وبيان عوارهم للأمة وبيان حقيقة دعوته وتحذير الأمة من اتباع هؤلاء ولو في صغائر الأمور وبيان الحكم الشرعي في تقليد واتباع الآخرين الوارد في قول الرسول الكريم عليه السلام (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع) وبيان حرمة أخذ أي فكر من غير الإسلام وبيان ان الذين يروجون للأفكار الغربية قد سلخوا أنفسهم عن جسم أمتهم من حيث يدرون أو لا ، كما لا بد من السير في خط موازٍ آخر وهو العمل على توطيد دعائم الفكر الحق في أوساط الأمة ليتكون رأيها العام على أساسه وليكون منبثقاً من عقيدة الأمة وليكون ذلك حرزاً لها من الوقوع في الخطأ والزلل والتضليل والخداع . ولن يكتمل القضاء على الأفكار الغربية التي أتخذ الغرب لإيصالها أساليب عدة منها الخفي ومنها الظاهر إلا في ظل دولة الإسلام فتمنع المحططات المضللة وترفع ما وقع من إفساد في مناهج التعليم وتمنع كل جمعية أو منظمة لا تقوم على أساس العقيدة الإسلامية وتزجر كل مقلد للغرب وساعتئذ ينعم المسلمون بجو خالٍ من كل إفساد فكري والذي بدوره يقود كما نراه في مجتماعتنا الى الفساد الإجتماعي والخلقي وغيره .لذا وجب على المسلمين أيضاً أن يسعوا لأجل ذلك وغيره لإعادة الخلافة الراشدة الثانية من جديد .

وخلاصة القول إن مشروع التحرير الحقيقي هو مشروع نهضة متكامل يتمثل فقط بالخلافة ، فالخلافة هي من ستحرر الأمة جميعاً من كل تبعية ومن كل احتلال واستعمار عسكرياً كان أم إقتصادياً أم سياسياً أم فكرياً والخلافة هي التي كانت وستكون عما قريب بإذن الله الدرع الواقي للأمة والحامي لبيضتها فهلموا يرحمكم الله لها هلموا لعز الدنيا وفلاح الآخرة .
أبو محمد داود
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

تَمُّوزُ فارَقَتِ الدِّيارَ حَمائِمُ
أترى بروقا أم رعودا تسمع

بين الدخان ودمع عينك يهمع

تموز هذا يا مقنع إنه

شهر به صخر الجبال تصدع

فالمزن فيه من اللهيب تكونت

ما في اللهيب لشارب ما يشفع

يزجي سحابا ليس فيه سوى الضما

وبروقه من قدح قلبك تلمع

جفت عروق الناس في أيامه

والطير من حر اللظى لا تسجع

هذا زعيم العرب يجمع شمله

عند الفرنجة للعلا يتطلع!

مترئسا حلقاتهم في حلة

بليت عليه وغيه لا يمنع

ماذا ترى قال الزعيم لعلجهم

وهو الذي وسط الضلالة يرتع

أتراه أوصى أن تصان ديارنا

وإذا تعدى عن حماها يدفع

والقدس أعلن أن يصون ذمارها

ولعزها جيشا عظيما يصنع

والشعب قرر أن يزيل شقاءه

وله ضفاف النهر قوتا يزرع

ويعيد أرصدة البلاد لحرزها

من خزنة الغرب الذي لا يشبع

أتراه يقمع عصبة البغي التي

عصفت بمصر وأهلها قد روعوا

هذا محال أن يقوم بمثله

فالغرب يعلم فعله والمطلع

تموز فارقت الديار حمائم

والبوم حل مكانها والأقرع


شعر / أبو الحسن محمد الأنصاري ـ
الأربعاء / 16 تموز 2008م    
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مرارة التغريب أم غربة الإسلام؟

في أمسية إذاعية بثتها إذاعة أوروبية سأل مقدم البرنامج الجمهور: ماذا نفعل كي نوقف هذا الزحف البشري القادم علينا من المسلمين؟
ردود فعل المستمعين المتصلين هاتفيا أظهرت الحيرة الحقيقية والتقلّب والتفتت والتشتت تجاه هذا المشكلة الاجتماعية الكبيرة التي بدأت تقض مضاجع الأوروبيين حكومات وشعوبا. ماذا نفعل كي نوقف المسلمين عن القدوم إلى بلادنا؟ أغلقنا الحدود والسواحل بوجههم، منعنا عنهم تأشيرات الدخول، منعنا عنهم ترخيصات العمل، ضيّقنا عليهم عيشهم، منعناهم من لم شمل أسرهم، طردناهم، أخرجناهم من الأبواب، وبعد كل هذا نراهم يطلوّن علينا من النوافذ، ويخرجون لنا من برك الماء ومن تحت السرير. فما الحل؟
قال أحدهم: لقد تفوق المسلمون علينا بأهم شيء وهو الأسرة. تجاهلنا الأسرة عن كونها الخلية الأولى في المجتمع، فضاع المجتمع وضاعت الأسرة.
وآخر يقول: الإسلام يحمل الكراهية لنا، يريدون أن يدمروا ديمقراطيتنا.
وثالث يعبر عن حزنه لأن المسلمين لم يكونوا ضيوفا يحترمون الضيافة.
والسؤال هنا هو:
هذا الواقع الذي فرض نفسه على المجتمع الأوروبي، كيف وصل إلى ما هو عليه؟
هل هذا هو ثمن تخريب ديار المسلمين وهدم دولتهم وإقامة عملاء على أشلائها؟
هل نسي الغرب أنه غرس غرسة خبيثة آتت أُكلها الآن ألا وهي هدم دولة الخلافة عام 1924 دون أن يحسب حسابا لأبنائها الأيتام الذين لن يهدؤوا إلا بعودة أمهم الرؤوم تضمهم في حِضنها بعد فرقة دهر.
إن نتائج تخريب دار الإسلام على يد الأوروبيين، هم أول من يحصد مرارتها. فسواحلهم تغص بالهاربين من ظلم عملائهم الذين يرعون مصالحم في بلاد المسلمين، قتّلوا وذبّحوا ولاحقوا وسجنوا وظلموا حتى ضجت السماء والأرض من أعمالهم التي ضاهت ظلم فرعون وهامان وقارون.
فهم أي الأوروبيون بين خصمين غير مرغوبين. الأول وهو من يريد الدخول بأي شكل وأي ثمن لأووربا فارّاً إما بدينه أو بأهله أو بنفسه، والثاني وهو المسلم من الأجيال التي تتالت في بلاد الغرب. نشأت فيه وترعرعت في ظل الظلم والهوان الناتجين عن تطبيق الرأسمالية. فذاقت هذه الأجيال مرارة الديمقراطية وخداع الحريات وتضليل البرلمانات، فنشأت كردة فعل على أكاذيب المبدأ الرأسمالي وحملته من السياسيين. وعادت إلى دينها تنهل منه في غفلة من الزمان، فكانت، بقصد أو بلا قصد، قوّامة على نفسها نابذة للنظام السياسي غير الإنساني، متمسكة بالإسلام، عاملة لعودة الحياة الإسلامية.
إن الفشل الذريع الذي لحق الحضارة الأوروبية أمام كسب الأجيال المسلمة التي ولدت ونشأت فيها يؤكد فراغ هذه الحضارة الفكري، وبعدها كل البعد عن الإنسان. أما الإسلام فقد كان يكسب العقول والقلوب في البلاد التي يفتحها والذي كان ينال الأجيال كلها الإعجاب به وبعدالته ورفعته وإنسانيته.
في خضم التناقضات الأوروبية تلك، انبرت شريحة من مسلمي الغرب للصيد في الماء العكر. أُعجبوا بالحياة البرلمانية والحزبية الغربية، وطمعوا بقطعة من قالب الكعك جميل المنظر، فاشرأبّت أعناقهم، وباعوا ما لا يملكون وقبضوا ثمن انهزاميتهم، دراهم معدودة ومناصب منبوذة. هؤلاء هم من انبرى لتمثيل مسلمي الغرب مطأطئي الرؤوس مغلقي الأعين والآذان.
قالوا بأن الإسلام سلام، وبأن القتال خطأ، وبأن المسلم مندمج مع كل واقع، ومتلون مع كل طيف، بل وينعق مع كل ناعق. فانفصلوا بذلك عمّن أرادوا تمثيله، وبالتالي انضموا تلقائيا لصفوف حكام الأمة وعملاء الغرب.
والسؤال مازال يُطرح ويُبحث: ماهو الحل مع المسلمين؟
هؤلاء الذين قدموا إلى أوروبا وحملوا جنسياتها واستقروا فيها ولكنهم لم يذوبوا ولم يتركوا دينهم إلى دنياها! ما الحل؟
كتب لهم أحد أبناء المسلمين الذي لم يُقِمْ خارج أوروبا بعد، كتب قائلا: ليس من مصلحة أوروبا استعداء المسلمين هنا، وليس من الحكمة اعتبار أننا غرباء، فقط لأننا مسلمون.
فرد عليه السياسيون ومحامو الدولة والأمن قائلين: هذا تهديد مبطن! هذا يؤكد ضرورة التخلص من المسلمين وإبعادهم عن بلادنا.
سألهم أحد المسلمين: هل المشكلة هي كوننا من أصول غير أوروبية أم لكوننا مسلمين؟ لوكانت الأولى، فجلّ الأوروبيين الحاليين من أصول غير أوروبية. فلم يبقَ إلا الثانية! فأين حرية التدين التي صدعتم دماغ العالم بها ليل نهار.
ويأبى الله إلا أن يتم نوره، وأن يفضح أهل الغرب بفضح مبدأهم الكاذب وكل ما ينادون به من حرية وديمقراطية وانتخابات وبرلمانات، بأنها من عمل الشيطان.
ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين.
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم - وبعد:-
منذ أن هدمت دولة الخلافة والأمة الإسلامية تعيش في حالة انحطاط فكري وتجهيل أُريد لها من قِبل الكفار المستعمرون للحيلولة دون رجوع د ولة الإسلام التي هدمها الكافر المستعمر والذي يعمل على تجهيل المسلمين خاصة صغار السن بإبعادهم عن دينهم الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى وفصل دينهم عن معترك الحياة .
لقد أصبح واضحاً لكل ذي عينين حال الأمة الإسلامية وما آلت إليه من ذل ومهانة وتأخر وانحطاط وتشرذم وتدابر، فها هي أمة المليار ونيف ترزح تحت سيطرة الدول الكافرة من مشرقها إلى مغربها وحكامها لا يزيدون عن كونهم أجراء عملاء لأسيادهم من الكفار ذلك فضاعت فلسطين وها هم شرذمة يهود يدنسونها وها هي العراق ودول النفط محتلة وها هي مُقدرات الأمة تذهب في مواخير البغاء وخدمة الكفار، الأمريكان وغيرهم.

ويتمثل هذا التجهيل بعدة أمور يعمل من خلالها الكافر المستعمر بالتعاون من الحكام العملاء الأجراء له ومن خلال ما يسمون بالمفكرين وعلماء السلاطين ووسائل الإعلام التابعة له، أبرزها ما يلي
1- وجود المناهج التعليمية على الأساس الذي وضعه المستعمر, والطريقة التي تطبق عليها هذه البرامج في المدارس والجامعات ، وتخريجُها لمن يتولى أمور الحكم والإدارة والقضاء والطب وسائر شؤون الحياة بعقلية خاصة تسير فيها وفق الخطة التي يريدها الكافر المستعمر , حتى يقوم حشد من الموظفين الذين يحرسون هذه الثقافة الأجنبية ويطبقونها على المسلمين رغما عنهم لفصل الدين عن الحياة .
وبعد دراسة المناهج التي تُطبَق على أبنائنا تبين أن جزئيات هذه المناهج كلها تُسهم في التكوين الثقافي لأبناء أمة الإسلام بحيث لا تخرج جزئية من الجزئيات عن قاعدة فصل الدين عن الحياة مما أدى إلى تشويش التكوين الثقافي وإضعافه بل متناقضا وغير متفق مع العقيدة الإسلامية فصار التعليم عملاً هداماً لأنه يهدم ثقافة الأمة في نفوس أبنائها ولا يبنيها ,
2- واقع هذه المناهج أنها تابعة للأجنبي وتخدمه لأنها تعلم وجهة نظر الأجنبي ويحشو عقول أبناء الأمة بها , وهي في جملتها مبنية على غير عقيدة الأمة بل عقيدة تناقضها مما يُثبت أن هناك نهجا مدروسا لتجهيل الأمة وإبعادها عن دينها وحضارتها كي تحمل الثقافة الغربية الغريبة عن ثقافتها .
3- وجود البرامج التعليمية واستمرار تطبيقها على الأساس الذي وضعه الكافر المستعمر , وحسب الطريقة التي أرادها , مما جعل جمهرة الشباب من المتخرجين وممن لا يزالون يتعلمون يسيرون باتجاه مناقض للإسلام .
ولا نعني هنا البرامج العلمية والصناعية فهي عالمية لجميع الناس لا تختص بأمة من الأمم ، وإنما نعني البرامج الثقافية التي تؤثر في وجهة النظر في الحياة كالتاريخ والأدب والفلسفة والتشريع , إذ استطاع الكافر المستعمر تكوين عقلية أبناء المسلمين تكوينا خاصا أبعدهم بذلك عن دينهم وجعل بعضهم لا يشعر بضرورة وجود الإسلام في حياته وحياة أمته مما أدى إلى الجهل بالإسلام خاصة ما يتعلق بكيفية النهضة وتطبيق الإسلام في معترك الحياة, والجهل بنظام الحكم في الإسلام والنظام الإجتماعي والإقتصادي والأسسس التي يقوم عليها التعليم وسائر أنظمة الحياة .
4- عقم هذه المناهج التدريسية القائمة على الفكرة الرأسمالية من أجل إبعاد المسلمين عن ثقافتهم وقتل الإبداع فيهم .
5- تقصير الدويلات القائمة في العالم الإسلامي التي تنفذ ما يريد الكافر المستعمر .
6- إضعاف اللغة العربية عند المسلمين وفصل طاقتها عن الطاقة الإسلامية لما فيهما من القدرة على التوسع والتأثير والإنتشار نتج عنه إضعاف فهم المسلمين للإسلام وإضعاف تطبيقه إذ أن اللغة العربية هي لغة القرآن ووعاء الدين بما لها من خصائص ومميزات تجعلها في طليعة لغة البشر قاطبة , قال تعالى :{ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }يوسف (2)
وكانت اللغة العربية تحظى بالإهتمام البالغ فهي اللغة الرسمية للدولة تُكتب بها دواوين الدولة , وهي لغة الإجتهاد الشرعي حيث استنباط الأحكام الشرعية وفهم النصوص الشرعية ،
فما لم تُمزج الطاقة العربية بالإسلامية بأن تُجعل اللغة العربية – لغة الإسلام- جزءا جوهريا لا ينفصل عنه فسيبقى الإنحطاط يهوي بالمسلمين ، لأنها الطاقة اللغوية التي حملت طاقة الإسلام فامتزجت بها , بحيث لا يمكن أداء الإسلام أداءاً كاملا إلا بها
ولكن عندما أهملت اللغة العربية بتخطيط وتدبير أعداء الإسلام الذين شنوا الحملة الشعواء المغرضة على الإسلام وأهله ولغته لإبقاء باب الإجتهاد مغلقاً ومفقوداً . ولا يمكن الإجتهاد في الشرع إلا بلغة القرآن اللغة العربية ، لأنها شرط أساسي فيه . والإجتهاد ضروري للأمة ولنهضتها وتقدمها فلا تقدم للأمة إلا بوجود الإجتهاد .
.
وحرّضوا أبناء المسلمين على فصل اللغة العربية عن الدين الذي لا يُفهم إلا بها لمسايرة العصر .
وليس هذا فحسب بل بتدريس اللغة العربية بشكل ثانوي مع عدم إعطاء الوقت الكافي لها في حين تعطى اللغات الأجنبية الحظ الأوفر في المناهج العقيمة , ناهيك عن عدم ربطها بكتاب الله – عز وجل – القرآن الكريم .
7- وجود حشد من العلماء والمتعلمين والمفكرين والسياسيين الذين يدرسون الإسلام بطريقة تخالف طريقة الإسلام الدراسية أن تُدرًّس أحكام الشريعة كمسائل عملية للتطبيق من قِبل الدولة فيما يختص بها , ومن قِبل الفرد فيما هو من شأنه.
يدرسون الإسلام للعلم النظري المجرد , كأنه فلسفة خيالية . وبذلك صارت الأحكام الشرعية فرضية غير عملية
وصار الشرع يُدرّس مسائل روحية وخُلُقية , وليس أحكاما تعالج مشاكل الحياة . ويُدعى إليه بطريقة يغلب عليها الوعظ والإرشاد بخطب مملولة مكررة سطحية مبتذلة
8- وإمعانا في زيادة انحطاط الأمة وتجهيلهم فقد استخدم الكافر المستعمر الإعلام لقلب الحقائق وإظهار الأمور على عكس ما هي عليه وروج لطريقة عيشه في الحياة بحيث تبدو كأنها مثال يحتذى وأنها الطريق الصحيح لإخراج بلادنا مما هي فيه من تخلف وانحطاط ، ولا يزال الغرب يقوم بدوره من غير أن يتوانى في ذلك يحارب الإسلام ويشوه الحقائق خاصة فيما يتعلق بأحكام الخلافة ومحاربة العاملين لها ووصمهم بالإرهاب والتطرف والرجعية والتخلف .


هذا هو الحال الذي وصل إليه المسلمون بعد سقوط الخلافة وزوالها
إن الوضع الذي عليه الأمة الإسلامية اليوم ليس له إلا علاج واحد، أن تؤخذ العقيدة الإسلامية بوصفها فكرة سياسية إسلامية لتقام حياة الناس والعلاقات على أساسها، وهذا يلزم أن يستمر عمل العاملين في حزب سياسي لتركيز هذه العقيدة بمفهومها السياسي في الأمة، ، وستبدأ الأمة قطعا السير في طريق النهضة والتحرير،
وهي السبيل الوحيد للنهضة والإرتقاء الفكري لتكون الأمة الإسلامية في مقدمة الأمم كما كانت من قبل حاملة رسالة الهدى والنور إلى العالم أجمع متقدمة في جميع المجالات وفيها حشد من المبدعين والمجتهدين والمفكرين .
قال تعالى :{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}آل عمران (110)

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

إني عامل معكم يا دعاة الخلافة فاسمعون
قال تعالى (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ. وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ. إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ. وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ. إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)
توقفت عند هذه الآيات أتدبر وأتفكر، وكأني أعيش واقع هذا الآيات الكريمات، خاصة أن هذه الأيام هي ذكرى سقوط دولة الإسلام الذي كان فيها عزنا ومرضاة ربنا وتحكيم شرعه القويم. توقفت عند هذه الآيات وكأني أسمع وأرى الشهيد حبيب الأنطاكي الذي جاء من أقصا المدينة يسعى، يسعى إلي وإلى أمة الإسلام، يدعوني ويدعو أمة الإسلام إلى اتباع المرسلين، يدعونا إلى الالتزام بعقيدة الإسلام الحقة، يدعونا إلى تحكيم شرع ربنا الذي أوحى به إلى خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، يدعونا إلى العمل مع العاملين إلى استئناف الحياة الإسلامية الذين لا يسألون الناس أجرا وهم مهتدون، يدعونا إلى مؤازرتهم ونصرتهم، يدعونا إلى الأخذ بيدهم، يدعونا إلى الالتفاف حولهم.
ثم تفكرت بالذي علي وعلى أمة الإسلام فعله تجاه داعي الخير الذي جاء من أقصا المدينة يسعى. أأستسلم لما يزين لي الشيطان من خنوع وجبن؟ أأركن إلى الأرض؟ أأستجيب لوسوسة الشيطان وهو يقول لي مالك ولهؤلاء الغرباء؟ هل تستطيع الوقوف أمام زبانية الحكام؟ هل تقوى على السجن؟ هل تقوى على التعذيب المفضي أحيانا إلى الموت؟ أأقف متفرجا وشباب الإسلام يعذبون ويهددون ويشردون ويقتلون لقولهم ربنا الله؟ أوليس هؤلاء الحكام وزبانيتهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم إذا وقع بهم؟ هل هم يسهرون على رعايتنا وحمايتنا؟ لماذا خلقت؟ وهل خلقت سدى؟ وهل سأحاسب يوم القيامة كما يحاسب هؤلاء الدعاة؟ ماذا يأمرني ربي في هذا الموقف؟ ألم يأمرني ربي كما أمر غيري بنصرة أوليائه وعباده؟ أليس التقاعس في مثل هذا الموقف إثم وخيانة؟ ألست مسؤولا عن موقف المتفرج؟ ماذا سأقول لربي يوم لا ينفع مال ولا بنون؟ ماذا سأقول لربي يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها؟ أأكون كمثل الحبيب الأنطاكي الشهيد الصابر الفائز بالجنة ونعيمها، أم أكون مع من عميت قلوبهم قبل عيونهم، واستهان بأمر الله، وشرع الله، ودعاة الله، فاستحق العذاب في الدنيا والآخرة من العزيز الجبار كما استحقها قوم حبيب الأنطاكي؟
فانهض أخي، وانفض عنك غبار الذل. ولتكن لك إرادة قوية لا يعيقها عائق. وقل بنبرة الأبطال الذين لا يخشون في الله لومة لائم (إني عامل معكم يا دعاة الخلافة فاسمعون)
كتبه للإذاعة : أبو أنس
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

(( ألاعيب السياسة الأمريكية ))
لم تكن الدول الاستعمارية الكافرة في يوم من الأيام بمنأى عن الأساليب الشيطانية التي تتبعها لفرض هيمنتها على الشعوب المستضعفة و خاصة التي تناصبها العداء ، لذلك لا بد من الوعي على مثل هذه الألاعيب و كشفها حتى لا تنطلي على الأمة و تنأى بنفسها عن الوقوع بها ، و من ثم تسير في طريق الارتقاء و الوحدة و العزة .
و لما رأت أمريكا بعد غزوها للعراق و احتلاله اشتداد المقاومة العراقية و ازدياد ضربات المجاهدين ، و وقوع الآلآف من جنودها قتلى و جرحى ، و صعوبة خروجها من المستنقع العراقي ، فلا هي تستطيع الانسحاب السريع فيظهر ضعفها و تفقد هيبتها و مكانتها ، و لا هي تستطيع البقاء فتتحمل المزيد من الخسائر المادية و المعنوية ، لذلك لجأت أمريكا إلى أسلوب خبيث و ماكر كي تضعف المقاومة و تفقدها قاعدتها و شعبيتها بأن أرهبت سنة العراق بالخطر الإيراني الداهم على العراق و المنطقة ، و تغاضت عن لا بل شجعت الدعم الإيراني المقدم لبعض المجاميع و الميليشيات و الأحزاب العراقية الشيعية و إمدادهم بالمال و السلاح ، بل كشفت أمريكا بعض هذا الدعم كي يلمس سنة العراق الدعم الإيراني لشيعة العراق و حكامه ، و تغاضت أمريكا كذلك عن بعض أعمال القتل و التعذيب و الترهيب التي تقوم بها بعض الميليشيات المدعومة من إيران سواء كانت داخل السلطة أو خارجها ، مما جعل سنة العراق يلجأون إلى القوات الأمريكية و يحتمون بها و يفضلونها على حكم و سلطة هذه الميليشيات و الأحزاب ، و خُيّل إليهم أن أمريكا – و يا للأسف – أرحم لهم من أخوة لهم في الدين كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً و هو في الحقيقة وهمٌ و خداع .
فكما هي حال الدول الإستعمارية الكافرة في تغذية الصراع و إيقاظ الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة ، فكذلك كانت أمريكا و ما زالت تغذي هذا الصراع و تشعل نار الفتنة ، و ترهب الشيعة بالسنة و تُؤجج في صدورهم العداوة و البغضاء على أخوة لهم في العقيدة ، كذلك استطاعت أمريكا أن تاخذ إلى جانبها سنة العراق و بذلك استطاعت أمريكا أن تروّض الحصانين الشيعي و السني – و يا للأسف – و استطاعت أن تُضعف المقاومة بإفقادها قاعدتها الشعبية و تأليب العشائر السنية ضدها ، و ذلك بشراء ذمم رؤساء هذه العشائر بالمال و بمتاع الدنيا الزائل ، فوُجد ما يسمى بمجالس الصحوة في مناطق متعددة من العراق و خاصة في منطقة الأنبار التي كانت معقلاً للمقاومة العراقية ، و أخذت هذه المجالس تضم إلى صفوفها الكثير من أبناء المناطق و تتصدى لبعض فصائل المقاومة ، و لقد ساعد على هذا التحول الأخطاء التي وقعت بها بعض فصائل المقاومة من الإعتداء على المدنيين و التسرع في إعلان دولة العراق الإسلامية قبل التحرير و طرد المحتل .
و كان الواجب على مسلمي العراق بسنته و شيعته التمسك بأحكام الشرع الحنيف و أن يدركوا بأنهم جميعاً في مركب واحد و أمامهم عدو واحد ، و أن يكون ولاؤهم لله وحده لا للكافر المحتل، و أن يُبقوا على شعلة الجهاد و المقاومة لأن المحتل لن يخرج إلا بضربات المجاهدين و صبر المقاومين و وحدتهم و وعيهم و تجنبهم الأخطاء القاتلة و المعارك الجانبية و تكاتف الأمة معهم ،
و أن يبقى المحتل عدواً للأمة بكل فئاتها و أطيافها و أن يبقى الوعي على أساليبه الجهنمية و مخططاته الشيطانية واجباً حتى لا تقع الأمة بها و تنطلي عليها ، و ما أمانيه و وعوده إلا أماني و وعود زائفة لا يريد بها الخير لهذه الأمة بل يضمر لها كل الشر و صدق الله العظيم حيث يقول في كتابه العزيز " و مَنْ يَتّخِذِ الشيطانَ وليّاً مِنْ دونِ الله فقد خَسِرَ خُسْراناً مُبيناً ، يَعِدُهُمْ و يُمَنّيهِِمْ و ما يَعِدُهُمُ الشيطانُ إلا غُروراً " صدق الله العظيم ( سورة النساء آية 119 ، 120 ) . ابو عامر
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحق يعلو رغم كل مداج

والفجر يبزغ بعد ليل داجِ

لا يستقيم الأمر دون ركوبه

فالبحر لا يخلو من الأمواجِ

الحمد لله الذي من فضله

يهدي العباد لنوره الوهاج

يا رب تاقت للعلا أرواحنا

فارحم إلهي من لمجدك راجي

من نور وجهك أشرقت أفلاكنا

وبظل جاهك نحتمي ونناجي

أنت الذي علمتنا سبل الهدى

ودللتنا لسلامة المنهاج

وهديتنا لطريقة محمودةٍ

كانت لنا نورا بغير سراج

جمعت على الفكر القويم قلوبنا

من كل ناحية وكل فجاج

منها استقامت للعلا أفهامنا

وبها سنسكن عالي الأبراج

هي كتلة الحق التي في ظلها

نصبو لخير مكانة ونتاج

جاءت بأمر الله دون تكلف

موشية برصائع من عاج

تهدي جناها من نقاء جنانها

ونقاؤها كالماء في الأفلاج

حار العدو لحسنها وبهائها

فأحاطها من جهله بسياج

لكنها كسرت رتاج سياجها

وتجاوزت قيد العدا برواج

سنن المليك وحكمه ومراده

أن يحرم الباغون إرث التاج

ويعود للدين القويم مكانه

بعزيمة أعيت على الأعلاج

من فتية ربطوا الكرامة بالتقى

والصبر والإيمان دون حراج

قد أخلصوا لله نصح رفاقهم

وتحصنوا من كل ذات مزاجِ

وتحملوا كل الأذى ليقينهم

بالنصر والتمكين والإبهاج

ليسو كمن طعن العباد بفكرة

مسمومة ليست بذات علاج

وتعلموا لا للسلاح لعلمهم

أن الهدى بالفهم والإنضاج

فطريقة الهادي سلاح عقولهم

وسميرهم في وحشة الإدلاج




   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

المهرجان الحرام

أخذ مهرجان الأردن الغنائي حيزاً لا بأس به من جهد السياسيين والنقابيين والمثقفين والهيئات في الأردن حيث علت الأصوات المطالبة بإلغاء المهرجان أو مقاطعته ولكن للأسف الشديد لقد كان الاعتراض على المهرجان منطلقاً من زاوية خاطئة وهي علاقة المهرجان تنظيمياً بيهود وعلاقة المشاركين فيه بيهود.
فمن المعروف أن هذا المهرجان حشد كبير للفسق والفجور والعصيان ونشر الرذيلة وأن المشاركين فيه ما هم إلا مجموعات من الفاسدين والفاسقين والمفسدات المنحرفات اللواتي احترفن التمايل والتعري.
فهل كان المهرجان ليكون غير محرم لو أن هؤلاء المشاركين غير مطبعين مع إسرائيل؟ هل كان ليكون غير محرم لو كان المشاركون أجانب غير مؤيدين لإسرائيل؟ هل كان ليكون غير محرم لو كانت الشركة المنظمة أردنية خالصة؟ كان يجب على هذه الهيئات الثقافية واللجان والأحزاب السياسية وبالأخص الإسلامية أن ترفض فكرة وجود مثل هذا المهرجان أصلاً حتى لو كان كل المشاركين أعداء لإسرائيل أو كانت الشركة المنظمة شركة أصحابها مسلمون لأنه مخالفة شرعية واضحة، فيه إثم كبير، لا أن يطالب حزب إسلامي في بيانه كما جاء في جريدة السبيل الحكومة "بالعودة إلى جهات وطنية تنتمي لثقافة الأمة وموروثها الحضاري لإدارة مهرجان يعبّر عن الأردن" فماذا يريد؟ أن يُدار مثل هذا المهرجان من قبل كلية الدعوة وأصول الدين أم يشكل له هيئة علماء ليستثنوا من المتعريات فقط من كان لها علاقة بإسرائيل أم يريدون تشكيل لجنة عليا شرعية لإدارة مهرجان الأردن الغنائي والذي وصفه البيان كما جاء في جريدة السبيل "أن المهرجان "تهاوى" بسبب تخطيط متسرع وإجراء يفتقد الحكمة" ما لكم كيف تحكمون؟
أوليس هذا تأييداً لوجود مثل هذه المهرجانات لو كانت الشركة الأردنية هي المنظمة أو كان المشاركون الفاسدون المفسدون كلهم من أعداء إسرائيل أو ليسوا مطبعين معها؟
فإلى الهيئات الثقافية والأحزاب الموقعة على البيان أقول: أليس كأس الخمر حراماً بغض النظر عمّن قدّمه أو شربه؟ ألا يبقى حراماً لو قدمه مسلم إلى مسلم، أو مسلم إلى كافر أو العكس؟ ألا يبقى حراماً، وإن قدمه ملكٌ لخادم أو رئيس لمرؤوس؟
أوليس الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي؟ أين أنتم من هذا وأنتم تعلمون أن دولتكم وحكومتكم نجحت في جرّكم نحو كيفية معينة في النظرة إلى المهرجان تخدمها سياسياً في هذه المرحلة، وكانت حريصة أن لا يكون رأي الإسلام في المهرجان أصلاً موجوداً في بياناتكم واقتراحاتكم؟
عذراً رسول الله منك فقد وصفتَ بلادنا بأنها أرض الحشد والرباط إلى يوم القيامة. والنظام في الأردن والتافهون معه يريدون بلادنا ملتقىً للفسق والفجور والعصيان؛ يريدونها وجهة للمنحرفين والمفسدين ومن عُمِّي على عيونهم وأُقفل على قلوبهم.
عذراً منك رسول الله أنت وأصحابك
وأخيراً ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا وأعنّا على نصرة دينك والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الخلافة التي ستنهي كل هذه المهازل التي تمارَس على أرض الإسلام.
ممدوح أبو سوا قطيشات
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحفاظ على أمن البلد مسؤولية من......؟!!!!
(ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29))

يوما بعد يوم يثبت النظام في الأردن وحكوماته المتعاقبة أنهم ليسوا أهلا لأن يقودوا أنفسهم عدا عن أن يقودوا غيرهم، وأنهم يعملون بكل جد وجهد لخدمة أسيادهم على حساب الأمة ببيع ما تبقى من الأرض والثروات دون أن يعيروا الأمة أي اهتمام، إن هذا الكيان منذ تأسيسه إلى اليوم والقائمون عليه يعتبرون أنفسهم الأوصياء الشرعيين الذين لا يقبلون النصيحة ولا يسمعون رأيا مخلصا وهم فوق المسائلة، لأنهم مأمورون، فهم الذين أغرقوا البلاد في الديون التي أنفقوها على أنفسهم وعلى مشاريعهم الخاصة بحجة التنمية والتطوير وها هي الأردن بعد كل هذه العقود تقف في مؤخرة الركب في المشاريع الصناعية والزراعية وغيرها، فبعد أن كان فائض إنتاج الأردن في ستينيات القرن المنصرم من القمح يزيد على النصف مليون طن، ها هو اليوم يستورد ما يوازي ذلك، والكيانات التي ظهرت في جنوب شرق آسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، والتي يقل عمرها عن عمر هذا الكيان، أقامت مصانع ضخمة شملت كافة أنواع الصناعات المدنية والعسكرية من صناعة الطائرات والدبابات والصواريخ الباليستية وعابرة القارات ومن صناعات إلكترونية وغيرها، ونحن بفضل هذه الزعامات لا ننتج إلا البسكويت بآلات ومواد أولية مصنعة في الخارج.
وليس هذا فحسب بل إن الثروات في باطن الأرض تنهبها الدول الأجنبية بأبخس الأثمان مقابل دفع أجرة العمالة الرخيصة في بلادنا؛ فالفوسفات في منطقة الأبيض يُشتَرى من قبل بعض الدول كفرنسا من أجل اليورانيوم الذي يحتويه، بأسعار الفوسفات العادي، والأمثلة غيرها كثيرة، ووجود ثروات غير مستغلة مع وجود الحاجة لها كالصخر الزيتي الذي يقدر احتياطي الأردن منه بـ 40 مليار طن، كما أن طريقة استخراج الزيت منه سهلة ولها مزايا إضافية ومادة الكبريت والفسفور الذي يتبقى من حرق الزيت الصخري يمكن استخدامها في إنتاج الأسمدة الكيماوية وخاصة أن الأردن يملك طاقة ممتازة من البوتاس، حسب خبير النفط العالمي ومستشار البنك الدولي لشؤون الطاقة د.ممدوح سلامة.
أما عن تخلي الدولة عن مسؤولياتها بحجة الخصخصة التي شملت كل شيء وعن بيعها لأرض الميناء ومرتفعات اليمنية في العقبة، والأخبار التي يتناقلها المقربون من القصر والحكومة عن بيع المدينة الطبية ومنطقة دابوق والعبدلي... بكل ما فيها لمستثمرين بأسماء عربية وجنسيات أجنبية فحدِّث ولا حرج، وإذا ما سألت مسؤولا في النظام عن ذلك فإنه ينفي أن يكون له يد في عمليات البيع وأن المسؤول هو الحكومة وهي تفعل ذلك لمصلحة البلد والناس. أيّ مصلحة في بيع الأملاك العامة والخاصة للأجنبي؟ وأين تذهب أثمان هذه البيوعات والخصخصات والضرائب التي بلغت المئات ابتداء من ضريبة الجمارك وليس انتهاء بضريبة المبيعات على السلعة الواحدة؟ أين يذهب القائمون على النظام بهذه العائدات إذا كانت الدولة قد رفعت الدعم حتى عن حليب الأطفال؟؟!.
أيها المسلمون:
هذا هو النظام العفن الذي يطبق عليكم وها هم الفاسدون القائمون عليه، فإلى متى الخنوع والاستسلام لهؤلاء، ألم يأن لكم أن تنصروا الله وتتداركوا الأمر قبل استفحاله، وتقفوا وقفة عز تستبدلون فيها الإسلام بنظام الكفر والمخلصين بالعملاء المأجورين ترضون بذلك ربكم وتبتعدون عن سخطه (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162))
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أميركا بين تورطها عسكريا وفشلها سياسياً

إن تصريح رئيس أركان الجيش الأمريكي الأسبوع الفائت، حيث قال: (إن اشتراك أمركا في حرب ثالثة يعني إدخال الاضطراب إلى صفوف الجيش الأمريكي.. الخ؛ هذا التصريح له أبعاد سياسية متعددة.
وقبل أن نأتي إلى ذكر شيء من هذه الأبعاد لا بد لنا من كلمة حول سياسة أمريكا الخارجية: فأميركا اعتادت وهي تتطلع إلى سيادة العالم- عندما تقوم بتحقيق مصلحة أوالمحافظة على مصلحة أن تنجز ذلك بعمل عسكري، وشواهد ذلك كثيرة.
ولكن عندما ظهر اختلال في التوازن الدولي واضطراب على الموقف الدولي تبين أن أي عمل عسكري تقوم به إنما يوقعها في ورطة.
فها هي تعاني من ورطتها في العراق وفي أفغانستان، وإذا أضفنا إلى كل هذا موضوع البرنامج النووي الإيراني، ومواقف أوروبا والتهديديات المتتالية من إسرائيل وإصرارها على منع إيران من امتلاكها سلاحاً نووياً؛ نرى أن تصريح رئيس الأركان الأمريكي المذكور يكون من أهم أبعاده السياسية موضوع برنامج إيران النووي، فتهديدات إسرائيل كانت مشفوعة بمناوراتها في البحر المتوسط قبل أسبوعين حيث اشتركت مئة طائرة حربية إسرائيلية مقاتلة في هذه المناورات، مع التصريح بأنها مناورات للاستعداد لضرب منشآت إيران النووية.
وسبق ذلك أن قامت الطائرات لاإسرائيلية عبر تركيا بضرب ما يقال إنه منشأة نووية سورية في دير الزور. ويرى المراقبون أن هذه الضربة هي (بروفة) لضرب منشآت إيران النووية.
ولذلك فأميركا لا بد أن يكون لها موقف لحماية ذراعها الفاعل في المنطقة، وهي إيران، أما ما يشاع إعلامياً من أن أمريكا ستضرب إيران، فما ذلك إلا ليبقى زمام المبادرة في يدها، فمن الممكن أن تقوم أمريكا بالاتفاق مع إيران على ضربة هامشية لإيران لإجهاض المخطط الأوروبي الإسرائيلي لضرب إيران.
فمن الدلالات السياسية لهذا التصريح أن أمريكا في ورطة جراء أعمالها العسكرية سواء في العراق أو في إيران. كما ينبئ هذا التصريح أن الفشل هو حليف السياسة الأمريكية لتراكم المشاكل وتعقيدها واستعصائها على الحل، كما يشير هذا التصريح إلى أن المواجهة السياسية بين أمريكا واوروبا إنما تسير في تقدم مطرد لصالح أوربا.
فكيف بها عند قيام دولة الخلافة قريبا وقد أصيبت سفاراتها وسياسيوها بشكل تام، واصطدمت بأزمة بترولية حادة تسد عليها كل تفكيرها.
إنها بدايات النهاية لعظمة أمريكا.
أبو غازي 6/7/2008
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مع القرآن الكريم:
في ظل الخلافة الراشدة الموعودة
التمكين، والأمن، والاستقامة

في ذكرى هدم الخلافة السادسة والثمانين، لا نريد أن نقف في هذه المحطة، نندب حظّنا ونتأسّى على هذه الفاجعة العظيمة أو نتأوه عليها، ونتمنى عودة ماضيها المشرق فقط، ولكن نريد أن نذكُر أموراً تبعث الأمل في النفوس، وتحيي الهمم الميّتة، وتدفع الهمم الضعيفةَ قُدماً للأمام، وذلك بذكر حقائق عن موعود الله عز وجل -عن الخلافة الراشدة الموعودة- بعد قيامها وتحقّقها في أرض الواقع.
فالخلافة الراشدة الموعودة أصبحت بإذنه تعالى ومنّه وكرمه حقيقةً واقعةً، وأصبحت كل مقوّمات قيامها موجودةً والحمد لله في أرض الواقع، ولم يبق إلاّ إذنُ المولى عزّ وجل بقيامها في بقعةٍ من الأرض هو أعلم بها.
=================================================================
يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه العزيز، وهو أصدق القائلين: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور 55].
هذه الآية الكريمة من سورة النور، فيها من النور الساطع الوضّاء، ومن المعاني المعبرة الدافقة، ومن الركائز والأسس الإيمانية، ومن الدروس والعبر والعظات، الشيء الكثير الكثير.
فقد اشتملت هذه الآية المباركة النورانية المنيرة النيرة على بشرى النصر والاستخلاف بوعد الله سبحانه وتعالى في ذلك، وعلى شروط هذا الوعد الإلهي المنظور في الفئة المؤمنة المستحقّة لهذا الشرف العالي السامي وهذه المكرمة الرفيعة، وعلى صفات الخلافة المرتقبة المنظورة، وعلى شروط استمرارية هذه الخلافة وبقائها في الأرض، واشتملت كذلك في خاتمة الآية على العقوبة المترتبة على ضياع هذه الخلافة في الدنيا والآخرة (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، أي من كفر بهذا الفرض العظيم (بهذه النعمة) -سواء أكان ذلك بإضاعته، أم بالتقصير في إعادته لأرض الواقع مرة أخرى- استحقّ غضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة -بسبب عصيانه وفسقه- كما أخبر الله ورسوله في كثيرٍ من الشواهد...
والحقيقة، إن هذه الآية النورانية بحر زاخر بالمعاني، ومحيط واسع من البلاغة المعبرة الدقيقة. وسنقف في موضوعنا هذا عند الشق الثاني من معاني هذه الآية العظيمة، وهو:
صفات هذه الخلافة المرتقبة الموعودة ليكون ذلك نوراً وطمأنينة وقوةً دافعةً لنا في هذا الطريق العظيم (طريق حمل الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية).
فهذا الشطر من الآية الكريمة (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) يتحدث عن صفات هذه الخلافة المرتقبة في أرض الواقع -أي في حياة الناس، وفي الدولة والمجتمع- وهي ثلاث صفات عظيمة، كل صفة منها فيها معانٍ وإرشادات دعوية عظيمة، وسنقف في هذه المقالة -بإذنه تعالى- عندها بشيء من التفصيل المختصر.
أولاً: التمكين، وقد ذكر الحقّ تعالى هذه الصفة في قوله (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) ومن المعاني المعبرة العظيمة في هذا القول الرباني السامي:
1- نسبة التمكين إلى الله تبارك وتعالى لا إلى أحد سواه.
فالاستخلاف الذي وفّاه الحق تبارك وتعالى بوعده: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ) قد ربطه الحق تعالى بإرادته وقدرته ومنّتِه (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا) [غافر 51]، (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) [القصص 5]، (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران 126]، أي قد جعل الحق تعالى سبب النصر منه وحده.
وكذلك التمكين في هذا الاستخلاف قد ربطه الله تبارك وتعالى بقدرته وعظمته، وفي هذا دروس وعبر كثيرة لحامل الدعوة، منها أن النصر بالاستخلاف هو من الله تعالى لا من أحد سواه، وأن استمرارية هذا الاستخلاف وصموده وبقاءه في وجه العتاة المجرمين الظالمين من ملّة الكفر، هو من الله كذلك لا من أحد سواه، وهذا مدعاة لتقوية الصلة مع الله دائماً، ورفع الأبصار بالتوجه إليه دائماً بعد كلّ واجبٍ أو مندوب في طريق العمل لاستئناف الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة، والاستناد دائماً إلى قوته تعالى في وجه كل الصعوبات مهما كانت كبيرة، ومهما كانت قوة الدول وراءها من حيث القوة النووية أو الذرية أو غيرها من أسباب قوة الأرض!! وفي هذا أريد أن أقف قليلاً عند بعض المتخوّفين من حملة الدعوة على مستقبل هذه الخلافة، وعند بعض المتشكّكين من قدرة هذه الدولة على الوقوف على أقدامها في وجه أميركا وروسيا والصين ودول أوروبا وغيرها من الدول الحريصة على إطفاء نور الله من الأرض، وإزالة أي قوةٍ تهدد مبادئهم الساقطة الهابطة السقيمة!!
فأقول لهؤلاء وهؤلاء: أن الراعي والحامي لهذا الاستخلاف هو الله تعالى، وأن الضامن لاستمرارية التمكين والصمود في وجه الكفار هو الله تعالى كذلك... فمن من البشر يقف في طريق العظمة الإلهية؟! ومن يستطيع أن ينتصر على إرادة الله تبارك وتعالى؟! ومن من أصحاب القوة والسلطان يستطيع أن يطاول ويوازي قوة الله وعظمتَه وسلطانه؟! من يستطيع أن يهدم صرحاً رعاه الله بعنايته وعطفه لعباده المؤمنين الصادقين المخلصين؟!
2- المعنى المعبّرُ الثاني في هذه الآية الكريمة، في هذه الكلمة الجامعة المانعة (التمكين) هو حقيقة التمكين في الأرض.
فمعنى التمكين كما ورد في لغة العرب الفصحاء: القوة والاستقرار والقدرة. ورد في لسان العرب: تقول العرب: إن بني فلان لذو مكنة من السلطان، أي تمكّن، قال ابن سيده: وقد مكن مكانة فهو مكين والجمع مكناء. قال الجوهري: تمكن من الشيء واستمكن، أي ظفر، وفلان لا يمكنه النهوض: أي لا يقدر.
والحقيقة، إن هذا التمكين الموعود من الله تبارك وتعالى في ظلّ الخلافة الراشدة له معان عميقة معبرة وأولها:
إن التمكين في الدين يشمل الإسلام كدين (مبدأ) ويشمل قوة الدولة المادية؛ لأن الإسلام كما نعلم دين ومنه الدولة. وفي هذا دلالة عظيمة على سعة العلوم وكثرتها في ظلّ هذه الدولة، سواء منها ما تعلق بعلوم الدين الشرعية أم بالعلوم الأخرى المدنيّة.
وفيه إشارة كذلك لعودة الازدهار العلمي الذي حظيت به أمة الإسلام في العصور الزاخرة الزاهرة المزهرة!!
وفيه إشارة كذلك لعودة الدولة الإسلامية -كما كانت- أول دولة من حيث التقدم العلمي والاختراعات والاكتشافات ودور البحث العلمي.
وفي التمكين إشارة أيضاً إلى عظمة قوة الدولة العسكرية؛ لأن المكْنة، وهي القوة والمنعة، لا تكون إلا بأدوات القوّة والمنعة من الاستعداد العسكري. فالدولة التي ستقف أمام جبروت الكفار وآلته العسكرية الضخمة، ستكون حتماً صاحبة مكْنةٍ أكبر من تلك التي في يد عدوها، سواء في الناحية المادية أو الناحية المعنويّة عند الأمة.
وفي التمكين أيضاً إشارة إلى القوة الاقتصادية والرفاه وبحبوحة العيش في رحاب هذه المكنة العظيمة. فالقوة المادية والمعنوية، والتقدم العلمي والصناعي، يحتاج إلى سندٍ عريضٍ من القوة الاقتصادية، وفي هذا إشارة إلى الاقتصاد العظيم الذي ستحظى به هذه الدولة في ظلّ الخلافة الراشدة الموعودة.
3- المعنى الثالث في موضوع التمكين هو: الارتباط الوثيق في الآية الكريمة ما بين التمكين وما بين الالتزام والتقوى بالدين الذي أراده الله، أي الإسلام المستقيم (دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)، فالتمكين ليس لأي دين يريده الناس أو يرضونه لأنفسهم منهجاً في الحياة، من ديمقراطية أو وطنية أو ارتباطٍ بالطين والتراب ومتع الحياة الدنيا.
وهناك إشارة بلاغية في نسبة الدين إلى الناس، ونسبة الرضا عن هذا الدين إلى الله تعالى. وهي أن الدين هو تطبيق في الحياة وعبادة والتزام وطاعة، وهو للناس من حيث (الاتباع والالتزام) أي أن الناس يدينون لله بهذا المنهج الرباني، ولذلك نسبه هنا للبشر، ونسب الرضا له سبحانه، وفي ذلك إشارة أن هذا الدين هو ليس أي دين إنما هو وصف محدد، وهو دين الله الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام دون تحريف ولا تخريف ولا اعوجاج ولا إرضاءٍ للبشر!!
فالتمكين في هذه الآية مستمرٌ وباقٍ ما بقي الالتزام بدين الله الذي ارتضاه لعباده؛ عبادةً وتطبيقاً في الحياة وحملاً للشعوب والأمم الأخرى.
ثانياً: الأمن، وقد ذكره الحق تعالى في قوله (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).
والحقيقة، إن هذه الفقرة من هذه الآية العظيمة فيها معانٍ كثيرة سنقف على ما يلزمنا كحملة دعوة منها. من هذه المعاني:
1- في الآية إشارة إلى الحياة السابقة لقيام الدولة في ظل أحكام الكفر والضلال والاعوجاج، وإلى صفات هذه الحياة النشاز، ومن ذلك غياب الأمن من حياة الناس وانتشار الخوف والقلق على كل شيء: القلق على أسباب الحياة الماديّة، والقلق على النفس من الاعتداء والظلم، والخوف والقلق على الولد والزوجة والمال وعلى كل شيء، والقلق على الرعاية والحماية في حالة الضعف والعجز.
2- الارتباط الحتمي ما بين الحياة الإسلامية والأمن.
فلا يمكن أن يتحقق الأمن إلا في ظل الإسلام، مهما بلغت الدول من أسباب القوة والسطوة والسلطان وبحبوحة العيش.
والسبب أن مقومات الأمن ليست مادية أبداً، إنما هي مقومات روحيّة تتعلق بالمبدأ نفسه وعدالته واستقامته.
فالقوة المادية، بما فيها العسكرية والاقتصادية، إذا لم يكن لها مِقْود صحيح مستقيم فإنها تجمح بأهلها إلى الهاوية، تماماً كما يجمح المركب بأصحابه إذا فقد المقود الصحيح.
وأكبر دليل على ذلك هو حياة الناس في أميركا، فما هي حياة الناس هناك؟! ولماذا لم يتحقق الأمن رغم ما أوتيت أميركا من قوة مادية، عسكرية واقتصادية؟! بل لماذا لم يتحقق ذلك في أكثر دول العالم رفاهية وبحبوحة في العيش مثل السويد وفنلندا، حيث إن أكبر نسبة انتحار في الأرض هي في هذه الدول الغنيّة؟!
أما كيف يكون هذا الأمن في ظل الإسلام، في ظل التمكين بالاستخلاف:
فإن أول أمر للأمن هو المنة الإلهية في ذلك. فالله تعالى يجعل في قلوب المؤمنين من رعايا الدولة الإسلامية الرضا بهذه الدولة التي تقوم على أساس العقيدة الإسلامية، ويجعل في قلوبهم كذلك المودة والتراحم والتعاطف والتقارب فيما بينهم، وهذا من أهم مقومات الأمن، فلا أمن ولا أمان في ظل التنافر والخصومة والبغضاء والتسابق على الرغيف (آكله أنا أو تأكله أنت)، وفي ظل التنافس والتناحر على الشركات العملاقة والبنوك الربوية المسمومة الموبوءة.
والأمر الثاني لهذا الأمن هو سيادة شريعة عادلة مستقيمة في الأرض، بعكس النظم الهابطة النابعة من عقول البشر ونفسياتهم الضعيفة!!
والأمر الثالث هو طمأنينة الإنسان على نفسه وأهله وماله -كما ذكرنا- فلا أمن ولا أمان إذا فقد الإنسان الطمأنينة على هذه الأمور، سواء أكان ذلك في أمور الضرر أم الهلاك أم مقومات العيش وأمور الرعاية الحياتية.
والأمر الرابع في الأمن هو طمأنينة الإنسان على مصيره بعد الموت، فهذا أيضاً له علاقة بتحقق الأمن الدنيوي؛ لأنه يولّدُ في نفس الإنسان الطمأنينة والاستقرار والراحة النفسية والشعور بالأمن والأمان.
ثالثاً: استمرارية الدولة وبقاؤها في ظل الاستقامة. وقد ذكر الحق تعالى هذا المعنى في قوله: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).
وهذه إشارة عظيمة يضعها الحق تعالى أمام أعيننا لتكون لنا ميزاناً في النظر والتبصر في أحوال الدولة، وسرّ بقائها واستمراريتها.
فكما أن الحق تعالى وضع شروطاً لإقامة الدولة في بداية الآية، وهو العمل الصالح الموصل لهذه الدولة بالطريقة الشرعية، والإيمان الراسخ الذي ينبثق منه هذا العمل الصالح، كذلك وضع ميزاناً لاستمرارية هذه الدولة في المستقبل، وهذا الميزان هو العبادة الحقّة بهذا الدين المستقيم كما أراده الله تعالى.
وهنا نريد أن نقف قليلاً عند كلمة عبادة في قوله (يَعْبُدُونَنِي) ومعنى إشراك في كلمة (يُشْرِكُونَ).
فمعنى العبادة كما وردت في لسان العرب لابن منظور هي مطلق الطاعة والانقياد والخضوع والتذلل قال: (وأصل العبوديةِ الخضوع والتذلّلْ، والعبادة الطاعة، وقوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) [المائدة 60]، قال الزجاج: قوله: وعبد الطاغوت، أي أطاعه؛ يعني الشيطان فيما سوّل له وأغراه، وقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) [الفاتحة 5] أي نطيع الطاعة التي نخضع معها، ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، ومنه طريق مُعبّد إذا كان مذلّلاً بكثرة الوطء.
فالعبادة ليست كما يفهمها كثير من الناس على أنها الالتزام بالنواحي التعبدية في جانب العبادات البدنية كالصلاة والصيام والحج... فقط. إنما العبادة التزام كامل عقيدةً وأحكاماً في كل مجالات الحياة.
فيشترط أولاً أن تستقيم العقيدة في العقول والقلوب استقامةً تنفي عنها كلّ الخرافات والخزعبلات والبدع وغير ذلك من عقائد أخرى ليست من جنسها ولا تتّصل بخالق الكون سبحانه وتعالى.
ويشترط كذلك أن تستقيم الدولة (الخلافة) في كل شؤون الحياة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من أمور العبادة. أي يشترط لبقاء التمكين والأمن واستمرارية الخلافة، يشترط الاستقامة على دين الله عز وجل بالعبادة الحقّة الصادقة المستقيمة كما أراد الله في كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام...
ومن هذه الاستقامة ما ذكره الحق تعالى (لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، أي لا يأخذون شيئاً من غيري في أمور العقيدة أو الأحكام، سواء أكان ذلك من عقول الناس وابتكاراتهم، أم مما هو موجود من ألوان الفساد والانحراف والضلال في عقائد موجودة على سطح الأرض..
وفي ختام هذا الموضوع أستبشر بقرب قيام الخلافة الراشدة، بإذنه تعالى، وبقوة هذه الدولة وتمكّنها في الأرض، وباستقامتها على الحق والنور الإلهيّ، وبقرب زوال هذه الأنظمة العفنة الساقطة، سواء ما كان منها في بلاد المسلمين أم في بلاد الكفار.
وأُذكّرهم كذلك مع هذا الاستبشار أن عامل الزمن في تأخير قيام هذه الدولة هو لصالح الدعوة، ولصالح قيام هذه الدولة وتمكينها في الأرض، وفي ذلك منّةٌ من الله تعالى، فنحن نستعجل ذلك لأننا نحب العاجل من الخير، والله تعالى يحب لنا فوق ذلك مولد دولة قوية في الأرض تقف أمام العالم أجمع كالعملاق الذي تتقزّمُ أمامه كل قوى الشر والاعوجاج والضلال.
وهذا ما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأصحابه، رغم استعجالهم لهذا الأمر، ورغم إلحاحهم بذلك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأخيراً أقول بقول المولى عز وجل (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة 33] وبقوله عليه الصلاة والسلام: «سيبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار...».
نسأله تعالى أن يكون ذلك قريباً (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) [الإسراء 51].

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مع القرآن الكريم
وما هو من عند الله
: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران].
ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يخبر تعالى عن اليهود، عليهم لعائن الله، أن منهم فريقاً يحرفون الكلام عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به؛ ليوهموا الجهلة أن في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله، وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وجاء في ظلال القرآن لسيد قطب في تفسير هذه الآية: «وآفة رجال الدين حين يفسدون، أن يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق، باسم أنهم رجال الدين. وهذه الحال التي يذكرها القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب، نعرفها نحن جيداً في زماننا هذا. فهم كانوا يؤولون نصوص كتابهم، ويلوونها لياً؛ ليصلوا منها إلى مقررات معينة، يزعمون أنها مدلول هذه النصوص، وأنها تمثل ما أراده الله منها، بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين الله في أساسها، معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية، وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة، التي يلجئون إليها النصوص إلجاءً.
ونحن اليوم، نعرف هذا النموذج جيداً، في بعض الرجال الذين يُنسَبون إلى الدين ظلماً! الذين يحترفون الدين، ويسخّرونه في تلبية الأهواء كلها، ويحملون النصوص، ويجرون بها وراء هذه الأهواء، حيثما لاح لهم أن هناك مصلحة تتحقق، وأن هناك عَرَضاً من أعراض هذه الدنيا يحصل! يحملون هذه النصوص ، ويلهثون بها وراء تلك الأهواء، ويلوون أعناق هذه النصوص لياً، لتوافق هذه الأهواء السائدة، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ليوافقوا بينه وبين اتجاهات تصادم هذا الدين وحقائقه الأساسية، ويبذلون جهداً لاهثاً في التحمل، وتصيد أدنى ملابسة لفظية ليوافقوا بين مدلول آية قرآنية، وهوى من الأهواء السائدة التي يهمهم تمليقها... ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ كما يحكي القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب سواء. فهي آفة لا يختص بها أهل الكتاب وحدهم، إنما تبتلى بها كل أمة يرخص دين الله فيها على من ينتسبون إليه، حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء التي يعود تمليقها بعرض من أعراض هذه الأرض! وتفسد الذمة حتى ما يتحرج القلب من الكذب على الله، وتحريف كلماته عن مواضيعها لتمليق عبيد الله، ومجاراة أهوائهم المنحرفة، التي تصادم دين الله.. وكأنما كان الله – سبحانه – يحذر الجماعة المسلمة من هذا المزلق الوبيء، الذي انتهى بنزع أمانة القيادة من بني إسرائيل


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مع القرآن الكريم
فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا

: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ، فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 42 - 45]
ذكر سيد قطب في تفسيره لهذه الآيات: «إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه، نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله، وكيف تكون عاقبة تعرضهم له، وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة، ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه؛ فإذا نسوا ما ذكروا به، ولم توجههم الشدة إلى التوجه إلى الله والتضرع له، ولم توجههم النعمة إلى الشكر.. كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لا يرجى معه صلاح، وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لا تصلح معه للبقاء؛ فحقت عليهم كلمة الله، ونزل بساحتهم الدمار الذي لا تنجو منه ديار...
لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم، لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله ويتذللون له، وينزلون عن عنادهم واستكبارهم، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة... ولكنهم لم يفعلوا، ولم يلجأوا إلى الله، وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ما هم فيه من الضلال والعناد: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
والقلب الذي لا ترده الشدة إلى الله قلب تحجر، فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس! وتعطلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه، فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة التي وردته إلى ربه، وكانت رحمةً له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه..
فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل... فإنهم لما نسوا ما ذكروا به، وعلم الله سبحانه أنهم مهلكون... فتح عليهم أبواب كل شيء، للاستدراج بعد الابتلاء.
والتعبير القرآني ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يصور الأرزاق، والخيران، والمتاع، والسلطان... متدفقة كالسيول، بلا حواجز ولا قيود... ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة، واستغرقوا في المتاع بها، والفرح لها، بلا شكر ولا ذكر، وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم، ومن خشيته وتقواه، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع، واستسلموا للشهوات... وتبع كل ذلك فساد النظم والأوضاع، بعد فساد القلوب والأخلاق، وجر هذا وذاك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها... عندئذٍ جاء موعد السنة التي لا تتبدل: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ فكان أخذهم على غرة، وهم في سهوة وسكرة، فإذا هم حائرون، وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ودابر القوم هو آخر واحد منهم، فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى. و﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تعني هنا الذين أشركوا..
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تعقيب على استئصال الظالمين (المشركين)، بعد هذا الاستدراج الإلهي، والكيد المتين... وهل يحمد الله على نعمة، أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين؟ أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير؟
لقد أخذ الله قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، كما أخذ الفراعنة، والإغريق، والرومان، وغيرهم، بهذه السنّة. ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها... هذا التفسير الرباني.
ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة، وكان لها من التمكين في الأرض، وكان لها من الرخاء والمتاع، ما لا يقل عما تتمتع به اليوم أمم، مستغرقة في السلطان والرخاء، والمتاع، مخدوعة بما هي فيه، خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء...
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة، والذين يدورون في فلكها يستدرجهم اللألاء الخاطف، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم، وهي لا تعبد الله، أو لا تعرفه، وهي تتمرد على سلطانه، وهي تعيث في الأرض فساداً.
ويقول سيد قطب رحمه الله: ولقد كنت، في أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأميركية، أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية... تشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب!.. لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك. وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه، وشعورهم بأنه وقف على "الرجل الأبيض"، وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة، وفي وحشية بشعة، وفي صلف على أهل الأرض كلهم، لا يقاس إليه صلف النازية، الذي شهر به اليهود في الأرض كلها، حتى صار علماً على الصلف العنصري، بينما الأميركي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونين من المسلمين... كنت أرى هذا كله، فأذكر الآية، وأتوقع سنة الله، وأكاد أرى خطواتها، وهي تدب إلى الغافلين...
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثه رسول الله ، فهناك ألوان من العذاب باقية. والبشرية، وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء، تذوق منها الكثير... إن العذاب النفسي، والشقاء الروحي، والشذوذ الجنسي، والانحلال الخلقي... الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع، وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء.
وليس هذا كله إلا بداية الطريق. وصدق رسول الله :«إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا، على معاصيه، ما يحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾
غير أنه ينبغي، مع ذلك، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في أمة... ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق... فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد، فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق، ولا يكونون أهله... والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقرّ حاكمية الله في الأرض .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أمريكا تقود العالم إلى مجاعة
"خبر وتعليق"

يوم الخميس 3/7/2008م حثّ رئيس البنك الدولي روبرت زوليك قادة دول مجموعة الثماني الصناعية الكبرى على التحرك سريعاً للحد من تفاقم ظاهرة الفقر في العالم جراء أزمتي الغذاء والوقود. وقال إن المساعدات الغذائية العاجلة المطلوبة تقدر بعشرة مليارات دولار لدعم الدول الفقيرة في مواجهة أثر ارتفاع أسعار الغذاء والوقود.
وحذر زوليك في رسالة وجهها إلى رئيس الوزراء الياباني ياسو فوكودا - الذي يترأس قمة المجموعة في هوكايدو الاثنين القادم - هذه البلدان الصناعية قائلا "إننا ندخل حاليا مرحلة الخطر".
ووصف في الخطاب الذي أُرسلَت نُسخٌ منه إلى قادة الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا وبريطانيا والأمم المتحدة ما يحدث في العالم في هذا الصدد بأنه كارثة من صنع الإنسان.
وقال زوليك إن ارتفاع الأسعار يهدد عددا متزايدا من البلدان بتفاقم الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي، مشيرا إلى أن أعمال شغب اندلعت بالفعل بسبب ارتفاع أسعار الغذاء في ثلاثين بلدا إضافة إلى استشراء الاضطراب بسبب ارتفاع أسعار الوقود. (انتهى الخبر).
إنّ فهم مدلولات تصريح رئيس البنك الدولي زوليك يضعنا في زاوية فهم هذه الأزمة العالمية لارتفاع أسعار الغذاء الأساسي والوقود، ويضعنا كذلك عند ضرورة إدراك دور النظام الرأسمالي العالمي بقيادة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي باتت فعلياً تقود العالم إلى مجاعة حقيقية، ويتبين ذلك فيما يلي:
أولا: حين كانت أسعار النفط تتراوح بين 28 - 35 $ للبرميل كان الاقتصاد العالمي واقتصاديات المناطق كمنطقة اليورو ومنطقة شرق آسيا (اليابان والصين وكوريا الجنوبية) كانت كلها بخير، وحتى اقتصاديات الدول منفردة ومنها الفقيرة كانت بخير إلى حد ما، لكن أميركا بجشعها وطمعها وأنانيتها غيرت واقع العالم حين سمحت لشركات مجمع الطاقة في أمريكا لتبدأ برفع الأسعار والمضاربة في البورصات العالمية مستفيدة من هذا القرار السياسي لتجمع أرباحاً خيالية تاركة شعوب العالم وخاصة الفقيرة في مهب الريح تتهددها المجاعات والأمراض والفناء. لكن أمريكا تعلم أن هذا القرار سيؤثر على الداخل الأمريكي وقد بدأ الأمريكيون يضجون لكن المصلحة الأمريكية كما يراها جورج بوش واليمينيون المحافظون وإلى حد ما الديمقراطيون هي أن تستغني أمريكا عن نفط الشرق الأوسط بالكامل بعد عشرين عاما من الآن.
ثانياً: ولكي تستغني أمريكا عن نفط الشرق الأوسط يجب أن تشجع الأفراد والشركات على إيجاد مصادر طاقة بديلة تكون أرخص من النفط، ولكي تكون أرخص من النفط يجب أن تكون أسعار النفط مرتفعة جداً حتى يبدأ البحث عن البدائل لذلك وصل سعر البرميل ما يقارب 146$ أي خمسة أضعاف سعره حينما كان 28 – 35 $. إن أمريكا ترى أن الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة لها وقد تخرج في يوم من الأيام عن نطاق سيطرتها إذا قامت دولة معادية لها كالدولة الإسلامية مثلا، لذلك يقول جورج بوش: (( علينا أن نوفر مصادر طاقة لمصانعنا ولتدفئة بيوتنا وأن نوفر طاقة لجلودنا لكي تبقى أمريكا مزدهرة، فأمريكا لا يمكن لحاملات طائراتها ولا أساطيلها وقاذفاتها وحركة جنودها أن تستمر بدون طاقة )). وها هي بوادر تأثيرات هذا القرار الأمريكي بدأت تظهر على الاقتصاد العالمي على لسان رئيس البنك الدولي محذرا من انهيار اقتصاديات دول كثيرة وانتشار المجاعة في أنحاء مختلفة من العالم وبخاصة حين بدأت أمريكا فعلاً باستعمال الحبوب والذرة والصويا في إنتاج وقود الإيثانول حيث حفّزت الأسعار المرتفعة للنفط البدءَ باستعمال بدائل جديدة.
ثالثا: إن عالماً تحكمه الرأسمالية الجشعة المتسلطة وعلى رأسها أمريكا لا ينظر للفقراء أو المستضعفين فالمقياس هو النفعية والمصلحة، وتبدأ بمصلحة الدول الغنية – التي وجّه لها زوليك خطابه – على مصلحة الدول الفقيرة ثم مصلحة الأغنياء في البلد الواحد على مصلحة الفقراء فيه، والنتيجة أن من يتحكم في العالم ومستقبل الإنسانية 2% منه هم أغنياؤه. إن الحل أن يبدأ العالم بالبحث عن بديل للرأسمالية وجشعها بما في ذلك أنظمتها وقوانينها ويكون هذا الحل يحترم الإنسانية، ولا مبدأ أقدر على تقديم البديل الحضاري والحل الأنجع إلا مبدأ الإسلام لأنه هو المبدأ الصحيح الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لينقذ الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فإلى العمل لتطبيق هذا المبدأ الصحيح عن طريق دولته دولة الخلافة ندعوكم أيها المسلمون.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ الأعراف: ٩٦


أ . معاذ








3 / 7 / 2008 م    
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

من ثمار الحضارة الغربية - الحلقة الأولى
ويتعجبون لازدياد عدد المصابين بالإيدز
إن من المصائب التي ابتليت بها البشرية مصيبة النظام الرأسمالي الذي لم يأت للعالم إلا بالويلات والكوارث والأمراض الفتاكة، إن مرض الإيدز والأمراض الجنسية الرهيبة الأخرى هي إحدى نتائج هذه الحضارة اللا إنسانية حيث إن الأنظمة الرأسمالية قد أباحت اللواط والعياذ بالله وزواج مثليي الجنس من الرجال والنساء، ولم يقتصر الأمر على الأنظمة الرأسمالية بل إن الكنيسة الأنجليكانية انقسمت نتيجة للسماح للقس جين روبنسون بالزواج من رجل عاشره لمدة خمسة عشر عاماً، وليس ذلك فحسب، بل عيّنوه بعدها كأسقف لولاية نيو هامبشاير الأمريكية. أوَبعد كل هذا يتعجبون لازدياد المصابين بمرض الإيدز؟؟. حتى عند رغبتهم في الحد من هذا المرض وغيره من الأمراض الجنسية الفتاكة فإنهم ينشرون توصيات في المدارس ومطبوعات توزع بالملايين على شعوبهم يقولون فيها "عند الاتصال الجنسي يرجى عدم نسيان استخدام الواقي"، هكذا وبكل انحراف خلقي وعقلي، فبدلاً من منع الاتصال الجنسي غير المشروع أصلاً يشجعونه، وليس هذا فحسب بل فرضوا مادة ضمن مقررات نظامهم التعليمي تدرس لجميع الطلاب والطالبات وهي مادة التعليم الجنسي. وفي هذه المادة يعرضون أفلاماً جنسية ويعطون دروساً تثقيفية جنسية وذلك لأعمار تبدأ من سن الحادية عشرة في بعض دول العالم الغربي وبعضها قبل ذلك يعلّمون فيها الطلاب والطالبات كيفية المعاشرة الجنسية الصحيحة، وهمّهم كما يدّعون هو التقليل من حالات الحمل في المدارس ومع ذلك تقول صحيفة التلغراف البريطانية بأنه في كل عام يوجد ما يقرب من الخمسين ألف حالة حمل لطالبات المدارس في بريطانيا تحت سن الثامنة عشرة.
صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ": يا معشر المهاجرين والأنصار! خمس بخمس، أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلا ابتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم ..." الفاحشة أي: الزنا، إذا أُعْلِنت وظهرت أرسل الله الأوجاع والأمراض التي لم تكن في أسلافهم.
الحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله على نعمة الإسلام.
إن العالم ينتظر بزوغ فجر الخلافة من جديد لإخراج البشرية من ظلم وإرهاب النظام الرأسمالي إلى عدل ونور الإسلام.
اللهم أعزنا بدولة الخلافة.
بقلم سيف الله الياسين
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


دار لميَّةَ خانها الأصحاب

فاستوطنت في حَيِّهَا الأغراب

وتنافست فيها الذئاب لوهنها

وتنابحت حول التخوم كلاب

فهوت وأزرى بالتقاة هُوِِيُّهَا

وتقطعت برحيلها الأنساب

قد كان أحرى أن يصون حجابها

ألفرس والأتراك والأعراب

بانت فعاد الكفر يغرس نابه

من بعد أن فُتِحت له الأبواب

يا أنت يا مهد الأباة وفخرهم

يا من بها للمكرمات أجابوا

حزنت عليك مواضع كانت بها

تحمي الخلافة فتية أنجاب

وجنت عليك مواضع أضحت بها

للشامتين مواكب وقباب

أولم يكن حضن الخلافة ملجاً

ما حال دون العدل فيه حجاب

وحمى الخلافة للأنام مرابع

للناس فيها غدوة وإياب

تحمي النفوس من الضلالة والعمى

والخير فيها دائر جَوَّابُ

وتصون أعراض العباد بعدلها

ليطيب فيها مأكل وشراب

حتى وإن جارت ببعض زمانها

فالدين نصح والصدور رحاب

نسب توارثت الثقاة سبيله

قد عزَّ فيه جانب وجناب

وأرومة تاه الزمان بمجدها

للجود فيها أبحر وسحاب

خضعت لعزتها الجموع مهابة

وتطاولت نحو السماء رقاب

رحلت فأمسى القوم بعد رحيلها

مهجا تلظى والمغيث سراب

قرن مضى والناس لا راع لهم

إلا الذئاب الطلس والنهاب

وارَتْهُمُ الأجداثَ أحياءً تُها

لُ جنادل من فوقهم وترابُ

لا بارك الله العظيم بمعشر

عن غيهم وضلالهم ما آبوا

عقدوا لواء الذل في أعناقهم

يا ويلهم من معشر قد خابوا

لا ينبري للحق إلا ثلة

في نهجه وطريقه قد شابوا

لا ينثنون الدهر عن غاياتهم

ومن الضلالة والهوى قد هابوا

جعلوا الطريق إلى الخلافة منهجا

كُسرتْ بهم من دونه الأبواب

وضمانهم ثقة بنصر مليكهم

وهُمُ الذين بوعده ما ارتابوا


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الاسواق المالية – البورصات
يغرق العالم اليوم في مستنقع التشريعات الغربية الرأسمالية وتحترق الإنسانية في لهيب الأطماع ولظى الصراعات السياسية ويتحكم في رقاب العباد حفنة من المتمولين أصحاب رؤوس الأموال الضخمة فابتكروا من الوسائل والحيل ما تفتقت عنه عقليتهم الشيطانية وأخذوا يجمعون الأموال بلا حساب حتى غصت بها خزائن البنوك ومع أنهم ابتكروا من المعاملات التي تجلب لهم المال بسهولة وبسرعة مثل : شركات المساهمة وشركات التأمين افتتحوا كذلك لهذا المال أسواقا أطلقوا عليها اسم (البورصات).
وكل هذه الأنواع والمظاهر تقوم على عقود محرمة ومعاملات محرمة لأن الغاية عندهم تبرر الوسيلة والمنفعة هي المقياس لكل الأعمال والمصلحة هي المحطة النهائية التي ترسو عندها صراعاتهم ومنافساتهم.
البورصة:- هي أسواق الأسهم والسندات فهي أسواق مالية ولكنها أسواق وهمية حيث لا يوجد فيها سلع تتداول يجري عليها البيع والشراء والذي يديرها ويتحكم فيها هم كبار المضاربين وقراصنة المال.

أما آلية هذه الأسواق فهو أمران اثنان:
1- أسعار الفائدة (الربا)
2- أسعار الصرف
فهي سوق يرتاد المضاربون والمستثمرون يقصدون تحصيل أرباح طائلة دونما عناء ودون جلب سلعة أو نقل سلعة لأن المتحرك فيها هو أموال متمثلة في أوراق مالية إما أن تكون أسهما لشركات مساهمة أو تكون سندات قروض تتضمن مبالغ معينة (ديون) تباع وتشترى على الهواء إما بالاشارة أو بالتلفون ولو من أماكن بعيدة.
لم تكن أسواق الأسهم في الغرب لتوجد ولا لتعيش وتنمو إلا لثلاثة أنظمة أساسية في الاقتصاد الرأسمالي وهي: (نظام الشركات المساهمة ونظام الربا المصرفي ونظام النقد الورقي الإلزامي) وقد تآزرت هذه الأنظمة الثلاثة لتفصم الاقتصاد الرأسمالي إلى اقتصادين أو إلى نوعين من الأسواق: الأول هو الاقتصاد الفعلي وفيه يكون انتاج وتسويق السلع والخدمات الفعلية ينعم منه الناس يأكلون ويشربون ويدخل كل بيت وتتناوله كل يد وتعيش عليه كل أسرة فيتمثل فيه العيش الحقيقي من سداد الحاجة وقضاء المصلحة وتوفير الإمكانيات اللازمة للرفاهية وبحبوحة العيش.
والثاني هو الاقتصاد المالي وهو ما يسميه البعض بالاقتصاد الطفيلي وفيه يكون ابتكار وبيع وشراء أوراق مالية متنوعة وهي عقود ملزمة أو صكوك أو حجج تمثل حقوقا قابلة للتداول من طرف واحد بيعا وشراء سواء في ملكية شركة أو في دينها أو في دين للدولة أو في عقارات رهنية أو غير ذلك من (حقوق) تثبتها أوراق مالية تتداول وبأسعار غير سعر السوق الحالي وكل ذلك مما لا يمت إلى الاقتصاد الفعلي بصلة مباشرة وبلغ تطور هذا الاقتصاد المالي الطفيلي مبلغا بعيدا أصبحت قيمة المعاملات فيه أضعاف قيمة تلك التي تجري في الاقتصاد الفعلي.
ما هي البورصة؟
هي المكان الذي تبرم فيه الصفقات والعقود معينةً كالقطن والحبوب والأخشاب وللبورصة أركان لا تقوم إلا بها وهي: عدم وجود السلع نفسها أمام المتعاملين فيها وعدم تسليمها في الحال بعد توقيع العقود من قبل المشترين ثم عدم تسليم الثمن فوراًً.
فيكون البيع في البورصة مضاربة على فروق الأسعار دون دفع الثمن أو تسليم المباع
ويباع في هذه البورصة السندات والأسهم التي تصدرها الحكومة وبعض الهيئات والشركات
أما السندات فهي عبارة عن قروض طويلة الأجل أو قصيرة ومضمونة من الجهة التي أصدرتها فالشركة المساهمة عادة تخرج الزيادة الربوية للمقترضين قبل تقسيم أسعار أو قبل تقسيم أرباح الشركة على المساهمين وإذا لم تربح الشركة أخرجت هذه الزيادة الربوية أم ما يسمى بأرباح السندات من أصل رأس مال الشركة وإذا أفلست الشركة لا يأخذ المساهمون من موجوداتها شيئا إلا بعد أن يستوفي الدائنون ومنهم أصحاب السندات ديونهم.
فالسند إذن هو قرض بفائدة مقابل مدة من الزمن وهذا محرم شرعاً فالبورصة عندما تبيع سندات إنما تبيع قروضا ربوية فلا يحل بيعها ولا شراؤها ولا إصدارها ولا تملكها.
أما الأسهم فهي تمثل رأس مال شركة من الشركات المساهمة فكل سهم يمثل جزءا من رأس مال الشركة وهذه الشركات تأسست لا على شروط الشركة في الإسلام فلم يحصل بين الشركاء إيجاب وقبول ليتم العقد وليس فيها بدن يدير الشركة ونسبة التصويت فيها بنسبة امتلاك الأسهم وكل ذلك مخالف لما عليه الشركة في الإسلام.
والسؤال: هل شراء الأسهم من البورصة حرام؟ والجواب أن تأسيس شركات مساهمة في العصر الحاضر كلها قائمة لا على أساس شرعي فلا يجوز بيع أسهمها ولا شرؤاها ولا تملكها.
أما البيوع الآجلة في البورصات وهذا هو عملها الأصلي إذ لا يوجد فيها سلع تسلم ولا أثمان تدفع ولكن الذي يحصل هو مضاربة (مقامرة) والمضاربة إنما تكون على مجرد دفع الفروق بين الأسعار.
ذلك أن البائع يبيع بيعا آجلا كأن يبيع مائة سهم بسعر السهم عشرة دنانير ويكون معتمدا على أن سعر السهم سيهبط يوم التسليم إلى تسعة دنانير والمشتري اشترى هذه الأسهم بسعر السهم عشرة دنانير معتمدا أيضا على أن سعر السهم سيصعد يوم التسليم إلى أحد عشر دينارا. فالمشتري يضارب على الصعود والبائع يضارب على الهبوط وعند حلول يوم التسليم قد يتحقق أمل البائع فيهبط السعر إلى تسعة دنانير ويتقاضى الثمن على أساس أن السهم عشرة دنانير أما إذا تحقق أمل المشتري فيصعد السهم بسعره إلى أحد عشر دينارا وعند ذلك يكون المشتري هو الذي يتقاضى الفرق من البائع وهو مائة دينار عن الأسهم المائة.
ملاحظة:-
هذه الملاحظة جديرة بالانتباه إليها والتمعن فيها ذلك أن البائع يبيع ما لا يملك ولا يقبض ثمن المباع والمشتري يشتري أثمانا غير ثابتة القيمة بأثمان ثابتة من غير ما قبض ولا دفع لا يملك المشتري التصرف فيما اشترى خلال الفترة المؤجلة فتفوته فرصة سانحة للربح لأن البيع لم ينقل إلى ملكيته.
عملية البيع هي عملية مراهنة ومقامرة فالبائع يراهن على هبوط السعر والمشتري يراهن على صعود السعر وهذا وحده كاف لبطلان البيع.
والقاعدة الثالثة في المعاملات المالية في الرأسماليه هي:-
نظام القاعدة الذهبية:-
مما أدى إلى وجود مشاكل نقدية وأزمات ماليه هو التخلي عن قاعده الذهب فإنه لما كان العالم يستند في معاملاته النقدية إلى القاعدة الذهبية لم تحدث في العالم أية أزمات أو مشاكل حتى سنة 1914 حيث تم التخلي عن قاعدة الذهب ولجأت الدول إلى إصدار أوراق مالية بلا غطاء.
إن نظام النقد الدولي وهو قائم على قاعدة الذهب لا يعترف بهوية معينة وليس له وطن معين ينحاز إليه فهو قائم على الحيادية وعدم التحيز فليس هناك مجال لأن يحدث أزمات اقتصادية ولا مشاكل مالية أو نقدية فالكل يسعى لتوفير ما امكن من هذا المعدن الثمين ليكون لديه رصيد يقوى به اقتصاده ويغطي به أوراقه القانونية الورقية المتداولة.
إن تطبيق القاعدة الذهبية يوفر المساواة في المعاملات في السياسة المالية الخارجية بين الدول بعضها مع بعض دون أن تتحكم دولة بدولة أخرى ولو كان بينهما فوارق في الإنتاج الصناعي والزراعي لأن الرجوع في النهاية والاحتكام في المعاملات يرتبط بجهة غير متحيزة وتمتلك آلية التصحيح والتوازن تلقائيا دون تدخلات سياسية وهي الذهب.
وأما المعاملات الداخلية التي ترتكز إلى قاعدة الذهب فإن الأوراق النائبة التي يصدرها البنك المركزي المحلي فإنها تأخذ قوة الإبراء ذاتياً من نيابتها عن الذهب فتوجد الضمانة تلقائياًَ من الخوف من تقلبات الأسعار كما تكون الثقة في النقود ذاتها عند المتعاملين مع الدول الأخرى.
إن المسلم الواعي ليتحسر على ما يصيب المسلمين من تقليد للغرب ونظامه وافتنان بأسواقه العنكبوتية وتصديق لدعواه بأن لا سبيل للتقدم الاقتصادي إلا بنظام (السوق المفتوح) أي الحرية الاقتصادية المطلقة بما فيها فتح الباب على مصراعيه أمام الإستثمار الغربي المباشر وغير المباشر وبالدخول في الاقتصاد العالمي أي بقبول أنشاء مصانع للشركات الغربية في بلاد المسلمين تسخر فيها ملايين الأيدي الرخيصة لإنتاج السلع الاستهلاكية لأسواقهم.
كما أنه ليأسف أن يرى أفكار الغرب الرأسمالية بما فيها تلك المتعلقة بأسواق الأسهم والسندات تلقى استجابة بل تهافتا بين المسلمين بدافع من حملات إعلامية مركزة لم تزل أمريكا تقوم بها منذ سقوط الشيوعية لإيهام الناس بأنه ليس لهم من بديل إلا الفكر الرأسمالي مدعية أنه الآن في عهده الذهبي.
إن الذي يخلص العالم من فساد هذا النظام الرأسمالي الاقتصادي ومن فساد نظام الشركات المساهمة ونظام الربا المصرفي ونظام النقد الورقي الإلزامي هو إلغاء هذا النظام الرأسمالي الاقتصادي الفاسد وإلغاء الشركات المساهمة أو تحويلها إلى شركات إسلامية وإلغاء الربا المصرفي وغير المصرفي إلغاء كليا وإلغاء نظام النقد الورقي الإلزامي والعودة إلى نظام الذهب والفضة.
وبذلك ينتهي التضخم الفظيع في النقود وتنتهي القروض الربوية المصرفية والمضاربات التي تجري في أسواق وهمية كما تنتهي الحاجة إلى وجود بنوك ربوية وبذلك تستقر الأوضاع الاقتصادية في العالم وتنتهي الأزمات النقدية وينتهي مبرر وجود أسواق مالية.
يتم ذلك بعودة الخلافة والاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم فينتشر الهدى وتتنزل الرحمة وتستقر أركان العدل ويتحقق قول الله تبارك وتعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم فتحي محمد سليم (أبو غازي)

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

المفاوضات السورية مع الكيان اليهودي

طالعتنا وسائلُ الإعلامِ المختلفةِ بأنباءِ المفاوضاتِ السوريةِ معَ كيانِ يهود ، وبوساطةٍ تركية. إن المرء ليقضي عجباً من النظام في سوريا، والزمرةِ الحاكمةِ فيها، التي طالما تبجحت بما أسمته زوراً وبهتاناً بعداوتِها لكيانِ يهود ومجاهرتِها في العلن بها، لينكشف المستورُ لعامةِ الناس، مع أنه كان مكشوفاً لكل متابعٍ لسياسةِ هذا النظامِ، وهرولتهِ السريةِ نحو كيانِ يهود ، والتفاوض والتطبيع معه.

ليكن معلوماً لدى أمة الإسلام أن قضيتنا مع كيان يهود ليست قضيةَ حدودٍ، ولا قضيةَ الجولانِ، ولا سيناءَ، ولا الضفةِ الغربيةِ أو غزة... بل قضيتُنا معهم قضيةُ وجودٍ تتعلق بأصل وجودهم محتلينَ غاصبينَ لأرضِ الإسلام، فالأصل اقتلاعُ هذا الكيانِ من جذوره، ولا يكون هذا إلا بتحركِ الجيوشِ الموحدةِ بالأيدي المتوضئةِ والأقدامِ الراسخةِ والعيونِ المتطلعةِ إلى نصرِ ربها، تتحرك لتدوسَ هذا الكيانَ ومن يتآمرُ معه ويسهلُ له وجودَه واستقرارَه، لتعيدَ الأرضَ المباركةَ إلى حكمِ الإسلامِ ، فلا تفاوضَ بيننا وبين يهود، ولا صلحَ، ولا هدنة . وليس بيننا وبينهم إلا السيف حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

أيها المسلمون:
إن قضيتَنا مع يهود وكيانِ يهود قضيةٌ إسلاميةٌ عقديةٌ، قضيةٌ تستندُ إلى الكتابِ والسنة، تستندُ إلى عقيدة المسلمين، حيث إن الأرضَ التي يحتلها كيانُ يهود أرضٌ إسلامية، روّتها دماءُ الشهداءِ من الصحابةِ والتابعينَ وتابعيهم إلى يومنا هذا، وما زالت دماءُ الشهداءِ تسيلُ على تلك الأرض، ولن يتوقفَ سيلُ دماءِ الشهداءِ ما دامتْ كلمةُ التوحيدِ موجودةً، وما دام كتابُ الله تعالى يعمرُ قلوبَ المسلمين وصدورَهم. أرضٌ جُبل ترابها بهذه الدماء الزكية وما زالت تجبل بها، لن تضيَّعها مؤامراتُ المتآمرين، ولا خياناتُ الخائنين، ولا توقيعاتُ المارقين، فهذه الأرضُ أرضٌ خراجيةٌ منفعتُها لملاكِها من المسلمين، ورقبتُها للأمةِ الإسلاميةِ، لا يملكُ التصرفَ فيها حاكمٌ تسلّط واستعبدَ رقابَ عبادِ الله، ولا رئيسٌ اغتصبَ سلطانَ الأمة، ومهما تفاوضَ المفاوضون، ووقعَ الموقعون، وتآمرَ المتآمرون فستبقى الأرضُ التي احتلها كيانُ يهود أرضاً إسلامية، ستقومُ الأمةُ الإسلاميةُ قريباً بإذن الله بالتخلصِ من المتآمرين عليها وتحريكِ الجيوشِ لردّ هذه الأرضِ إلى المسلمين وحكمِ الإسلام، وتلقّنَ يهودَ وأعوانَهم دروساً تنسيهمْ وساوسَ الشيطان.

أيها المسلمون:
إن قضيةَ فلسطينَ وما حولها مما هو محتلٌ مغصوبٌ فرعٌ من قضيةِ الأمةِ الكبرى، قضيةِ دولةِ الخلافةِ والحكمِ بالإسلام. فإن هذه القضيةَ لم تنشأ إلا بعدَ تمزيقِ دولةِ الخلافةِ إلى كياناتٍ هزيلةٍ نصَّبوا على كلٍ منها رئيسَ عَصابةٍ أسمَوه حاكماً أو رئيساً أو ملكاً أو شيخاً أو أميراً، يحرصُ على المحافظةِ على تمزيقِ الأمةِ، وعلى حربِ الإسلام، ويقاومُ عودةَ الأمةِ إلى تحكيمِ شرعِ ربها، وتوحيدِ شتاتها. منذ ذلك الحين نشأت قضيةُ فلسطينَ كغيرها من قضايا الأمةِ المرتبطةِ بقضيةِ الأمةِ المصيرية.
أيها المسلمون:
لقد آن لكم أن تدركوا واقعَ حكامِكم، وأنهم ليسوا من رعايةِ شؤونكم في شيء، وأنهم غاصبونَ لسلطانِكم، متسلطونَ على رقابِكم خدمةً للكفرِ وأهله، وحرباً على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وأن تدركوا أن وجودَهم مرهونٌ بأمرين:
الأول: رضى الغربِ عنهم ما داموا خادمينَ له، محاربينَ لكم.
الثاني: سكوتِكم عليهم، وعدمِ تغييرِكم عليهم، فقد أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتغيير على الحاكمِ الظالمِ، وأمرَ بقول الحق بين يديه، وعدَّ من قُتل في سبيلِ ذلك مع سيدِ الشهداء.
هؤلاء حكامكم أيها المسلمون، نصّبهم عليكم الغربُ الكافرُ، أو نُصّبوا برضاهُ عنهُم، يحكّمون فيكم غيرَ كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ويسْلمونَكم لعدوكم . فقد أغارتْ طائراتُ عدوكم على أرض الإسلام في سوريا، فماذا كان ردُّهُم؟ لقد احتفظوا بحق الرد!!! انظروا بالله عليكم على الذلةِ والمهانةِ التي أوصلَكم إليها حكامُكم، وها هم اليومَ يكشِفونَ ما كان مستوراً من خياناتِهم وتآمرِهم عليكم وعلى أرضِ الإسلام، يفاوضونَ كيانَ يهودَ المغتصبَ لأرضِكم.. أهذا هو حقُ الردّ الذي يزعمون؟؟؟ رحمَ الله المعتصمَ الذي حرّكَ جيشاً لَجِباً وفتحَ عموريةَ لصرخةِ امرأةٍ اعتدى عليها رومي.. وطائراتُ العدو تنتهكُ حُرُماتِ أجوائِكم وتقصِفُ وتدمرُ في أرضِكم، ثم يصرّحُ حكامُكم بأنهم يحتفظون بحق الردّ... كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ..
اللهم نصرَك الذي وعدتَ لأمةِ الإسلام، وأعنِ الأمةَ على التخلصِ من هؤلاءِ الحكامِ المفروضينَ على رقابِ الأمة، وهيئْ للأمةِ خلافةً راشدةً على منهاجِ النبوة، وخليفةً يرفعُ رايَةَ الحقِ، ويذودُ عن الحمى، ويطردُ المحتلَّ من أرضِ الإسلام، ويحملُ الإسلامَ رسالةَ هدىً ونورٍ إلى الناسِ كافة، إنك سميع قريب مجيب. وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

8-6-2008    
كتبه لإذاعةِ المكتبِ الإعلامي لحزبِ التحرير
أبو محمد خليفة
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

صور من مسيرة غزة بدعوة من حزب التحرير
يا جيوش يا جنود أزيلوا كل الحدود
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

موقع الخلافة:
موقع متميز يعرض للمسلمين أحكام الخلافة الإسلامية بوصفها نظام الحكم الإسلامي الوحيد الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى باتباعه في الدولة الإسلامية.
وهو موقع يعرض نظام الحكم في الإسلام وأجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة عرضاً وافياً وبالأدلة الشرعية، كما يعرض نبذة عن النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي ونظام العقوبات والأموال في دولة الخلافة، ويعرض مشروع دستور لدولة الخلافة كاملاً وجاهزاً للتطبيق.
وموقع الخلافة يعرض هذه الأحكام حتى تصبح من المفاهيم لدى الأمة الإسلامية وتعمل مع حزب التحرير لجعلها محل تطبيق على المسلمين ليحكموا بنظام الخلافة ضمن دولة الخلافة الراشدة عن قريب بإذنه تعالى.
وإننا ندعوكم بهذه المناسبة لزيارة موقع الخلافة نيت بحلته الجديدة والإضافات التي تمت عليه
ينطلق الموقع يوم الاثنين الموافق 17-3-2008
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما بال كلب علوج الروم منسعر

وقلبه ظل بالأحقاد يستعر

يضحي ويمسي ونار الحقد تأكله

كالثور يزبد إن جيش له اندحروا

لما رأى النصر شيئا ليس يأمله

وأن دربا إلى تحقيقه وعر

لو كان في الحكم ليث ما استقام له

في الناس أمر ولا نهي ولا نظر

تخشى الكلاب نباحا إن رأت أُسُدا

وتنبح الخلق إن آسادها غبروا

يا أيها الكلب صبرا إن موعدنا

أضحى قريبا وإن الفجر منتظرُ

ألا ترى الناس عم الحزن عالمها

وأنها أصبحت للحق تنتصر

وأنك اليوم في ضيق وفي حرج

وأن شعبك قد ضجوا وقد ضجروا

وأن جندك قد ضاق الفضاء بهم

وأنهم في وحول الطين قد قبروا

يا أيها الكلب دع عنك النباح فما

يجدي النباح إذا الآساد قد زأروا

.
8/11/2007    
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الأزمة السياسية في لبنان والحل الجذري لها
الحلقة الثانية

قد يقال إن اغتيال غانم جاء لينسف المبادرة، بعد أن بدا احتمالُ نجاحها، أي أن هناك طرفاً لا يريد حصول تسوية، فسعى إلى الاغتيال لنسف أي إمكانية للتوافق، ولكن هذا الاحتمال ضعيف والاحتمال الأول هو الأرجح، إذ لم يكن جواب قوى 14 آذار إيجابيّاً على مبادرة بري، بل كان رافضاً لها، وهذا ما يرجّح الاحتمال الأول. وبما أن الأولوية لقوى الأكثرية هي لانتخاب رئيس من صفوفها كي تتمكن من إكمال مشروعها، فإنها سارعت بعد اغتيال روبير غانم إلى الطلب من مجلس الأمن تأمينَ حماية دولية للاستحقاق الرئاسي، إذ أعلن وزير الخارجية الفرنسي الذي ترأس بلادُه مجلسَ الأمن، أنه تلقى طلباً من بعض الأطراف اللبنانية، لتوفير حماية دولية للنواب، لإتمام الاستحقاق الرئاسي، وقال: "نحن نفكر في ذلك ونعمل على تنفيذه في ضوء رئاستنا لمجلس الأمن في الشهر الحالي". إن هذا التوجه إلى مجلس الأمن، عبر فرنسا من قبل الأكثرية لتأمين حماية دولية، ليس ردةَ فعل على اغتيال غانم، بل هو يعبر عن إستراتيجية لدى هذه القوى في تحقيق أهدافها، إذ إن مشروعها الذي تعمل لتنفيذه يواجه تحدياتٍ داخليةً وإقليمية كبيرة، وهي لن تتمكن من استكمال مشروعها بإمكانياتها الذاتية. فرغم أنها تملك الأكثرية، إلاّ أنها شبهُ مشلولة ومعطَّلة، لأن الرئاسة ليست بيدها، بل إن لحود يقف عقبة في طريقها، وهي لا تملك سلطة على الأجهزة الأمنية، باستثناء قوى الأمن الداخلي، بل إن الجيش رفض طلب الحكومة بمنع بعض تحركات المعارضة، واختار أن يأخذ موقف المحايد في هذا الصراع الداخلي. ومما يؤكد هذا، ما صرّح به جعجع بعد اغتيال غانم بأن بعض الأجهزة الأمنية مخترَقة، في إشارة منه إلى احتمال تورط بعضها بما يجري من اغتيالات. ولو نظرنا إلى أهم ما أنجزته قوى 14 آذار بدءاً بخروج الجيش السوري من لبنان، إلى نشر الجيش اللبناني في الجنوب، وعزل لحود دولياً، وتشديدِ الحصار على دخول السلاح إلى حزب الله، وإقرار المحكمة الدولية، نرى أنها جميعها تمّت بقرارات دولية من 1559 إلى 1701 إلى القرار 1757. بل إن بعض أطراف الأكثرية راهَنَ على عدوان يهود في حرب تموز للتخلص من حزب الله وسلاحه.
إلا أن المحاولة الفرنسية هذه المرة لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن ينقل الأكثرية إلى مرحلة جديدة تفرض معها الرئيسَ الذي تريد وتكمل تنفيذَ ما تبقى من مشروعها لم تنجح، وذلك بسبب معارضة أميركا لهذه الخطوة، الموقف الذي عبر عنه أيضاً وزير الخارجية المصري، بتصريح له من نيويورك أعلن فيه رفضَه لفكرة الحماية الدولية، رغم أنه أشار إلى أن الاغتيالات ستستمر ولن تتوقف وأن الجيش اللبناني هو من يتولى الأمن. ولم تتمكن فرنسا إلا من استصدار بيان من مجلس الأمن يدعو إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها دون أي تدخل خارجي.
وبما أن أميركا تريد إفشال هذا التوجه لقوى الأكثرية، فقد عملت على أن يخرج الجيش منتصرا من معركة البارد، ليبدوَ قويا قادرا على حفظ الأمن وضمان الاستقرار، وكان لسوريا دورٌ في إنهاء المعارك في البارد شرط أن يعلن قائد الجيش بعض المواقف الإيجابية من سوريا.
وقد أُعلن بالأمس أن الجيش الأميركي، استأنف جسره الجوي المفتوح إلى لبنان، حيث وصلت إلى القاعدة الجوية في مطار بيروت، منتصف ليل السبت الأحد طائرتان عسكريتان محملتان بالعتاد والذخائر للجيش اللبناني، ويبدو أن لهذا علاقة أيضاً بالتوجه الأميركي لإيصال العماد ميشال سليمان إلى الرئاسة، الأمر الذي جعل بعض قوى 14 آذار، تهاجم العماد سليمان على خلفية اتصاله بسوريا، لإحراقه والحيلولة دون وصوله إلى الرئاسة. ثم عادت وأعلنت بأن هذه المواقف شخصية ولا تمثلها.
إن قوى الأكثرية تعتبر بأن وصول مرشح منها إلى الرئاسة هو الضمانة لإكمال مشروعها وتنفيذ برنامجها السياسي والاقتصادي، والقضاء على ما تبقى من نفوذ للنظام السوري ومن ورائه أمريكا، ولتطبيق القرارات الدولية وعلى رأسها المحكمة الدولية. إلا أن إخفاقها بالحصول على قرار دولي جديد يوفر لها الحماية الدولية في محاولتها الأخيرة بعد اغتيال غانم وإدراكها بأن انتخاب رئيس منها دون توافق وبالنصف زائداً واحداً، سيؤدي إلى انقسام كبير، أكبر مما هو حاصل اليوم، قد يؤدي إلى تشكيل حكومة ثانية وتنصيب رئيس ثانٍ، ما يُدخِل البلد في مرحلة خطيرة تنسف ما تبقى من أمن واستقرار، تؤدي إلى خسارة الأكثرية ما أنجزته حتى الآن.
من المرجح أن إدراك قوى 14 آذار لهذه الأمور سيدفعها للقبول بالتسوية أو بالرئيس التوافقي. كما يبدو أن الزيارة التي سيقوم بها كلٌّ من جنبلاط والحريري لواشنطن في هذه الأيام هي محاولةٌ أخيرة من الأكثرية لتغيير أو تليين الموقف الأميركي الذي تجسده المعارضة ويتمثل بمبادرة بري، حيث قال الحريري في آخر اجتماع للأكثرية في قريطم موجهاً كلامه لفرقائه من الأكثرية: "سأذهب إلى الرياض وواشنطن لأرى ما سيقدمه الأمريكيون لنا".

... يتبع بإذن الله تعالى
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


قضايا اجتماعية
ظاهرة تشغيل الأطفال

تحيه وبعد
كثيرون هم الناشطون في تفسير وتحليل الظواهر الطارئة على العالم والتي لم تكن تعرف من قبل بهذا الحجم وبهذا الشكل سواء ما كان منها من ظواهر كونية أو ظواهر اجتماعية أو اقتصادية..... الخ وأود في هذه العجالة أن أساهم ولو ببحث بسيط من التحليل والتفسير لظاهرة لا تزال تشغل الكثير من دور البحث الاجتماعية سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو المحلي تلك هي ظاهرة تشغيل الأطفال .
إن من العادة قبل الدخول في بحث هذه الظاهرة أو أي ظاهره أخرى أن نبحث عن الأسباب التي أوجدتها وجعلت منها مشكلة يحسب لها حساب فقد قامت دور البحث المختلفة في العالم في تحليلها وتفسيرها فوجدت أن على الرغم من اختلاف أسباب انتشارها من دولة إلى أخرى سواء من دول ما يسمى بالنامية والفقيرة أو في الدول المتقدمة والمتطورة علما بأن النصيب الأكبر في هذه المشكلة في الدول الفقيرة والنامية ومن هذه الأسباب:
1- الفقر المدقع التي تعاني منه الأسرة أو أسر هؤلاء الأطفال
2- أن تشغيل الأطفال يعطي أصحاب الأعمال الصغيرة في البلدان النامية إيرادا ودخلا أفضل مما لو كان الأجير أو العامل عندهم شابا كبيرا، وذلك من خلال تقليل الأجور وتخفيضها
3- تفكك الأسرة وعدم وجود الرعاية الصحيحة للأبناء مما يضطر الأطفال إلى البحث عن سبل كسب قوتهم اليومي .
4-الهجرة أو النزوح من الأرياف أو المدن الصغيرة في الدولة أو البلد الواحد إلى مدن أخرى أو دول أخرى من قبل الشباب وترك مجالات العمل التي يستغل بها الأطفال .
5-العولمة ونتائجها غير المباشرة على الدول والمجتمعات بحيث يقوم أصحاب رؤوس الأموال العالمية بالتفتيش والبحث عن اليد العاملة الرخيصة فيكون الأطفال هم الفريسة الحقيقية لهذا الجشع .
6-إنجاب أعداد كبيرة من المواليد بحيث يصعب على رب الأسرة تأمين احتياجاتهم ما يؤدي أن يرسل بعض الآباء بعضا من أبنائهم للدراسة والآخرون للعمل من أجل تأمين حاجات الأسرة .
7-السياسات العالمية والتي تفرض على الدول الفقيرة والمغلوب على أمرها من قبل الدول الغنية والتي تتمثل بما يفرضه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من أنظمة اقتصادية وتغير في برامج الإصلاح الاقتصادي للدولة ما يؤدي إلى تخفيض دعم الدولة لقطاعات الصحة والتعليم والسكن مثلا، فيلجأ المجتمع إلى زج أطفاله إلى سوق العمل.
8- ما ذكره البعض من النظرة إلى حملة الشهادات العليا وما يعاملون به من عدم توفر فرص العمل لتخصصاتهم ما يجعل بعض الناس تنظر إلى عدم تعليم أبنائهم الأطفال بما أن حالهم سيصبح مثل هؤلاء، مما يتبع ذلك من تحويل الأبناء الصغار إلى سوق العمل .

وقد تختلف الأسباب كما ذكرنا من بلد إلى آخر فلو أخذنا العراق وفلسطين لوجدنا أن هناك زيادة على هذه الأسباب مثل الاحتلال ونتائجه من سجن الكثير من الأيدي العاملة الشابة والإصابات المؤدية إلى الإعاقة الدائمة للشباب والمعوقة لهم عن العمل والجدار العنصري ما يجعل الأطفال أسهل وصولا إلى ورشات العمل والمصانع في بعض المستوطنات أو البيع في الطرقات أو على حواف الأرصفة.
وأود أن الفت الانتباه إلى أن هذه الآفة تصيب واحدا من كل ستة من أطفال العالم أي ما يعادل 16% من أطفال العالم واسمحوا لي أن أسميها (سوق العبيد للقرن الحادي والعشرين) وبالعودة إلى تحليل هذه الظاهرة هناك بعض البيانات والتي من خلالها يتبين حجم المشكلة فقد ذكرت منظمة العمل الدولية في تقريرها 2006 أن الفئات العمرية لهذه الظاهرة تبدأ من 5-14 سنة = 217 مليون طفل
من 5-17 سنة = 317 مليون طفل
وأن الذين يعملون في الأعمال الخطرة = 126 مليون طفل .
من بينهم 87% ذكور 13 % إناث
وإن طبيعة هذه الأعمال قائمة على- الزراعة 69% - الصناعة 22% - التجارة 9% . وتتمثل الأعمال التي يقوم بها الأطفال - أعمال ورش الصيانة الخاصة بالسيارات والأدوات الثقيلة - الخردة - .
- تنظيف البيوت والمؤسسات.
- أعمال الزراعة .
- أعمال الاستغلال الجنسي وما يسمى بالسياحة الجنسية .
والحقيقة المرة لهذه الظاهرة أن لها توابع ونتائج (سنذكرها) ما دفع البعض بالقول بعدم القدرة على حل مثل هذه الظاهرة فقال ( أن الأسباب الناتجة وغير المحدودة والمتطورة والمتنامية لهذه الظاهرة يبين عدم وضوحها) ومن نتائج هذه الظاهرة الخطيرة:
1- الانحدارات الاجتماعية للأطفال في قضايا المخدرات والمسكرات وما يتبعها من جريمة
2- الاستغلال الجنسي والانتهاكات الشخصية للحقوق
3- الأبعاد الأخلاقية والإنسانية والاقتصادية
4- الضرر النفسي والجسدي من عدم تناسب إمكانيات الأطفال مع الأعمال التي يزاولونها والتي يقومون بها .
ومع كل هذا فقد قامت مؤسسات ومراكز علمية متخصصة لحل هذه الظاهرة أو للإسهام في حلها وعقدت المؤتمرات والمحاضرات والندوات ومن بين هذه المراكز:
- مكاتب الأمم المتحدة واليونيسيف
- المركز العربي لإدارة العمل والتشغيل ( تونس )
- منظمة العمل العربية
- منظمة العمل الدولية
- النقابة الفرنسية UNSA
- وزارات العمل الخاصة بالدول
وقد اجتمعت هذه المؤسسات والمراكز من أجل تضافر الجهود للمساهمة في الحل وخرجت ببعض الحلول والتوصيات:
1- النصوص القانونية
2- ربط هذه الظاهرة بالعادات والتقاليد
3- المحاضرات والمدونات والندوات للتعريف بهذه الظاهرة
4- متابعة الأسرة وتقليل مما تعانيه من فقر وبطالة
5- حظر ومنع بعض الأنشطة
إلا أنه ومع وضع هذه الحلول فإننا نجد أن هذه المشكلة في تنامٍ مستمر يوما بعد يوم حتى لم تسلم منها بعض الدول المتقدمة مثل ألمانيا رغم ما فيها من قوانين صارمة فقد وجد أن هناك أطفالا تتراوح أعمارهم بين 13-16 سنة يعملون في المجتمع الألماني بالأعمال البسيطة مثل توزيع الجرائد وبعض الأعمال الأخرى حتى وصل عدد الذين يعيلون أسرهم في ألمانيا إلى حوالي 700 ألف طفل وذلك وفقا لبيانات جمعية حماية الأطفال الألمانية، وينسحب ذلك على بعض الدول العربية مثل المغرب والتي تؤكد بعض الإحصائيات أن قرابة 600 ألف طفل مغربي تتراوح أعمارهم بين 5-14 سنة يزاولون أعمالا لإعالة أسرهم ومن أخطر أشكال هذه الظاهرة ما يتنامى الآن في بعض الدول الفقيرة جدا وهو الاتّجار بالأطفال مع أن هناك بعض القوانين والاتفاقات الدولية التي تحرم وتجرم ذلك مثل الاتفاقية الدولية رقم 182 والتي لا تجيز الاتجار بالأطفال والعمل العنصري والخدمة في البيوت إلا أنه قد تم تسجيل 1,200 مليون طفل في العالم وقعوا ضحية الاتجار سنة 2002 م –( المرجع سفارة فرنسا لدى البحرين ) .

وفي النهاية إن كل ما تحدثت به المراكز المختصة من حلول لا يمكن أن تعطي الحل الصحيح الذي يضمن للإنسان كرامته وحقوقه ويجعل للطفولة براءتها وصحتها وعافيتها لأنها ترقيعات لفتوق كبيرة، ولا يتحقق إزالة الخوف والتعب والشقاء من أذهان الأطفال إلا بتجفيف منابع أسبابها ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالعودة إلى قوانين السماء وعدم الإعراض عن شريعة الله وطريقة محمد صلى الله عليه وسلم حتى تعيش البشرية والإنسانية ومنهم الأطفال في طمأنينة وسعادة وراحة وهناء في كل مجالات الحياة بأن تتوفر الحاجات الأساسية لكل الناس فردا فردا وأن تشبع لكل الناس إشباعا كليا تجعله مطمئنا على نفسه وعلى أسرته ومن يعول . ويكون ذلك بإشباع الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن وصحة وتعليم. وتوفير الحاجات الأخرى ما استدعت الضرورة إلى ذلك حيث يعم الخير ليس على الأطفال فقط وإنما على الشباب والشيوخ وتحل مشاكل وظواهر ليست ظاهرة تشغيل الأطفال فقط وإنما مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية، وأعيد وأقول ما لم يقض على منابع الأسباب التي ذكرت في إيجاد هذه الظاهرة والعودة إلى قانون السماء لتطبيق أحكام الله من خلال دولة الإسلام دولة الخلافة ستبقى كل الحلول ترقيعات في ثوب مهترئ
إن الجشع والطمع والاستغلال هي المسيطرة على حياة الناس وبالأخص أصحاب رؤوس الأموال في الدول الغنية والتي تسمي نفسها بالمتقدمة حيث من صالحها أن تبقى هذه الظاهرة وظواهر أخرى ومشاكل في العالم حتى تستنزف خيرات الناس وتجعلهم عبيدا عندها مهما تشدقوا بعلمهم وتحدثوا عن حريتهم ونادوا بديمقراطيتهم ولو لم يذكروا أن من صالحهم بقاء الحرائق في كل جنبات الأرض والله أعلم.
   
نعيم عودة
سلوان
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


الأزمة السياسية في لبنان، والحل الجذري لها

الحلقة الأولى

لقد كان القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2004 بدفع فرنسي، البوابة التي دخل معها الصراع على لبنان بين فرنسا وأميركا مرحلة جديدة. حيث دعا القرار إلى خروج القوات الأجنبية من لبنان وعارض التمديد للحود ودعا إلى انتخابات رئاسية حرة في لبنان وحل المليشيات ونزع سلاحها. وكان القرار ضد الوجود والنفوذ السوري في لبنان، والذي يمثل السياسة الأميركية في البلد. وقد عملت أميركا على التخفيف من حدة القرار، حيث كان مشروعه الفرنسي ينص على الخروج السوري من لبنان، فحولته أميركا إلى الدعوة لخروج القوات الأجنبية من لبنان. جاء القرار في الوقت الذي بدأت تتراجع فيه سياسة الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة مع إخفاقها في العراق، الأمر الذي حفّز الأوروبيين على التحرك لاسترداد أماكن نفوذهم أو تعزيزه فيها. والذي ساعد الأوروبيين على النجاح نسبياً في لبنان، هو أن علاقة النظام السوري بالإدارة الأميركية في ذلك الوقت لم تكن جيدة، بل كان هناك بعض التوتر وعدم الثقة بين الطرفين، بسبب السياسة التي اتبعها المحافظون الجدد في التعامل مع عملائهم. إذ لم يعد من المقبول وفق السياسة الجديدة أن يتذرع العملاء بالأوضاع الداخلية أو الإقليمية ليتهربوا من تنفيذ بعض الأوامر، فقد جعل بوش من كرزاي أو على الأقل من مشرف مثالاً للعملاء الذين يرضى عنهم.
لم يكن من المتوقع أن يحدث القرار 1559 تغييرا كبيرا على الساحة اللبنانية، إذ رغم أن فرنسا تمكنت من استصداره بعد تعديلات أميركية أضعفته إلاّ أنها لا تملك آلية لفرضه وتطبيقه، الأمر الذي جعل النظام السوري يتجاهله، وبالتالي لا يفكر بالخروج من لبنان ولا بالرجوع عن التمديد للحود ويستمر بتسليح حزب الله. كانت فرنسا تراهن على الوقت، وعلى تنامي قوة عملائها وعملاء بريطانيا على الساحة اللبنانية، وكانت تتوقع أن تؤدي الانتخابات النيابية اللبنانية سنة 2005 إلى نجاح كبير لعملائها، الأمر الذي سيساعدها على تكثيف الضغط على النفوذ الأميركي في لبنان المتمثل بالوجود السوري وحلفائه.
ومع اقتراب موعد الانتخابات بداية سنة 2005 واشتداد التوتر السياسي، جاء اغتيال رفيق الحريري ليشكل زلزالاً كبيراً وليدفع بالصراع إلى ذروته. وقد شكل هذا الاغتيال فرصة ذهبية لفرنسا وعملائها في لبنان، الذين سارعوا إلى اتهام سوريا بالوقوف وراء الاغتيال، الأمر الذي أدى إلى فورة في الشارع، سارعت فرنسا وجماعتها إلى استثماره وتحويله إلى قوة ضاغطة باتجاه تنفيذ مشروعها، بتنفيذ أهم مسألة بالقرار 1559 والمتمثلة بالخروج السوري من لبنان.
وقد جرت الانتخابات النيابية سنة 2005 في هذه الأجواء، فحققت فرنسا مكسباً جديداً تمثل في فوز عملائها بالأكثرية النيابية. وبعد أن شكلت الأكثرية الحكومة بمشاركة حزب الله وأمل، وجهت قوى 14 آذار ضغطها باتجاه لحود ساعية لإسقاطه من رئاسة الجمهورية، لأنها تعلم أن بقاءه في السلطة سيحول دون تمكنها من إحكام قبضتها على السلطة وأجهزتها الأمنية وسيعيق تنفيذ مشروعها الذي أطلقت عليه ثورة الأرز. ولكنها لم تتمكن من ذلك رغم أنها وجهت إليه ضربة قوية تمثلت بعزل مجموعة من أهم رجالاته في السلطة، بتهمة علاقتهم باغتيال الحريري. جاء القرار الدولي بتشكيل لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري، ومن ثم المحكمة الدولية، ليكون أداة فعالة بيد فرنسا وجماعتها ضد النظام السوري وحلفائه في لبنان.
ورغم هذه النجاحات على أكثر من صعيد، إلا أن مشروع 14 آذار والتمدد الفرنسي وصل إلى طريق مسدود. فرغم خروج النظام السوري من لبنان، فإنه خلّف وراءه مجموعة من العملاء والحلفاء، في السلطة وخارجها، استطاعوا أن يقفوا في وجه النفوذ الفرنسي، ويحولوا دون إكمال المشروع.
فقد أعاق لحود توسع نفوذ 14 آذار في الدولة. كما حاولت قوى 14 آذار المضي قدماً في تنفيذ القرار 1559، وبالتحديد الجانب الذي يتحدث عن نزع سلاح الميليشيات، وطالبت حزب الله بالتخلي عن سلاحه واعتبرته سلاح ميليشيا يجب نزعه. إلا أن تلك المحاولات قد فشلت، سواء في لقاءات الحوار أو التشاور، التي عقدها نبيه بري بين طرفي النزاع في البلد. إلى أن جاءت حرب تموز والعدوان الإسرائيلي على لبنان بعد خطف حزب الله لجنديين إسرائيليين، وكان الهدف الإسرائيلي واضحاً من هذه الحرب، وهو تنفيذ ما لم تتمكن قوى 14 آذار من تنفيذه في القرار 1559 والمتمثل بنزع سلاح حزب الله بوصفه قوة تقف بوجه بسط نفوذ فرنسا وسيطرتها على لبنان، من خلال مشروع 14 آذار.
ولم تُخفِ قوى 14 آذار رغبتها بأن تؤدي الحرب إلى نزع سلاح حزب الله. وجاءت تصريحات البعض من 14 آذار، لتشكل غطاءً لعدوان يهود انسجاماً مع الموقف الأوروبي والسعودي. ولكن يهود فشلوا فشلاً ذريعاً بتحقيق هدفهم من الحرب بل وجدوا أنفسهم قد تورطوا في الحرب ولا يستطيعون الخروج منها. إلى أن صدر القرار 1701، الذي أنهى الحرب ووسع صلاحيات اليونيفيل وزاد عددها إلى 15000 عنصرا، وعملت أميركا على عدم اشتراط القرار تسليم سلاح حزب الله، وهذا ما صرح به جون بولتون. وكان طموح فرنسا كبيراً، فلم يكن يقتصر على أخذ لبنان من أميركا، بل ذهبت إلى العمل على إسقاط النظام السوري نفسه. وقد استمرت هذه السياسة الفرنسية الأوروبية حتى وقت قريب. ويبدو أن فرنسا تراجعت مرحلياً عن مقاطعة النظام السوري وعزله وإسقاطه، خاصة بعد أن عملت الإدارة الأميركية على إخراجه من عزلته إذ أشركته في مؤتمر بغداد وبعدها في شرم الشيخ، ومن ثم لقاء المعلم بِرايس، والزيارات التي سبقتها وتلتها للسياسيين الأمريكيين إلى دمشق، وكان من بينهم رئيسة مجلس النواب الأميركية.
خرج حزب الله من الحرب قوياً، فأعلن أن بعض قوى 14 آذار قد تآمر عليه في الحرب، وأعلن هو وحركة أمل انسحابهما من الحكومة، وطالب بحكومة وحدة وطنية يكون له ولحلفائه الثلث الضامن فيها، ولكن الأكثرية رفضت ذلك على اعتبار أن الهدف من ذلك هو الحيلولة دون إقرار المحكمة الدولية داخل الحكومة. ثم دعت المعارضة إلى اعتصامات في نهاية العام الماضي لإسقاط الحكومة ولكنها لم تنجح رغم ما نظمته من اعتصامات كبيرة في وسط بيروت، إذ إن شبح الانجرار إلى حرب أهلية مذهبية، خفّض سقف تحركات المعارضة، ولم تفلح حتى في إجبار الأكثرية على القبول بتشكيل حكومة وحدة وطنية. وها قد مرت سنة تقريباً على اعتصام المعارضة في وسط بيروت، جاء موعد الاستحقاق الرئاسي ولم تتمكن المعارضة من تحقيق أهدافها، إلا أن هذه التحركات للمعارضة وما رافقها من اغتيالات وعمليات تفجير أدت إلى شل الأكثرية والبلد كله. وحتى فترة قصيرة قبل دخول موعد الاستحقاق الرئاسي كانت المعارضة تصر على أنها لن تسمح بإجراء انتخابات رئاسية، إن لم يسبقها تشكيلُ حكومة جديدة يكون لها الثلث المعطِّل فيها، الأمر الذي رفضته الأكثرية على اعتبار أنها لا تثق بنوايا المعارضة، واتهمتها بأنها ربما تريد تشكيل حكومة لها فيها الثلث المعطل، دون أن تسهل انتخابات رئاسة الجمهورية، فلا يتم انتخاب رئيس، فتنقل صلاحياته إلى حكومة يكون للمعارضة فيها الثلث المعطل. واستمر هذا الإصرار من المعارضة على اشتراط تشكيل حكومة وحدة وطنية قبل انتخابات الرئاسة، إلى أن عاد السفير فلتمان إلى بيروت من زيارة له إلى واشنطن، والتقى مباشرة بعد عودته بنبيه بري لمدة ساعة ونصف، فخرج بري بعد هذا اللقاء بأيام ليعلن من بعلبك مبادرته الجديدة التي تتنازل فيها المعارضة عن شرطها أن يسبق انتخابات الرئاسة تشكيل حكومة جديدة، شرط أن تتخلى الأكثرية عن فكرة انتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً. فأعلنت الولايات المتحدة تأييدها للمبادرة، وجاء ذلك على لسان فلتمان وعلى لسان مسؤولة في وزارة الخارجية الأمريكية.
وكان جنبلاط قبل هذه المبادرة حذّر جماعة 14 آذار من أي تسوية، وعدّ من يسير في ذلك بأنه خائناً يجب أن يعدم سياسياً.
أما موقف 14 آذار من المبادرة فجاء بارداً، بل رافضاً للمبادرة. إذ رفضت التخلي عن حقها انتخاب الرئيس بالنصف زائداً واحداً كما تدعو مبادرة بري، واكتفت بالدعوة إلى الحوار، دون شروط مسبقة، الأمر الذي اعتبره بري بمثابة ورقة نعوة لمبادرته، وحذر من الشر المستطير، إذا لم يحصل التوافق على رئيس الجمهورية.
حصل تحول في موقف جنبلاط بعد مبادرة بري لإدراكه بأن أمريكا تقف وراءها بقوة، إذ أعلن أنه لا يوافق على التسوية ولكنه لن يعطلها. ففي ظل هذا الموقف الرافض من قوى 14 آذار لمبادرة برّي، وما رافقه من تصريحات فرنسية وأوروبية تعرب عن تأييدها لحق الأكثرية انتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً، وكان من ضمنها تصريح كوشنير في زيارته الأخيرة لبيروت، رغم أنه كان صرح سابقاً بأنه يؤيد انتخاب رئيس توافقي، في ظل هذه الأجواء وهذا الموقف الرافض من قوى الأكثرية لمبادرة برّي، وبعد أن بدا أن قوى الأكثرية تراهن على الوقت، وعلى احتمال حصول متغيرات في المنطقة تأتي لصالحها وتغير موازين القوى، جاء اغتيال النائب روبير غانم وكأنه الرد على هذا الموقف الرافض من قوى 14 آذار لمبادرة برّي، وليكون رسالة واضحة لها بوجوب تغيير هذا الموقف الرافض للتسوية.

.... يتبع بإذن الله تعالى
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
مقتضيات التوحيد

التوحيد : هو إفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية والحاكمية
ما المقصود بإفراد الله تعالى بالربوبية ؟
1 ) - توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله - سبحانه - مثل الخلق والرزق وتدبير الأمور والإحياء والإماتة ونحو ذلك.
فلا خالق إلا الله، كما قال تعالى: { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } ( 62الزمر) .
ولا رازق إلا الله، كما قال تعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } (6هود) .
ولا مدبِّر إلا الله، كما قال تعالى: { يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ } (5السجدة)
ولا محييَ ولا مميت إلا الله، كما قال تعالى : { هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } (56يونس) .
ما هو أثر توحيد الربوبية على الإنسان المسلم؟
إن المسلم حينما يعتقد أن الله هو الخالق وهو الرازق والمحيي والمميت يندفع في هذه الحياة لإرضاء الله لا يخشى على رزقه لأنه يعلم أنه من عند الله وليس من عند البشر ولا يخشى على أجله لأنه بيد الله فلا يخشى أن يقول كلمة الحق ولو كانت تُعرِّضه للسجن أو الاعتقال أو الطرد من الوظيفة
وهكذا اندفع الصحابة الكرام في حملهم للإسلام ففتح الله على أيديهم البلاد وهدى على أيديهم العباد
ورحم الله خالد بن الوليد رضي اللّه عنه أنه حيث قال وهو في سياق الموت: (لقد شهدت كذا وكذا موقفاً وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء)

ما المقصود بإفراد الله تعالى بالألوهية؟

2) - توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد التي أمرهم بها. فتصرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، مثل الدعاء والخوف والتوكل والاستعانة والاستعاذة وغير ذلك.
فلا ندعو إلا الله، كما قال تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } (60غافر) .
ولا نخاف إلا الله، كما قال تعالى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (175آل عمران) .
ولا نتوكل إلا على الله ، كما قال تعالى : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (23المائدة) .
ولا نستعين إلا بالله، كما قال تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } (5الفاتحة) .
ولا نستعيذ إلا بالله، كما قال تعالى: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } (1الناس) .
ولا نعبد الا الله حيث قال تعالى : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (36النحل) .
وهذا هو معنى لا إله إلا الله:
هذه الكلمة العظيمة هي أول واجب على كل شخص، كما أنها آخر واجب، فمن مات على هذه الكلمة فهو من أهل الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة » (مسلم) .
ولذا فإن وجوب معرفة لا إله إلا الله أعظم الواجبات وأهمها.
ومعنى لا إله إلا الله : أي لا معبود بحق إلا الله وحده، فهو نفي الإلهيَّة عما سوى الله تبارك وتعالى، وإثباتها كلها لله وحده لا شريك له.
فمعنى الإله : هو المعبود، فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل إلا إله واحد وهو الله وحده.
3 ) ما معنى إفراد الله بالحاكمية ؟
هو الاعتقاد الجازم بأن لله وحده لا شريك له حق التشريع ابتداء واستقلالا، وسلطة الأمر والنهي، وحق الطاعة، وليس لغيره أن يأمر وينهى، أو أن يستحق الطاعة إلا بإذنه، جل وعز، مع قيام الدليل الشرعي القاطع على وجود هذا الإذن، فهو وحده الحكم، لا حكم غيره. فهو وحده، بموجب كونه الإله الأحد، والرب ذاتي الربوبية والسيادة، هو الذي يحدد الحرام والحلال، والحسن والقبيح، ويضع موازين الأخلاق والقيم. هذه الحقيقة يعبر عنها أحيانا بلفظ: «توحيد الحاكمية» أي أن حق الحكم والتشريع لله سبحانه وتعالى، منفرداً به، وحده لا شريك له، وربما عبر عنها بمبدأ: «السيادة للشرع» أي أن الشرع المنزل من الله تعالى له السيادة النهائية، والهيمنة العليا على جميع تصرفات العباد. وهذا التعبير الثاني، أي «سيادة الشرع»، أفضل من الناحية العملية لأنه يبين الكيفية العملية لتحقيق هذا القسم من التوحيد ألا وهى: الرجوع إلى الوحي، أي الشرع المنزل، المتمثل في نصوص الكتاب والسنة، وما دلاّ عليه من أدلة تفصيلية فرعية تبعية كالإجماع، والقياس المبني على علة شرعية، أي على علة منصوص عليها أو مستنبطة من النصوص. والاحتكام، أو التحاكم هو: طلب الحكم من أي نوع كان، من نوع: الفتيا، أو القضاء، أو التنفيذ، أو التشريع.
أخرج الطبري في «التفسير» بإسناد في غاية القوة والصحة عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، أنه سئل عن قوله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة : 31)
أكانوا يعبدونهم؟! قال: لا، (وفي رواية: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم) كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. وقد أخرجه الطبري بطوله من طرق عدة صحاح وحسان عن حبيب بن أبي ثابت، وروى مثله البيهقي، كما أخرجه الطبري من طريق أخرى عن حذيفة مختصراً بلفظ: (لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي!). ـ وأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس في تفسير الآية، قال: (زينوا لهم طاعتهم). ـ وأخرج بسند آخر عن السدي، قال: قال عبد الله بن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أرباباً). ـ وأخرج بسنده عن الحسن البصري في تفسيرها، قال: (في الطاعة). ـ وأخرج بسنده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في تفسير هذه الآية، قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟! قال: لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى؛ ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم! وقد فهم عدي، رضي الله عنه العبادة، هنا بمعناها الضيق البدائي (أي التذلل والخضوع، وأفعال التقديس: من ركوع، وسجود، وصلاة وصيام، ونصب محاريب، وتقديم ذبائح وقرابين، وإشعال شموع، وإطلاق مجامر وبخور، وتقديم صدقات ونذور!) فعلّمه النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإقرار للأحبار والرهبان بحق التشريع وجعلهم بذلك أرباباً لهم السيادة، عبادة لهم بالمعنى الواسع (والعبادة بالمعنى الواسع هي: التذلل والتقديس؛ والخضوع، مع الطاعة والاتباع؛ مع المحبة والولاء، ورأس ذلك وأصله: الطاعة والخضوع والتسليم). وأنت لو سألت الأحبار والرهبان: هل أنتم أرباب من دون الله لقفزوا فزعاً، وأنكروا عليك أشد الإنكار، واتهموك بإشاعة قالَةِ السوء عنهم، وتضليل الجماهير وتنفيرهم من قياداتهم الدينية. وكل ذلك لا يجدي: فهم بمنازعتهم الله في التشريع والحكم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله في حقيقة الأمر، فأصبحوا طواغيت كَفَرَةً، أعداءً لله، يجب الكفر بهم ومفاصلتهم، مهما صاحوا واعتذروا واحتجوا، ومن أعطاهم هذا الحق فهو مشرك كافر، مهما اعتذر وبرّر: فالقضية ليست قضية أسماء ومسميات وألفاظ، وإنما هي قضية حقائق الأقوال، وجوهر التصورات والمعتقدات. فهذا الفهم هو قطعاً الفهم الصحيح، وهو نفسه فهم حذيفة رضي الله عنه لهذه الآية، وهو كذلك تفسير ابن عباس، والحسن البصري، وأبي العالية. لذلك قال الألوسي في التفسير: الأكثرون من المفسرين قالوا: (ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم
وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}، (النساء؛ 4:61). وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (كان بين رجل من المنافقين ـ يقال له بشر ـ وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد, وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف ـ وهو الذي سماه الله «الطاغوت» أي ذو الطغيان ـ فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض، وقال: أنطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض; فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي, ونزلت الآية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت الفاروق). ونزل جبريل وقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلهـا إلى قولـه: {ويسلموا تسليما})، قلت: هذه قصة مكذوبة منكرة، ولو وقعت لسارت بها الركبان، ولرواها الثقات الأثبات عن أمثالهم، بل لتناقلتها الكافة عن الكافة! والكلبي عن أبي صالح، من أضعف أسانيد الدنيا، بل هو الكذب بعينه: فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن الإمام سفيان الثوري، وهو والله الثقة المأمون، أن الكلبي قال له: قال لي أبو صالح: (كل ما حدثتك عن ابن عباس كذب، فلا تحدث به)، فإن كان الكلبي صادقاً فأبي صالح كذاب، وإن كان الكلبي كاذباً مفترياً على أبي صالح فهو، والله المفتري الكاذب، الخليق بالترك والإطراح، فعلى كل حال يكون هذا الإسناد: الكلبي عن أبي صالح، ساقطاً لا يحل الاحتجاج به، ولا روايته إلا على وجه التكذيب والتعجب!! قال الله تعالى: {إنما كان قولُ المؤمنين إذا دُعوا الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون} (النساء؛ 4:65). وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم} (النور: 63). وقال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر؟!). وقال الإمام أحمد: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} أتدري ما الفتنة؟، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك). وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً}، (النساء؛ 4:59). وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً}، (النساء؛ 4:65). قال تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولاتكن للخائنين خصيماً}، (النساء؛ 4:105). قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرَةُ من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً}، (الأحزاب؛ 33:36). وقال تعالى: {أفحكمَ الجاهلية يبغون؟! ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون}، (المائدة؛ 5:50).

ما هي مقتضيات توحيد الحاكمية ؟
ومن مقتضيات التوحيد العمل بها وبمتطلباتها ظاهراً وباطناً، وهو الغاية منها ومن نزولها على الأنبياء والرسل، كما قال تعالى:( وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيِّمَة ) البينة:5. وقال تعالى:( ومـا خلقتُ الجن والأنس إلا ليعبدون ) الذاريات:56. أي ليوحدون ..
فمن أبطل العمل بالتوحيد كشرط لصحته أبطل الدين وأمات روحه، وأبطل حق الله على العبيد، والغاية التي لأجلها خلق الله الخلق وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، كما قال تعالى:( وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) الأنبياء:25. وقال تعالى( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل:36.
هذه الآيات وغيرها تفيد حصر مهام وغاية الرسل جميعاً في تحقيق التوحيد حق الله تعالى على العبيد، وكأنهم ليس لهم مهمة سوى تحقيق ذلك، كما قال الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه لطاغوت فارس عندما استجوبه عن الغاية من انبعاثهم وغزوهم لدياره: لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن سجن الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة !
وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال:" حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يُعذب من لا يُشرك به شيئاً " قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس ؟ قال:" لا تبشرهم فيتّكلوا " متفق عليه.
ولو كان الأمر ينتهي عند حد القول دون العمل لما امتنع كفار قريش عن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى دعوته، ولأعطوه " لا إله إلا الله " لفظاً مع بقائهم على شركهم وعاداتهم الوثنية، ولاستراحوا وأراحوا، ولما بذلوا أرواحهم وكل ما يملكون مقابل دفع كلمة التوحيد وعدم الاستجابة لها ..!
ولكن لما علموا أن من لوازم الإقرار بشهادة التوحيد العمل بها وبمضمونها ..
من لوازمه تكسير الأصنام والأوثان واعتزال عبادتها .. والانخلاع كلياً من الشرك وعبادة الأنداد ..
من لوازمه تغيير العادات الوثنية الجاهلية المنافية لروح وتعاليم لا إله إلا الله ..
من لوازمه أن تتحول الآلهة المزيفة إلى عبيد يتساوون في العبودية لله تعالى مع عبيدهم ومماليكهم ..
من لوازمه ذوبان جميع الفوارق بين الناس ..لا فرق بين الشريف والوضيع، ولا بين السيد والمسود .. إلا على أساس التقوى والالتزام بأخلاق وتعاليم هذا الدين الحنيف ..
من لوازمه أن ينخلعوا كلياً من أهوائهم وشهواتهم، ومكاسبهم التي كانوا يجنونها من وراء تعبيد العبيد للعبيد .. ويبرؤوا من ذلك كله لله رب العالمين .
ومن لوازمه أن تكون الرابطة بين الناس هي رابطة العقيدة لا رابطة الوطن ولا رابطة القومية
ومن لوازمه توحيد الأمة الإسلامية كلها في دولة واحدة تحت راية واحدة وخلف خليفة واحد
لما كان الإقرار بالتوحيد من لوازمه حصول جميع ما تقدم ـ ولن يرضى الشارع سبحانه بأقل من ذلك ـ قابلوها بهذا الحرب وبهذا العناد والإعراض الذي لم يعرف التاريخ مثيلاً له ..!!
ولأجل ذلك كله كذلك بذلوا للنبي صلى الله عليه وسلم كل غالٍ ونفيس من مالٍ وملكٍ ورياسة، وعرضوا عليه كل ما تستشرفه النفوس وتتمناه مقابل أن يعفيهم من الإقرار والانصياع لشهادة التوحيد لا إله إلا الله .. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يُجيبوه أولاً إلى لا إله إلى الله، إلى التوحيد الخالص وخلع الأنداد والأوثان، راداً عليهم جميع عروضهم وما بذلوه من ترغيب(1) ..!!
أبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل منهم شيئاً إلا بعد أن يجيبوه أولاً إلى التوحيد بشموليته: اعتقاداً وقولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً ..!
ما هي الخلاصة ؟
إن مقتضيات التوحيد لله توجب على المسلمين أن يجعلوا حياتهم كلها تسير وفق أوامر الله ونواهيه في الحكم والسلطان في الاقتصاد وفي الاجتماع وقي التعليم وفي العلاقة بين المسلمين والكفار وهذا لايكون إلا بإعادة القرآن إلى سدة الحكم أي إعادة الخلافة الراشدة التي بشر بها النبي ( ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة )
   
عبد الرحمن الزيود – أبو مصعب    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


غزوات وفتوحات إسلامية حصلت في شهر رمضان المبارك
موقعة ملاذ كرد

الحمد لله والصلاة والسلام على قائد المجاهدين وسيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلاً بك يا رمضان يا شهر الصبر والنصر ... يا شهر البذل والعطاء ... يا شهر العزائم والانتصارات والذكريات .
ما أعظم ذكريات الأبطال إذا ازوَرّت العزائم ، وفترت الهمم ، ووازن المثبطون بين الفريقين بميزان العدد والعتاد ... عندها يتميز الرجال ويصدق الصادقون ويخلص المخلصون.
إنها معركة ملاذ كرد، يوم من أيام المسلمين الخالدة، كبدر واليرموك وحطين والقادسية ... معركة غيّرت وجه التاريخ، وأثّرت في مسيرته، كانت نقطة فاصلة، ضعضعت دولة الروم، وأضعفت قوتها، فكانت بدايةَ خيرٍ لفتح القسطنطينية على يد القائد محمد الفاتح.
في مثل هذه الأيام المباركة، نذكر هذه المعركة المصيرية الفاصلة علها تكون دافعاً للمسلمين لإعادة الأيام الخالدة..
لقد جعل الله في الذكريات سلوى للذين يفتقدون الغوالي، وإننا في هذه الأيام نفتقد قائدنا وعزوتنا، نفتقد لحظات النصر وأيام الله فينا.
فما هي هذه المعركة... إنها معركة ملاذ كرد، وقائد المسلمين فيها ألب أرسلان كان قائداً ماهراً مقداماً، عمل على تثبيت الدولة من الداخل، ونشر الإسلام إلى العالم بالجهاد ...كان متلهفاً للجهاد في سبيل الله، وكان حريصاً على نصرة الإسلام ورفع رايته، كانت غايته إزالة الفاطميين من الوجود لتوحيد العالم الإسلامي تحت الخلافة العباسية، فكانت روح الجهاد هي المحرك للفتوحات عنده، ضم حلب والشام والرملة والقدس، وأعد جيشاً لفتح بلاد الأرمن، وجورجيا ففتحها وضمها إلى بلاد المسلمين.
أحس الإمبراطور البيزنطي (رومانوس الرابع ) بخطر ألب أرسلان، فجهز جيشاً ضخماً يتكون من مائتي ألف مقاتل جاء بجحافل أمثال الجبال من الروم والرخ والفرنج .
تحرك بهم من القسطنطينية، ومَنّى نفسه بنصر حاسم، يقضي على خطر السلاجقة، إنه غرور القوة... أطمعته قواته وعتاده بأن النصر حليفه آت لا ريب فيه.
أدرك ألب أرسلان حرج الموقف، فهو أمام جيش ضخم، وجنده لا يتجاوزون خمسة عشر ألفاً، ولكن ألب أرسلان كان عظيم الإيمان بالله، كان يقول إني أقاتل صابراً محتسباً، فإن سلمت فبنعمة من الله، وإن كانت الشهادة فيا فوز المحسنين.
ونظراً لقلة جنده أرسل إلى رومانوس يطلب المهادنة فأبى، وملكه البطر والغرور- كحفيده اليوم حاكم أمريكا - رفض رومانوس الصلح وهدد السلطان بالهزيمة والاستيلاء على ملكه، وقال: لا هدنة إلا في قلب عاصمتك (الري).
فريع لهذا الرد وعرف أن ملك الروم جمع جموعه، وعبأ جنده ونثر حقده؛ فتوهجت إرادة ألب أرسلان، واستنارت عزيمته، وتوقد مضاؤه، وتراءت له غرف الفردوس، فعمد إلى جنوده يشعل في نفوسهم روح الجهاد وحب الاستشهاد .. أوقد في قلوبهم جذوة الصبر، والثبات، وآزره وشد من عضده الفقيه أبو نصر البخاري قائلاً له: (إنك تقاتل عن دينٍ وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح المبين فسر على بركة الله).
وفي يوم الجمعة تجمع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها للصلاة في مساجدهم، والخطباء يدعون للمسلمين بالنصر والظفر، والملايين تؤمن على الدعاء وكان الدعاء مقرونا بالإجابة.
وحين دنت ساعة اللقاء في آخر ذي القعدة، صلى بهم الإمام أبو نصر البخاري الجمعة، وبكى السلطان، فبكى الناس لبكائه، ودعا ودعوا معه، ولبس البياض وتحنط وقال: إن قتلت فهذا كفني .
وعجل بدخول المعركة في لحظات نفحات الدعاء الصاعدة إلى ربها، وأخذ السيف والدبوس، والتفت إلى جنده، والدموع في عينيه من خشية الله ، وقال من أراد أن ينصرف فلينصرف فما ها هنا سلطان يأمر وينهى.
هكذا تستنهض العزائم إذا فترت عند اللقاء..
هكذا تستثار الهمم إذا لاحت بوادر الزعزعة... عفّر ألب أرسلان وجهه بالتراب، وبكى والتجأ إلى الله في الدعاء ومضى على بركته إلى ساح الوغى .. وواللهِ، بأمثال هؤلاء تفتتح الدنيا.
فنحن قوم نتوهج اقتداراً إذا حاول الكافر إذلالنا ... نصنع المعجزات إذا أحيط بنا ... نكتتب قصوراً في الجنة إذا عقدنا العزم على أن نهزم عدونا ... إنها بيعة الموت .. إنها كبيعة الرضوان، سجلت فصلاً من فصول العزة.
حمل السلطان وحملت عساكر المسلمين معه، أقدموا كالأسود الضواري تفتك ما يقابلها، هاجموا الأعداء بجرأة وشجاعة، أمعنوا فيهم قتلاً وتجريحاً، فتبدد شمل جيش الروم، وضاع نظامه، وتبعثرت قطعانه، ووقعوا بين قتيل وجريح ومأسور، وما هي إلا ساعة حتى انقشع غبار المعركة، عن جثث الروم تملأ السهل والجبل ووقع رومانوس أسيراً للمسلمين، فقام بين يدي ألب أرسلان وقبل الأرض بين يديه.
فقام السلطان فأطلق سراح رومانوس بعد دفع فدية مقدارها مليون ونصف دينار ذهب، وعلى أن يطلق سراح كل أسير مسلم في أرض الروم، وعلى أن يدفع الروم جزية مدة خمسين عاماً، وأن يتعهد الروم بعدم الاعتداء على دولة الإسلام.
عاد رومانوس إلى دياره، وأسقط من عداد الملوك، وعين مكانه ميخائيل السابع، ووضع في السجن وسملت عيناه.
بعد هذه المعركة، انحسر نفوذ الروم، واشتد عود الدولة الإسلامية، وواصل المسلمون فتوحاتهم، وانتهت هذه الفتوحات بالإطاحة بدولة الروم، والاستيلاء على القسطنطينية.
أيها الإخوة:
لو بزغ فجر قائد كألب أرسلان هذه الأيام... لو كانت للمسلمين دولة خلافة يقودها قائد رباني...
لو كان لهذه الجيوش قائد مقدام، لتبدد شمل الغزاة على أرض العراق وكشمير والشيشان وأفغانستان وفلسطين ... لو كان لنا قائد لكان لنا جُنّة نقاتل من ورائه، ولأمكن الله من الفجرة، ولأسر قائد الكفرة، ولاستغاثوا يطلبون الصفح والغفران.
تلك هي سنة الله في معارك المسلمين مع أعدائهم، جيشٌ يسبح الله، ويأخذ بالأسباب، وقائد يلجأ إلى الله، وجندي يحمل السلاح بحقه، ينادي يا نفس إن لم تقتلي تموتي؛ وعقيدةٌ راسخة يقينية في أن الباطل سيهزم مهما طال واستطال ومهما عتا وتكبر .. تدفع المسلمين للإقدام قائلين: يا ريح الجنة هبي .. ويا خيل الله اركبي.
عندها لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.. عندها ليولُنّ الأعداءُ الأدبار ثم لا ينصرون .
فيا ربِّ، عجل لنا نصرك وفرجك؛ خلافةً راشدة على منهاج النبوة ...
آمين .. آمين... والحمد لله رب العالمين.
   
أبو أنس الكرمي
طولكرم
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


معارك رمضان
انتصار المسلمين على الساسانيين


بعث الله نبيه محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكي السلام رسولا إلى الناس كافة وكفل لنبيه ، ولمن امن برسالة الإسلام النصر والظهور في الأرض، فآمن من آمن من الناس وحمل هؤلاء المؤمنون الواثقون بنصر الله دين الإسلام مشعل خير ونور إلى البشرية لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فانطلقوا رضوان الله عليهم بالفتوحات بعد أن وطد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أركان الدولة الإسلامية الفتية في جزيرة العرب، وكما وعد الله هؤلاء المجاهدين في سبيله النصر والتمكين فقد منّ عليهم به لما ظهر منهم الإخلاص لدين الله، والقيام بتبعاته خير قيام وبما هو أهله ، وفي أقل من قرن من الزمان استطاعت جيوش المسلمين أن تنشر الإسلام فيما يزيد عن نصف العالم القديم بعد استئصال شأفة أعتى قوتين في ذلك العالم "الفرس والروم "،الذين طغوا فيه وأذاقوا أهله كؤوس الذل والظلم حتى غدت الدولة الإسلامية المخلّص للشعوب المقهورة، بعد أن ظهر للناس مَثَلُهَا الحي بإظهار عظمة أفكار الإسلام على أيدي خلفائها الذين كانوا الأنموذج الأمثل والوحيد للعدل في ذلك العالم القديم ، فأخذت الشعوب تدخل في الدين تَتْرَى حتى إن كتب التاريخ الإسلامي تروي أن عمرو بن العاص استطاع فتح مصر بأربعة آلاف جندي، ذلك أن الروم لم تكن لهم الأرضية الشعبية مما دفع أهل مصر إلى مساعدة جيش المسلمين للقضاء على الروم، لما ذاقوه من الظلم على أيدي الروم، حتى إن بعض المؤرخين قالوا إن مصر حررت تحريرا ولم تفتح فتحا ، هذا ما كان عليه حال المسلمين عندما كانت لهم دولة اتخذت عقيدة الإسلام أساسا لها فاستحقوا نصر الله، وبفضله سبحانه انتشر الإسلام بهذه السرعة العجيبة ، واستطاع حملته إرساء دعائم الحضارة الإسلامية بعد القضاء على الحضارتين الفارسية والبيزنطية، وإليكم بعضا من فتوحات المسلمين كما روتها كتب التاريخ الإسلامي .
ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب _ رضي الله عنه_ كانت جيوش المسلمين تحارب على جبهتين : الغربية وتضم مصر والشام، والشرقية وتضم بلاد فارس والعراق ،حيث استقر وضع الجبهة الغربية ،وكلّلت فتوحات المسلمين فيها بفتح مصر عام 20من الهجرة، فعادت جيوش المسلمين لتستكمل فتوحاتها المباركة على الجبهة الشرقية، إذ إن الكثير من المناطق من بلاد فارس لم تفتح بعد ، ذلك أن الساسانيين "الفرس" لم يزالوا يحكمون تلك المناطق والمدن الكبيرة فيها، فبعث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ أبا عبيدة بن مسعود الثقفي، وأمر المثنى بن حارثة أن يكون في طاعة أبي عبيدة ، وسار أبو عبيده حتى عبر نهر الفرات بمن معه من جيوش المسلمين ، وعند النهر دارت معركة عظيمة هي معركة "الجسر"، استشهد فيها قائد جند المسلمين أبو عبيدة الثقفي وعدد كبير من جند المسلمين اتخذهم الله سبحانه شهداء. فهنيئا لهم بعد أن انتصر المسلمون على الفرس في مواقع سابقه ، إلا أن الأمر لم يحسم بعد هذه المعركة، فبعث أمير المؤمنين جيشا آخر يقوده المثنى بن حارثة ، وقد حقق المسلمون في هذه المعركة انتصارا رائعا، فقد قتل "مهران "قائد جيش الفرس في المعركة هو وكثير من أتباعه، فخابوا وخسروا ، وكانت تلك وقعة البويب ، وقد سماها المسلمون معركة الأعشار لان كثيرا من المسلمين قتل كل واحد عشرة من الفرس .
وفي القادسية التقى الفرس والمسلمون، وكان قائد جيش المسلمين فيها سعد بن أبي وقاص ،فدارت فيها رحى معركة ضروس أفقدت الفرس صوابهم الخاطئ ، وهرب قائدهم رستم ومعه عشرات الآلاف من جنوده مذعورين من أمام جحافل جيش المسلمين ، فغنم المسلمون الغنائم الكثيرة من هذه المعركة التي استمرت عدة أيام ، وأخذت مدن فارس تتساقط في أيدي الجيش الإسلامي العتيد تساقط الثمر واحدة بعد الأخرى ، وكان هذا النصر للمسلمين في القادسية دافعا لهم إلى مواصلة الزحف المظفر على العاصمة "طيسفون" التي سماها المسلمون بالمدائن، ويشتدد القتال مرة أخرى ضراوة ، ويهدم الفرس الجسور حتى لا يتمكن جيش المسلمين من عبور نهر دجلة ، لكن المسلمين لم يعدموا الحيلة والوسيلة، فبهمتهم العالية وعزيمتهم القوية ، اندفعوا بخيولهم وعبروا النهر عندها اضطربت أحوال جيش الفرس وأحاطت به الهزيمة ، وهرب ملكهم "يزدجرد بن شهريار" إلى حلوان بأرض فارس ، وسقطت العاصمة الفارسية العريقة في أيدي المسلمين، وكان ذلك عام "637م" ورفضت جموع الفرس أن يدفعوا الجزية ، وفضلوا عبادة الكواكب والنار المجوسية على دين الإسلام وعبادة الله الواحد ، فذلوا وخسروا لكفرهم بالله ،إذن لم يبقَ إلا الحرب، وبالفعل أخذ الملك الهارب "يزدجرد" بحفر الخنادق بعد أن عسكر بجيشه المهزوم قرب حلوان الفارسية، وحضرت إلى منطقة حلوان القوات الإسلامية الباسلة، وباشرت من فورها اقتحام الخنادق التي تخندقت فيها فلول الجيش الفارسي المهزوم ، وحمي وطيس المعركة فكانت معركة عنيفة جدا كتب الله سبحانه لعباده المؤمنين من القوات الإسلامية النصر، وكان اسم هذه المعركة "معركة جلولاء" قاد فيها جيش المسلمين "هاشم بن عتبة"، أما قائد الفرس هذه المرة فالملك لساساني "يزدجرد" الذي هرب عقب المعركة مرة ثالثة إلى منطقة الري .وفي الري أخذ الملك الهارب "يزدجرد" يجمع فلول جيشه المهزوم لكن دون جدوى ، إذ إن القوات الإسلامية اندفعت كالأسود إلى منطقة الري ، فكانت فيها معركة عظيمة انتصرت فيها جيوش المسلمين بفضل الله ومنته، وعلى إثر ذلك فتح المسلمون مدينة "نهاوند"، وقد وصف هذا الفتح بأنه "فتح الفتوح"، ذلك أن جيوش المسلمين تقدمت ، وأخذت تفتح المدن المجاورة لمدينة "نهاوند" حتى أخضع المسلمون منطقة "أذربيجان"، وكانت هذه الانتصارات الباهرة باعثا قويا لاستسلام الفرس ، حيث مال معظمهم إلى الصلح أي إلى الخضوع لأحكام الإسلام، فاستسلموا مقهورين إلا ملكهم "يزدجرد" الذي من فرط قهره هرب مرة أخرى من وجه المسلمين إلى "خراسان"، وظل أمره في نقصان إلى أن اغتيل فيها سنة "31هجري\652ميلادي"، في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان _رضي الله عنه _ وبموته انتهت دولة "آل ساسان" إلى غير رجعة، وتمت للمسلمين السيطرة على بلاد فارس، وأخذ أهلها يدخلون في دين الإسلام طواعية.والحمد لله من قبل ومن بعد .

أرأيتم كيف ساد المسلمون وانتصروا، وفرت من أمام جيوشهم الملوك، أرأيتم شرق العالم الإسلامي الكبير وغربه، فلقد والله داسته سنابك خيول المسلمين الفاتحين بأمر وتدبير رجال دولة الإسلام الذين انقادوا للإسلام، فأكرمهم الله بقيادة الناس .نعم إن سبيل النصر المؤزر هو الدولة الإسلامية التي تطبق الإسلام على رعاياها، وتحمله إلى الناس الحمل الصحيح الذي أمر الله به وفق الطريقة الشرعية والوحيدة للدعوة بالجهاد في سبيل الله لنشر الخير في هذا
العالم ،ألا فليعمل المسلمون للخلافة حتى تنتهي أحوال الذل والفرقة في بلدهم، ليت شعري كيف هم بعد أن دالت دولتهم، فهذه أحوالهم في فلسطين ، والعراق، وكشمير، والأفغان ،بل كيف هم في هذا العالم الذي تتحكم فيه قوى الشر الغاشمة، هم كما قال الرسول صلوات ربي وسلامه عليه "أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام ".
فالخلافة الخلافة، فيها العزة والكرامة، وهي السبيل الوحيد لاستئناف الانتصارات، ودحر المعتدين عن بلاد المسلمين، ورد الصاع صاعين. فاعملوا لها أيها المسلمون لتحظوا بعز الدنيا، ونعيم الآخرة حتى تكونوا خير الأمم، كما أراد الله سبحانه لكم في قوله "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله "
6-9-2007م    
كتبه :أبو عبد الله الشرفا
المراجع:
تاريخ الكامل
ابن كثير
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


أجهزة دولة الخلافة (في الحكم والإدارة)

الخارجية


منذ سقوط دولة الخلافة في الثالث من آذارلعام 1924, والعالم يمر بتقلبات سياسية تفرضها طبيعة الدول الكبرى المتنازعة على ريادة العالم, وعلى الكيفية التي تخدم هذه الدول في التحكم في ميزان القوى العالمي وبالتالي خدمة مصالحها الخارجية والتي تؤثر بدورها على قوة سياستها الداخلية , وعلى تأمين ما يلزم لها من ثروات تمكنها من الاستمرار في هذا الميزان على حساب الدول الاخرى.
إلا أن الناظر في تاريخ دولة الإسلام يرى أن منهج هذه الدولة يكاد يكون ثابتا في جميع مراحلها. والواضح أن هذا الثبوت ناتج عن طبيعة العلاقة التي فرضها الإسلام في كيفية التعامل مع الدول الاخرى , بحيث جعل لهذه العلاقة سياسة واضحة تعتمد على الحكم الشرعي في التعامل وليست مبنية على اساس غير الشرع .
لقد عمل الإسلام على توحيد المسلمين تحت قيادة واحدة , والتي بدورها تعمل على توحيد السياسة الخارجية للدولة , إذ يجب أن يكون المسلمون في دولة واحدة , لهم خليفة واحد لا غير, ويحرم شرعا أن يكون للمسلمين في العالم أكثر من دولة واحدة وأكثر من خليفة واحد . وهذا بدوره يعمل على توحيد السياسة التي تطبقها دولة الإسلام , إذ لو كان هنالك أكثر من خليفة أو دولة إسلامية فإن طبيعة العلاقة بين هذه الدولة والدول الأخرى ستختلف عن طبيعة العلاقة بين هذه الدول والدولة الإسلامية الأخرى, وهذا بدوره سيعمل على إضعاف ثقل المسلمين في كفة ميزان القوى العالمي.
ومن جهة أخرى, وتأكيدا على ما ذكر, فقد حدد الإسلام أن يكون من صلاحيات الخليفة – والخليفة فقط – مسؤولية سياسة الدولة الداخلية والخارجية. فهو الذي يتولى قيادة الجيوش, وله حق إعلان الحرب, وعقد الصلح والهدنة وسائر المعاهدات. كما أنه هو الذي له حق قبول السفراء الأجانب ورفضهم, وتعيين السفراء المسلمين وعزلهم. فالخليفة هو الحاكم الفعلي وهو الذي يباشر بنفسه الحكم. وبتحديد مدى العلاقات الدولية واتخاذ مواقف يحدد فيها طبيعة هذه العلاقة. وله أن يجعل من معاون التنفيذ وسيطا بينه وبين الدول الأخرى, سواء بمتابعة المواقف السياسية للدول الأخرى ونقلها إلى الخليفة , أو بمتابعة تنفيذ قرارات الخليفة المتعلقة بتحديد طبيعة التعامل مع هذه الدول . فمن مهام معاون التنفيذ أن يكون وسيطا بين الخليفة والدول من حيث العلاقات الدولية: ومثال ذلك كتاب أهل منبج لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ورده عليه : قال أبو يوسف في كتاب الخراج : ( وحدثنا عبد الملك بن جريج عن عمرو بن شعيب أن أهل منبج – قوم من أهل الحرب وراء البحر – كتبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا . قال : فشاور عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه به, فكانوا أول من عشر من أهل الحرب).
غير أنه كما يجوز للخليفة أن يتولى العلاقات الدولية المباشرة بواسطة معاون التنفيذ , فإن له كذلك أن يعين مديرا يتولى العلاقات الدولية كأي جهاز من أجهزة الدولة الأخرى. بحيث تتمثل صلاحيات هذا الجهاز في جميع الشؤون الخارجية التي تتعلق بعلاقة دولة الخلافة بالدول الأجنبية, مهما كانت هذه الشؤون وهذه العلاقات , سواء أكانت تتعلق بالناحية السياسية وما يتبعها من اتفاقيات ومصالحات وهدن ومفاوضات وتبادل سفراء وإرسال رسل ومندوبين وإقامة سفارات وقنصليات , أم كانت هذه العلاقات تتعلق بالنواحي الاقتصادية أو الزراعية أو التجارية أو المواصلات البريدية أو السلكية أو اللاسلكية ونحوها . فكل هذه الامور تتولاها دائرة الخارجية , لأنها تمس علاقة الدولة بغيرها من الدول.
ونظرا لتعقيدات الحياة السياسية الدولية , فالأوْلى أن ينيب الخليفة عنه جهازا من أجهزة الدولة خاصا بالعلاقات الدولية يتابعه الخليفة كما يتابع أي جهاز من أجهزة الحكم والإدارة في الدولة , مباشرة أو بواسطة معاون التنفيذ وفق الأحكام الشرعية المتعلقة في ذلك.
وختاما فإن المقيد لأعمال هذا الجهاز هو الحكم الشرعي , وهو الذي يجيز لهذا الجهاز أن يقدم أو يحجم عن اتخاذ القرارات المتعلقة برسم سياسة الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى . فالأساس الذي يقوم عليه من أفكار ومفاهيم ومقاييس وأحكام ودستور وقوانين يميزه عن الأسس التي تقوم عليها أجهزة الحكم المعروفة في العالم اليوم .وهذا بدوره يعمل على تغيير طبيعة العلاقة بين الدول الأخرى وعلى ثقل دولة الإسلام بين منازعيها في سيادة العالم , وليس دليل أوضح من سيادة دولة الإسلام لحوالي 1400 سنة نتيجة اتّباعها لهذا المنهج .

   
أحمد/ الرام
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الإفطار في تونس


يكثر الحديث عن موائد الإفطار التي يقع تنظيمها - للفقراء – من قِبَلِ حاكم تونس وغيرِه من حكام المسلمين في شهر رمضان، ويقع إطراءُ ذلك العمل، والثناءُ على ذلك الحاكم في الإذاعات المحلية وغيرها... حتى وصل الأمر بأن تُوصَف الأطعمةُ التي تقدَّم في تلك الموائد، بأوصاف ترقى بها إلى المأكولات الفاخرة، ويظهر بالتالي ذلك الحاكمُ بمظهر المُحسن، ذي الفضل الكبير، والقلب الرحيم...
وتنطلي الحيلةُ على الكثير من البسطاء، فيُثنون عليه، بل ويَدْعُون له بالعون والتوفيق، ويهتفون له بطول العمر والسلامة...
وبتلك الموائد لا نجد إلا من رضي عليه حاكمُ البلاد، وكلُّ مَنْ غضب عليه لن يكون له بها مكان... ومن كان الرضي قد شمله، تجده مطأطئ الرأس في سبيل الحصول على تلك اللُّقَيْمات... ساكنا مستكينا، مهادنا مداهنا، عاملا بما يأمر هذا الحاكم، منتهياً عمّا ينهى عنه...
و ما يشدّ الانتباهَ حقّاً، أن هذا الحاكم يُروِّج في الأمة، بأنه هو من يُنفق على تلك الموائد، من ألفها إلى يائها، في حين أن تلك الموائد مُموَّلة من التبرعات التي يتبرع بها الناس، بل إن التبرعات تلك، تكفي وتزيد لأن يُذبَح خروفٌ، لكل فرد...
إن حال الأمّة الإسلامية، مُشابهٌ لحال صبية أيتام، انتزع منهم (ظالم) مزرعتهم التي ورثوها، ورمى بهم في كوخ مُنْزَوٍ، فكان (الظالم) يحثّ الناس بين الحين والآخر لأن يساعدوا هؤلاء الأيتام (الذين يتفضل عليهم بالإيواء!!!)، وأنه سيشرف على توزيع تلك المساعدات بنفسه!!! (بل إنه لم يكلِّف نفسَه إعطاءَ الصبية بعض ما يقتاتون من مالهم المسلوب ).
فهؤلاء الحكام قاتلهم الله، قد نهبوا خيرات الأمة، ومازالوا ينهبون وينهبون، وهم مُتمادون في جشعهم، ووساختهم المُقرفة، وهم ماضون مُصرُّون مُتعنِّتون على ظلمهم...
ولن تنطليَ حيلُهم القذرةُ-الوضيعة- على الأمّة، التي بدأت تتحسس طريق نهضتها، وعزتها... وإنْ جوَّعوها وأرهبوها، فلن يُفلح كيدُهم لها، وإنّها ستطردهم شرّ طِردة، وترمي بهم من على عروشهم الواهية، إلى الموت في دهاليز السجون أو المشانق...
ولْيعلمْ هؤلاء الحكامُ الخونة، بأن وقتَ حسابهم قد حان، فكل ما فعلوا ويفعلون سيكون عليهم وبالاً في الدنيا والآخرة، والله متم نوره...

ونتضرع إلى الله سبحانه في هذا الشهر الكريم بالدعاء :
اللّهم هذا حالنا لا يخفى عليك, وهذا ضعفنا ظاهر بين يديك، يا ربِّ نصرَك الذي وعدت. اللّهم مُجريَ السحاب مُنزِّل الكتاب هازم الأحزاب إهزمهم وزلزلهم، اللّهم اهزم كل حكام المسلمين الخونة الظلمة، وزبانيتهم وأزلامهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللّهم اخسف الأرض بهم، اللّهم دمر قوتهم، اللّهم شتت شملهم، اللّهم زلزل الأرض من تحتهم، اللّهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. اللّهم إنا مغلوبون فانتصر لنا، اللّهم أهلك الظالمين بالظالمين، اللّهم انتقم من كل من ظلم وطغى، اللّهم اجعل الدائرة تدور على حكام الضرار، نسألك اللّهم أن تكون ساعاتُهم معدودة، اللّهم انتقم من كل مَن آذى المسلمين أو شارك في إيذائهم، يا جبارَ السموات والأرض اهدم بنيانهم، اللّهم افقأ عيونهم، اللّهم صُمَّ آذانهم، اللّهم أخرس ألسنتهم، اللّهم شُلَّ أيديهم، اللّهم اطمس على قلوبهم، اللّهم اقصم ظهورهم، اللّهم قطّع أمعاءهم، اللّهم شل أركانهم، اللّهم أهلك حرثهم ونسلهم، اللّهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم جبروتك، اللّهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللّهم أرنا فيهم يوما أسودا كيوم عاد وثمود، اللّهم اقذف الرعب في قلوبهم، اللّهم فَرِّق جمعهم وشتت شملهم وخالف بين قلوبهم، اللّهم أشغلهم بأنفسهم عن المؤمنين، ولا تجعل لهم على المؤمنين سبيلا، اللّهم اجعل قوتهم عليهم دمارا يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، اللّهم لا ترفعْ لهم راية، ولا تحققْ لهم غَاية، واجعلهم للناس عبرة وآية، اللّهم عليك بهم فإنهم لا يعجزُونك، اللّهم انتصر لأوليائك وحملة دعوتك، اللّهم انتصر لأحبابك على أعدائك، اللّهم مكّنا من رقابهم ويسر لنا إقامة دولة الخلافة عن قريب لننسيهم وساوس الشيطان، اللّهم أزل عروشهم يا رب العالمين، وأشف صدور قوم مؤمنين، يا حنّان يا منان يا قيوم السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يسر لنا أنصارا كأنصار الأمس، اللّهم رب العرش العظيم عجل لنا بالفرج، اللّهم عجل لنا بنصرك, اللّهم مكّنّا من إقامة دولة تحكم بكتابك وسنة نبيك، تحرر البلاد والعباد من الظالمين وأعوانهم، اللّهم انصر مَن نصرك واخذل من خذلك...
إن الله يمهل ولا يهمل وإن غداً لناظره قريب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونفوض أمرنا إلى الله، إن الله بصير بالعباد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وإن نصر الله لقادم، وفقنا الله وغفر لنا.

وصلّ اللّهم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.

يقول الله سبحانه وتعالى { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } الحج38

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


   
أخوكم أبو الحسن التونسي    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


قضايا اجتماعية
أبناؤنا والفضائيات

إن للإعلام دور فاعل ومؤثر في الأمة فهو أهم وسيلة لإيصال الأفكار والمفاهيم إلى الناس والإعلان عن الأعمال ومواعيدها المتعلقة بهذه الأفكار والمفاهيم، فهو أسرع وسيلة لذلك كله إذ إن الفئة العظمى من الناس يتابعون وسائل الإعلام بشتى أنواعها.
وأهم وسيلة من وسائل الإعلام هي الفضائيات ، ويرجع السبب في هذه الأهمية على ما يلي:-
1. لأنها أسرع وسيلة إعلامية على الإطلاق، فالمشاهد يرى ما تبثه هذه الفضائيات مباشرة عن طريق الأقمار الصناعية التي تغطي الكرة الأرضية بكاملها.
2. لأنها تستقطب السواد الأعظم من الناس إن لم يكن جميعهم بسبب عظم المساحات التي يصل إليها بث هذه الفضائيات .
3. مقدرة هذه الفضائيات على تغطية الأحداث العالمية ونقلها بشكل مباشر أو لحظة حدوثها إلى المشاهدين وذلك عن طريق المراسلين والمصورين والفنيين المختصين بذلك وعبر الأقمار الصناعية.
وإذا قمنا بدراسة لهذه الفضائيات ومؤسسيتها ومموليها في بلاد المسلمين خاصة وفي العالم عامة فإننا نجد أن معظمها إن لم يكن جميعها قد أنشئ بأموال الغرب الكافر أو بأموال مستثمرين من العرب وأمثالهم من غير العرب يسيرون على نهج الكفار بتأثرهم بثقافتهم ونهجهم في الحياة ، فنتج عن ذلك أن تصبح هذه الفضائيات مسيسة بسياسة الغرب الكافر وبوقاً يدوي بصوته وساحة كبرى ليعرض بضاعته فيها ويسوقها في بلاد المسلمين .
وأخطر ما في الأمر طريقة الإدارة التي يدير بها الغرب هذه الفضائيات حسبما تتطلب مصلحته في كل بلد من بلاد المسلمين، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد في البلاد التي يريد الغرب الكافر تقطيع أوصالها وتجزئتها كالعراق و السودان ومصر وليبيا والجزائر، فضائيات لكل واحد منها خلفية طائفية لا هم لها إلا عرض مواد تثير بين الناس فتنة النزعة الطائفية والرغبة في الانفصال عن الآخرين. كذلك قام هذا الكافر باستغلال نسبة الجهل المرتفعة عند سكان بعض المناطق في بلاد المسلمين فأنشأ فيها فضائيات تبث الدجل والشعوذة بدعوى إعطاء الناس حلولاً وعلاجات لمشاكلهم في شتى نواحي الحياة عن طريق ترتيل آيات متفرقة من القرآن الكريم والقرآن بريء مما يفعلون، وما لهم من ذلك إلا أن يصرفوا الناس عن حقيقة كتاب الله " تعالى" وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" فهما دستور الأمة ومصدري التشريع لها، محاولين بذلك إقناعهم بأن القرآن ولا سنة صيدلية دواء وليسا مصدرين للأحكام الشرعية. ثم بعد ذلك أخذ هذا الكافر في إنشاء فضائيات لا عمل لها إلا أن تتبنى المغنيين والمغنيات والماجنين والماجنات وتنتج لهم أعمالهم الخليعة ثم تسوقها وتبثها للناس بشكل مستمر ودون انقطاع بغية إسقاط الناس أخلاقياً وخاصة الشباب منهم ذكوراً وإناثاً، وإنشاء أجيال جديدة من المسلمين لا تعرف في الحياة إلا الرقص والغناء والمجون والشهوات وارتكاب المعاصي فيتخذون من القائمين على هذه الأعمال مثلاً أعلى لهم في حياتهم ، فيسهل بذلك انتزاع الإسلام من قلوب المسلمين فتضيع الأمة ويدوسها الكافر بقدميه.
ومما يندى له الجبين أن تستضيف الفضائيات بجميع ألوانها أعداداً هائلة من علماء السلاطين المدثرين برداء الإسلام زورا وبهتاناً ليصدروا من خلالها فتاويهم الخبيثة والتي تصب في مصلحة الكافر زاعمين بأنها من الإسلام وهو بريء من ذلك، ناهيك عن خبث مرادهم بأن تصبغ فضائياتهم بصبغة الإسلام كذباً وزوراً فلا تجد من ينكر عليها أعمالها والمتبع لهذه الفضائيات يدرك الأفكار والمفاهيم التي تدعوا لها وثبتها وهي ما يلي :
1. نشر الديمقراطية والدعوة إليها بما فيها من إبعاد لشرع الله " تعالى" عن حياة المسلمين.
2. إفساد أمهات المسلمين عن طريق حثهن على المطالبة بما يسمونه "حقوق المرأة".
3. إسقاط أبناء وبنات المسلمين بدعوى ما يسمونه " الحرية الشخصية" والتي تمنع تدخل الآباء والأمهات بتصرفات أبنائهم وبناتهم الذين وصلوا إلى عمر الثامنة عشر عاماً فما فوق.
4. صرف عقول المسلمين ذكوراً وإناثاً وخاصة الشباب منهم عن دينهم بإلهائهم بشتى مغريات الدنيا وشهواتها.
5. محاولة تزوير أحكام الإسلام وحرفها عن مقاصدها الحقيقة بإبراز علماء السلاطين وفتاويهم الكاذبة.
6. تزويد تاريخ المسلمين العظيم عن طريق إنتاج وبث المسلسلات التاريخية المزورة والتي تظهر أسلافهم بصورة مشوهة وقبيحة لفصلهم عن هذا التاريخ المشرف حتى لا يكون دافعاً لهم لاستعادة عزتهم .
7. الطعن بحملة الدعوة من هذه الأمة والعمل على التعتيم عليهم وعلى ما يحملونه من فكرة وطريقة نابعين من العقيدة الإسلامية لإنهاض الأمة والارتقاء بها ، ومحاولة التجريح بهم وإظهارهم بصورة المتخلفين والرجعيين والإرهابيين.
والملاحظ من هذه الفضائيات أنها تستهدف بشكل مركز الشباب من أبناء وبنات المسلمين وكذلك الأمهات لأن الغرب الكافر يعلم بخبثه أنه إذا استطاع إفساد عقول هذه الشريحة من الأمة وإبعادها عن عقيدتها فإنه حينئذ يحقق الجزء الأعظم من هدفه، فبإفساد الأمهات تخرب بيوت المسلمين ويتشتت أبناؤهم وتتشتت بناتهم، فيصبحوا لقمة سائغة لهذا الكافر فيبتلعهم ثم يلفظهم في حظيرته بعد تدجينهم وهذه الفضائيات شد مستطير ومكر سيء خبيث يحيط بالأمة وأبناؤها فيجب علينا ان نقي أنفسنا وأبناءنا من هذا البلاء العظيم، وذلك من خلال واقعين :
فأولهما واقع غياب الدولة الإسلامية إذ لا يود فيه تطبيق لأحكام الله عز وجل ، وبالتالي لا تجد هذه الفضائيات من يوقفها ويقضي على ما تبثه من شرور وإفساد، فيكون الحل حينئذ حلاً فردياً ترقيعياً ، ألا وهو قيام رب الأسرة بتوعية أهل بيته على حقيقة هذه الفضائيات وأهدافها وتحذيرهم منها، ومراقبته الدائمة لهم ولمدى تأثيرها عليهم ، ومنعهم عن المحطات الخليعة والغنائية الماجنة، وتوجيهم إلى الابتعاد عن هذه الفتن والتركيز على تعلم الأحكام الشرعية المتعلقة بجميع شؤون حياتنا، وإدراك أوامر الله " عز وجل" لإتباعها وكذلك نواهيه لاجتنابها. وأما ثانيهما فنسال الله "تعالى" أن يعل لنا به فهو واقع وجود دولة الإسلام التي تطبق أحكام الله " عز وجل " بجميع شؤون حياتنا، فحينئذ لن تسكت هذه الدولة عن هذه الفضائيات بل ستقضي عليها وتستبدلها بأخرى تبث مفاهيم وأفكار الإسلام إلى العالم بأسره ، فهذا هو الحل الجذري لهذه المشكلة العظيمة ، لذلك وجب على جميع المسلمين أن يعملوا مع العاملين لإعادة دولة الإسلام فتستعيد الأمة مجدها وعزتها في الدنيا فيرضى الله عنا ويجزينا خير جزاء في الآخرة.

   
محمود حمد - فلسطين
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
شياطين الإنس والجن

الشيطان هو اسم جنس لفئة من الجن، وهي فئةٌ أخبرنا الله تعالى عنها أنها عصته حين أمرها وأنها اتخذت الحياة وسيلة لإطغاء بني آدم ليحيد عن نهج ربه، فعمله الأول هو التلبيس على الناس والتحريض لهم لعمل ما حرم الله سبحانه، وقد حذرنا الله منه ومن اتّباعه فقال سبحانه وتعالى: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوٌ مبينٌ، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) البقرة 169، وقال تعالى: (ويريد الشيطان أن يُضلكم ضلالاً بعيداً) النساء60 ، وقال تعالى : ( ولا يغُرَّنكم بالله الغرور) لقمان 33، وقال تعالى: (إنه عدوٌ مُضلٌّ مبينٌ) القصص 15، وفي القرآن من هذا الكثير.

والمتأمل في واقع الشياطين وأعمالهم يجد الكثير من الشبه بينهم وبين ما نطلق عليهم اسم شياطين الإنس، فاللفظة مجازية لهول وعظم أفعال هؤلاء الإنسيين لقربها أو تشابهها أو تجاوزها أفعال الشياطين، أو في كثير من الأحيان تشتد لتعلوا مستوى أفعال الشياطين بكثير.

وسبب المبحث أن شيطان الإنس يُدمر أكثر من الشيطان نفسه، فكان لا بد من معرفتهم وتمييزهم ومعرفة أساليبهم الخبيثة، حتى لا نقع في حبائلهم أو نغتر بهم، فالفضيلة التي يدعو لها جميع البشر تتناقض مع ما يدعو إليه الشيطان وعليه فإن الإنسان عندما يوسوس له الشيطان بفعلٍ معينٍ فإن الإنسان يقع ضمن حالتين: إما أن يُذعن للشيطان فيفعل ما يُناقض الفضيلة، وإما أن يُحجم عن الفعل تمسكاً بالفضيلة، إلا أن الوسوسة إذا ما تكررت في حال كان الشيطان إنسياً، فإن التصرف تشوبه الكثير من الشبهات، ومردود ذلك إلى أن شيطان الإنس هذا يبقى من نفس جنسنا نحن، فننخدع بما يقول أو يُلبس لتشابه الشكل والخلقة، وفي كثير من الأحيان لعلو شأن ذلك الشيطان الإنسي وموقعه.

والذي يزيد الطين بلةً هو تلبُّس هذا الإنسان الشيطان بألبسة عدة، فتارة يكون من أصحاب العلم، أو المهن الإنسانية، أو أصحاب المواقع المؤثرة، ولسان حاله أنه سبق الشيطان في شيطنته، كقول الشاعر:
وكنت امرءاً من جند إبليسٍ فارتقى بيَ الحال حتى صار إبليسُ من جُندي
فإن مات قبلي كنت أُحسنُ بعده َطرائق فسقٍ ليس يُحسنها بعـدي
وإمعاناً في البحث نجد أن شيطان الإنس إنما خرج من ظروف شريرة جعلته يمارس الشيطنة باحتراف ليحقق مآرب وأهدافا معينة لربما تتجاوز في حدها أفعال الشياطين التقليديين، وهناك حالات يُصنع بها الشيطان صناعة لخدمة من صنعه ونمى عنده هذه المهارة الشريرة، وحالات أخرى غيرها.

والذي يُعنينا هنا أن شيطان الإنس هو شيءٌ سيء، لا بد من اتقاء شروره ومعرفة أساليبه معرفةً دقيقةً تمنعه منا وتُبعده عنا.

لقد ابتلي المسلمون بالكثير الكثير من شياطين الإنس، الذين أذاقوا المسلمين الويلات تلو الويلات، فلقد تمثلوا لهم بحالات لا حصر لها، خدعوا المسلمين ولوّثوا لهم فكرهم وحالوا بينهم وبين دينهم الذي عرّف الشياطين لهم، فألبسوا عليهم الحق بالباطل، وجعلوهم في متاهة وضياع بلا هوية أو مرتكز أو منطلق ينطلقون به في الدنيا، فرفعوا الشعارات الهدّامة، والأفكار الملوثة المُهلكة، وحرموا الحلال، وأحلوا الحرام، وأخروا الواجبات وألبسوا بالشبهات الكثير من الأحكام والطاعات وما إلى ذلك.

من الأمثلة على شياطين الإنس، (بطرس البستاني) الذي ألبس على الناس (حب الوطن) من خلال شعاره (حب الوطن من الإيمان) الذي صار فيما بعد دعوة للوطنية، رفع على أثرها سطحيو التفكير شعار مصر الفرعونية ولُبنان الفينيقية وصرنا نسمع عن الانتساب للوطن لا للدين! ففرَّق بذلك الأمة وأخرجها عن حقيقة أنها أُمةٌ واحدة، وخرّج لنا رعيلاً أولَ من (الوطنيين) ليلعب دوراً خطيراً في البلاد العربية عقب انهيار الدولة العُثمانية، كما وساعد الاستعمار على تسليط الضوء عليهم بإظهارهم وعمل الدعاية لهم ولفكرهم وفلسفاتهم الشيطانية التي ألبست على الناس وصرفتهم في متاهات الإصلاح والتفكير غير المنتج، وهو الذي سلَّطهم لغسل أدمغة الأمة بالأدب والشعر والقصص والروايات ليجرحوا (الخلافة) أو ينفذوا لطعن الإسلام تحت ستار الإصلاح والتجديد والتحديث والتطور مثل أدب جُبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وروايات تاريخ الإسلام لجورجي زيدان.

وهو الاستعمار الذي أخرج مصطفى كمال أتاتورك، ليُلغي دولة الخلافة الإسلامية، وقصة خداعه للأتراك المسلمين واستيلائه على السلطة وإقصائه خليفة المسلمين.

ومن الأمثلة الحكام المجرمون، الذين أذاقوا شعوبهم ويلات الفقر والذلة للحيلولة دون رفعتهم ونهوضهم وتفكيرهم بطريق الخلاص منهم ومن تبعيتهم وعمالتهم، والذين ومن خلالهم اجتيحت بلاد المسلمين لتُنهب خيراتها وتغتصب مواردها على مرأى ومسمع الحكام وكأن الأمر لا يعنيهم، وهم الذين كبحوا جماح شعوبهم من خلال تعليق مشاكل شعوبهم بغير أسبابها، ومن خلال إلهاء تلك الشعوب بالمؤتمرات والندوات واللجان، ولجان التحقيق والتقصي وما إلى ذلك.

ومن الأمثلة الجمعيات والحركات والمحافل التي ضمَّت على عين المستعمر الكُتاب والمفكرين وعلماء السلاطين الذين شككوا الناس في صلاحية الدين، الذين خدعوهم بالغرب وحسنوا صورته وهو الذي قضى على دولتهم ومزقهم شر مِزقةٍ، هم الذين نهلوا من ثقافته وعاداته حتى أُترعوا، فصاروا دعاةً للكافر في بلاد المسلمين يشرحون أفكاره ويسوقونها، الذين صرفوا أذهان الناس عن العلاج الصحيح لمشاكلهم ليُدخلوهم في متاهات الإصلاح والتغيير بوسائل ليست من الإسلام في شيء، ليبقوا على هوانهم وحالة الضعف والهُزال الذي بهم، وإبعادهم عن سر قوتهم، وهم الذين زرعوا في بلاد المسلمين بذور الأفكار الغربية، كتحرير المرأة وحرية الرأي والديمقراطية والواقعية، وخُذ وطالب وشيٌ خيرٌ من لا شيء، والوطنية والقومية والبعثية، كل هذه الأفكار التي تتناقض مع الإسلام كان مسوّقوها شياطين إنسيِّين.
يقول محمد قطب في هذا المعنى: ( فأول ما حرص عليه الأعداء هو بث سموم التشكيك وقلب المفاهيم حيث أخذ بنشر أمثال هذه الأفكار(ما للدين ونظام المجتمع؟؟ ما للدين والاقتصاد؟؟ ما للدين والملبس وخاصة ملابس المرأة؟؟ ما للدين والفن؟؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض) كتاب هل نحن مسلمون، فانظر في كتابات عمداء الأدب والفكر والفن ليَهَالُك ما كانوا يكتبون!

لقد عمد الكافر المستعمر على صناعة علماء وأدباء وفنانين ومفكرين ومثقفين على شاكلة هؤلاء على عينٍ بصيرة حتى يكونوا لهم عوناً عند احتياجهم لهم، فحين دخل العراق الكويت ظهروا بعد غياب وتربعوا للفتوى بجواز الاستعانة بأمريكا، وبحِلّ قتال الأخ أخيه، وهم الذين سوغوا استخدام أراضي المسلمين لقتال إخوانهم في أفغانستان والعراق، وهم الذين أباحوا سيادة الكفار على أراضي المسلمين.
ولقد كان من وسائل الشيطنة على الأمة، الإعلام، فبوسائله المتعددة والتي تصل إلى كلِّ بيت بثُّوا سمومهم وأكاذيبهم، ولمَّا كان حال الأمة مريراً من حيث التمييز بين الأفكار الشيطانية وأثر الكلام المنقول، أُلبس على الأمة الكثير.
إن الموقف الذي يجب على الأمة اتخاذه هو لفظ هؤلاء الخدّاعين المُضلين، من علماء وكُتَّاب ومفكرين، ممن ليس لهم صلة بأُمة الإسلام، الذين سلخوا أنفسهم عنها، وشربوا فكر الغرب الكافر وثقافته حتى أُترعوا، إن الواجب على الأمة هو أن تتزود بما يكشف لها عوار وأكاذيب هؤلاء، فالذين يدعون للديموقراطية والذين يُحسنون من صورة الغرب الكافر وحضارته ويدعون لها والذين يُصدرون الفتاوى التي لا تنسجم مع الإسلام ولا تتفق مع الفطرة والذين يكشفون عورات المسلمين وينالون منها والذين يدعون لحوار الأديان وللتوفيق بين أبناء الأديان والذين يُساعدون الغرب وجمعياته ويمدوهم شياطين إنسٍ يجب أن نحذرهم، ونُعمِلَ العقل فيما يقولون،أو يزعمون أو يهدفون ونُحكِّم شرع الله في كل ما نسمع أو ننقل، فالكلام الذي يُنقل إلينا ليس سائباً ولم يكن ليُقال بلا خُطة أو هدف، فالإعلام المُبرمج المُسيسٌ هو سلاحُ من يٌنفق عليه، ولنتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: (كُلكم راعٍ وكُلكم مسؤولٌ عن رعيته)، وقوله: (أنت على ثُغرة من ثُغر الإسلام فلا يؤتين من قِبَلك).
ولنكن كابن عباس رضي الله عنه حيث قال: والله ما أظنُّ على ظهر الأرض اليوم أحداً أحب إلى الشيطان هلاكاً مني، فقيل: وكيف؟ فقال: والله إنه ليُحدث البدعة في مشرقٍ أو مغربٍ، فيحملها الرجل إليًّ، فإذا انتهت إليًّ قمعتها بالسُّنَة، فتُردُّ عليه كما أخرجها.
فلنحذر من بدع شياطين هذه الدُنيا الإنسيين وفتنهم، من بدع الأفكار والمصطلحات والمسميات، فهو غزوٌ في عقر الدار، بل هي حربٌ أفكار ممنهجة سننتصر بها أن أحسنَّا التفكير، وكشفنا هؤلاء الشياطين المضلين، وأساليبهم المتنوعة الهادفة، ولنتقي الله وحده فهو ناصرنا (كتب الله لأغلبن أنا ورُسلي، إن الله لقويٌ عزيز).
7/9/2007    
أبو عمر - فلسطين
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

غزوات وفتوحات إسلامية حصلت في شهر رمضان المبارك
فتح مكة ( الفتح الأعظم )

إنه بحق كما قال ابن القيم ( الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحزبه الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين .... ودخل الناس به في دين الله أفواجا )
وكيف لا يكون فتح مكة الفتح الأعظم وبه قد دانت الجزيرة العربية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا سلطانه بيت الله الحرام محط أنظار العرب جميعا ومكان حجهم حتى قبل بعثته عليه السلام.
فتح مكة بدأت بشراه بعد الحديبية والرسول صلى الله عليه وسلم عائد إلى المدينة حيث نزلت عليه سورة الفتح (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) وبعد نقض قريش لهذه الهدنة زحف صلى الله عليه وسلم في الثاني من رمضان سنة ثمان للهجرة في عشرة آلاف مقاتل. فبعد أن مكث المسلمون نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا في هدنة الحديبية وثب بنو بكر وهم من دخلوا في حلف قريش على خزاعة ليلا وهم من دخلوا في حلف النبي صلى الله عليه وسلم, وقامت قريش بإعانتهم بالسلاح والكراع, وقاتلوهم معهم. فما كان من عمرو بن سالم إلا أن قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأنشد قائلا :
يا رب إني ناشدٌ محمدا حلف أبيه وأبينا الأتلدا
هم بيَّتونا بالوتير هُجّدا وقتلونا رُكّعا وسجّدا
فأجابه صلى الله عليه وسلم (نصرت يا عمرو بن سالم) . وأمر الناس بالتجهز للقتال, وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم. وهو بذلك يشرع لهذه الأمة طريقة التعامل مع من يخون هذه الأمة من دون مهادنة ولا تسويف ( نُصرتَ يا عمرو بن سالم)
ويأتي أبو سفيان المدينة لإحياء الهدنة وتمديدها, لكنه لم يفلح في مسعاه وعاد إلى مكة متخوفا ومترقبا لما سيفعله عليه السلام.
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم وجيشه الزحف باتجاه مكة حتى وصل القديد وقد اشتد على الناس الصيام فأمر الناس بالفطر, فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر حتى إذا بلغ أدنى منزل يلقى فيه العدو أمر الناس بالفطر فأفطروا أجمعون. وفي الطريق لقي النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس مسلما مهاجرا بعياله.
ولما انتهى الرسول إلى مر الظهران نزل فيه, وأخذ المسلمون يجتنون الكباث وهو تمر الأراك, وكان ابن مسعود رضي الله عنه فيمن يجتني, وجعل أحدهم إذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه, وكانوا ينظرون إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى الشجرة فيضحكون, فقال صلى الله عليه وسلم: ( تعجبون من دقة ساقيه؟ فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد ) ليبين لهم أن الإنسان بإيمانه وعمله وليس بجسمه وهندامه.
ولما رأى العباس جيش المسلمين قد اقترب من مكة قال في نفسه: واصباح قريش, والله إن دخل رسول الله مكة عَنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. فخرج راكبا بغلة النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل الأراك لعله يجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان النبي ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخل عليهم عنوة. وبينما هو يسير يلتمس ما خرج إليه سمع كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان فعرف صوته, فناداه العباس فعرف أبو سفيان صوت العباس وقال له مالك؟ فدى لك أبي وأمي. فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ـ وكان أبو سفيان وبديل قد رأوا نيران الجيش ـ فقال واصباح قريش والله, فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي. فقال له العباس: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك, فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فكان كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله والعباس عليها قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله, حتى مر بنار عمر بن الخطاب, فقال عمر من هذا؟ وقام إلى العباس. فلما رأى أبا سفيان قال: الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. فنزل العباس عن البغلة ودخل على رسول الله ودخل عليه عمر وقال: يا رسول الله, هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني أضرب عنقه. فقال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته. فلما أكثر عمر في شأنه, قال العباس لعمر: مهلا يا عمر, فوالله لو كان من رجال بني عدي ما قلت هذا, ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف. فقال عمر رضي الله عنه: (مهلا يا عباس, فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم, وما بي إلا أن قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب ). فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك, فإذا أصبحت فائْتِنِي به. ولما كان الصباح ذهب به العباس إلى النبي فشهد شهادة الحق وأسلم.
فتأمل أخي هذا الموقف العظيم من عمر رضي الله عنه كيف ينظر إلى المسألة, فلأن النبي صلى الله عليه وسلم حسب ظنه سيكون مسرورا بإسلام العباس أكثر من إسلام الخطاب, أحب ما يسر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى كل مسلم أن يجعل ما يرضي الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, كما كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وبعد أن شهد أبو سفيان شهادة الحق, توجه العباس للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر, فاجعل له شيئا. فقال عليه السلام: ( نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن, ومن أغلق بابه فهو آمن, ومن دخل المسجد فهو آمن) .
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباس أن يحبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى جيش المسلمين، وهذا الأمر من الحرب الإعلامية على قريش. فالرسول فعل هذا حتى يذهب أبو سفيان إلى أهل مكة ويخبرهم بقوة المسلمين, فتنهار معنوياتهم ولا يقاتلوا, وهذا ما حصل. فإنه لما جاء قريشاً صرخ بأعلى صوته قائلا: يا معشر قريش, هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. ولا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ليسكت لو حاولت قريش أن تقاوم, لا بل حزم أمره وقال للأنصار: ( أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ ثم قال ـ ويديه إحداهما على الأخرى ـ احصدوهم حصدا حتى توافوني على الصفا )
ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش نحو مكة وعهد إلى أمرائه ألاّ يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: (اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة ). وهؤلاء ممن كانوا ولغوا في دماء المسلمين وأعراضهم. ليشرع لهذه الأمة أن أمثال هؤلاء في كل زمان ومكان لا حصانة لهم ولا حامي, اللهم إلا الإسلام. فلا يظنن ظانٌّ من الظالمين وأتباعهم ممن ساموا هذه الأمة وحملة الدعوة سوء العذاب أنهم قد يفلتون من عذاب الدنيا قبل الآخرة.
ثم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم من أسفل مكة, ويأمر خالداً أن يدخل من أعلاها. وكان لواؤه صلى الله عليه وسلم أبيض ورايته سوداء تسمى العقاب. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة الفتح, وكان يضع رأسه تواضعا لله على ما أكرمه الله به من الفتح العظيم, حتى إن عثنونه (لحيته) ليكاد يمس واسطة الرحل, ثم يأتيه رجل ليكلمه فتأخذه الرعدة, فيقول صلى الله عليه وسلم: ( هون عليك, فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) ثم يصلي صلاة الشكر لرب العالمين حتى تعلم الأمة وقادتها ما يجب أن تفعله حين يمن الله عليها بالنصر والتمكين من التواضع والشكر لرب العالمين.
وسار النبي حتى وصل الكعبة, فطاف بالبيت سبعاًَ ثم دعا عثمان بن طلحة وأخذ منه المفتاح وثم أمر ففتحت له الكعبة فوقف على بابها, وتكاثر الناس فخطبهم قائلا: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له, صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين, إلا سدانة البيت وسقاية الحاجّ, ألا وقتل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مئة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالإباء, الناس من آدم وآدم من تراب, ثم تلا هذه الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم, إن الله عليم خبير) ثم سألهم يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم, قال اذهبوا فأنتم الطلقاء. فصدر العفو من النبي الكريم عن قريش وعن أهل مكة في سابقة لم تعهدها العرب من قبل. فأمر بلالا فأذن فوق الكعبة رافعا صوت الله أكبر الله أكبر في بلد طالما حارب هذا النداء ودعاته, ودخل الكعبة فإذا هي مليئة بالصور, فأمر عليه السلام سيدنا عمر أن يمحوها, فبل ثوبا ومحاها به, وكان حول الكعبة ستون وثلاث مئة صنم, فجل صلى الله عليه وسلم يطعنها بعود في يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل, جاء الحق وما يبدأ الباطل وما يعيد.
وبهذا الفتح العظيم, قضى النبي صلى الله عليه وسلم على أساس المقاومة للدعوة الإسلامية, وتم النصر المبين للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم بحمد الله.
   
أحمد (أبو أبي)    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أجهزة دولة الخلافة (في الحكم والإدارة)
الإعلام

إن الإعلام في الدول أو الأمم مرتبط في حياتها ارتباطا وثيقا، وهذا الارتباط متعلق بعنصرين: الأول السلطان بوصفه الراعي للرعية، والثاني متعلق بالناس من خلال سعيهم لقضاء مصالحهم الدينية والدنيوية .
إن السلطان القائم على شؤون الناس رعايةً، الإعلام يلعب دورا رئيسا في قوامته على الشؤون لهؤلاء الناس، وخاصة إذا كان هذا السلطان يرعى شؤون أمة لها مبدأ، أو كانت رعايته تمتد إلى مساحات شاسعة ذات تعداد سكانيّ كبير. فالأمة التي تعتنق مبدأ، ينبثق عن هذا المبدأ نظام ينظم علاقات الناس في هذه الحياة في جميع جوانبها. فتطبيق هذا النظام، وحسن الالتزام به في حياة الأمة، واستقامة الدولة عليه، لا بد له من أجواء وتعبئة تعين على هذا الالتزام وهذه الاستقامة، وطرق ذلك الإعلام. فمثلا، الأمة الإسلامية أمة صاحبة مبدأ ورسالة عالمية، فرعاية الناس بالإسلام داخليا بتطبيق أحكامه، وتعليمها للناس بتخصيص برامج، ومناظرات، ودروس علم؛ سبيل ذلك الإعلام، والإعلام في ذلك أداة فاعلة لا غنى عنها. وخاصة أن الأمة الإسلامية تجمع العنصرين المذكورين آنفا في ارتباط الإعلام في حياة الدول والأمم. فهي أمة صاحبة مبدأ صحيح يشكل منهاج الحياة في الأمة، وسلطان الإسلام فيها_ التي تلوح بشائره بالأفق إن شاء الله قريبا_ امتد وسيمتد إلى بقعة جغرافية كبيرة بتعداد سكاني كبير جدا. بل سيمتد على الأرض كلها، فالإسلام جاء للناس كافة ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون. وهذا إيصاله للشعوب والأمم الأخرى بصورته المشرقة التي تُظهر عدل الإسلام، وحسن رعايته، وكيف أنه دين جاء لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، إيصال ذلك يكون عبر وسائل الإعلام المختلفة.
وكما هو معلوم أن نظام الخلافة في الإسلام نظام وحدة، يخضع لمركزية في الحكم، فجميع الولايات تتبع لدار الخلافة ولخليفة واحد. فتعامل الخليفة مع الولاة في هذه الولايات يكون عن طريق وسائل الإعلام المختلفة. وهذا ما يجعل حسن الرعاية يسمو من عليٍّ إلى أعلى في دار الإسلام، وذلك لسرعة توصيل الأوامر والقرارات من الخليفة للولاة، وقلة الجهد في ذلك.
ولا بد من ملاحظة ينبغي الوقوف عليها. وهو أن الأمة الإسلامية برسالتها العالمية هي أمة مستهدفة من أعدائها الكفار. فالكفار لا يألون جهدا في إثارة القلاقل وإشاعة الأخبار الكاذبة، والادعاءات الباطلة، وديمومة المكر الذي تزول منه الجبال ضد الإسلام والمسلمين. لذلك لا بد من وسائل توصل الحقيقة، وتكشف الادعاءات الباطلة، والأخبار الكاذبة، توصلها إلى الناس داخل الدولة وخارجها.
فها هي أمريكا والكفار من ورائهم، يشنون حربا فكرية وتبشيرية إلى جانب العسكرية ضد الإسلام والمسلمين، يصفون الإسلام بالإرهاب، وأنه دين يعيدنا إلى القرون الوسطى التي ثارت فيه الشعوب على الدين. وأنه دين لا يعرف إلاّ القتل وسفك الدماء، وأن المسلمين إرهابيون متطرفون، يصورون ذلك للعامة من المسلمين ولشعوبهم الكافرة. فلا بد من بيان الإسلام على حقيقته الصافية النقية للناس بكل وسيلة إعلامية، سواء عبر الفضائيات، الإذاعة، الإنترنت، أو غيرها من الوسائل.
وهناك أمور تنفيذها يقتضي أن يكون سريعا، وأمور أخرى متوقف نجاحها على السرعة في التنفيذ. وهذه ركيزتها الإعلام. مثل التبني في دولة الخلافة. فإن إيصال الأحكام والقرارات والأساليب المتبناة من قبل الخليفة إلى كافة الرعية في الولايات الإسلامية سبيله الإعلام. ففي وقت واحد، وبسرعة فائقة، ومدة زمنية لا تذكر من لحظة تبني الخليفة تصل المتبنيات إلى الرعية عبر وسائل الإعلام. فيلتزم الولاة والقضاة والرعية بما هو واجب الطاعة والتنفيذ لما يأمر به الإمام.
وكذلك النفير للجهاد، والوقوف على أخبار الجيش في ساحات الوغى، ومد العون له، واتخاذ كافة الاستعدادات والتدابير اللازمة والتعليمات والأوامر، هذا كله يحتاج إلى سرعة في نقل الخبر والقرارات.
وكذلك وقوع قضاء في ولاية يستأهل السرعة في الإنقاذ، مثل حدوث زلزال لا قدر الله، أو مرض معد ٍ وخبيث، أو غير ذلك. الإعلام في ذلك يشق طريقه إلى الجهات المختصة لأخذ الإجراءات اللازمة. أو الاحتياطات التي ينبغي أخذها قبل حدوث ما هو متوقع، وفيه شر للمسلمين. فالإعلام وقاية من الوقوع في مأزق يمكن تلافيه أو التقليل من إضراره.
وكذلك لا نقول بأن تعلم الإسلام في الفراغ والسعة متيسر بوجود الإعلام، بل إن أيّ ظرف ومكان كنت فيه، بوجود وسائل الإعلام المتقدمة والاتصالات السريعة فإنك تجد ضالتك في سؤال عن فعل تجهل حكمه لتتلبس به. عَنْ ‏ ‏جَابِرٍ ‏ ‏قَالَ : ‏ ‏خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ ‏ ‏فَشَجَّهُ ‏ ‏فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ ‏ ‏قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ ‏ ‏الْعِيِّ ‏ ‏السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ ‏ ‏أَوْ يَعْصِبَ شَكَّ ‏ ‏مُوسَى ‏ ‏عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ".
ووحدة المسلمين الإعلام أسٌّ في ذلك. فالخلافة - المولود الموعود -، في حال قيامها في قطر من الأقطار، ستعمل على توحيد المسلمين جميعا بضم الأقطار الأخرى لهذا القطر الذي ارتكزت فيه الدعوة وأقيم فيه سلطان الإسلام، وهذا سبيله الإعلام.
لذلك لا يخفى على الكافر المستعمر حقيقة دور الإعلام خاصة في حياة المسلمين، فيستخدمه في بلاد المسلمين للترويج لفكره، ولتضليل المسلمين والمغالطة في الحقائق، وكتم أخبار العاملين للإسلام تارة، ووصفهم بالأصوليين تارة أخرى. فتجد الإعلام في بلاد المسلمين غير نزيه، وفاقدا لمصداقيته، ومُسيّسا ضمن إطار يخدم الغرب الكافر، فيُجيد صياغة الخبر صياغة يضيّع بها الحقيقة، ويجسد المغالطة في الحقيقة، يركز على قضايا تافهة لا تشكل شيئا يذكر في حياة المسلمين، ويهمل قضاياهم الأساسية، وإذا تناول قضاياهم الأساسية، ضلل فيها، وأبعد المسلمين عنها.

فها هي قضية فلسطين، يتناولها الإعلام تناولا يصور للمسلمين بأنها القدس أحيانا، أو أنها أراضي 67 أحيانا أخرى، وأن كيان يهود واقع لا بد من التعامل معه. وأن الممثل الشرعي والوحيد لقضية فلسطين هي منظمة التحرير التي أنشأها الإنجليز والكفار لتنفيذ المشاريع المقترحة التي يأتي لنا بها الكافر المستعمر لحل القضية، امتدادا من أوسلو حتى خارطة الطريق. لكن خاب فألهم. فالله مولانا ولا مولى لهم، ففي الأمة من يواصل العمل ليل نهار لكشف خطط الاستعمار، وتثقيف الأمة، وإن كانت وسائله بسيطة، لكن الفكر الذي يحمله هؤلاء العاملين كفيل بصفائه ونقائه أن ينتقل ليجوب بلاد المسلمين، فتتناقله الرياح ليأتي يوم تحتضن الأمة الإسلامية هذا الفكر احتضانا يتحقق فيه بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثم تكون خلافة على منهاج النبوة "، حتى يعلو الإسلام ولا يعلى عليه.
وكذلك بالنسبة للعنصر الثاني من أن الإعلام متعلق بالناس قضاءً لمصالحهم الدينية والدنيوية. فللرعية الحق في استخدام الوسائل والأساليب التي أجازها الشرع في إمضاء المعاملات فيما بينهم، وتحقيق مصالحهم. فمن أراد أن يستخدم الإعلام في الدعوة أو الدعاية في التدريس والتعليم، أو الترويج للابتكارات والمخترعات والمنتجات الصناعية، أو الأبحاث العلمية، أو غير ذلك مما هو متعلق بشؤون الناس الأخروية أو الدينية فله ذلك. بل لكل من أراد أن ينشئ وسيلة إعلام فلا قيود عليه سوى أن تكون ضمن دائرة الحلال. أما ما كان في دائرة الحرام فلا يسمح به ويمنع. فكيف إذا كان هذا إعلاما يدعو إلى الحرام فهذا يمنع منعا باتا.
وهناك أخبار خاصة بالجيش والعسكر والقوة المادية، فهذه لا تتناقل ولا تنشر للناس، وإنما يكون الاطلاع عليها فقط من قبل الجهات الخاصة بذلك.
قال الله عز وجل: " وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا " . النساء 83

7-9-2007م    
عبد الرحمن المقدسي
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

فتوحات رمضان
فتح المغرب الأوسط

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، نقف معكم مع أبرز حدث في شهر رمضان المبارك وتحديدا في الثاني من رمضان سنة 82 هجرية ألا وهو: ( فتح المغرب الأوسط ) .
حيث استمر الفتح الإسلامي في المغرب تحقيقا لقوله تعالى ": هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " وكان المغرب آنذاك ولايةً تابعة للروم البيزنطيين الذين وقفوا أمام الدعوة إلى الله وظلموا أهلها الأصليين .
وكانت الجيوش الإسلامية في شمال أفريقيا تواجه الروم من جهة والبربر من جهة أخرى، وكانت زعيمة البربر تسمى الكاهنة وقد استطاعت أن تجمع شملهم وتحارب المسلمين سنوات طويلة، ولم يستطع القائد المسلم زهير بن قيس أن ينتصر عليها حتى جاء الحسان بن النعمان الذي صمّم على فتح جميع بلاد المغرب إذ انطلق متوجها إلى أواسط المغرب والتقى بجيوش الكاهنة وهذا يدل على صلتها بالكاهنة والشياطين وحكم أتباعها بالسحر والشعوذة .
التقى الجيش الإسلامي بقيادة حسان بن النعمان سنة 75هجري في جبال "أوراس" وكان قتالا حامي الوطيس انتهى بتراجع المسلمين وعدم تحقيق النصر، ورجع إلى إقليم برقة حيث أقام هناك .
وظنت الكاهنة أن المسلمين لا محالة راجعون وسينتصرون، وظنت أنهم إنما يريدون المدن العامرة، والنفائس والخيرات فقامت بتخريب المدن وقلع الأشجار وتحريق كروم الزيتون حتى صارت أفريقيا أرضا خرابا عند ذلك ثار نزاع شديد بينها وبين السكان حتى فر بعضهم إلى جيش المسلمين وغيرهم إلى إيطاليا وصقيلة وبعضهم استنجد بالقائد المسلم، حتى يرفع عنهم ما نزل بهم من ظلم فتحرك الجيش المسلم عام ثمانين من جيش مسلم كبير ضم في ثناياه كثيرا ممن أسلموا من البربر سكان البلاد الأصليين، والتقى الجيش المسلم بجيش الكاهنة عند مدينة (قابس) فهزمها وأخذ يطاردها إلى أن قضى عليها وعلى جيشها في الثاني من رمضان سنة 82 هجرية، وفتحت أواسط المغرب كلها، وعلت عليه راية "لا إله إلا الله، محمد رسول الله " وما زال الشعب البربري المسلم هناك مسلما موحدا يصرح بالإيمان.

   
أبو جميل
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
قيام الليل والتهجد وصلاة الجماعة

أحبتي في الله، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
كلما استزاد المسلم من إتيان ما يُتقرب به من ربه سبحانه، لا يبتغي غير رضوان الله وجنّته، وكلما سار نحو المرتقى السامي وثبت على هذا المرتقى، يعتلي من عليٍّ إلى أعلى، وكلما خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى..
حينها يستولي على الحياةِ بحقها، وينال الآخرة بسعيه لها وهو مؤمن، فتكون أسمى صفة من صفاته أنه عبد لله خالقه وبارئه.
لذلك سنتحدث في هذا المقام عما خص اللهُ بها أولياءه، وجعلها زاداً لأحبابه، وعدة في طريق السابقين، وذخيرة تقربهم من مرضاة ربهم العزيز الرحيم، تلك التي جعلها الله للمؤمن لتكون دلالة في الإخلاص وشدة في رغبة الوصول إلى المقام الذي أعده الله للمتقين والسابقين وأصحاب اليمين.
سنتحدث عن بعض الشعائر التي كتب الله المحبة من لدنه لباغيها، تلك التي يجتهد فيها المؤمن للتزود منها، لنيل مراتب الآخرة مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
فمن عظمة الإسلام أنه حث على النوافل، وترك الباب مفتوحا للاستزادة منها من غير أن يضع حدا، أو يقدر مقدارا، فالباب مفتوح للتسامي، والأجواء طليقة للتحليق؛ فأين الطامحون؟
إن التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء ما افترض، سببٌ في محبة العبد، وهي وسيلة للصلة الدائمة بالله عز وجل، والعيش ساعة فساعة في طاعته وفي كنفه، فقد قال (ص)، إن الله قال: (...وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه...)أخرجه البخاري
وسأتحدث إليكم أحبتي، في هذا الشهر الفضيل، مذكراً نفسي وإيّاكم عن بابين عظيمين من أبواب التقرب إلى الله سبحانه، سنتحدث عن فضل " قيام الليل وصلاة الجماعة " وكيف كانت هذه الطاعات مطمع السابقين وتجارة الرابحين في أسواق هذه الدنيا الفانية، عند من عرفوا غاية عيشهم ووجودهم في هذه الدنيا.
فقيام الليل وصلاة الجماعة: دأبُ الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين.، تلك الطاعات العظيمة، والسنن الكريمة، والفضل الذي لا ينقطع، والكنز الذي لا ينهل منه إلا من عرف قدره، وخاض سباق التنافس في ساحة الوصول إلى الرضوان.
فعن رسول الله (ص) قال : عليكم بقيام الليل, فإنه دأب الصالحين قبلكم, وقربة لكم إلى ربكم, ومكفرة للسيئات, ومنهاة عن الإثم. أخرجه الحاكم
ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالهم، ويسألونه من فضله، نفوسهم قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب وتتضرع إلى ربها طمعا في عظيم العطايا والهبات.
قال تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) السجدة
يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره للآية:
إنهم الموصوفون بأبلغ قول وأعظم صورة في قوله تعالى:{ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبهُمْ خَوْفا وَطَمَعا } ، يرسم القرآن لهم " صورة المضاجع في الليل تدعو الجُنوب إلى الرقاد والراحة والْتِذاذِ المنام ولكن هذه الجنوب لا تستجيب؛ لأن لها شغلا عن المضاجع اللينة والرقاد اللذيذ، شغلا بربها، شغلا بالوقوف في حضرته، والتوجه إليه في خشية وفي طمع يتنازعها الخوف والرجاء " (الظلال).
وفي المحافظة على صلاة الجماعة، يستشعر المؤمن بالسكينة والطمأنينة، وبأخوة العقيدة التي تربط المسلم بأخيه، ويلمس أدنى مراتب الوحدة بين أبناء أمته
فالمحافظة على صلاة الجماعة هو اتباعٌ لسنن الهدى التي سنها لنا رسول الله (ص)، وعلامة إخلاص القلب إلى الله والطمع في رحمته وغفرانه، ينال صاحبها براءة من النفاق بعد أن يحظى بالبراءة من النار.
فقد قال رسول الله (ص): ( مَن صلَّى لله أربعين يوماً في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كُتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق) (رواه الترمذي)
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : " من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً ، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بِهِن ، فإن الله تعالى شرع لنبيكم (ص) سُنن الهدى ، وإنهن من سُنن الهدى ، ولو أنكم صلَّيتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته ؛ لتركتم سُنَّة نبيّكم ، ولو تركتم سُنّة نبيّكم لضللتم .. ولقد رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النِّفاق...)) [ رواه مسلم ] .
فكفى بصلاة الجماعة فضلا قولُ رسول الله (ص) :(أتاني الليلة آتٍ من ربي. قال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفّارات والدرجات، ونقل الأقدام للجماعات، وإسباغ الوضوء في السَّبَرات، وانتظار الصلاة، ومَن حافظ عليهن عاش بخير، ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) رواه أحمد
وكفى بصلاة الليل فضلا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: (..وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ) رواه الترمذي
وجماع تلك الفضائل ما قاله- ابن المنكدر-: " ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث :قيام الليل ،ولقاء الإخوان ،وصلاة الجماعة"
ونحن كأمة مسلمة وصفها الله بأنها خير أمة أخرجت للناس، حين نعلم عِظَمَ هذه القربى وحرص النبي (ص) على أدائها وتبليغها والحث عليها، لينبغي لنا حقا شرف التلبية والإقتداء .
فلا ينبغي للمسلمِ التقصيرُ فيما يُتقرب به إلى الله سبحانه في تلك الشعائر بل عليه أن يكون دائما أنموذجا يُقتفى ونوراً يهدي ؟!
إن على المسلم أن يدعو الناس إلى هذا الخير، لذلك عليه أن يكون أول من يأتيه، وعليه أن يكون قدوة وسراجا ينير طريق الخير لكل من أراد أن يسلكه، هذا هو حال رسول الله (ص)، وهكذا كان حال صحابته، لا يكلّون ولا يملّون في سباق الخير، كان الواحد منهم يحرص ليكون أول من بادر، وأصدق من نطق، وأخلص من عمل، لذلك استحقوا أن ينزّل الله عليهم نصره، وتمكينه.
هكذا كان الأولون بإخلاصهم لله واقتدائهم بنبيهم واتباعهم للحق .
إن مَنْ كان هذا حالُه فإنه بالقطع لا يدَع نافلةً إلا وتزود منها وتقرب بها إلى ربه، فما كان يُتوقع لحظة أن يقصر أمثال هؤلاء الرجال بقربات كقيام الليل وصلاة الجماعة ؟!!
فهذه حالهم وتلك هي سيرتهم :
قال أبو عثمان النهدي: "تضيّفتُ أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثاً، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا "
وكان طاووس يثب من على فراشه، ويقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين!!
يقول وهب بن منبه رحمه الله: "قيام الليل يُشَرَّفُ به الوضيع، ويُعزُّ به الذليل، وصيام النهار يَقطع عن صاحبه الشهوات، وليس للمؤمن راحة دون الجنة" أخرجه ابن أبي الدنيا
ويقول ابن عباس: (من أحب أن يهوِّن الله عليه طول الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الله ساجداً وقائماً، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) ذكره القرطبي.
وحالهم كذلك بالمثل مع صلاة الجماعة:
فقد كان إبراهيم بن ميمون، يعمل صائغاً يطرق الذهب والفضة. فكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء وضعها ولم يردها.
وقال سعيد : ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد.
ولهذا قال إبراهيم التيمي : إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه .
أقول: هكذا كان حال القوم مع خالقهم وبارئهم، كانت أقدامهم تدوس على الأرض، وقلوبهم ترنو إلى هناك، إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، فأَعَدّوا العدة للرحيل، وتهيؤا للقاء الجليل، ورضوا بالقليل، وعملوا بما اقتضاه التنزيل. فكان شعارهم في الحياةكما قال الشاعر:
امنع جفونك أن تذوق مناماً وذَرِ الدموع على الخدود سجاماً
واعلم بأنك ميـت ومحاسَبٌ يا من على سخط الجليل أقاما
لله قومٌ أخلصوا في حبه فرضى بهم واختصهم خداماً
قوم إذا جنّ الظلامُ عليهمُ باتوا هنالك سُجّداً وقياما
خُمُصَ البطون من التعفف ضُمَّراً لا يعرفون سوى الحلال طعاماً

وجماع الأمر بعد ذلك ثماره، وأعظم ثمرة من ثمراته الفوز بشرف محبة الله سبحانه، مالك هذا الكون وخالقه، الغني عن الخلق أجمعين، ثم الفوز بشرف القرب من حضرته، وذكره لعبده في خير ملأٍ عنده، ثم إن هناك عظيم شرف الإقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا مقام لا يناله إلاّ من كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثير، ليكون في مصاف عباد الرحمن لينال المقام المحمود الذي أُعِد.
والحمد لله رب العالمين


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
رمضان والدعاء


الإخوة المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حديثنا إليكم لهذا اليوم المبارك سيكون بعون الله بعنوان رمضان والدعاء
الحمد لله القائل في محكم التنزيل : "وإذا سألكَ عبادِي عني فإنِّي قريبٌ أجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يَرشُدونَ".
والصلاة والسلام على رسول الله القائل -: "ثلاثة لا تُردّ دعوتُهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم.."
أخي الصائم لقد قرن الله سبحانه وتعالى بين الصوم والدعاء حتى تداخلت آية الدعاء بآيات الصوم؛ قال الله تعالى: "يا أيُّها الذينَ آمنوا كُتبَ عليكم الصيامُ كما كُتبَ على الذينَ من قبلكم لعلكم تتقونَ.." الآيات، ثم بعدها قال الله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.." الآيات، ثم قال الله تعالى: "وإذا سألكَ عبادِي عني فإنِّي قريبٌ أجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يَرشُدونَ"، ثم جاءت الآيات تذكر الصوم مرة أخرى حيث قال الله تعالى: "أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرفث.." الآيات.
وهناك أخي المستمع الكريم صلة وثيقة بين الدعاء والصوم، ففي الآيات الكريمة لفتة إلهية كريمة إلى نفس المؤمن الطائع، تعوضه ما تحمل من مشقة الصوم، وتعجل له جزاء ما استجاب لله بألفاظ تزيده إيمانًا إليه، "فإني قريب" رد مباشر، أنا قريب معكم أسمع وأرى، "أجيب دعوة الداع إذا دعان" عجّل سبحانه بالإجابة ولم يقل أسمع الدعاء. آية تسكب في قلب المؤمن كل الرضى والاطمئنان، وتزيده ثقة ويقينًا فيما عند الله، ولِمَ لا! وهو يشعر أنه في ظل الملاذ الآمن.
وعلى المسلم الصائم أخي المستمع الكريم أن يكثر من الدعاء؛ وأن يتوجه إلى رالله عز وجل سائلاً، راجيًا، طامعًا في إجابة كريمة وعده الله تعالى بها وعليه أي المسلم ألا يستعجل. جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل" قيل يا رسول الله وما الاستعجال؟ قال: "يقول قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء".
وإن كان الله تعالى قد قرن بين الصوم والدعاء لحكمة رائعة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرن بين الصوم والدعاء لنفس الغاية وبشكل لافت للنظر ومثير للتأمل.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم دائم الحرص على الدعاء وفي كل الأوقات ونذكر لك أخي المستمع الكريم أمثلة على ذلك، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء عند رؤية الهلال عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام. ربي وربك الله هلال رشد وخير" رواه الترمذي.
وكذلك فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الدعاء في شهر رمضان، عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال يومًا وقد حضر رمضان: "أتاكم رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه؛ فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته؛ فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمه الله عز وجلَّ" رواه الطبراني ورواته ثقات.
وكذلك فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير الدعاء في ليلة القدر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت أن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنّي" رواه الترمذي.
وأعلم أخي المستمع الكريم بأن الصائم أقرب الدعاة استجابة؛ فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم.." وقد كان الصحابة –رضي الله عنهم- أعلم الأمة بالله ورسوله –صلى الله عليه- وسلم وأفقههم في دينه؛ لهذا كانوا يعرفون للدعاء قدره، وكان عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يستنصر به على عدوه، وكان يقول لأصحابه: "لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء".
واعلم أخي المستمع الكريم بأنه يستحب للصائم أن يرطب لسانه بذكر الله ودعائه طوال يوم صومه، فإن الصوم يجعله في حالة روحية تقربه من الله تعالى، وتجعله في مظنة الاستجابة لدعائه.
والذكر والدعاء مطلوب من الصائم طوال نهاره، ولكنه مطلوب بصورة خاصة عند الإفطار. وأولى ما يقوله الصائم عند فطره ما رواه ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر: "ذهب الظمأ وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" رواه أبو داود، وعن أنس وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم" رواه الدارقطني.
ويدعو عند الإفطار بما أحب لدينه ودنياه وآخرته، لنفسه ولذويه وللمسلمين فهو وقت تُرجى فيه الإجابة. فقد روى ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو: "أن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" رواه ابن ماجة ، وكان عبد الله بن عمرو يجمع بنيه عند الإفطار ويدعو قائلا: اللهم أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي.
وروى أبو هريرة: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم" وفي رواية: "والصائم حتى يفطر".
وإن كان الدعاء نعمة عامة ذات قيمة عالية، فهو في رمضان نعمة خاصة لا غنى لنا عنها؛ ليست من أجل ذات الدعاء، ولكن لأنه لا غنى لنا عن الله. وليس المهم أن ندعو وندعو فقط، بل القيمة الحقيقية أن نكون أهلاً لهذا الدعاء.



   
أبو عبد الرحمن المقدسي    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة
مجلس الأمة ( الشورى والمحاسبة)

هو مجلس يتكون من أشخاص يمثلون المسلمين في الرأي ليرجع إليهم الخليفة لاستشارتهم في الأمور، وهم ينوبون عن الأمة في محاسبة الحكام. وقد تضافرت الأحاديث والروايات التي تدل على إباحة أن يتخذ مجلس خاص ينوب عن الأمة في محاسبة الحكام، وفي الشورى الثابتة بنص القرآن والسنة، وقد أطلق عليه مجلس الأمة؛ لأنه نائب عن الأمة في المحاسبة والشورى .

وينبغي التنويه هنا إلى أن مجلس الأمة هو اصطلاح حديث نسبيا استحدث في فترة متأخرة من تاريخ الدولة الإسلامية، ولكنه يعبر في الوقت ذاته عن واقع كان موجودا ومطبقا في أيام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين، وبالتالي فإن العبرة ليست بالألفاظ والمسميات بقدر ما هو محاولة لتجسيد الأحكام الشرعية المتعلقة بالشورى والمحاسبة في واقع الحياة، فمجلس الأمة إذن هو من قبيل الأساليب التي يجوز للإمام استحداثها وفقا للقاعدة الشرعية التي تقول: (للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات).

ومجلس الأمة بما يقوم به من أعمال الشورى والمحاسبة يختلف مع ما نعهده اليوم من واقع المجالس في البلاد العربية والإسلامية والتي أفرزها واقع النظم العلمانية الرأسمالية المطبقة على المسلمين، فمجالس الشعب أو ما يعرف بالمجالس التشريعية (البرلمانات) هي مجالس كفر وضرار لا يجيزها الشرع ذلك أن تلك المجالس إنما تجعل التشريع للبشر، وليس لله عز وجل قال تعالى :{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } المائدة، آية:44

والشورى هي حق لجميع المسلمين على الخليفة، فلهم عليه أن يرجع إليهم في أمور لاستشارتهم فيها قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران159، وقال سبحانه { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } الشورى38 . وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يستشير رجالا من المهاجرين والأنصار يمثلون قومهم، ومن تخصيص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رجالا من صحابته للشورى كان يرجع إليهم أكثر من غيرهم في أخذ الرأي منهم أبو بكر وعمر وحمزة وعلي وسلمان الفارسي وحذيفة وغيرهم ...

ومن الأمثلة على ذلك استشارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه يوم بدر في أمر مكان المعركة واستشارهم يوم أحد في القتال خارج المدينة أو داخلها ونزل عند رأي الحُباب بن المنذر في الحالة الأولى وكان رأيا فنيا صدر عن خبير فأخذ به. ونزل عند رأي الأكثرية يوم أحد مع أن رأيه كان بخلافه. وكلنا يعلم مشورة سلمان الفارسي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة الأحزاب حينما أشار عليه بحفر خندق حول المدينة، وكانت تلك فكرة فريدة لم تعرفها العرب قبل ذلك.

وقد مارس أبو بكر الصديق هذا الأمر أيضا، فكان يخصص رجالا من المهاجرين والأنصار يرجع إليهم لأخذ رأيهم إذا نزل به أمر، وكان أهل الشورى في عهد أبي بكر رضي الله عنه هم العلماء وأصحاب الفتوى. أخرج ابن سعد عن القاسم أن أبا بكر الصديق كان إذا نزل به أمر يريد مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه دعا رجالا من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعليّاً وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء، فمضى أبو بكر على ذلك ثم ولى عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.

وقد رجع عمر إلى المسلمين في أمر أرض العراق أيوزعها على المسلمين لأنها غنائم أو يبقيها في يد أهلها على أن يدفعوا خراجها وتبقى رقبتها ملكا لبيت المال، وقد عمل بما أداه إليه اجتهاده، ووافقه عليه أكثر الصحابة، فترك الأرض بأيدي أصحابها على أن يُؤدّوا خراجها .

وكما أن للمسلمين حق الشورى على الخليفة، فإنه يجب عليهم محاسبة الحكام على أعمالهم وتصرفاتهم، والله سبحانه وتعالى فرض على المسلمين محاسبة الحكام، وأمرهم أمرا جازما بمحاسبتهم والتغيير عليهم إذا هضموا حقوق الرعية أو قصروا بواجباتهم نحوها أو أهملوا شانا من شؤونها، أو خالفوا أحكام الإسلام، أو حكموا بغير ما أنزل الله قال تعالى:{ ُكنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ }آل عمران110، وقال { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ } الحج41. وقال { {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران104. كما وردت أحاديث كثيرة تدل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل قوله:( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم) رواه أحمد من طريق حذيفة وقوله من رأى منكم منكرا فليغير بيده فإنْ لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم من طريق أبي سعيد.

فهذه الآيات والأحاديث تأمر المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام إنما هي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل وردت أحاديث تنص على محاسبة الحاكم خاصة لما لمحاسبة الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من أهمية، فعن أم عطية عن أبي سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل الجهاد كلمة حق ... فهذا نص في محاسبة الحاكم ووجوب قول كلمة الحق عنده وجعله كالجهاد بل أفضل الجهاد، وقد شدد في الحث عليه والترغيب فيه حتى لو أدى إلى القتل، كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال:( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)

وسيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين تعج بأمثلة عديدة للمحاسبات والاعتراضات التي كانت تنشأ آنذاك فلقد اعترض الصحابة على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في عقد صلح الحديبية معارضة شديدة، ولكنه لم يزجرهم على معارضتهم، وإنما رفض رأيهم، وأمضى عقد الصلح؛ لأن ما فعله كان وحيا من الله سبحانه، ولا قيمة لرأي الناس فيه.
وقد أنكر المسلمون أول الأمر وعلى رأسهم عمر على أبي بكر عزمه على محاربة المرتدين. كما أنكر بلال بن رباح والزبير وغيرهم على عمر عدم تقسيمه أرض العراق على المحاربين. وكما أنكر أعرابي على عمر حمايته لبعض الأرض. وكما أنكرت امرأة عليه نهيه على أن يزيد الناس في المهور على أربعمائة درهم فقالت له: ليس هذا لك يا عمر، أما سمعت قول الله سبحانه { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئا } النساء20 . وكما أنكر علي رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين قوله في إتمام الحج والعمرة. ولهذا كله فمجلس الأمة له حق الشورى وعليه واجب المحاسبة.
ويجوز أن يكون في مجلس الأمة أعضاء من غير المسلمين من الرعايا من أجل الشكوى من ظلم الحكام لهم، أو من إساءة تطبيق الإسلام عليهم، أو عدم توفير الخدمات لهم ونحو ذلك.
ويتبين مما سبق أن هناك فرقا بين الشورى وبين المحاسبة، فالشورى طلب رأي أو سماعه قبل اتخاذ القرار، والمحاسبة اعتراض بعد اتخاذ القرار، أو تنفيذ العمل.
ولكل عضو من أعضاء مجلس الأمة الحق في التكلم وإبداء الرأي كما يشاء دون أي حرج في حدود ما أحله الشرع، فالعضو وكيل ينوب عن المسلمين في إعطاء الرأي وفي المحاسبة، فعمله عمل تقصٍّ لما يقوم به الخليفة أو أي حاكم في الدولة أو أي موظف في أي جهاز من أجهزتها وعمله المحاسبة لكل هؤلاء مع إبداء النصح لهم، وإعطاء الرأي، وتقديم الاقتراحات ومناقشتها، والاعتراض على الأعمال المخالفة التي تحصل من الدولة، وقيامه بكل ذلك إنما هو نيابة عن المسلمين في قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام وإبداء النصح والمشورة؛ لأن ذلك واجب على المسلمين .
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قضايا اجتماعية
ظاهرة ملاجئ العجزة

يختلف نمط العيش في المجتمع الإسلامي عنه في المجتمعات الغربية ففي المجتمع الغربي تسود الأنانية والتفكك والميوعة، كما أن الفرد حر يفعل ما يشاء، ذلك لأن الغرب الكافر يطبق عقيدة فصل الدين عن الحياة والتي انبثق عنها مقياس للأعمال هو المنفعة المادية. فالعمل عندهم يقيّم ويوزن بميزان المنفعة بغض النظر عما يترتب عليه من أمور تصيب الآخرين. ونتيجة لهذا المقياس القذر تحول الناس في البلاد الرأسمالية إلى جيوش لاهثة وراء ما هو نافع ولذيذ. وأهملت باقي القيم الأخرى من روحية وإنسانية، وخلقية، وكذلك أدى هذا المقياس النتن إلى تقطيع أواصر العلاقات بين الناس بشكل عام، وبين الأقارب بشكل خاص، وأصبح كل واحد يلهث وراء مصلحته ومنفعته المادية. فباتت الفتاة تحضر عشيقها إلى بيت والدها تمارس معه الرذيلة بحجة الحرية الشخصية، وبات الشخص يشرف على الموت ولا أحد يهب لإنقاذه بحجة أن ذلك يؤخره عن عمله، وكذلك بات الشخص يلقي بوالديه في ملاجيء وبيوت خاصة بحجة أن وجودهم في البيوت يقلل من دخلهم ويعوق مسيرتهم الاقتصادية وأحياناً يتقززون منهم. من هنا كان وجود ظاهرة ملاجئ للعجزة نتيجة طبيعية لتطبيق المبدأ الرأسمالي، فهي ثمرة من ثماره. والذي أدى إلى انتشار هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية فضلاً عن مقياس الأعمال عندهم هو النظرة الفردية لدى الدولة فهي لا تهتم إلا بالطبقات الرأسمالية، والقضايا الاجتماعية تترك للقطاع الخاص يستغلها كيفما يحلو له. وللأسف الشديد فقد غزت هذه الظاهرة بلاد المسلمين تحت حجج واهية، بل جعلوا لهم يوماً في السنة يحتفلون معهم به.

... وبالنظر في واقع هذه الفكرة تُري أنها تخالف ما عليه المجتمع الإسلامي، فهو مجتمع تسوده الأفكار الإسلامية، وفيه توازن بين القيم الأربعة، الروحية، والمادية والأخلاقية والإنسانية، وهناك حد أدنى لكل قيمة من هذه القيم فلا تسمح بأن يلقي المُسنّون والعجزة في أبنية وملاجيء تجردهم من عاطفة الأبوة والأمومة، فبرّ الوالدين واجب، وطاعتهما واجبة في حدود الشرع فالله سبحانه وتعالى قرن عبادته إياه بالإحسان إلى الوالدين وهذا شرف رفيع لهما، حيث يقول سبحانه " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً "[الإسراء : 23] . فلسان حال هذه الآية تقول أن تضحيات الوالدين أكثر من أن تحصى، فمقابل ذلك حرم الإسلام التأفف والضجر من تصرفاتهما، وأوجب أن نخاطبهم بأطيب الأقوال، وأن نذل لهم، وأن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة لقاء الجميل الذي قدموه لنا. فليس من الإحسان وضعهم في ملاجيء وتخصيص أيام معينة في السنة لزيارتهم. وهناك أحاديث شريفة تحثنا على احترام الكبير وتوقيره واحترام ذي الشيبة، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس منا من لم يُجلّ كبيرنا " وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ". ولقد بلغ اهتمام الإسلام بالكبير والمسن أنه قدم خدمته على الجهاد في سبيل الله، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما – أنه قال " أقبل رجل إلى نبي الله –صلى الله عليه وسلم- فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال: هل لك من والديك أحد حيّ؟ قال نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ". وفي رواية أخرى: جاء رجل فاستأذن في الجهاد فقال: " أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما جاهد " . ... فأشخاص مثل الوالدين، الجنة تحت أقدامهم، وقرنوا مع عبادة الله، وعقوقهم من الكبائر، فمن الإجحاف والظلم التخلي عنهم وإيداعهم في ملاجيء يعاملون كما تعامل قطع الأثاث .

من هنا نقول أن فكرة ملاجيء العجزة فكرة دخيلة على المسلمين مصدرها الغرب الكافر. ولكن هناك حالة أن يكون الشخص الكبير والمسن لا ولد له ولا أقارب فالدولة مسؤولة عن رعايته، وإيجاد مأوى له، وإيجاد من يقوم على رعايته حتى الوفاة. ولكن ظاهرة ملاجيء العجزة في أيامنا هذه ليست هذه الحالة فقط وإنما يكون للشخص أولاد وأقارب وبدافع العقوق وبحجة أنهم قد يعطلونه عن عمله يلقيهم في هذه الملاجيء. فالدولة في الإسلام ترعى شؤون المسلمين كباراً وصغاراً مسلمين وغير مسلمين، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ترك مالاً فلورثته ومن ترك عيالاً فالدولة أبو العيال" فالإسلام ينظر إلى كل فرد بعينه لا إلى مجموع الأفراد الذين يعيشون في المجتمع. فينظر إليه باعتباره مرتبطاً بعلاقات معينة، فإذا عجز الإنسان عن إشباع حاجاته نتيجة فقر أو مرض أو غير ذلك من الأمور المعيقة ينظر، فإن كان له ولد غني أو والد غني وجب عليه أن يسد حاجته، فإن لم يكن له ولد ولا والد غني وجب على أقرب الناس إليه إن كان غنياً، فإن لم يوجد وجب على الدولة أن تسد حاجته، فإن لم يكن في بيت المال مال تفرض الدولة ضرائب على الأغنياء لسد حاجات الفقراء.

وبناءً على ما سبق لا وجود لفكرة ملاجيء العجزة بالمفهوم الغربي اللهم إن كان الشخص مقطوعاً فتتولى الدولة رعايته.

والحمد لله رب العالمين
   
عصام مطر    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
شهر رمضان شهر الفتوحات والانتصارات ام شهر الاكل والسهرات
{شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}

شهر أنزل فيه كتاب الله على خير خلق الله وأنزلت فيه صحف إبراهيم والتوراة والإنجيل لا شك أنه شهر عظيم.
شهر قال فيه المصطفى عليه السلام (إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن وغُلِّقت أبواب النار فلم يفتح منها باب, ونادى منادٍ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة) وقال أيضا (إذا كان رمضان فُتِّحت أبواب الرحمة وغُلِّقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين) ويقول (كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز وجل إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) شهر هو خير الشهور أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار يتضاعف فيه الأجر ويجزل فيه الثواب وتتعاظم فيه الطاعة حتى تكون النافلة فيه كالفريضة في ما سواه والفريضة فيه كسبعين فيما سواه، فيه ليلة هي خير من ألف شهر. ينزل جبريل فيها والملائكة بأمر ربهم من كل أمر سلام هي من الله على عبادة المؤمنين، شهر من صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

هذا غيض من فيض فضل هذا الشهر الكريم أدركه الصحابة وأدركوا عظم العمل فيه فاغتنموا كل لحظة من لحظاته فكان وقتهم كله مشحونا بفريضة أو نافلة واغتنموا الشهر كله متعرضين لنفحات الله تحقيقا لأمر رسولهم (اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات ربكم ....) الحديث.

علموا أن أعظم طاعة يقدمونها وأجل قُربة هي الجهاد في سبيله لإعزاز دينه وإعلاء كلمته وأن أعظم هدية من الله لهم وأجزل مكافأة في الدنيا هي نصر وتمكين وأن رمضان شهر الكرم وشهر القربة من الله وشهر الرحمة لعباده المتقين وشهر نزل فيه القرآن على رسوله فهو إذنْ شهر يعز فيه وينصر. فكان تعرضهم لهذا الشهر في أعظم غزوات رسولهم وفي أعظم فتوحاتهم تلك الفتوحات التي أرست دعائم دولة الإسلام، وأعلت بنيانها وأذلّت ناصية كل أمة لها فكان رمضان في أذهان أمة محمد شهر الانتصارات والفتوحات, شهر تتوسع فيه دولتهم ويعز فيه دينهم. شهر بدر الكبرى وفتح مكة وعين جالوت والقسطنطينية واليرموك.

هكذا كان رمضان في أذهان الصحابة وتابعيهم وتابعيهم. شهر الرحمة والطاعة والفتوحات والانتصارات.
ثم تبدل حال الأمة حين تغيرت مفاهيمها وتغيرت مقاييسها ونظرتها لهذه الحياة. فبعد أن كان إيمان الصحابة إيمانا يصل إلى الإحسان. وهو حد يصل فيه الإيمان حد الرؤية, وبعد أن كان إيمانهم واستحضارهم لهذا الإيمان يملك عليهم جُلّ وقتهم ويملأ شغاف قلوبهم فترى الواحد منهم يراها حياة طويلة أن يأكل تمرات بيده ثم يقاتل فيقتل فيدخل الجنة فيرمي تمراته من يده ويخوض المعركة حرصه على الشهادة كحرص الكافر على الحياة أو أشد وأحدهم يشم ريح الجنة دون المعركة وبعد أن كانوا يستشعرون مسؤوليتهم عن الإسلام وعزته وهيمنته على كل دين وشرع في كل شأن من شؤون حياتهم وفي حلهم وترحالهم فلا يهدأ بال أحدهم ولا يُرى متبسماً يوما وشبرٌ من أرض المسلمين بيد عدوه. بعد كل هذا يأتي من بعدهم خلفٌ انطفأت جذوة العقيدة لديهم وفقدت نقاءها وصفاءها في أذهانهم ولفّت غشاوة سوء الفهم أذهانَهم فتغيرت نظرتها للحياة ومعناها وللطاعة والعبادة وسرها فصار حجهم للنزهة وصارت صلاتهم أو كادت مراسيم يؤدونها خاوية من مضمونها وصار صومهم مجرد امتناع لوقت معين عن الطعام وشراب ثم بعد ذلك لا بد من تعويض وقت الامتناع هذا بكل ما لذّ وطاب من أنواع الطعام وأصبح رمضان عندهم مرتبطا بالطعام والشراب والسهرات فليلهم لهوٌ وسهر يتناولون فيه مختلف أنواع الطعام والحلوى والشراب ويشاهدون فيه ذلك الكم الهائل المرعب من المسلسلات والأفلام والبرامج الخليعة التي أعدتها الفضائيات الموجهة لإفساد الصغير قبل الكبير ولتمييع شخصية كل مسلم.
وإفساد كل طاعة لله في هذا الشهر, ويرتبط رمضان بهذا والمعنى في نفوس أبناء الأمة, فلا تعود تغضب لانتهاك حرمات ربها ولا تثور لها, هكذا أراد لها حكامها أن يُمحى كلُّ أثر من عقول أبنائها يذكرهم بأن رمضان شهر العزة والنصر والفتح. فسلطوا كلَّ شياطينهم عليها لمحو هذا من عقولها فصرت تجد أن الكازينوهات والنوادي الليلية والمتنزهات لا يحلو لها أن تعلن عن نفسها إلا في رمضان أو بمناسبة قرب حلوله وأن برامج الخلاعة والمجون وأفلام العهر والرذائل لا تعرض إلا في رمضان وأن توافه الفكر وسفاسف الأمور لا يعلن عنها إلا في رمضان كالفوازير وبرامج الطعام وغيرها.

هذا ما أراده الحكام لرمضان أن يكون وهكذا أرادوا ربطه في ذهن الأمة وحتى تبقى الأمة لاهية عنهم وحتى يبقون جاثمين على صدرها يسومونها سوء العذاب ويذلون رقاب أبنائها ويمكنون لأسيادهم الكفار من هذه الأمة, و لن تعود نفحات رب العزة لهذه الامة ومحطاته التي تغتنم فيها الثواب والرضا من ربها فيبقى رمضان موسما للسهر والإفساد يؤثم فيه المؤمن رغم أنفه ما دام من أراد رمضان لهذه الأمة هكذا جاثماً على صدرها ولن يعود رمضان نفحة رحمة وكرم من الله لهذه الأمة تحرز فيه انتصاراتها وتعيد فيه هيبتها وتتطاول فيه عزتها حتى تصل السحاب إلا إذا تحركت الأمة فأزالت هؤلاء الحكام وبايعت على أنقاضهم خليفة يحكمها بكتاب الله وسنة رسوله فتحيا بالإسلام ولأجله, نسأل الله تعالى أن يعجل بهذه الخلافة وأن يمنّ علينا بنصر من عنده إنه سميع مجيب.


14/9/2007    
هشام أبو العبد    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

نفحات رمضانية
مضاعفة الأجر في رمضان

إن من كرم الله سبحانه وتعالى على عباده، أنه يجازي على السيئة بمثلها، كما أنه يجازي الممتنع عن فعلها بحسنة. أخرج أحمد والبخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه (من همَّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك ) { يعني بعد كل هذا الكرم من الله نجد من الناس من يأبى إلا طريق الهلاك}. ومِنْ كرَمِهِ كذلك أنه يجازي على الهم بالطاعة بحسنة حتى إذا فعلها العبد كتبت له عشر حسنات، كما أنه سبحانه جعل من الأعمال ما يوجب دخول الجنة كالشهادتين، ومن الأعمال ما يجازي عليه بسبع مئة ضعف كالنفقة في سبيل الله، ومنها ما لا يعلم جزاءَها إلا الله وذلك كالصوم. فما أعظم كرم الله سبحانه على عباده .
ونحن اليوم إذ نقف على أعتاب شهر رمضان المبارك فإننا سنسلط الضوء على بركات هذا الشهر الكريم، وجزيل العطاء فيه، وأخص بالذكر مضاعفة الأجر فيه .
فالله سبحانه قد خص بعضَ الأماكن وبعض الأزمان وبعض الناس بفضل الأجر والثواب على ما سواهم، وذلك لخصوصية هذه الثلاثة. كما أنه سبحانه قد جعل المعصية في هذه الأماكن وهذه الأوقات ومن هؤلاء الناس بأعيانهم، جعل المعصية تُضاعَف عن غيرها من الأماكن والأزمان والأشخاص.

فمثلا: خص الله بيته الحرام ومسجد نبيه عليه السلام والمسجد الأقصى بمضاعفة الأجر والثواب .
فقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:( صلاةٌ في مسجدي هذا كألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصيام شهر رمضان بالمدينة كصيام ألف شهر فيما سواها، وصلاة الجمعة بالمدينة كألف جمعة فيما سواها) تصحيح السيوطي: حسن‏
قال العلماء: معنى ذلك أن عقوبة من اقترف ذنبا في أحد المساجد الثلاثة أعظمُ عقوبةً من اقترافه في غيرها لشرف هذه المساجد وفضلِها، والذنب الواحد في أحدها أعظم من ذنوب كثيرة في غيرها من المواضع ولذلك تضاعف فيه السيئات ومعناه تغليظ عقوبتها، لأن الإنسان يعمل ذنبا واحدا فيكتب عليه عشرة ذنوب، والله تعالى يقول في كتابه العزيز (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)([15]) فقد غلظت الدية على من قتل في الحرم أو في الإحرام أو في الأشهر الحرم أو قتل ذا رحم محرماً، لحرمة هذه الأشياء وعظم محلها، فالتعدد في المعنى من حيث إنه انتهك حرمة بيوت الله .
وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ، وهم إذ يخبرون بهذا إنما يقولون بما فهموه من رسول الله فقد أخرج الواسطي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال، وهو ببيت المقدس: {يا نافع، أخرج بنا من هذا البيت، فإن السيئات تضاعف فيه، كما تضاعف الحسنات} قال ابن عياش: سمعت جرير بن عثمان وصفوان ابن عمرو يقولان:( الحسنة في بيت المقدس والسيئة بألف ).
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود في قوله {ومن يُرِدْ فيه بإلحادٍ بظلمٍ نُذِقْهُ من عذاب أليم} قال:( من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يُمِتْهُ الله من الدنيا حتى يذيقَه من عذاب أليم).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله {ومن يرد فيه بإلحاد} قال:( إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه وما عملها).
وعن مجاهد قال:( تضاعف السيئات بمكة كما تضاعَف الحسناتُ).
وعن مجاهد أيضا أنه قال: رأيت عبد الله بن عمرو بعرفة، ومنزلُه في الحِلّ ومسجده في الحرم فقلت له:( لِمَ تفعلُ هذا؟؟ قال: لأن العمل فيه أفضلُ والخطيئة فيه أعظم).
هذا عن المكان أما عن الزمان :
فمثلا: خص الله رمضان والأشهر الحرم بمضاعفة الأجر والثواب . فقد أخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نوم الصائم عبادة، وصَمْتُهُ تسبيح، وعمله مضاعف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور). له طريق خالية عن كذاب أورده الزين العراقي في أماليه من حديث ابن عمر
وأخرج البيهقي عن كعب الأحبار قال: ينادي يوم القيامة مناد: {إن كل حارث يُعطَى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصُيَّام، يعطون أجورهم بغير حساب }.
ومن كرمه سبحانه على الصائم أن الذي يأكل عنده في غير رمضان فإن الملائكة تدعو له. عن أم عمارة بنت كعب "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فقرّبت إليه طعاما فقال: كلي. فقالت: إني صائمة. فقال: إن الصائم إذا أكل عنده صَلَّت عليه الملائكة حتى يفرغوا أو ربما قال يقضوا .
قَالَ رِسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ (أَلاَ إِنَّ أَخْرَمَ الأَيَّامِ يَوْمُكُمْ هذَا. ألاَ وَأِنَّ أَحْرَمَ الشُّهُورِ شَهْرُكُمْ هذَا. أَلاَ وَإِنَّ أَحْرَمَ الْبَلَدِ بَلَدُكُمْ هذَا. أَلاَ وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِي شَهْرِكُمْ هذَا، فِي بَلَدِكُمْ هذَا. أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟) قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ (اللّهُمَّ! اشْهَد). قال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
أما عن الأشخاص ومضاعفة حسناتهم أو سيئاتهم :
فإن الله قد أكرم النبي عليه الصلاة والسلام بما يليق به من الكرم وحذّره من مقارفة المعاصي ، فقال :( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركَن إليهم شيئا قليلا، إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجدُ لك علينا نصيرا) قال القرطبي : كلما كانت الدرجة أعلى كان العذاب عند المخالفة أعظم، قال الله تعالى: "يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذابُ ضعفين"
وهكذا كان الصحابة الكرام يفهمون هذا الأمر. حيث يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى طلحة بن عبيد الله محرما في ثوب مصبوغ فقال له:( إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله قد كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام ) . وعن ابن عمر قال: { كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، لا أعلمن أحدا وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفتُ له العقوبة }.
إن شهر رمضان لموسم عظيم من مواسم الخير ، وهو نفحة من النفحات الربانية التي ينبغي على المسلمين أن يغتنموها أيما اغتنام. عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتاباً: بسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إن لِربِّكم في بقية أيام دهركم نفحاتٍ فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعدَ صاحبها سعادةً لا يخسر بعدها أبدا ً".
إنّ شهر رمضان شهر قوّة وعطاء، فيه غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، وكان يصوم هو والمسلمون، وفيه كانت غزوة بدر الكبرى، وفي تلك الغزوات انتصرت راية الإسلام وانتكست راية الوثنية والأصنام، وفيه وقع كثير من معارك المسلمين وحملات جهادهم وتضحياتهم ، ففي أول يوم من أيام رمضان كانت معركة بلاط الشهداء (114هجرية) وفي الثاني منه انتصر المسلمون على التتار في معركة شقحب عام(702هجري) وفي الثاني من رمضان فتح المسلمون قبرص عام 829هجري ، وفي الرابع من رمضان استرجع المسلمون أنطاكية من الصليبين عام666هجري ، وفي الخامس منه انتصر المسلمون على الكاهنة وفتحوا بلاد المغرب الأوسط عام 82هجري ، وفي التاسع منه انتصر نور الدين زنكي على الصليبين في معركة حارم عام 559هجري، وفي الحادي عشر منه انتصر المثنى بن حارثة على الفرس في معركة البويب في العراق عام 13هجري ، وفي السادس عشر منه فتح المعتصم عمورية عام 223هجري ، وفي العشرين منه تم فتح مكة عام 8هجري ، وفي الخامس والعشرين من كانت معركة عين جالوت سنة658هجرية، وفي الخامس والعشرين كذلك تم فتح مدينة بلغراد عام 927هجري، وفي الثامن والعشرين من رمضان تم فتح الأندلس عام 92هجري ، والثلاثين من رمضان يفتح المسلمون مدينة ماردة في الأندلس عام 94هجري .
هكذا كان تاريخُ المسلمين في رمضان حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه أكثرَ ما يكونون قوةً وحيوية ومثابرة على الجهاد والعبادة ومضاعفة لهما. ونحن اليوم كأمة إسلامية وكحملة دعوة نتطلع إلى مستقبل قادم يحمل في ثناياه الخير للبشرية جمعاء . نرقب ميلاد فجر جديد ، نرقب قيام دولة الخلافة التي بشّر بعودتها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي نفس الوقت فإننا إذ نرى هذه الهجمة المسعورة على هذا الدين وأهله ، للحيلولة دون عودة هذه الأمة إلى سابق عزها ، نجد من الواجب علينا كحملة دعوة وكأمة إسلامية أن نشمِّر عن سواعدنا ، ونشحذ هِممَنا في هذا الشهر أكثر مما في سواه ، ذلك أن الأجر فيه يضاعَف ، والدعاء فيه مستجاب ، والجنةَ فيه متزينةٌ للعباد ، والملائكة مشغولة بأعمالنا ، والرب سبحانه متجلٍ على عباده يأمر مناديه أن يقول كل ليلة حتى انفجار الصبح : ( هل من مستغفر نغفر له؟ هل من تائب نتوب عليه؟ هل من داع نستجيب له؟ هل من سائل نعطي سؤله؟ ). فيجب علينا في هذا الشهر الكريم أن نطرق قلوبَ الناس وبيوتهم نحمل لهم هذا الخير كما حمله لنا غيرُنا ، لنفوزَ بالأجر الجزيل . لعل الله سبحانه أن يرى منا ما يستحق أن ينزل علينا النصر من أجله . فاللهم اجعلنا ممن يصومون رمضان ويقومونه إيمانا واحتسابا ، واجعلنا اللهم من يحسنون حمل دعوة ربهم ، وافتح اللهم بنا قلوب العباد ، وأكرمنا في هذا الشهر بفرجك يا كريم . وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

محور التعليم
الجامعات مؤسسات تعليمية أم مؤسسات ربحية؟

التعلم هو تغير في سلوك المتعلم، والملاحظ في طلبة الجامعات وخريجيها أن سلوكهم بقي كما لو كانوا في مدرسة أساسية، فهو حفظ للمعلومات وجلوس للامتحان، ونسيان لتلك المعلومات والمتوقع من طلبة الجامعات وخريجيها أن يتعلموا للعمل، وأن يعملوا بما تعلموا لينفعوا الأمة وينفعوا أنفسهم، والأصل في التعليم الجامعي أن يشمل من التخصصات ما يلبي قطاع الإنتاج في الأمة وينميه وأن تحوي الجامعات من البنية التحتية والمرافق، ما يمكّن الطلاب من معايشة العمل في مؤسسات الأعمال والإنتاج وأن تبني الجامعات من العلاقات مع قطاع الإنتاج والأعمال ما يجعلها رافدة لذلك القطاع بالدعم لكل مشكلاته وتطوير أدائه، ورفده بالعاملين المدربين المهرة الذين يعملون على تقدمه ولكن الواقع غير ذلك فما يدرس لطلبة الجامعات لا يلبي قطاع الأعمال مما جعل قطاع الأعمال والإنتاج في دولنا ضعيفا متعثرا وترك الآلاف من الخريجين بلا عمل في بطالة مزمنة ومن يعمل يعِش في بطالة مقنعة فهو يعمل في مرافق أو مؤسسات غالبا ما تكون حكومية دون أن يستطيع أن يقدم لها أية منفعة ولا هي تقدم للأمة منفعة ذات قيمة. ودور الجامعة أن تبني شخصية الطالب من عقلية أو نفسية على أساس العقيدة الإسلامية، أو تكمل بناءً بدأ في المدرسة لشخصية الطالب, ولا يمكن أن يُنكَر ما للاختلاط في الجامعات من دور في تأخر تحصيل الطلبة وتشتيتٍ لأذهانهم وتبديد لأوقاتهم وطاقاتهم. ومن هنا كان على الجامعات أن تقيّم العمليةُ التعليمية فيها في ضوء منهاج سليم على أساس العقيدة الإسلامية التي بها نهضت الأمة وكانت خيرَ الأمم وتعمل على تصويب أوضاعها لتصبح مؤسساتٍ تعليميةً بحق تنفع الأمة فعليها أن تعيد النظر في الأساس الذي تقوم عليه وفي الغاية التي تهدف لها وفي منهاجها وموادها التعليمية وأن تقيم أعضاء هيئات التدريس تعاملهم وأداؤهم وأن تقيم إداراتها وأن تقيم الخريجين بعد تخرجهم وتبقى على صلة بهم لتدرس مدى المنفعة التي حققوها من تعلمهم وأن تقيم تخصصاتهم, ما يلزم الأمة تعززه وما لا يفيد الأمة تغيره, وأن تقيم قطاع الأعمال والإنتاج وتبني علاقة دائمة معه وأن توجد فيها دوائر للرقابة والتقييم والضبط لأدائها عسى أن تصبح مؤسسات تعليمية تخدم الأمة بحق. وللإجابة عن الشق الثاني من السؤال أضع الأمثلة التالية من إحدى جامعات الضفة الغربية لتبين أنها مؤسسات تجارية .

1- هناك مواد أو مساقات يصل عدد المسجلين فيها 70 دارساً فأكثر وعدد الساعات المعتمدة للمساق 3 ورسوم الساعة المعتمدة 70 دينارا فيكون دخل الجامعة من رسوم مساق واحد في فصل واحد حوالي 15000 دينار أردني مع العلم أن الأستاذ الجامعي يدرس 3 مساقات فأكثر في الفصل الواحد.
2- في مختبرات الجامعة لو كسر طالب أثناء العمل ميزانَ حرارة كحوليّاً أو زئبقيّاً فإنه يسجَّل عليه 10 دنانير ثمنا له مع أن ثمن ذلك الميزان في السوق وبالمفرق 1,6 دينار أردني.

3- طالب الطب أو الصيدلة إذا سجل مساقاً مادةً حرة في كلية أخرى فإنه يدفع رسوم تلك المادة بسعر رسوم مواد الطب أو الصيدلة والتي هي أضعاف رسوم تلك المادة. ولا أعتقد أن بإمكان الجامعات أن تلغي الرسوم الجامعية وذلك لأن الدول النامية دول فقيرة رهنت ثرواتها وموادها الأولية للدول المتقدمة وجعلت شعوبها سوقاً لمنتجات تلك الدول وبقي قطاع الإنتاج والأعمال في الدول النامية متعثرا لعدم وجود المنهجية الصحيحة في التعليم لإنهاضه وبالتالي لا مساهمة له في الموازنة المرهقة لتلك الدول والتي لا تكاد تفي بدعم رغيف الخبز أو دواء الفقراء والعجزة. والشيء اللافت للنظر أن حكومات العالم الثالث وجامعاته تستورد من الدول المتقدمة ثقافتها. وأسلوبَ عيشها مع ما في ذلك من شقاء لشعوبها ولا تستورد منها الأساليب والوسائل التي تؤدي إلى ازدهار قطاع الأعمال والإنتاج وتقدُّمِه وتفوقه. وأساليب ووسائل عمل المؤسسات الجامعية في الدول المتقدمة لا تخفى على كل ذي بصر والأمثلة على ذلك كثيرة منها جامعة نورث إيسترن في أمريكا تعلم 10000 طالب في 2500 شركة ومصنع لتدريب طلابها وذلك تطبيقا لمفهوم دمج الدراسة والعمل, ومثال آخر يشير إلى أن العملية التعليمية لا تحدث فقط في المؤسسات التعليمية والإنتاجية هو نموذج Aavoda Utuz في الاتحاد السوفييتي وهو بمثابة معهد تقني داخل المعمل يخدم بالدرجة الأولى عماله وموظفيه, ومثال على تشجيع التعليم الجامعي في الصين أن حجم مساهمة الرسوم الطلابية في دخل الجامعات هناك1990 يساوي 1,8% من دخل تلك الجامعات. ومن هنا لابد أن تعمل الأمة مع العاملين للتغيير فمنذ أن بدأ الغرب غزوَه الثقافي ثم العسكري لبلاد المسلمين ثم ربط بلاد المسلمين به من خلال حكام عيّنهم على بلاد المسلمين بعد أن قسّمها إلى أقاليم وجعل التعليم فيها لا ينهض الأمة ولا يساهم في تقدمها وازدهارها حتى تبقى بحاجة للمستعمرين في كل نواحي حياتها من الرغيف حتى الطائرة ولا زال التعليم على حاله معلومات تُحفظ وتنسى ويحمل الخريجون شهادات لا تسمن ولا تغني من جوع ويستقطب الغرب المبدعين منهم ليستفيد منهم ويحرم الأمة من فائدتهم فلا بد أن تعمل الأمة مع العاملين لتغيير هذا الواقع تغييرا جذريا وتقيم دولة الخلافة التي تزيل العقبات التي تمنع الأمة من السير على أساس سليم ولغاية صحيحة ولتجعل التعليم يؤدي دوره في بناء الشخصية الإسلامية وتوفير كل ما يلزم الأمة من معارف ومهارات وعلوم لتعود قيادة عالمية في كل نواحي الحياة .
   
أبو قسام
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

نفحات رمضانية
التوبة

قال الله تعالى : {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (النور/31)
يقول سيدنا وحبيبنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأتم التسليم " التائب من الذنب كمن لا ذنب له" رواه ابن ماجة.
والتوبة هي الرجوع عن المعصية. والغفلة هي الانشغال بمعصية الله عن طاعته.
المسلم العاقل هو الذي يقوّم نفسه ويأخذ بزمامها إلى ما فيه مرضاة الله ورسوله.
وإن جنحت نفسه يوماً إلى الوقوع في المعاصي والانغماس في الشهوات المحرمة يعلم أنّ الخالق غفورٌ رحيم وأنّه مهما أسرف في الذنوب ثم تاب منها فإنّ الله يغفرها جميعاً. قال تعالى :{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.( الزمر/53)
وفي القرآن الكريم نقرأ في موضوع التوبة آيات عدة، من ذلك قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب } (النساء:17) ومنها قوله سبحانه: { قُلْ يا عبادي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } (الزمر:53) ومنها قوله عز من قائل: { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ } (الشورى:25) وقوله جلَّ علاه: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} (التوبة:104) .
قال أهل العلم: على أن التوبة فرض على المؤمنين، لقوله تعالى: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (النور:31) .
وأمر التوبة في الإسلام أمر عظيم، فهي نعمة جليلة أنعم الله بها على عباده، إذ منحهم فرصة لمراجعة الحساب، وتدارك ما فات، والأوبة إلى ما فيه نجاتهم من المهلكات .
إن التوبة إلى الله عز وجل هي وظيفة العمر التي لا يستغني عنها المسلم أبدًا، فهو يحتاج إلى التوبة كل يوم ، كيف لا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مائة مرة وقد دعا الله عباده إلى التوبة فقال: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31].
وما من نبي من الأنبياء إلا دعا قومه إلى التوبة، كما قص الله علينا ذلك في كتابه الكريم في مواضع متفرقة من كتابه .
ومعنى التوبة في اللغة الرجوع؛ قال ابن منظور: أصل تاب عاد إلى الله ورجع. ومعنى تاب الله عليه: أي عاد عليه بالمغفرة.
والتواب بالنسبة إلى الله تعني كثرة قبوله التوبة عن عباده، أما بالنسبة للعبد: فهو العبد كثير التوبة.

وذكر العلماء للتوبة الصحيحة شروطًا ينبغي أن تتوفر وهي:
أولاً: الإقلاع عن الذنب: فيترك التائب الذنب الذي أراد التوبة منه باختياره، سواء كان هذا الذنب من الكبائر أم من الصغائر.
ثانيًا: الندم على الذنب: بمعنى أن يندم التائب على فعلته التي كان وقع فيها ويشعر بالحزن والأسف كلما ذكرها.
ثالثًا: العزم على عدم العودة إلى الذنب: وهو شرط مرتبط بنية التائب، وهو بمثابة عهد يقطعه على نفسه بعدم الرجوع إلى الذنب.
رابعًا: التحلل من حقوق الناس: وهذا إذا كان الذنب متعلقًا بحقوق الناس، فلابد أن يعيد الحق لأصحابه، أو يطلب منهم المسامحة.
والتَّوبة الحقيقية المثمرة ليست كلمة تقال، وإنما هي توبة النفس الَّتي يهزُّها الندم من الأعماق، فتتوب وتنيب وهي في فسحة من العمر وبحبوحة من الأمل. لا توبةَ الَّذي اقترف من الآثام ما اقترف مع العلم والإصرار، حتَّى إذا أشرف على الموت وآذنت شمسه بالمغيب، وأدرك أنه هالك، أعلن توبته بصوت خنقته حشرجات الاحتضار، وجسد يغالب أنياب الموت، { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ } ( 18 النساء ) أن هذه هي توبة المفلس الَّذي أحاطت به خطيئته، ولم يبقَ لديه القدرة على ارتكاب المزيد من الذنوب، ولا فسحة من العمر للانقياد للهوى. وهي توبة ولدت ميتة لا رجاء منها ولا قبول لها، إذ لا يمكن لها أن تنشئ في القلب ندماً بعد أن توقفت نبضاته، أو في الحياة تبدُّلاً بعد أن انتهى أجلها، وبالتالي فإنها لن تُحْدِثَ النتيجة المرجوَّة من التَّوبة وهي الارتقاء في الخُلُق والعودة إلى الرشاد، لذلك : «فإن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الَّذي رواه الترمذي والحاكم وأحمد بسند صحيح.
إلى متى تصح التوبة.
سؤال يطرح نفسه إلى متى يقبل الله تعالى توبة عبده إذا تاب؟
ويأتي الجواب في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء:17، 18]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
ولابد أن تكون التوبة أيضًا قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لقوله تعالى: { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً } [الأنعام:158]
والتوبة يجب ان تكون نصوحا يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً } ] التحريم:8 [وقد ذكر العلماء في تفسيرها أنها التي لا عودة بعدها، كما لا يعود اللبن في الضرع. وقيل: هي الخالصة. وقيل: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر إذا ذكر.
ولا شك أن التوبة النصوح تشمل هذه المعاني كلها، فصاحبها قد وثَّق العزم على عدم العودة إلى الذنب، ولم يُبق على عمله أثرًا من المعصية سرًا أو جهرًا، وهذه هي التوبة التي تورث صاحبها الفلاح عاجلاً وآجلاً.
اخي المسلم أقبل فإن الله يحب التائبين:
ليس شيءٌ أحب إلى الله تعالى من الرحمة، من أجل ذلك فتح لعباده أبواب التوبة ودعاهم للدخول عليه لنيل رحمته ومغفرته، وأخبر أنه ليس فقط يقبل التوبة ممن تاب، بل يحبه ويفرح به: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } [البقرة:222].
وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: "لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله. قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده".
وقد كتب تعالى على نفسه قبول توبة عباده على الرُّغم من استغنائه عنهم، فلا تنفعه توبتهم ولا تضرُّه معصيتهم، ولكنها رحمة منه وزيادة في نفعهم، فبالتَّوبة عن الأخطاء رجوع عن الفساد،. ولو لم يشرع تعالى لهم التَّوبة لما كان لديهم الحافز على الرجوع عن أخطائهم، ولهلكوا بسبب المعاصي واتِّباع الهوى ، واستسلموا لليأس والقنوط. وبهذا يكون الإسلام قد فتح أمام الإنسان العاصي بابين التَّوبة والإنابة، وباب الرجاء والأمل بفضل الله تعالى وكرمه وحسن تقبُّله للمنيبين والتوَّابين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره (أي وجده) وقد أضلَّه في أرضٍ فلاة» (متفق عليه) ذلك أن توبة العاصي تعني عودة الضالِّ إلى جادة الصواب، وهذا ما يريده تعالى لنا، فقد خلقنا لنكون سعداء آمنين في الدنيا، ثمَّ لننعم بجنَّاته وبفضله في الحياة الآخرة، لا ليشقينا في الدنيا ثمَّ يعذِّبنا في الآخرة، تنزَّه الله تعالى عن ذلك. ولهذا كلِّه ينبغي على المسلم أن يجعل من قلبه قلباً سليماً منوَّراً؛ يرى الحقَّ بنور الله فيتَّبِعُه، ويرى الباطل بذلك النور فيجتنبه، وبهذا ينجو من موارد الشكِّ والشبهة الَّتي قد توقعه في الخطأ من حيث لا يدري، ويصبح طريقه آمناً فيمضي فيه مسرع الخطا قاصداً رضوان الله. وإذا ما تعرَّض لزلَّة قدم في مسيرته، فأصاب شيئاً من الذنوب، وتلظَّى بنار الندم على اقترافها، أقبل نحو شجرة التَّوبة، وجعل يستظلُّ بظلالها الوارفة، ثمَّ يتابع مسيرته.
فتذكر رحمك الله عذاب الله للعصاة الذين ماتوا على معصية الله حيث يقول { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ، فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } [غافر:71-72]. تذكر أخي { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا } [الأحزاب:66]
أهل النار.. { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ، لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ } [الغاشية:6-7].
أهل النار .. { يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ } [إبراهيم:49- 50].
أهل النار استمع إليهم { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }[فاطر:37]. يقولون.. فاسمع ما يقولون { قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } [المؤمنون:106-108]
ينادون فانظر من ينادون { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ } ومالك خازن جهنم { وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ، لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } [الزخرف:77-78].
إخواني..
{ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } [مريم: 71-72]. فتفكر فيما يحل بك إذا رأيت الصراط وحدته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها وزفيرها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك والخلائق أمامك يسيرون عليه، فناج مسلّم، ومخدوش مرسل، ومكردس على وجهه في نار جهنم. { فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [هود:106]
أخي المسلم .
إذا كان الحال كذلك فلا بد من وقفة مع النفس لمحاسبتها والسير بها إلى رضوان الله تعالى قال سبحانه { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } فهذا هو الملجأ والملاذ - الفرار إلى الله تعالى - قال ابن الجوزي رحمه الله في قوله تعالى: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } بالتوبة من ذنوبكم [زاد المسير 841] قال تعالى{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } [الحديد:16]
أخي المسلم، بادر إلى التوبة قبل الفوات وعش في رحاب الطاعة والالتزام بشرع الله. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار.
إنك سميع مجيب
9 / 9 / 2007    
أبو حمزة / جبل المكبر
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

الفتوحات الإسلامية
بدء فتح الأندلس

اجتاحت إسبانيا ثورات إثر ثورات حتى استقر بها القوط الغربيون، وأسسوا مملكتهم المشهورة في تاريخ أوروبا. وقد عاشت إسبانيا مظلومةً على مدى ثلاثة قرون .
فالأسرة المالكة كان تَوَلّي الحكمِ فيها محصورا في أسرة معينة، وكان النبلاء ورجال الكنيسة هم الطبقة التي تختار الملوك. ويُقال أن ثلثي الأراضي الزراعية كان ملكاً لهاتين الطبقتين مع إعفائها من الضرائب. وانقسم أهل إسبانيا أيضا إلى طبقات أخرى هي طبقة التجار والزرّاع وصغار الملاك، يقع على عاتقهم عبء دفع الضرائب وإشباع نَهَم الحاكمين. وطبقة الأقنان أو عبيد الأرض، فهؤلاء لم تكن لهم حقوق مثل طبقة العبيد أسرى الحروب.

يقول المؤرخ الإسباني رفائيل بالستيروس: ( إن العرب لو لم يتدخلوا في سنة 711م في شؤون الجزيرة ويضعوا نهاية لهذا العصر المضطرب لبلغ السقوط بإسبانيا مبلغا من السوء لا يسهل تصوره.

وقد ذكرت بعض المراجع أن التفكير في فتح الاندلس كان منذ أيام الخليفة عثمان بن عفان حيث قال حينها: (إن القسطنطينية إنما تفتح من قِبَلِ البحر وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطيمية في الأجر في آخر الزمان).

وكان المسلمون بقيادة خلفائهم يهتمون بالفتوحات الإسلامية التي كانت لنشر الإسلام في ربوع الأرض وتحقيق حمل الدعوة الإسلامية بكسر الحواجز المادية التي تقف أمام الدعوة.

ففي عام 86هـ وفي زمن الخليفة الوليد بن عبد الملك الأموي تولى "موسى بن نصير" المغرب، وكان قائدا شجاعا مخلصا مجاهدا، فأَخضع البربر ونشر الأمن في هذه الربوع واستطاع أن يفتح طنجة فترك بها حاميةً يقودها مولاه "طارق بن زياد"، وعهد إليه بالعمل على نشر الإسلام في المنطقة وعسكر طارق بمن معه من المسلمين على سواحل بحر الزقاق وبدأت أنظارهم تتجه نحو إسبانيا.
ولما ضمن موسى ولاء أهل المغرب واستمساكهم بدعوة الإسلام أخذ يُعِدّ العدة لغزو جديد.

كان ملك إسبانيا اسمه غيطشة ولكنه عُزل ثم قُتل واستلم الحكم من بعده لذريق، فأثار ذلك أنصار غيطشة وأبناءه وبدأت حركة استقلالية في البلاد استمرت حتى دخول المسلمين أرض الأندلس .

فرَّ ابن غيطشة الذي تولى العرش بعد أبيه إلى إفريقية وأقام عند يوليان (حليف غيطشة) حاكم سبتة.

جاء رسول من قبل طارق بن زياد يخبر موسى بن نصير بأنّ يوليان حاكم سبتة عرض عليه أن يتقدم لغزو إسبانيا وأنه على استعداد لمعاونة المسلمين في ذلك وتقديم السفن اللازمة لنقل الجنود المسلمين. وبعث موسى إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك يستشيره فردَّ عليه الخليفة بقوله: (خُضْها أوّلا ً بالسرايا يعني بقلةٍ من الجنود حتى ترى وتختبر شأنها ولا تغرّر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال)، فأرسل موسى رجلا من البربر يُسمى طريف بن مالك المعافيري في مائة فارس وأربعمائة رجل في رمضان سنة 91 هـ وركب هو وجنوده البحر في أربعة مراكب حتى نزل ساحل الأندلس فيما يحاذي طنجة، في جزيرة خضراء صغيرة على مقربة من الموضع الذي قامت به بلدة حملت اسم طريف، ومن ذلك الموضع قام طريف بسلسلة من الغارات السريعة على الساحل، فأصاب سبياً كثيراً ومالاً وفيراً ثم رجع إلى المغرب غانماً سالماً .

وفي شهر رجب من عام 92 هـ جهز موسى جيشاً خليطاً من العرب والبربر تعداده سبعة آلاف جندي بقيادة طارق بن زياد، وانطلق طارق بالجيش، فعبر البحر من سبتة ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة التي لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم "جبل طارق" . وقيل إن طارق كان نائما في السفينة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين الأربعة يمشون على الماء حتى مرُّوا به، فبشّره النبي بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد .

وقع على لذريق خبرُ اقتحام المسلمين ساحل الأندلس الجنوبي واستيلاؤهم على الجزيرة الخضراء وقوع الصاعقة، فانزعج وكرَّ راجعاً إلى جنوبي الأندلس وزحف إلى قرطبة في جيش جرّار بلغت عدته نحو مائة ألف، فكتب طارق إلى موسى يستمدّه ويخبره بأنه فتح الجزيرة الخضراء واستولى على بعض أعمالها وأن لذريق زحف إليه بما لا قِبَلَ له به، فأرسل موسى إليه مدداً مؤلفاً من خمسة آلاف من المسلمين ليصبحوا اثني عشر الفاً.

أقبلت جيوش لذريق حتى عسكرت غربيّ طريف بالقرب من بحيرة خندة على طول نُهير برباط الذي يصب في البحر الذي سماه المسلمون وادي لُكَّة وبالمقابل أخذ طارق في الاستعداد للمعركة الحاسمة، فاختار موقعا مناسباً في وادي لُكَّة يستند في أجنحته على مواقع طبيعية تحميه، ونظَّم قواته وأصدر الأوامر بإحراق السفن، وقام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه، ثم حث المسلمين على الجهاد ورغَّبهم فيه واستثار حماستهم. وكان مما قاله طارق في الخطبة الشهيرة : (أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر....).
ففي 28 رمضان عام 92 هـ الموافق 19 تموز 711م وقعت معركة وادي لُكَّة بين قوات الدولة الأموية تحت إمرة طارق بن زياد وجيش الملك القوطي لذريق. استمرت المعركة حوالي سبعة أيام. انتهت بفضل الله في معركة عرفت باسم معركة شذونة أو معركة وادي البرباط. في هذه المعركة خارت قوى لذريق ولم تغنه شجاعته شيئاً، ويئس من النصر لما رأى جنده يفرون أو ينضمون للمسلمين .
هجم طارق على لذريق فضربه بسيفه فقتله وقيل إنه جرحه ورمى بنفسه في وادي لُكَّة فغرق .
اتجه طارق لفتح المدن الرئيسية في الأندلس ففتح شذونة ومدورة و قرمونة وإشبيلية واستجة. وهكذا قررت معركة وادي لُكَّة مصير الأندلس لمدة ثمانية قرون ، فكانت هي المعركة الحاسمة التي فتحت أبواب الأندلس للمسلمين .

   
مراد الهشلمون
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

قضايا إجتماعية
الزواج العرفي

الزواج العرفي هو اتفاقية تعقد بين رجل وامرأة على المعاشرة، وعلى الطلاق، ‎وعلى ما يترتب على ذلك من تصرف،‎ وخروج من البيت وطاعتها له وطاعته لها وما شابه ذلك ومن بنوّة ولمن يكون الابن ولمن تكون البنت وما شاكل ذلك ومن إرث ونسب وغير ذلك مما يترتب على المعاشرة الزوجية حسب شروط يتفقان عليها ويلتزمان بالتزامها، وعادة ما تُعقد هذه الاتفاقية عند محامٍ أو هيئة أخرى دون توثيقها في المحاكم الشرعية.

وفوق ذلك فالزواج العرفي يطلق لكل رجل أن يتزوج أية امرأة ولأيّة امرأة أن تتزوج أيّ رجل حسب الاتفاقية التي يتراضيان عليها في كل شيء يريدانه حسب اتفاقهما، ولا يشترط فيه وجودُ شاهدين فيصح بدونهما وإذا وُجدا لا يشترط فيهما أن يكونا مسلمَيْن إذا كان طرفا الاتفاقية أو أحدهما مسلماً ولا يُشترط أن يكون به وليّ. وعلى هذا فيكون ما يسمى بالزواج العرفي ليس اتفاقية زواج فحسب بل اتفاقية زواج ونسب ونفقة وإرث وبنوة وحضانة وطلاق. فهو ليس عقدَ زواج بل هو نظامُ معاشرة رجل لامرأة أو امرأة لرجل وما يترتب على هذه المعاشرة وكيفية تركها .

أما واقع نظام الإسلام فهو فيما يتعلق بالزواج عقدٌ خاص بالزواج لا يتعداه إلى غيره ولا تشمل أحكامه أحكام غيره، ‎وأما النسب والنفقة والإرث والبنوة والحضانة والطلاق فكلٌّ منها باب على حدة وموضوع غير الآخر ولكل منها أحكام معينة خاصة به ولا تشمل غيره ولا يدخل فيه غيره. وعلى هذا فإن الزواج العرفي هو غير الزواج في الإسلام وهما متباينان كل التباين. ‎هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الزواج العرفي يخالف أحكام الإسلام كلَّ المخالفة. ‎ففي عقد الزواج في الإسلام يشترط الشرعُ لانعقاد الزواج شروطا منها: اتحاد مجلس الإيجاب والقبول، وأن يسمع كلٌّ من العاقدين كلامَ الآخر وأن يفهمه، وعدم مخالفة القبول للإيجاب سواء أكانت المخالفة في كل الإيجاب أو بعضه، وأن يكون الشرع قد أباح تزوج أحد العاقدين بالآخر، فاشترط في المرأة حتى ينعقد زواج المسلم بها أن تكون مسلمة أو كتابية لقوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) سورة البقرة، ولقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ) سورة المائدة، ولما روي عن الحسن بن محمد قال ( كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام فمن أسلم قُبِلَ منه ومن لا ضُربت عليه الجزيةُ في أن لا تؤكلَ له ذبيحةٌ ولا تنكح له امرأة ) أخرجه البيهقي. واشترط في الرجل حتى ينعقد زواج المرأة المسلمة به أن يكون مسلما، ومنع من سوى ذلك، ‎فمنع أن ينكح المرأة المسلمة كافرٌ مطلقا سواء أكان كتابيا أم غيرَ كتابي قال تعالى: )فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) سورة الممتحنة، ‎وهذا نص لا يحتمل إلا معنى واحدا ليس غير وهو أن المسلمة لا تحل للكفار وأن الكفار لا يحلون للمسلمات. وكون أهل الكتاب من النصارى واليهود كفاراً ثابتٌ بصريح القرآن قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقّاً ) سورة النساء، والنصارى واليهود لا يؤمنون بنبوة محمد ورسالته فهم الكافرون حقا وهذا علاوة على الآيات الكثيرة التي نصت على أنهم كفار من مثل قوله تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) سورة المائدة، وقوله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) سورة المائدة، وقوله تعالى (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) سورة البينة، إلى غير ذلك من الآيات. ‎فزواج المسلم بالكافرة غير الكتابية وزواج المسلمة بالكافر مطلقا زواج باطل لا ينعقد ولا يحصل فيه زواج على الإطلاق. ‎والزواج العرفي يجعل هذا الزواج صحيحا، فهو يخالف أحكام الإسلام .

‎وأيضا فإن الشرع يشترط لصحة الزواج إذا انعقد شرعا شروطا :

الشرط الأول : أن تكون المرأة محلاًّ لعقد الزواج أي أنْ لا تكون مُحرَّمةً على الرجل بأن لا يَرِدَ نصٌّ في تحريمها على الرجل وقد ذُكر تحريمُهن صراحة في الكتاب والسنة، من مثل قوله تعالى (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء) سورة النساء، وقوله تعالى (‎حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ... ) إلى آخر الآية سورة النساء، وأما السنة فقد روى أبو هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: (‎لا يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ولا بينها وبين خالتها ) متفق عليه، وروى مسلم وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم (‎إنّ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة ).
‎والشرط الثاني: يشترط الشرع لصحة الزواج حضورَ شاهدَين مسلمَيْن بالغين عدلين سامعين لكلام العاقدين فاهمين أن الغرض من هذا الكلام هو عقد زواج،‎ لأن القرآن قد شرط الشاهدين المسلمين في إرجاع المطلّقة طلاقا رجعيا إلى زوجية زوجها قال تعالى (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) سورة الطلاق، فإذا كانت الرجعية وهي استدامة عقد النكاح يُشترط فيها شاهدان مسلمان ( منكم ) فإن إنشاء الزوجية أي إنشاء عقد النكاح من باب أولى أن يشترط فيه شاهدان. على أن عقد النكاح واستدامة عقد النكاح هما من باب واحد، فهما كالحكم الواحد فكانت الآية دليلا عليها. ‎فهذان الشرطان إذا لم يتوفرا وانعقد النكاح كان فاسدا والعقد الفاسد يفسخ.
الشرط الثالث: اشترط الإسلام أن النكاح لا يصح إلا بوليّ فلا تملك المرأةُ أن تزوج نفسَها لما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " لا نكاح إلا بوليّ " أخرجه ابن حبان والحاكم، ولا أن تُزوِّج غيرَها، كما أنها لا تملك توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت لم يصح نكاحها، فلما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل." أخرجه الحاكم، ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تُزوِّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " رواه ابن ماجة. والزواج العرفي لا يشترط هذه الشروط لصحة الزواج فهو يخالف أحكام الإسلام .
هذا من حيث الزواج، أما من حيث باقي اتفاقية الزواج وهي الطلاق والنفقة والإرث والبنوة والحضانة والنسب فإن أحكام الزواج العرفي في شأنها تخالف أحكام الإسلام .
فالشرع جعل الطلاق للرجل يقع على المرأة متى أوقعه الرجل عليها مطلقاً بأيّة حالة من الحالات، وجعله للمرأة في حالات معينة.

والزواج العرفي يجيز أن يُمنَع الرجلُ من إيقاع الطلاق في حالات ولو أوقعه فيها لا يقع على المرأة وتظل زوجةً له، ‎والشرع لم يوجب النفقة للزوجة إنْ كانت في دار كفر أي تحمل تابعيةً غير التابعية الإسلامية والزوج يحمل التابعية الإسلامية، في حين أن الزواج العرفي إذا اتفقا على إيجابها تكون واجبة، والشرع منع الكافر أن يرث المسلم والزواج العرفي يجيز أن يشترط فيه أن يرث الكافرُ المسلمَ خلافا لما روى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " متفق عليه. والشرع منع الكافر من حضانة الطفل المسلم بعد الفطام والزواج العرفي يجيز أن يُجعَل الطفلُ المسلم تحت حضانة الكافر. والشرع جعل الولد يتبع خيرَ الأبوين ديناً أي لا يتبع الولدُ إلا المسلمَ من الوالدَيْن ذكراً كان أم انثى في حين أن الزواج العرفي يجيز للولد المسلم أن يتبع أحدَ أبويه الكافر. ‎وهكذا فيكون الزواج العرفي من هذه الجهة أيضا مخالفا لأحكام الشرع لما روى عائذ بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه " أخرجه الدارقطني .

ولذلك كان العقد الذي يحصل في الزواج العرفي عقدا غير شرعي ولا يعتبر شرعا ولا قيمة له للأمور التالية :

أحدها : أن الزواج العرفي يشمل المعاشرة الزوجية وما يترتب عليها من نسب ونفقة وإرث وبنوة وحضانة وطلاق. فلو فرضنا أن عقد الزواج حسب نظام الزواج العرفي قد استكمل الشرائطَ الشرعية وعدم الموانع فإنه تبقى الأحكامُ الأخرى الداخلة في نظام الزواج العرفي كما نص عليها عقد الزواج العرفي مخالفةً للشرع إذا عُلِّق على شروط فاسدة مخالفة للشرع وظل العقد كله مخالفا للشرع .

ثانيها: إن الزواج العرفي لا يشترط وجودَ الوليّ وهو شرط في صحة العقد ولا ينعقد الزواج بدونه .
ثالثها: حتى لو حصل في الزواج العرفي إيجابٌ بلفظَي التزويج والإنكاح وقبولٌ بهما أو بما يدل عليهما، وحتى لو كان بحضور شاهدين مسلمين وليس مطلق شاهدين ولو كانا غير مسلمين مما يخالف قوله تعالى (ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) أي لا من غيركم أي من المسلمين، حتى لو حصل في الزواج العرفي ذلك فإنه لا يكون زواجا شرعيا وذلك لأن المسألة ليست اعتبار ما يحصل بين رجل وامرأة من إيجاب وقبول، ‎وإنما هي عقد زواج بكيفية مخصوصة حسب نظام مخصوص فالبحث ليس عما يحصل بين رجل وامرأة من إجراء عقد بألفاظ الزواج والنكاح بل البحث عن الزواج العرفي أي البحث عن نظام مخصوص للزواج، هل الزواج بحسبه يعتبر شرعيا أم لا؟ والجواب أن هذا الزواج يخالف عقد الزواج في الإسلام ولا يجوز إجراء العقد بحسبه .
رابعها : الزواج العرفي لا يشترط وجود المهر، وهو بذلك مخالف للإسلام .
   
أبو رمضان    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

أجهزة دولة الخلافة (في الحكم والإدارة)
الولاة

مقدمة
يتميز نظام الحكم في الإسلام باستناده إلى الشرع الذي يسود كافة أرجاء المجتمع والدولة، في وحدة سياسية تصوغ الأمة على اعتبارها جماعة واحدة، تبايع خليفة واحداً على الحكم بكتاب الله وسنة نبيه. ونظام الحكم هذا هو النموذج الوحيد الذي ينبغي تطبيقه، على اعتبار أنه يجسد أحكاماً شرعية.لذلك لابد من تسليط الضوء على ما كانت عليه أجهزة دولة الخلافة التي منها الولاة .

الولاة
تقسم البلاد التي تحكمها دولة الخلافة الى ولايات وتقسم كل ولاية الى عمالات. يتسمى كل من تولى الولاية واليا ومن يتولى العمالة يسمى عاملا.

تعيين الولاة
يُعيَّن الولاة مِن قِبَل الخليفة، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يَتولّى تقليد الوُلاة ، وكان يُقلّدهم الوِلاية كلها، كما حصل مع عمرو بن حزم، فقد وَلاّه اليمن كُلّها، وكذلك كان في بعض الأحيان يُقلّد كل واحد قِسماً مِن الوِلاية، كما حصل مع معاذ بن جبل وأبي موسى، فقد أرسل كل واحد منهما على مِخلاف مستقل عن الآخر من اليمن. وقال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تـُـنفّرا» رواه البخاري
شروط الولاة
يشترط في الوُلاة أن يكونوا رجالاً أحراراً مسلمين بالغين عقلاء عدولاً، وأن يكونوا مِن أهل الكفاية فيما وكل إليهم مِن أعمال، ويُتخيَّرون مِن أهل التقوى والقوة.
وهذه الشروط يجب توفرها كون الوالي كالمعاون نائب عن الخليفة في الـحُكم، فهو حاكم فيشترط فيه ما يُشترط في الخليفة والمعاون. فيشترط فيه أن يكون رجلاً، لقوله عليه السلام: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» رواه البخاري ، والولاية في الحديث مقصود بها الـحُكم، بدليل قوله: «أمرَهم»، وكلمة أمرِهم إذا قُرنت بِوَلي ووِلاية فإنها تُعيِّن معنى كلمة وَليِ ووِلاية بأنها الحُكم والسُلطان. ويشترط فيه أن يكون حراً لأن العبد الرقيق لا يملك نفسه فلا يكون حاكماً على غيره، وأن يكون مسلماً لقوله تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا}، وأن يكون بالغاً عاقلاً لحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة..» ومنها: «وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المبتلى حتى يبرأ»، رواه أبو داود، ومن رُفع عنه القلم فهو غير مكلف فلا يصح أن يُولّى تنفيذ الأحكام. وكذلك يشترط أن يكون عدلاً، لأن الله اشترط العدالة في الشاهد فهي في الحاكم من باب أولى، ولقوله تعالى: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا }، فأمر بالتَبيُّن عند قول الفاسق، والحاكم يجب أن يكون ممن يؤخذ حُكمُه مِن غير تَبيُّن، فلا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يُقبَل قوله، إلا بالتَبيُّن عند حكمه. ويشترط أن يكون مِن أهل الكفاية والمقدرة على القيام بما وُكِل إليه من أعمال الحُكم، لأن الرسول عليه السلام قال لأبي ذر حين طلب منه أن يوليه وِلاية: «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة». رواية مسلم من طريق أبي ذر، وهو دليل على أن مَن كان ضعيفاً أي عاجزاً عن القيام بأعباء الحُكم لا يصلح لأن يكون والياً وقد كان صلى الله عليه وسلم يتخير وُلاته مِن أهل الصلاح للحكم، وأولي العلم المعروفين بالتقوى،. عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَمَّر أميراً على جيش أو سَرية أوصاه في خاصته بتقوى الله. ومَن معه مِن المسلمين خيراً» رواه مسلم، والوالي أمير على وِلايته فيدخل تحت هذا الحديث.
مدة الولاية
ينبغي أن لا تطول مدة ولاية الشخص الواحد على الولاية، بل يعفى من ولايته عليها كلما رُؤي له تَركّز في البلد أو افتتن الناس به.
وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُولّي الوالي مُدّة ثم يعزله، ولم يَبْقَ والٍ على ولايته طِوال عهد الرسول عليه السلام. مما يدل على أن الوالي لا يُولّى وِلاية دائمية، بل يُولّى مدة ثم يُعزل. ولقد ظهر من طول مدة ولاية معاوية على الشام أيام عمر وأيام عثمان، أنه قد ترتَّب عليه ما ترتب من فتنة هزت كيان المسلمين، ففهم من هذا أن طول ولاية الوالي في الولاية يَنتُج عنه ضرر على المسلمين وعلى الدولة، ومن هنا جاء القول بعدم تطويل مدة ولاية الوالي.
ولا يُنقل الوالي من ولاية إلى ولاية، لأن توليته عامة النظر، محددة المكان، ولكن يُعفى ويُولّى ثانية بعقد تولية جديد خاص بذلك المكان الجديد.
صلاحيات الولاة
للوالي صلاحية الحكم والإشراف على أعمال الدوائر في ولايته نيابة عن الخليفة، فله جميع الصلاحيات في ولايته عدا المالية والقضاء والجيش. فله الإمارة على أهل وِلايته، والنظر في جميع ما يتعلق بها، إلا أن الشرطة توضع تحت إمارته من حيث التنفيذ لا من حيث الإدارة.وذلك أن الوالي نائب عن الخليفة في المكان الذي عينه فيه. فله ما للخليفة من صلاحيات، فله عموم النظر إذا كانت ولايته عامة، في ذلك المكان، وله خصوص النظر في الأُمور التي وُلِّي فيها فقط إن كانت ولايته خاصة،. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُولّي الوُلاة ولاية مطلقة في الحكم، ويُولّي بعضهم في كل شيء ولاية عامة، ويُولّي بعضهم في ناحية معينة ولاية خاصة. وقد وَلّى معاذاً على اليمن وجعل له الصلاة والصدقة، واستعمل فروة بن مُسَيْك على مُراد ومُذحِج وزَبيد وبعث معه خالد بن سعيد على الصدقة. فهذا كله يدل على أنّ ّ الرسول عليه السلام قد وَلّى وُلاةً ولايةً عامة على الصلاة والصدقة، ووَلّى وُلاةً ولايةً خاصة على الصلاة وحدَها، وعلى الصدقة وحدَها.
وإنه وإن كان يجوز للخليفة أن يُعيّن والياً ولاية عامة، وأن يُعيّن والياً ولاية خاصة، إلا أنه يستحسن ان تُخصّص ولاية الوالي فيما لا يؤدّي به إلى الاستقلال عن الخليفة والحاق الضرر بالدولة وبما أن الذي يُمكِّن من الاستقلال هو الجيش والمال والقضاء، لأن الجيش هو القوة، والمال هو عصب الحياة، والقضاء هو الذي يَظهَر به حفظ الحقوق وإقامة الحدود، لهذا تُجعَل الولاية للوُلاة ولاية خاصةً في غير القضاء والجيش والمال، لما يسبب جعلُها بيد الوالي من خطر الاستقلال، وما يعود من ذلك على الدولة من خطر. غير أنه لما كان الوالي حاكماً ولا بد له من قوة للتنفيذ، لهذا تكون الشرطة تحت إمرته، وتكون إمارته شاملة لها كما هي شاملة لكل شيء في الولاية، ما عدا الثلاث الآنفة الذكر. إلا أن الشرطة باعتبارها جزءاً من الجيش فإن إدارتها تكون بيد الجيش، ولكنها تكون تحت تصرف الوالي للتنفيذ.
والولاة يقومون بأعمالهم مستقلين كل الاستقلال عن الخليفة، هكذا كان معاذ، وهكذا كان عَتّاب بن أسيد، وهكذا كان العلاء بن الحَضرمي وغيرهم. ، وإن كان الخليفة يكشف عن حال الولاة، ويتصفح أخبارهم. فالوالي مطلق التصرف في ولايته، ولذلك قال معاذ للرسول صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: «أجتهد رأيي» فهو دليل على أن الوالي لا يُطالِع الخليفة، بل يجتهد رأيه. غير أنه لا يمنع من أخذ رأي الخليفة في المهم من المسائل، ولكن لا يأخذ رأيه في غير المهم حتى لا تتعطل مصالح الناس.
تحري اعمال الولاة
على الخـليفة أن يتحـرى أعمـال الولاة، ، وأن يُعـيِّـن من ينوب عنه للكشف عن أحوالهم، ، وأن يجمعهم بين الحين والآخر، ويُصغي إلى شكاوى الرعية منهم.
فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كما كان يَختَبر الوُلاة حين يُولّيهم كما فعل مع معاذ ومع أبي موسى، ، ويُنبِّههم إلى بعض الأمور المهمة كما فعل مع أبان بن سعيد حين ولاه البحرين إذ قال له: «استوص بعبد قيس خيراً وأكرم سراتهم» فإنه كذلك ثبت عنه عليه السلام أنه كان يُحاسِب الولاة، ويسمع ما ينقل إليه من أخبارهم. وكان يُحاسِب الولاة على المستخرَج والمصرَف، كما فعل عليه السلام مع ابن اللتبية عندما استعمله على الصدقات فرجع يقول هذا لكم وهذه هدية اهديت لي.. وكان عمر شديد المراقبة للولاة ، ويجمعهم في موسم الحج لينظر فيما عملوه، وليصغي إلى شكاوى الرعية منهم،. ».

عزل الوالي
أما عزل الوالي فإنه يُعزل إذا رأى الخليفة عزله، أو إذا أظهر جمهرة أهل ولايته، عدم الرضا منه، والخليفة هو الذي يتولى عزله، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عزل معاذ بن جبل عن اليمن من غير سبب، وعزل العلاء بن الحضرمي عامله على البحرين، لأن وفد عبد قيس شكاه.
9 / 11 / 2007    
أبو عبادة الحسيني
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

نفحات رمضانية
"للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه "

السعادة والفرح هما في معنى واحد وهو نيل رضوان الله تعالى والالتزام بما أمر والابتعاد عما نهى وقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وجعل به الحاجات العضوية والغرائز، فإنْ أشبع الإنسان هذه الحاجات والغرائز نال رضوان الله فكان مطمئنا ًقلبُهُ .. صحيحا عملُهُ .. سويّاً في سلوكه .. مشبعاً لفطرته .. غيرَ قلق على أمر دنياه. حيث إن كيفية إشباع الغرائز والحاجات العضوية إذا نُظِّمت بأمر الله كانت رحمةً من الله تعالى قال تعالى في سورة الشورى(48) " وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا"

والصوم نعمة أنعمها الله على المسلمين وجعله جُنَّةً لهم حيث قال رسول الله(ص): " الصوم جُنَّةٌ " أي وقاية من المنزلقات في الآثام.......
لذلك يفرح المؤمن برحمة الله تعالى ، وكلما كان الإنسان مدركاً للوقائع ويميز الصحيح من الخطأ في حياته يسير وفق أمر الله فَرِحاً بما أتاه الله من فضله، وكلما انحط فكر الإنسان اتبع هواه " ومن أضل ممن اتبع هواه " فأصبح ينظر ويقيس الفرح بمقياس عقله وهواه فيفرح وهو لا يدري فيما يفرح "وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ " الآية (26) الرعد
وكان قارون قد فرح بجمع أمواله فظن أنها ستنجيه وسيخلد فيها وبها في الدنيا " إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ " (76) القصص
ذلك بأنه كان يفرح بغير الحق، إذاً هذه عاقبة من يفرح لنفسه باتباع هواه لا باتباع أمر الله ... وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله (ص) كانوا إذا خرج النبي إلى الغزو وتخلّفوا عنه بمقعدهم خلاف رسول الله (ص) فإذا قدم النبي (ص) اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يُحمَدوا بما لم يفعلوا فنزلت " لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " آل عنران 188
فعندما يلتزم المسلم بأمر الله يفرح بجزاء الله العظيم له سواء في الدنيا أو الآخرة؛ ففي الدنيا يعطيه الله الحياة الهنيئة وفي الآخرة الفوز العظيم. ومن الأمور التي يفرح بها المؤمن في الدنيا والآخرة وتكون سبباً له في السعادة في الحياتين هو موضوع الصيام والأجر عليه يقول (ص)" قال الله كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " والصيام جنة وإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحدٌ فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أحبب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما ،إذا افطر فرح وإذا لقي ربه فرح لصومه ."رواه البخاري.
ففرحة المسلم في الأولى وهي فرحة انتهاء صومه فجعل الله ذلك عيدا للمسلم بعد رمضان يفرح به وبالأجر العظيم الذي ناله فَيَصِل رَحِمَه ويكرم ضيفه ..
وفرحته الأخرى عند لقاء ربه في الآخرة وفرحه في الدرجات العلى في الجنة، وأن الله قد خصص له باباً يدخل فيه إلى الجنة وهو باب الريان لا يدخله إلا هو وأمثاله من الصائمين، أليس هذه فرحة ؟؟!
ولكن الأمر يتعدى ذلك ويتعدى الفرحة للشخص ذاته وأنه يفرح كذلك للمؤمنين لان الرسول يقول " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"

فإذا أراد المسلم أن يفرح الفرحة الكبرى في الدنيا والآخرة؛ فليستغل كل وقت من أوقاته لنيل رضوان الله لأن السعادة لا تكون إلا بذلك، وليستغل هذا الشهر العظيم لأفضل العمل العظيم وهو يعمل لإقامة دولة الإسلام وتطبيق شرعه في الأرض، وحمله رسالة إلى العالم ، فبذلك يوجد الطمأنينة عنده وعند المسلمين ويفرح هو والمؤمنون بذلك الفرح العظيم وبهذا الفضل العظيم " قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ " (58) يونس
وأفضل فرحة للمسلم هي أن تقوم دولة الإسلام ويطبق شرع الله ويموت وفي عنقه بيعة لأمير المؤمنين" خليفة المسلمين" وهو يقاتل تحت رايته فيعيش فرحا بذلك ويموت مسروراً فرحاً مشتاقاً للقاء ربه، وربه مشتاق للقائه يحب لقاء الله والله يحب لقاءه " ولله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء "

أيها المسلمون ألا تحبون أن تموتوا وأنتم تفرحون بلقاء الله وبفرح الله بلقائكم اعملوا لتطبيق شرعه وأمره في الدنيا تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة ، تحبون لقاءه ويحب لقاءكم وتفوزون بالدرجات العلى من الجنة .

أبو احمد الكرمي
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

قضايا اجتماعية
التفسّخ العائلي

ما هي ميزات النظام الاجتماعي في الإسلام مقارنةً مع الأنظمة الوضعية الأخرى ؟! وكيف نظم الإسلام الروابط الاجتماعية وخاصة ما يتعلق منها بالعائلة وما يتصل بها ؟! ما هي الأسباب التي أدت إلى ضعف الرابطة الاجتماعية في المجتمع وبالتالي إلى تفسّخ الروابط العائلية ؟! ما هو العلاج الصحيح لهذا الخلل الكبير في الروابط العائلية عند المسلمين ؟! .
قبل البداية في الإجابة عن هذه الأسئلة ، نقول : إن هذا الدين – دين الإسلام – هو الدين الوحيد على وجه الأرض الذي يتصل بخالق الكون والإنسان والحياة ، وما سواه من أديان ومبادئ وأفكار تتعلق بحياة البشر إنما هي من نسيج الأدمغة البشرية الضعيفة الناقصة العاجزة المحتاجة .
فمبدأ الإسلام – دين الإسلام – بشكل عام قد اتصف بصفات تميز بها على كل النظم الوضعية ، ومن هذه الصفات الفريدة :- 1- أنه دين يسمو بالبشر ، فيرفعهم عن مستوى البهيمية، ليضعهم في مصفّ الكرامة والتكريم الذي أراده الله بقوله : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً }، وهذا بعكس المبادئ الأخرى التي تنحدر بالإنسان وتنحط به إلى أسفل !!.
2- اتصف هذا الدين – دين الإسلام – باستقامة أحكامه وعدالتها في كل شيء ؛ في الحياة الاجتماعية ، والسياسيّة ، والاقتصادية ... فجميع أحكامه تحقق السعادة والاستقامة والعدالة في الحياة ، وهذا بعكس المبادئ الأخرى – كما هو مشاهد – التي تجلب الشرور والشقاء ، والأوبئة والفقر لبني الإنسان . قال تعالى : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ، قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } وقال : { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } وقال : { صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ } وقال : { .... دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .
3- لقد اتصف هذا الدين بالشمول لجميع مناحي الحياة ، فلم يترك أمراً من أمور الإنسان الحياتية ، جلّ أو صغر إلا ووضع له نظاماً ينظمه بأحسن طريقة وأقوم منهج ،. فعالج أمور الحكم ، وفي نفس الوقت عالج الحاجات الخاصة للإنسان، من مأكل وملبس ومسكن وغيرها ... قال تعالى : { ... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } .
4- ربط هذا الدين الإنسان – في كل شيء في حياته – بالآخرة ، حيث جعل لكلّ عمل من أعماله هدفاً أخروياً هو مرضاة الله عز وجلّ ، وجعل السعادة في حياته بقدر ما يكون قريباً من الله تعالى ملتزماً منهجه ، وجعل الغاية من وراء أيّ أمر هي مرضاة الله عز وجلّ ، لا مرضاة أحد من البشر .
وهذا بعكس النظم الأخرى التي جعلت حياة الإنسان كلّها مرتبطةً بالدنيا ، فجعلت السعادة هي الأخذ بأكبر قدر مستطاع من متع الحياة الدنيا ، وجعلت الغاية من الأعمال منحصرةً في الدنيا فقط ، لا ترتفع ولا تسمو عن قدر الطين والتراب .
والنظام الاجتماعي هو فرع من هذا النظام الشامل الكامل العادل المستقيم ، السامي الرفيع ، وقد تميز هذا النظام بميزات سامية جعلته بحقّ منهجاً مستقيماً عادلاً يليق بكرامة الإنسان ورفعته .
وأول هذه الميزات الفريدة لهذا النظام العادل المستقيم ، أنه جعل جميع الأحكام التي تنظم صلات المرأة بالرجل ، أو الولد بأبيه ، أو الأرحام بعضهم مع بعض ، جعل كل ذلك من أجل غاية وهدف رفيع هو تحقيق معنى العبوديّة الحقة لله تعالى في الدنيا ، وإرساء قواعد قويّة متينة لمجتمع قوي متين مترابط ، والمحافظة على إنسانية الإنسان وكرامته ورفعته ، وصيانة حرماته من العبث والطيش وسفه السفهاء .
2- جعل العلاقة التي تنظم حياة الرجل بالمرأة والأحكام التي تضبط ذلك ، جعلها من أجل غاية نبيلة عالية هي تحقيق معنى السكن والمودة والقربى بين الزوجين ، وتحقيق معنى الاستقرار والأمن لحاضنةٍ أمنيةٍ تستقبل جيلاً جديداً من الأبناء ، فتربّيهم تربيةً هادفة ، وكذلك جعل الأحكام الشرعية التي تنظم حياة الرجل بالمرأة في بيت الزوجية ، تحقّق معنى العبودية لله تعالى ، فتعين الرجل على العبادة الصحيحة ، وكذلك المرأة . وهذا بعكس النظم السقيمة الأخرى التي نظرت إلى هذه الرابطة ، والحياة بين الزوجين على أنها حياة شهواتٍ دنيوية فقط ، وإذا انعدمت الشهوات أو المنافع الدنيوية الهابطة انتهت هذه الرابطة وكأن شيئاً لم يكن . يسودها الخوف والقلق لأنها لا تستند إلى تقوى الله عز وجلّ ، ولا تنظر أبداً لحياة أخرى .
3- نظر النظام الاجتماعي إلى المرأة نظرةً عالية رفيعة وضعتها في مرتبة كريمة ؛ فالمرأة في نظام الإسلام أمٌ وربة بيت، وعرض يجب أن يصان ويحافظ عليه ، وهي راعية الأولاد ومربيتهم في أهم مرحلة في حياتهم ، وهي كذلك عون للزوج على مشاقّ الحياة ، وهي سبب الاستقرار والعفاف والمودة والسكن في الحياة الأسرية ، وهذه النظرة تختلف عن مناهج الأرض الأخرى التي اتصلت بالطين والتراب ، وجعلت المرأة مجرد تحفةٍ فنية ، ومحل استمتاع فقط ، يأخذ منها المجتمع حاجته في حال الشباب ، ثم يرميها في المصحّات العقلية، أو دور العجزة إذا كبرت بها السنّ وأصبحت لا تقوم بالدور المقصود من حياتها .
4- وضع النظام الاجتماعي أحكاماً سامية رفيعة ، تعالج كل شؤون الأسرة وما يتصل بها من أرحام أو أقرباء .
فوضع أحكاماً ابتداءً في طريقة الاتصال بين الرجل والمرأة عن طريق نظام الزواج الصحيح ، ووضع كذلك نظاماً يحدد طبيعة الأحكام ما بين الرجل وزوجته من حيث الواجبات والحقوق ، وبين الرجل وأبنائه من حيث الواجبات والحقوق ، وكذلك بين الأبناء وآبائهم ، ووضع أحكاماً تنظم شؤون الأقرباء مع بعضهم في الصلة والنفقة والميراث وغير ذلك .
ووضع الإسلام أحكاماً تبيّن كيف ينفصل الرجل عن زوجته بطريقةٍ صحيحةٍ إن تعسرت الحياة فيما بينهم ، ثم بين كيف تكون العلاقة بعد هذا الانفصال سواء أكان ذلك بين الرجل وزوجته أو بين الزوجة وأبنائها أو بين الأبناء وأبيهم وهكذا .
فلم يترك الإسلام حكماً واحداً من شؤون الأسرة إلا وبينه .
5- ربط الإسلام جميع الأحكام الدنيوية بوازع تقوى الله عز وجلّ ، والنظرة إلى الدار الآخرة لا مجرّد النظرة الدنيوية الفانية فقط . فالمرأة تطيع زوجها بدافع تقوى الله عز وجل ، والحرص على مرضاته سبحانه والفوز بجنانه واجتناب غضبه وعذابه في نار جهنم ، والولد يقوم بواجب أبيه العاجز في حال الكبر أملاً في رضا الله أولاً والفوز بجائزته الكبرى في جنات النعيم ، واجتناباً لسخط الله تعالى بسبب عقوق الوالدين ، وكذلك أملاً في جني ثمرة أولاده طيبة في الدنيا بسبب قيامه بواجب والديه ، لأنه يتذكر أحاديث المصطفى عليه السلام التي تعد المسلم الذي يقوم بواجب والديه بجني ثمرة أبنائه طيبة في الدنيا مثل حديث المصطفى عليه السلام : " بروا آباءكم تبركم أبناؤكم ... " . والمسلم كذلك الذي يصل رحمه يفعل ذلك من أجل رضا الله أولاً في الدنيا والآخرة ، متذكراً حديث المصطفى عليه السلام " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) . " وطمعاً في تيسير أموره في الدنيا متذكراً حديث المصطفى عليه السلام " من أحب ان يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه) "
هذه هي صفات هذا الدين العظيم وميزات أحكامه السامية على كل مناهج الأرض ونظمه ، وهذه هي ميزات النظام الاجتماعي ، وهو فرع من منهج الله السامي الرفيع .
والحقيقة أن المجتمع الإسلامي عندما طبق هذا النظام بدافع تقوى الله عز وجل ، والحرص على مرضاته ، ساد المجتمع الإسلامي الترابط ، والتراحم والقوة ، فكان المسلم يؤثر أخاه المسلم على نفسه قريباً كان أو بعيداً ، وكان الولد يبر أباه بدافع تقوى الله ، وسادت العفة نتيجة الالتزام بأحكام العلاقات بين أفراد الأسرة أو بين الأسرة وأفراد المجتمع ككل ، وبمعنى آخر كان مجتمعاً قوياً مترابطاً ، تسوده العلاقات الأسرية القوية .
أما عندما غابت أحكام الإسلام – دولة الإسلام – من الأرض ، وغزت المسلمين الثقافات الرأسمالية الهابطة وتأثروا بها في حياتهم الاجتماعية ، انعكس ذلك على الرابطة الأسريّة ، فأصبحت رابطة واهية ضعيفة تسودها البغضاء في كثير من الأحيان ، ويتخللها النفور والمشاكل المتجددة والمتعددة ، وأصبحت علاقات الآباء مع الأبناء أو العكس ضعيفة واهية في أكثر بلاد المسلمين ، وأصبحت ترى صلة الأرحام قليلة نادرة في معظم مجتمعات المسلمين .
ويمكن إجمال الأسباب التي أدت إلى هذا التفسخ العائلي بما يلي : -
أولاً : غياب الحكم الإسلامي الذي يرعى شؤون المسلمين ، ويقيم نظاماً من الرقابة والتطبيق العملي في كل الأحكام ومنها أحكام الأسرة في النظام الاجتماعي . فالولد الذي يعق والده في ظل حكم الإسلام يعاقبه ، ويجبره على بره والقيام بواجبة والرجل الذي يقصّر في شؤون بيته تجاه زوجته أو أولاده يعاقبه كذلك ولا يسمح له بذلك ، فالنظام يقوم على رعاية شؤون الناس رعاية كاملة ، بما في ذلك أحكام الأسرة ، وله صفة القوامة والتصحيح قال عليه السلام : " ... والإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ... "
ثانياً : الغزو الفكري والثقافي لبلاد المسلمين ، وخاصة من قبل الدول الرأسمالية الكافرة ، ونظامها الهابط السقيم . فبلاد المسلمين كما هو مشاهد ومحسوس أصبحت مرتعاً لأفكار الغرب ونظمه بما في ذلك النظام الاجتماعي الذي ينظم شؤون الأسرة .
فأصبحت تشاهد القوانين التي تنظم شؤون الأولاد مع آبائهم على أساس القانون المدني ، والقوانين التي تنظم صلات القرابة كذلك على أساس القانون المدني ، وأصبحت ترى قوانين العلاقات بين الرجل والمرأة في الزواج والطلاق في بعض بلاد المسلمين على أساس القانون المدني ( الرأسمالي ) .. وهكذا
ثالثاً : ضعف الوازع الداخلي ( تقوى الله عز وجل ) عند كثير من أبناء المسلمين ، وهذا جعل مسألة الالتزام بالمنهج الرباني ضعيفة ، فأصبح المسلم لا يبالي إذا خرجت زوجته أو بنته بلباس أوروبي ، وخالطت الرجال في العمل في المؤسسات العامة والخاصة ، وأصبحت ترى بعض أولياء الأمور لا يبالي حتى إن خرجت بنته وحدها وصاحبت من تريد ، أو ذهبت مع من تريد .
أما العلاقة بين الرجل وزوجته فأصبحت عند كثير من الأزواج لا تقوم على الأساس الصحيح وهو تقوى الله عز وجل ؛ المرأة تحترم زوجها وتقوم بواجبة لتنال مرضاة الله ، والرجل يعطف على زوجته ويرعى شأنها جميعه انطلاقاً من تقوى الله عز وجل ... وأصبح الرجل لا يصل أرحامه لتأثره بالنظرة المنفعيّة في الحياة . فلا ينفق عليهم إن احتاجوا ولا يرعاهم إن عجزوا ... وهكذا ...
رابعاً : النظرة إلى العلاقة بين الرجل والمرأة . حيث أصبحت النظرة نفعيّة شهوانية عند الكثير من أبناء المسلمين وأصبح النظر لبيت الزوجية ، لا على أساس الإسلام على اعتبار أنه حاضنة الأبناء ، ومحل الاستقرار والسكن والمودة . بل أصبح الرجال ينظرون نظرة رأسمالية إلى هذه العلاقة السامية الرفيعة ، حيث تجد كثيراً من الناس لا يرغب في النسل ، أو يريد تحديده من أجل كسب أكبر قدر من شهوانيته مع زوجته ، والمرأة كذلك لا تريد تكثير النسل لألاّ يؤثر ذلك على حياتها وعلى قوامها .
لقد غابت النظرة إلى العلاقة على أنها علاقة قوامه من الرجل على زوجته ، وطاعة من الزوجة لزوجها ، وتعاون فيما بينهم على شؤون البيت والأولاد ، أما الغاية من هذه العلاقة فمسخت في النواحي الشهوانية فقط .
خامساً : النظرة للمرأة نفسها . لقد تأثرت النظرة للمرأة عند أغلب المسلمين ، فبدل أن تكون النظرة للمرأة على أنها عماد من أعمدة النظام الاجتماعي ، وركيزة مهمة في الحياة الأسرية ، وأنها أم وربة بيت وعرض يجب أن يصان وأن يحافظ عليه ، وأنها هي التي تربي الأولاد على تقوى الله عز وجل ، وتقوم على رعاية شؤونهم . بدل ذلك سادت مفاهيم الغرب الساقطة للنظرة للمرأة ، حيث أصبحت النظرة هي أن المرأة محل شهوة واستمتاع فقط ، تظهر بأبهى صورة في المجتمع ، ويستغل أنوثتها في شتى المجال التجارية، وأنها يجب أن تعمل مثلها مثل الرجل وتشارك في الحياة خارج البيت ، ولا مانع أن تختلي وأن تجتمع مع الرجال الأجانب من أجل ذلك .
هذه هي أسباب الوباء العظيم الذي أصاب الأمة في أسرتها ونظامها الاجتماعي ، وهذا هوسبب التفسخ والمشاكل في هذا الجانب المهم من المجتمع الإسلامي .
وإذا أراد المسلمون أن يكون عندهم ترابط أسري ، وعلاقات اجتماعية صحيحة فعليهم أن يلتزموا منهج الله في ذلك ، ويتقيدوا بنظرة الإسلام لهذا النظام الفريد . استجابة لأمر الله تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا }
ومتذكرين قوله تعالى : { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى } .
صدق الله العظيم
   
حمد فهمي طبيب
( أبو المعتصم )
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

غزوات وفتوحات حصلت في شهر رمضان

معركة عين جالوت
25 رمضان
بقيادة السلطان المظفر سيف الدين قطز رحمه الله.

إن معركة عين جالوت وانتصار المسلمين العظيم فيها كانت بمثابة المصاف النهائي للتتار والمغول كقوة غاشمة استطاعت أن تُخضع كل القوى في حينه لسلطانها، فجعل الله سبحانه وتعالى هذه المعركة ونتيجتها نقطة الحسم في إنهاء عربدة المغول ووحشيتهم ضد المسلمين بعد أن فعلوا ما فعلوه مما تشيب له الولدان على طول بلاد المسلمين وعرضها من سفك للدماء وهتك للأعراض وتدمير لمقدرات المسلمين بما لم يشهده تاريخ المسلمين إلاّ على أيدي الكفرة الأمريكان في هذا الزمان، تعاونا مع عملائهم وأذنابهم ، ومن يطِّلع على المسلمين وحالهم أيام التتار، لا يكاد يلمس الفرق بين حال الأمة في تلك الحقبة وبين حالها في هذه الأيام، وخاصة بعد الهجمة الأمريكية الشرسة على الأمة الإسلامية حديثاً.
وقبل الحديث عن تفاصيل معركة عين جالوت نلقي الضوء على ملابسات وأحداث جرت أحيانا على أيدي وبأيدي الكفار أنفسهم تارة، وعلى أيدي وبأيدي المسلمين الذين نصرهم الله تارة أخرى لنأخذ من ذلك العِبر.
- فالذي نصر الله المسلمين على يديه، وهو الظفر سيف الدين قطز، واسمه الحقيقي (محمود بن ممدود ) والذي كان قد أسره التتار واسترقوه مع من استرقوهم وباعوهم في سوق الرقيق في دمشق، وللعلم، فإن التتار هم الذين أطلقوا عليه اسم قطز، إهانة له واحتقاراً، حيث كانت تعني هذه الكلمة بلسان التتر– الكلب الشرس - .
- لقد كانت نهاية التتار على يد من باعوه وتنقل من سوق إلى سوق، حيث اشتراه أحد الأيوبيين وباعه لآخرين حتى وصل لعزّ الدين أيبك رحمه الله في مصر، الذي قرَّبه منه حيث أصبح قائدا من قواده، وياسبحان الله، أوقع الله مكره بالكفار التتر ببيع وشراء هذا (العبد المملوك) وهم لايشعرون!!.
- لقد نشأ الظفر سيف الدين قطز على الحميّة الإسلامية، محبا للدين معظماً له، وهو ممن شاهد بنفسه وعاش ما فعله التتار بأمته حيث كان صغيراً حين أسره.
- لقد أصبح ( محمود بن ممدود ) قائداً للمسلمين في مصر، باستلامه القيادة بعد عزل (نور الدين علي) الذي لم يصلح للقيادة حينها لصغر سنه، ولم يكن عنده الحكم والوصول إليه غاية، فكان عليه القيام بكثير من الأعمال المهمة في الوقت الذي كانت فيه الأوضاع السياسية في مصر غير مستقرة بل ومشتعلة ، والتتار يتهيؤون لغزو ما تبقى من بلاد الشام ومصر.

فعمد رحمه الله إلى خطواتٍ حكيمة لابد منها:
1- العمل على استقرار الوضع الداخلي المشتعل في مصر وجمع كلمة المسلمين، فخاطب الناس عموماً، وكبار العلماء والأمراء خصوصا بوصفهم محركين للشعب، أن يجتمعوا على كلمة الإسلام، وأنه لن يعتلي الحكم بعد عزل من عزله إلا لتوحيد المسلمين والتهيؤ للجهاد المعطل وضرورة حشد الطاقات له.
2- أصدر قراراً بالعفو العام عن المماليك البحرية، وذلك في خطوة لقطع الطريق على كل من لا يريد الوحدة على أساس الجهاد، وقد أدى هذا الأمر لحصوله على القدرات والكفاءات العالية بسبب زيادة عدد القادة الخبراء من المماليك البحرية، مثل ركن الدين بيبرس، المتمرس على قتال الصليبيين، فأصبح جيش المسلمين في مصر خالي من الضغائن فيما بين المماليك أنفسهم.
3- وسّع دائرة الوحدة، بالاتصال مع جيرانه الأمراء المخالفين له بتوجههم السياسي من الأيوبيين، مثل أمير دمشق وحلب، وخاطبهم بأخوة الإسلام والتوحد، مقدمة لجهاد التتار، فمنهم من استجاب ومنهم من رفض.
4- استغل هذا القائد الفذ صفات النبل والإيمان عند أهل مصر وتعظيمهم للعلماء وللجهاد، وخاطبهم محمّلا لهم المسؤولية في الاستجابة للعلماء الداعين للجهاد والتهيؤ للأمر الجلل.

وقد بدأ (هولاكو) قائد التتار يرسل التهديدات مع رسله إلى مصر، ومن يطَّلِع على هذه الرسائل بما فيها من احتقار للمسلمين وقائدهم قطز، يتذكر من الأمور ما أرسلته وترسله أمريكا – رأس الكفر في هذا الزمان – تهديداً وتخويفا للمسلمين من مواجهتها، كما كان يتضح أن كتبة هذه الرسائل هم من أذنابه ممن اشتراهم وقرَّبهم إليه من أبناء المسلمين العملاء، كما تفعل أمريكا اليوم من تهديد للمسلمين (بالمسلمين).
وعلى إثر هذه الرسائل، وبعد مشاورات بين قائد المسلمين وأمرائه، تَقرَّرَ الخروج لملاقاة التتار قبل قدومهم.

بدأت جيوش المسلمين تخرج من مصر بأساليب عسكرية حكيمة متقنة باتجاه الشام، فالتقت دفعة أولى من الجيش المسلم مع حامية التتار في غزة، فأوقعت بها الهزيمة، وفرّت هذه الحامية من وجه المسلمين ظانّةً أن هذه الفرقة هي كل جيش المسلمين، فلمست مقدمة جيش المسلمين إمكانية هزيمة التتار(super power) فعلياً، وسارت جيوش المسلمين إلى أن تم اختيار سهل عين جالوت كساحة للنزال.
وبدأ تحريض الجيوش الإسلامية وإعدادها وتهيئتها لأرضاء الله والتقرب إليه بفريضة الجهاد المعطل.
وبدأت قوات التتار (المارينز) بالوصول بقيادة (كتبغا) النصراني، بفرقته المشهورة بالصلف والغرور والشراسة وحب سفك الدماء إلى سهل عين جالوت.

* وقبل الموقعة ، ثارت حمية أهل فلسطين الذين لطالما التحفوا بالذل بسكوتهم على أمرائهم ذوي الاتفاقيات المهينة مع الصليبيين والتتار حيث لم تصدق أعينهم أن أحدا يجرؤ على مواجهة التتار ( هُبل العصر آنذاك ) ، وتجمعت أعدادهم الغفيرة مكبرة مهللة حول سهل عين جالوت يشاهدون مالا أعينهم رأت.

وقبل الموقعة ، جاء رجل من أهل الشام يطلب مقابلة قائد الجيوش الإسلامية ( صارم الدين أيبك ) وهو ممن أسرهم التتار في غزو بلاد الشام ، وعمل خائنا معهم يخدمهم في تسلطهم على المسلمين، وقد جاء معهم إلى موقعة عين جالوت، ولكنه وفي آخر لحظة، وبعد أن رأى جيوش المسلمين مستعدة لقتال التتار بعد عصور الذل والهوان، قرر أن يخدم المسلمين ويترك ولاءه للتتار، فأرسل إلى جيش المسلمين بثلاثة أمور غاية في الأهمية :
- أن جيش التتار ليس على قوته المعهودة، وأن القسم الأكبر من التتار قد انسحب إلى تبريز بعد وصول خبر وفاة - منكوخان – فالجيش الذي يقابل المسلمين ليس هو الجيش الذي دخل الشام، فلا تخافوهم.
- أن ميمنة الجيش التتري أقوى من ميسرته، وعلى المسلمين تقوية الميسرة التي تقابل ميمنة التتار.
- أن الأشرف الأيوبي وهو أحد أمراء الشام العملاء للتتار، يخطط لخذل التتار والانسحاب من المعركة نُصرة للمسلمين.
وقد درس قطز وقواده هذه المعلومات واحتملوا خطأها فأخذوا احتياطهم.
وفي الليلة التي تسبق المعركة الحاسمة، قضى المسلمون ليلة الخامس والعشرين من رمضان وهي من ليالي الوتر، بالقيام والدعاء والتهليل والتسبيح .
وبعد الفجر بدأت قوات المسلمين تنزل لساحة المعركة بصورة عجيبة لمنازلة أعتى قوة أرعبت البشرية مما أذهل قائد التتار الذي لم يعهد على المسلمين (غير الذل والصَّغار).
وكان قد خطط قطز حركات الجيش بضربات للطبول كرموز تعني للفرق العسكرية تحركاتها، وأعمى الله بصيرة (كتبغا) قائد التتار، فظن أن أول دفعة من جيش المسلمين نزلت ساحة المعركة هي كل الجيش، فنزل بكامل قوته، فما كان من القائد قطز رحمه الله إلا أن اصطنع انسحاباً وهمياً بقدرة فائقة، فتبعهم التتار بكاملهم إلى سهل عين جالوت، وحينها أعطى رحمه الله أوامره للجيوش المختبئة خلف تلال سهل عين جالوت، فأطبق عليهم بجيوشه، وبدأت المعركة تحتدم فطارت الأشلاء وسالت الدماء وتجمدت العقلية التترية عن التفكير إلا بالهروب بعد عناء شديد إلى سهل بيسان، فلحق بهم المسلمون واشتد القتل والقتال على المسلمين، ونزل حينها قطز رحمه الله بنفسه يستصرخ المسلمين - وا إسلاماه - حتى أعاد المسلمون الإطباق على التتار، واستطاع أحد الأمراء المسلمين الذين انضموا إلى قطز من قتل (كتبغا)، وحسمت المعركة لصالح المسلمين، وانتهى الأمر بإبادة جيش التتار.

ومما يفترض البعض تعظيماً للتتار المهزومين أسبابا لهزيمتهم كالقول بأن:
• استخباراتهم كانت ضعيفة.
• سوء تقديراتهم العسكرية .
• ظروف المعركة المكانية.
إلى آخره من الافتراضات التي لا تلتقي بحال مع حنكة وعلم التتار وقدراتهم، ولكنه مكر الله سبحانه وتعالى واستدراجه لطواغيت الأرض انتقاما منهم ونُصرةً لأوليائه سبحانه الذين أخذوا بأسباب نصره فنصرهم ومكّن لهم وأذل أعداءهم .
ونحن في هذا الشهر الفضيل نسأل الله سبحانه التمكين والاستخلاف بإقامة الخلافة وطرد الكفار وأذنابهم كما طُرِد التتار المجرمين من قبلهم وما ذلك على الله بعزيز.
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً).

   
الأستاذ : أيمن أبو علي
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الحمن الرحيم

نفحات رمضانية
حَمَلة الدعوة صوّامون قوّامون مجاهدون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
لقد أكرمنا الله عز وجل بالإسلام وحمل دعوته، وإننا كحملة دعوة نقوم بهذا العمل ابتغاءً لوجهه الكريم خالصا لله عز وجل، لا نريد جزاءً ولا شكورا، التزاما بطريقة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- واستجابة لأمر الله عز وجل في قوله : (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)).
إن حمل الدعوة هو أشرف عمل يقوم به المسلم وهو أعظم مصدر لِجَني الحسنات، ونوال الدرجات والمنازل، فحمل الدعوة لا يعني التفوه بالكلام والتنظير وحسب، حتى إذا اهتزت له عصا، أو تعرض للأذى، أو سمع الإشاعة عن الدعوة، أو سمع التهديدات، أو قرأ الأقاويل الباطلة، أو تعارضت الدعوة مع مصالحه، أو وجد صدّاً من أهله أو من الناس، أو حربا من الأحزاب والجماعات، أو اضطهاداً من الحكام وأجهزتهم، انكفأ على وجهه، ونكص على عقبيه، وضعف عن حمل تلك الرسالة، وكسل وتكاسل وأصيب بالإحباط، ويئس وملّ حمل هذه الدعوة، فخسر الحسنات...، وكتبت عليه السيئات، وباء بغضب من الله عز وجل قال تعالى: (( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)).

نعم أيها الإخوة الكرام,...
قضت حكمته تبارك وتعالى أن يبعث المرسلين مبشرين ومنذرين ويبعث معهم الهداية والرشاد والإستقامة....
ويؤيدهم بالمعجزات الدامغة؛ لتقام الحجة العقلية على صحة ما يدعون إليه...
وإذ نحن نكمل عمل الأنبياء في رسالاتهم ...، كان لزاما علينا أن ندرك تمام الإدراك أن حمل الدعوة مسؤولية عظيمة... لا يستطيع أن يحملها إلا من كان مؤهلا للجندية والقيادة في آن واحد، جامعا بين الرحمة والشدة ، والزهد والنعيم ، يفهم الحياة فهما صحيحا ، فيستولي على الحياة الدنيا بحقها، وينال الآخرة بالسعي لها، ولذا لا تغلب عليه صفة من صفات عُبّاد الدنيا، ولا يأخذه الهوس الديني ولا التقشف الهندي، وهو حين يكون بطلَ جهاد يكون حليفَ محراب، يجمع بين الإمارة والفقه، وبين التجارة والسياسة، وأسمى صفة من صفاته أنه عبدٌ لله تعالى خالقه وبارئه، ولذلك تجده خاشعا في صلاته معرِضا عن لغو القول مؤديا لزكاته، غاضا لبصره، حافظا لأماناته ، وفِيّاً بعهده، منجزا وعده، مجاهدا في سبيل الله، ولا يخشى في الله لومة لائم.

وعلى هذا فإن حامل الدعوة يجب أن يعلم منذ اللحظة الأولى أنه مقدِمٌ على مجابهة الباطل وأهله وعلى مجابهة الحكام وملئهم، ومتعرض للصد عنها من قبل الناس والحكام والأهل، إن حمل الدعوة واجب، والقيام به واجب لا شك فيه، والثبات عليه واجب أيضا، والكفار يعملون ليلا ونهارا لإضعافنا وصدنا عنها بكل أساليبهم ووسائلهم الخبيثة، قال تعالى : (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ...)).

بناءً على ذلك نُذكِّر حملة الدعوة بأنهم مقبلون على شهر رمضان الكريم، شهر الطاعة والغفران، شهر البركة واليمن والفتوحات، فيجب أن يغتنموا هذا الشهر الفضيل بعملهم الدعوي وبطاعتهم الصادقة المخلصة لله عز وجل، من صيام وقيام وجهاد وغيرها من الأعمال التي تقربنا إلى الله سبحانه وتعالى.

أيها الأخوة الكرام..
ولكي تبقى الهمة عاليةً والعزيمة وقَّّادة، يجب أن نتذكر دائما ونحن نسير في طريق الدعوة إلى الله عز وجل أمورا عدة. منها:
أولا: صلتنا بالله عز وجل ...وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض.
ثانيا: نتذكر أننا أصحاب الفكر الصحيح الراقي، وأن فكرنا يرتقي فوق جميع الأفكار؛ لأنه منبثق عن العقيدة الإسلامية .
ثالثا: نتذكر أثناء سيرنا وتحملنا للمشاق والتعب أن هذه الدنيا زائلة فانية، لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
رابعا: نتذكر أن عملنا هذا الذي نقوم به ابتغاء مرضات الله عز وجل... إنما هو عمل الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله هداية للناس ورحمه لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
خامسا: نتذكر أثناء سيرنا أنه يجدر بنا تحمّلُ الأذى والمشاقّ وأنه لا يقع علينا إلا ما قدّره الله لنا.
سادسا: نتذكر أن الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا ويعلن الحرب على الظلم والظالمين.
سابعا: يجب أن نتصور نحن حملة الدعوة (أثناء سيرنا) وجه الأرض في ظل خلافة راشدة حيث شرع الله قائم بالعدل.
ثامنا: يجب أن نتذكر الرضا من الله عز وجل فهي أعظم نعمة ينالها حملة الدعوة في هذا الوجود، ونتذكرمع هذا الرضا الإلهي العظيم ، الصحبة الطيبة مع سلف هذه الأمة الأبرار في دار خلد لا تبيد ولا تبلى في ظلال عرش الرحمن، صحبة مع الأنبياء والصديقين الشهداء وحسن أولئك رفيقا... فعلى هذا يجب على حامل الدعوة أن يخلص لله في العمل ويتفانى في ذلك ويبذل أغلى ما يملك من مال ومتاع، ويصبر على لأواء الدنيا ومشاقها ومحنها وفتنها ، مقابل رضا الله عز وجل ، والنعيم المقيم، في جنات عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
10/9/2007    
أبو مصعب
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم


قضايا التعليم
المدارس الخاصـة

بداية وقبل الخوض في موضوع المدارس الخاصة وتداعياتها والتدريس الخاص وأثره، لا بد من المرور سريعا على بعض الأمور والحقائق:
أولا: التعليم حق وواجب ومطلب بل وحاجة. حق للمتعلم وواجب على الجهات المسئولة ومطلب طبيعي مشروع ويحض عليه وواجب يقصر من لا يؤديه على وجهه لأنه الطريقة التي يعد الفرد للحياة فكريا وعمليا
ثانيا: التعليم هو مجموع الأنشطة والفعاليات المنظمة الهادفة إلى إحداث تغيير في معارف ومهارات واتجاهات وسلوك المتعلم الذي يفترض أن يكون بعد مروره بعملية التعليم غير ما كان قبل مروره فيها، عندها فقط نستطيع القول أن التعلم قد حصل فلا تعليم بدون تعلم ولا تعلم بدون تعليم.
ولم يعد التعليم ترفا فكريا أو كمالية من الكماليات كما كان في الماضي بل ضرورة تقتضيها طبيعة الحياة بكل تشعيباتها ومرافقها ويحتاجها كل إنسان ابتداء من القراءة والكتابة والحساب وهو أول أوليات التعليم مرورا بالثقافة والعلوم والتعامل مع المخترعات وتسخيرها انتهاء بالإبداع والاجتهاد وصيانة الأهداف العليا للمجتمع.
لذلك نجد أن التعليم هو الطريقة التي تصل الماضي بالحاضر لتحديد المستقبل وصياغته.
والتعليم بهذا المفهوم الموسع لا يقتصر على المدرسة وإن كانت هي الأبرز والأشهر والأعم بل يتعداها إلى غيرها من وسائل كالإعلام والأحزاب و أماكن العمل والأسرة و.......
وعودة إلى المدارس التي تعتبر وبحق الأكثر أهمية، كونها تعتبر جسرا للغالبية إن لم يكن لكل الناس (ذكر وأنثى)، وتحتضن الطالب منذ نعومة أظفاره ويقضي فيها الوقت الأطول في التعلم وهي المتخصصة في هذا الأمر ويكون الفرد فيها متفرغا للتعلم بحيث تعمل على بناء أو على الأقل تحديد ملامح شخصيته وبالتالي التأثير القوي في شكل المجتمع وثقافته بما تقدمه من مناهج ووسائل وأساليب وأدوات تدريس.
والتعليم بدأ منذ وجد الإنسان على الأرض واتخذ أشكالا بدائية ثم تطور شيئا فشيئا حتى اتخذ شكله النظامي المعروف اليوم، حيث سيطرت عليه الدولة التي يفترض أن ترعى شئون الناس وتحافظ على معتقدهم وتصونه من أي عبث ليبقى المجتمع متميزا مصانا متماسكا. هذا شأن الدول المبدئية التي تحمل رسالة تحافظ بها على نفسها وتحملها إلى الآخرين، ولذلك نجد التعليم فيها ينسجم تمام الانسجام مع ما تحمل من معتقد وتجد أن للتعليم وظيفة حقيقية في خدمة الأهداف العليا للمجتمع وتلبية حاجاته.
أما في الدول التابعة والتي فقدت البوصلة فالأمر يختلف تماما وذلك كما هو حاصل في عالمنا الإسلامي، فالتعليم فيها مسخر لخدمة أهداف معتقدات أخرى بل ويحاول القائمون عليه بكل جهدهم تحريف وتخريب معتقد الناس إرضاء لمن نصبوهم في مواقعهم ليوصلوا المجتمع إلى الحالة التي يريدها هؤلاء من تبعية وعدمية واعتماد على الآخرين ليسهل صياغة عقول الناس صياغة ترضي الكافر ليبقى جاثما على صدر الأمة ينهب ثرواتها ويجرها خلفه إلى أي مهاوي الردى.
والناظر في مكونات منظومة التعليم في البلدان الإسلامية ـ سياسات تعليمية وأهداف استراتيجية ومناهج وبرامج تدريب وأساليب تدريس ـ ، يجد أن أي وزارة لا تخلو ممن يوصفون ( بالخبراء) الأجانب الذين لهم مقرات دائمة في الوزارات، كلما أنهى خبير مهمته جيء بآخر لمهمة جديدة أو لإكمال مهمة الأول حيث يعملون على وضع السياسات التعليمية والمناهج التدريسية. ويجد أيضا أن هذه المناهج تعمل بالخفاء والعلن على محو هوية الأمة وحرف أبنائها عن العقيدة والدين، بل وأكثر من هذا فتلمس صراع هذه الدول فيما بينها على الاستئثار بقطاع التعليم وتوظف سفاراتها وملاحقها الثقافية وربما وزارات الخارجية لهذا الغرض. وذلك للتأسيس لنفوذ قوي داخل المجتمع يعضد القوى السياسية التي نصبتها منذ زمن لتضمن بشكل أكيد استقرار واستمرا نفوذها فيها.
إن الناظر في هذه الأمور وغيرها يدرك تماما أن الدول الأجنبية هذه معنية ومهتمة تماما بالتعليم في البلدان النامية بذريعة تطوير التعليم وما إلى ذلك من شعارات براقة زائفة مضللة، والمدقق في ذلك يرى إن هذه الدول إنما تخدم مصالحها وتؤسس لنفوذها بل تتصارع الدول من أجل إرساء موطن قدم لها في الدول النامية يضمن بقاء نفوذها إلى أطول مدة وأبعد مدى فهي أدركت أن عمالة الحكام وحدها لا تضمن لها النفوذ كما لو أسند هؤلاء الحكام مجموعات من الناس تحمل أفكار الغرب ومفاهيمه واهتماماته فلذلك نجد أن الخبراء يستقدمون ليعملوا كمستشارين في وضع سياسات التعليم ابتداء تخلو وزارة تربية في بلد إسلامي من هؤلاء المستشارين الذين يضعون الخطوط العريضة للتعليم ويرسمون الاستراتيجيات ثم مستشارين آخرين لوضع المناهج وغيرهم لضبط الإيقاع التعليمي والتدخل في التفاصيل وقد أتيحت لي فرصة الالتقاء ببعضهم وتبين لي أنهم أوفدوا إلى عدة بلدان (نامية) بالتتابع بحيث عندما ينهون مهمتهم ببلد ينتقلون إلى بلد آخر وهكذا والعجيب أن من التقيت بهم كانوا يتبعون لمؤسسة تسمى ODA Overseas Development Administration)) إدارة التطوير لما وراء البحار التابعة لوزارة الخارجية البريطانية. ثم لما تبينوا أن أمرهم قد افتضح غيروا الاسم إلى dfed (إدارة تطوير التعليم) ، وكان من أبرز ما أنتجه هؤلاء في فلسطين مثلا أن نجحوا في بدء تعليم اللغة الإنجليزية من الصف الأول الأساسي بعد أن كان من الصف الخامس الأساسي، فتساوت اللغة العربية مع اللغة الإنجليزية في الاهتمام عند الطالب ولا يخفى على أحد ما لذلك من أثر على حياة الطلاب واهتماماتهم بالمستقبل، فالقضية ثقافية بكل معنى الكلمة، إذ اللغة هي الوعاء الذي يحوي الثقافة.
نعم هذا نزر يسير مما يجري في التعليم الرسمي داخل المؤسسة الرسمية في المدارس الحكومية بهدف حرف الأجيال عما ينبغي أن يكونوا عليه وتلوين تكوينهم الثقافي.
ونأتي الآن إلى مجال آخر لم ينس هؤلاء الاهتمام به ألا وهو المدارس الخاصة.
إن فكرة المدارس الخاصة بدأت منذ زمن بعيد، منذ الإرساليات التبشيرية في القرون الماضية لتخدم نفس الهدف الذي ذكرناه آنفا، دول مبدئية تبتغي النفاذ إلى أعماق الأمة مستغلة حاجاتها بكثير من المكر والدهاء تحت شعارات تبدو براقة جذابة بريئة مثل الإنسانية. التسامح. النمو.... وما إلى ذلك من شعارات، وكان ذلك في فترة ضعف الدولة العثمانية فبدأت الإرساليات والمدارس والمستشفيات التابعة لها واستغرق الأمر قرونا قبل أن تصبح هذه المدارس مؤشر تقدم عند من توجد عندهم فانتشرت هذه المدارس واستقطبت أبناء المسلمين بتشجيع من الوجهاء والمثقفين الذين أُعدوا إعدادا جيدا في الخارج ووضعوا القوانين التي تشرع وجود هذه المدارس في بلاد المسلمين فرسمت لنقسها في أذهان الناس صورا براقة استقرت في نفوس الناس على أنها الأفضل وتخرج الأفضل وتعطي الفرص الأفضل خاصة وأنها منحت خريجيها فرصة الالتحاق بالتعليم العالي في الخارج وأمنت لهم الأماكن الوظيفية المرموقة عند انتهاء دراساتهم في الخارج فأُحكم الطوق وبدأ العمل يؤتي ثماره.
وكتقليد لذلك ولتحقيق الأرباح استن بهم الكثير من المستثمرين وبدأوا بفتح مدارس خاصة محاكاة لتلك المدارس تحت شعارات مختلفة والملاحظ في الغالبية العظمى من هذه المدارس أنها تركز على الاختلاط وتريب مناهج غربية لتستقطب أعدادا أكبر من الطلاب
وهذه المدارس تأخذ التراخيص الرسمية والموافقات من السلطات الحاكمة وتجد أن أبناء كبار المسئولين والأثرياء وعليّة القوم لا يدرسون في المدارس الحكومية وإنما تراهم زبائن دائمين في هذه المدارس مما يزيّن لكثير من الناس النظر إليها على أنها أفضل من المدارس الحكومية وتكاد تكون المدارس الحكومية مخصصة لأبناء الطبقات الدنيا والوسطي من المجتمع.
وظاهرة غريبة أيضا أن بعض المؤسسات والحركات الإسلامية أخذت تحاكي هذا النمط من المدارس وتنشئ مدارس تصطبغ بالمسحة الإسلامية من حيث الشكل ولكنها من حيث المضمون لا تختلف كثيرا عن تلك المدارس من حيث الاختلاط ولكن على النمط الإسلامي من حيث فصل الذكور في صف والإناث في صف في نفس المدرسة.
وخلاصة القول إن معظم المدارس الخاصة ذات رسالة وتسير وفق رؤية مترجمة في خطة وهذه الرؤى والخطط والرسائل في غالبها ليست نزيهة ولا نظيفة وهي ذراع الأجنبي وجسره الذي عبر منه ولا يزال يتوغل في أعماق الناس خاصة في مدن المسلمين الكبيرة ليصل إلى أفكار ومفاهيم الناس ليكون رأيا عاما له ولثقافته ليديم سيطرته على مقدرات الأمة ويصل بحضارته إلى بلاد المسلين وما المدارس الخاصة إلا إحدى وسائل كثيرة استخدمها ولا يزال يستخدمها ويطورها ليحقق ما عجز عن تحقيقه في الماضي يوم كانت العين الساهرة على هذا الثغر من ثغور الإسلام موجودة أما وقد غاب الحامي وغاب الذي يرعى على الناس دينهم فقد تطاول كل ذي قلب حاقد ونظر قصير.
إن المدارس الخاصة كفكرة لا بأس بها فهي رديف ومعين في تحقيق هدف التعليم ورفعة شأن الأمة وربما استطاعت أن تقدم ما من شأنه أن ينهض بالمجتمع ولكن ذلك مرهون بصدق النوايا وسلامة التوجه واتباع الحق فلا بأس أن يبادر شخص أو جهة إلى تأسيس مدرسة خاصة وفق قواعد العمل الصحيح.
قد يدّعي مُدّعٍ أن المدارس الخاصة هي تحت إشراف ومتابعة الحكومات لكن هذا كذب في كذب فلا سلطان لأحد على هذه المدارس حتى الربحية منها فالحكومات عاجزة عن الإشراف على المدارس التابعة لها وما تدني التعليم وانفلات الطلاب وتدني تحصيلهم وما يحصل داخل المدارس لأمر يثبت فشل الرقابة الحكومية عليها التي يغلب على ظني أنها مقصودة لينهار التعليم بالكامل في المدارس الحكومية وتبقى المدارس الخاصة لوحدها في الميدان لتأهيل أبناء الأمراء والأثرياء لمواصلة درب أسلافهم في السيطرة على المجتمع.
إن حال التعليم في المدارس وحتى في الجامعات يرثى له فلو كان مستوى أي خريج من أية مرحلة في هذه الأيام مع نظيره قبل عقدين من الزمان لوجدت الفرق شاسعا.
ولما كان التعليم حاجة تتطلب إشباعا شأنها شأن باقي الحاجات ويدخل في ثناياه مظهر من مظاهر الغريزة من حيث حب الظهور والتميز فإنه والحالة هذه يمكن استغلاله أو توظيفه، وهذا ما تقوم به الدول الأجنبية إذ تنبهت إلى هذه الفكرة وأخذت تعمل عليها بذكاء فهي تحاول أن تميز مدارسها الخاصة التي ترعاها بشيء يمكن رؤيته بوضوح لدى جمهور الناس على أنه متميز ويميزهم عن غيرهم مستغلة عقدة الأجنبي التي تأصلت في نفوس الكثير من المصبوغين لثقافة الغرب ونظامه وجهلة الناس.


   
أبو محمد    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أجهزة دولة الخلافة (في الحكم والإدارة)
الجهاز الإداري (مصالح الناس)

إن الحاجة للجهاز الإداري في دولة الخلافة هي حاجة ضرورية وهو ركن أساسي يقتضيه العيش الكريم وقضاء المصالح إضافة إلى ما يقتضيه إحسان تطبيق الإسلام على نحو يحقق الرخاء بما يجلب النفع ويدفع المفاسد. ما أمكن إلى ذلك من سبيل، وقد حث الشرع بتوجيه الأفراد حثّاً بالغا وبليغا على السعي في حاجات بعضهم البعض فيُعِين بعضهم البعض ويفرج بعضهم عن بعض حيث قال محمد صلى الله عليه وسلم : " وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ " وقال : " ‏مَنْ ‏ ‏نَفَّسَ ‏ ‏عَنْ أَخِيهِ ‏ ‏كُرْبَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كُرَبِ ‏ ‏الدُّنْيَا ‏ ‏نَفَّسَ ‏ ‏اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏كُرْبَةً ‏ ‏مِنْ ‏ ‏كُرَبِ ‏ ‏يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ، هذا في الأفراد وهو على الدولة من أعظم الواجبات والمهمات والأمانات على نحو الإرفاق بهم وقضاء مصالحهم بكل يُسر وإنجاز يوجب رضا الله عز وجل، وهو مشمول بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :" ‏ ... وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ" وبالمقابل فإن إهمال مصالح الناس وتعطيلها، والسعي بهم بكل مشقة وتقصير وتعسير محققٌ غضبَ الله وهو مشمول بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :" ‏اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ ...".
ولما كان الأمر بهذه المسؤولية والأمانة والخطورة كان اهتمام حزب التحرير بهذا الملف بالغا فأولاه اهتمامه، حيث تبنى في مشروع الدستور لدولة الخلافة جهازا مستقلا من أجهزة الدولة أسماه الجهاز الإداري وهو جهاز شامل لكافة الدوائر اللازمة لإحسان تطبيق الإسلام في التنفيذ، وقضاء مصالح الناس والتي تقضي من خلالها كل حاجة من مصالح الناس على نحو يستوي فيه القلب والأطراف، العاصمة والقرى والبوادي النائية، ويستوي في ذلك أيضا الغني والفقير، السيد والعبد، الأمير والوضيع، والمسلم والذمي، فكل من يحمل التابعية لا بد وأن ينعم بخير الدولة، ولا بد أن يحاط بحسن رعايتها وأن يشعر بدفئها وحرارة احتضانها لرعيتها .
ولقد فصّل في واقع الجهاز الإداري على نحو يتحقق فيه التزام الأحكام الشرعية في بنائه بما يحقق قضاء المصالح والإرفاق، وبيّن أن الإدارة وإن كانت من الأساليب وأنها غير الحكم لأن هذه الأساليب من تنفيذ الأحكام تأخذ أحكام الفرائض التي يراد تطبيقها والحقوق التي يراد أداؤها باعتبارها - أي هذه الأساليب – فروعا عن أصولها فتأخذ حكم أصولها. أما إقامة الجهاز كجهاز فهو عمل وأصلٌ فيحتاج إلى أدلة متعلقة بإنشائه وهذا ما يقتضيه قيام الدولة الإسلامية في جهازها على العقيدة الإسلامية، ولا أدل على ذلك في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث عيّن كاتبا، وعيّن على خاتمه، وعيّن الخرّاص، وهكذا وعيّن لقضاء مصالح الناس باعتباره رئيسَ دولة وراعيا لأمته حيث قال :" وَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ". وجعل للتعليم اعتبارا في فداء أسرى بدر واهتم بالطب حيث أُهديَ له بطبيب فجعله للمسلمين وهكذا .
ولا بد للجهاز الإداري أن يقوم على جناحيه الأول وهو المتعلق بتولي الأمور التنفيذية ويتعلق بالسكرتارية وما هو من قبيل وضع السجلات المتعلقة بالزكاة والصدقات والعطايا وتوزيع الملكيات العامة وطرق الجمع والتوزيع وأساليبها. والجناح الثاني وهو لا يقل أهمية عن الأول وهو قضاء المصالح. ودولة الخلافة باعتبارها دولةً تقوم على الرعاية فإن عليها أن تغنيَ المسلمين بسلطانها واقتدارها قضاء مصالحهم على اختلافها من تعليم وتطبيب ومواصلات واتصالات وإثبات حقوق وما يتعلق بالتوثيقات .
ويجب أن يراعى في كل ذلك وفي بناء الجهاز الإداري برمته على السهولة في النظام والسرعة في الإنجاز والكفاءة فيمن يتولّوْن المهمات، وإن من أقْوَمِ القول، أقطع ما عليه واقع الناس اليوم وهو أن الناس عطشى بل هلكى لواحدة أو عشر معشار واحدة من هذه المواصفات.
وهذا يقودنا إلى مقارنة ولو بسيطة بين ما يعيشه الناس اليوم من روتين قاتل، وذل الطوابير في كل مكان في المؤسسات، وما تسمى الخدمات وفي كافة المناحي، وما سيرة المستشفيات الحكومية وبؤسها، والقشعريرة منها ما يثير الاشمئزاز تارة، والقهر والحزن تارة أخرى، والغضب وشدة الحاجة إلى التغير إلاّ خير دليل، ومن أبأس ما اشتُهر عنها عند الحاجة إلى الحجوزات للتطبيب ولعمل جِراحي، حيث إن من المضحك المبكي أن من الناس من يأتي دورهم بعد وفاتهم للدلالة على شدة التقصير بل والاستهانة والاستهتار بالبشر ووضعه في دَرَكَةٍ يكون فيها أحط من الحيوان، وقل مثل هذه وأفظع في شؤون كثيرة في التعليم، وفي السفريات، وأنظمة الحدود المقيتة، وفي حقوق المواطنة، حيث إن المسلم يعتبر في بعض بلاد الإسلام أجنبيّاً لكونه يحمل جنسية ما أو لا يحق له المواطنة في أي بلد غير البلد الذي يعيش فيه إنْ صح لنا القول بأن مسلما يعيش بحق في بلده. وقل مثل هذا في إثبات الحقوق والتوثيقات وهكذا..... وإن ما يعيشه الناس بشكل يومي بل لَحظيّ لهو أبلغ وأشد من أن يشرح أو يُعلّق عليه. وبالمقابل فإن سعي الجهاز الإداري ومنه قضاء المصالح في ظل دولة الخلافة في أسس قيامه وشروط تكوينه لهو على النقيض من هذا الواقع البائس المرير.
ولقد عاش المسلمون هذا واقعا، وشهد على ذلك القاصي والداني أيام كان للمسلمين دولةٌ ترعاهم يسعى بذمتهم أدناهم، ويُجير على أعلاهم، ولا أدل على ذلك من بداية عصور صدر الإسلام كيف كان الكبار من الصحابة يتسابقون – أبو بكر وعمر – على قضاء حوائج الناس بل والعجائز منهم، فحمل عمر بن الخطاب القمح على ظهره، وأوقد النار للمحتاجين بنفسه، وقام أبو بكر بالكنس وقضاء الحوائج بنفسه، وما ذكر حال مستشفيات المسلمين العَطِر في ظل حكم الاسلام وكيف كانت أشبه بالفنادق، وفي الوقت الذي عاش فيه الغرب ظلاما دامسا إلا خير دليل على ما يوفره حسن إحاطة الرعية بالرفق والرعاية. وإن هذا لبلاغا ودعوة للمسلمين إلى خيرهم في الدنيا والآخرة، يرفعون الذل والضيم من عيشهم، وعسر وتعقيد قضائهم لمصالحهم، وإن المستقبل واعد إن شاء الله كما للتقدم العلمي والتقني فهو أعظم وأبهى وأيسر في قضاء المصالح إذا تولى الأمورَ مَن هم يسهرون على مصالح أمتهم استجابة لأمر ربهم يحققون لأمتهم رغد العيش.
" إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ". الانبياء 106
7-9-2007 م    
سعيد الأسعد
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

غزوة تبوك (العسرة)

وقعت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع للهجرة وسببها أن الروم قد رأوا أن مصالحهم أصبحت مهددة بعد أن دانت كثير من القبائل العربية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصبح الخطر داهماً على القبائل التي كانت تحالفهم وتحمي ثغورهم من هجمات القبائل المعادية وشعورهم بالخطر بعد الرسالة التي تلقاها قيصر من النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه فيها إلى الإسلام.
فجمع الروم ما يزيد على أربعين ألف مقاتل تجمعوا في منطقة البلقاء. بلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فاستشار أصحابه حتى استقر الرأي على الخروج لملاقاة العدو رغم شدة الحر وقلة المؤن وموعد حصاد ثمار المدينة ورغم بعد المسافة وكثرة العدو وقوته, رغم ذالك بدأ المسلمون بتجهيز الجيش وبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم الجهة على غير عادته في الحروب وحثّهم على السخاء في التبرع حتى جاد أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله وجاد عمر رضي الله عنه بنصف ماله وجاد عثمان بتجهيز ثلث الجيش وبألف دينار وجاد كل رجل مسلم بما يستطيع حتى النساء تبرعن بحليهن, وهناك فقراء من المسلمين من لم يستطع التبرع ومن لم يجد الظَّهر ولا النفقة فحزنوا على ذلك حزنا شديدا حتى سُمُّوا البكّائين وقد نزل في حقهم قوله تعالى ((وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ )) التوبة47
وهنالك من تخلف من المسلمين بسبب بعض الأعذار وأما المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ الذي كان يقول: (يغزوا محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد أيحسب محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب, والله لكأنّي أنظر إلى أصحابه مقرّنين بالحبال ).
ومنهم الجد بن قيس الذي اعتذر خوفَ فتنة النساء فأذن النبي صلى الله عليه وسلم له ولغيره من المنافقين الذين نزل فيهم قوله تعالى )) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)) التوبه43
وقال تعالى: ((لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)) التوبه47
قال ابن سعد (وكان مجموع المنافقين من المخلفين اثنين وثمانين رجلا).
جهز النبي صلى الله عليه وسلم الجيش ووزع الرايات والألوية على الفرق فدفع لواءه إلى أبي بكر رضي الله عنه ودفع رايته إلى الزبير وراية الأوس إلى أسيد بن حضير وراية الخزرج إلى الحباب بن المنذر رضي الله عنهم أجمعين, ثم خلف النبي صلى الله عليه وسلم عليّاً على أهله فخاض المنافقون في ذلك وقالوا ( ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه).
فسرّى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي, فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ألا إنه لا نبيّ بعدي ) سيرة ابن هشام.
ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم بالجيش وكان قوامة ثلاثين ألف مقاتل منهم عشرة آلاف فارس لم تشهد جزيرة العرب جيشا كهذا من قبل, سار الجيش رغم الحر الشديد والصحراء اللاهبة الشاسعة والشّقة وقلة الزاد والمؤن وسح الماء والعسرة في النفقة وقلة في الظَّهر ساروا محبةً في الله ورسوله تركوا الأزواج والأولاد والأموال لا يَلْوُون على شيء حتى لو كان السير مشيا على الأقدام كما حصل لأبي ذر رضي الله عنه عندما عقر جمله تركه وسار خلف النبي صلى الله عليه وسلم على بطون أقدامه حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده).
وكما حصل لأبي خيثمة رضي الله عنه تخلّف فذهب إلى زوجاته وقد أعددن له الزاد والظل والشراب فقال: (أنا في مثل هذا ورسول الله يكابد الجوع والعطش والحرج) فلم يطعم من زاده ولا مائه ولا ظله ولا شاءه بشيء حتى لحق بالنبي فلما رآه دعا له بالخير.
بقي الجيش الإسلامي سائرا حتى نزل تبوك وعلم بنزوله جيشُ الروم فدب الرعب في قلوبهم وقلوب حلفائهم من نصرة العرب فهربت هذه القبائل إلى ديارهم وهرب باقية جيش الروم إلى دياره خشية ملاقاة جيش المسلمين فكان كما قال صلى الله عليه وسلم (نصرتُ بالرعب مسيرة شهر).
وبذلك حقق المسلمون أعظمَ انتصار دون إراقة قطرة دم وأخذ المسلمون يحصدون نتائج هذا النصر فتوالت القبائل لتعقد الصلح مع النبي مثلما حصل مع دومة الجندل وغيرها حتى دفعت الجزية وخضعت لحكم الإسلام ومنها من دخل الإسلام مثل قبيلة ثقيف, فأصبحت قوة المسلمين القوةَ الأولى في جزيرة العرب وتخوم الشام دون منازع.
قفل الجيش المنتصر عائدا إلى المدينة حتى إذا شارفها أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الصحابة إلى مسجد الضرار الذي بناه المنافقون ليكون مركزا لهم ينطلقون بمكرهم منه, وأمرهم بإحراقه ثم هدمه.
وكانوا قد طلبوا من النبي قبل الغزوة الصلاة فيه ليعطوه صفةً شرعية فأنزل الله في حقه وحقهم قوله تعالى )) وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) التوبة 108
ولما دخل النبي المدينة هرع المخلفون يحلفون ويعتذرون للنبي ومنهم ثلاثة كانت توبتهم صادقة وهم (كعب بن مالك, ومرارة بن الربيع, وهلال بن أمية) اعتزلهم المسلمون ولم يكلموهم ولم يبايعوهم حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ونزل فيهم قوله تعالى ((وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)) التوبة 118-119
نتائج الغزوة:
1- أعادت الثقة إلى المسلمين وقوّت من معنوياتهم خاصة وأنها حصلت بعد موقعة مؤتة وفتح مكة ثم ما حصل من المنافقين من الفتّ في عزيمة المسلمين في ظروف الغزوة وقوة أعدائهم.
2- وسّعت دائرة سيطرة الدولة الإسلامية بدخول الكثير من قبائل الشام في الإسلام أو بالصلح مع المسلمين بالجزية.
3- انكشاف أمر المنافقين والمرجفين وهدم مركزهم مسجد الضرار وخزيهم في الدنيا قبل الآخرة.
4- بيّنت بين المؤمنين المخلصين الصادقين مع الله ورسوله العاملين لهذا الدين وبين المخلفين المنافقين فعُرفوا بأسمائهم.
العبر المستفاده من الغزوة:
1- أمة الإسلام أمة قوية عزيزة معطاءة لا تعرف البخل فبالرغم من قلة الموارد والجرب والحر استطاعت تجهيز جيش أعظم جيش عرفته جزيرة العرب في ذلك الزمان.
2- أمة الإسلام مقدامة لا تعرف الجبن ولا الخوف فقد قطع جيشها مسافة كبيرة جدا لملاقاة العدو القوي المدجج بالعدة والقوة.
3- أثبتت هذه الغزوة أن أمة الإسلام سريعة التحرك والنهوض والكرّ مع الأعداء خاصة وأن هذه المعركة وقعت بعد معركة مؤتة مع الروم التي كُلِم فيها المسلمون كلما شديدا.
وهذا يوحي لنا بأن أمة الإسلام اليوم قادرة على إعادة عزها ومجدها إذا كان لها دولةٌ على رأسها خليفة يحكم بما أنزل الله به يشدخ يافوخ الكفر وبه يقضى على التشرذم وعلى الحكام منافقي هذا الزمان وأعوانهم وبه تهدم مساجد الضرار من المؤسسات الدولية الكافرة والمؤسسات الإقليمية الخادمة للاستعمار مثل الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المؤسسات التي أُنشأت في غفلة من عيون المسلمين وبعد هدم دولتهم.
4- أثبتت هذه الغزوة أن العقيدة الإسلامية هي سر قوة المسلمين وإكسير حياتهم فيها دانت لهم الشعوب وخضعت لحكمهم ونصرت به كما قال عليه الصلاة والسلام ((نصرت بالرعب مسيرة شهر)).
وعندما تخلت أو حيل بينها وبين عقيدتها ذلت وهانت على أحط الأمم وصارت كغثاء السيل ولن تعود عزيزةً قوية مرهوبة الجانب إلا إذا حملت الإسلام وعملت به وطبقته في حياتها ولن يكون ذلك إلا بوجود الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.
5- أن الله يقبل توبة التائبين ويبدل سيئاتهم حسنات فالباب مفتوح أمام الحكام المنافقين وأعوانهم للتوبة إذا أخلصوا النّيّات خاصة بأن القوة الآن بأيديهم يفهم ذلك من توبة المخلفين الثلاثة الذين ندموا من تخلفهم فتابوا فتاب الله عليهم .
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
رمضان شهر التقوى

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله النبي الأمي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فقد أظلنا شهر عظيم شهر البركة والمغفرة شهر يجدد فيه المؤمنون البيعة لله سبحانه ويشحذون فيه الهمة في الطاعات فهو شهر عظيم ينتظره المؤمنون بلهفة وسعادة شهر تكثر فيه الصلوات وتتنزل فيه البركات وتغشى الناس فيه الرحمات.
فطوبى وألف مرحى لمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا وتفقد فيه المساكين وأحسن فيه إلى السائلين وكان فيه عونا للأيتام والمنقطعين وحسرة وألف حسرة على من أدرك رمضان ولم يغفر له وحسرة على من أدرك رمضان ولم يذق فيه طعم الإيمان، وحسرة على من أدرك رمضان ولم يحصل على جائزته التي وعد الله بها عباده.
لقد فضل الله شهر رمضان عن غيره من أشهر السنة وادّخره الله خصّيصا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى يُكرمها به إكراما لسيد ولد آدم فهو شهر الصبر والتضحية والفداء وهو شهر الجود والكرم شهر الفقراء والمساكين شهر الجهاد والاستشهاد شهر الصيام والقيام شهر القران والتراويح شهر التقوى والمغفرة شهر مضاعفة الحسنات إلى سبع مائة ضعف ولقد اعتبر شهر رمضان شهر التقوى والمغفرة وخير شهر من شهور السنة وأفضلها على الإطلاق وذلك للأمور التالية:
1- لأنه فُرض علينا صيامُه والصوم هو الركن الرابع من أركان الاسلام وثواب صيام هذا الشهر خاص بالله وحده واختصاص الله تعالى وحده به وإضافته اليه تعالى كعبادة إكرام لهذا الشهر وإكرام لمن صامه وتشريف لهما قال عليه السلام ( كلُّ عملِ ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) متفق عليه.
2- إنه شهر الجنة حيث تُفتّح فيه أبواب الجنة وتُغلّق فيه أبواب الجحيم وتصفّد فيه الشياطين قال عليه السلام لمّا حضر رمضان ( قد جاءكم شهر مبارك افتُرض عليكم صيامُه تُفتّح فيه أبواب الجنة وتغلّق فيه أبوابُ الجحيم وتُغلّ فيه الشياطين ) رواه أحمد والنسائي والبيهقي.
3- إنه شهر فيه ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر حيث إن قيامها وتلاوة القران فيها والدعاء فيها لله تعالى يعدل ثواب عمل ذلك في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ } * { لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } سورة القدر
4- إنه شهر القران حيث فيه أُنزل القران الكريم جملةً واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجّما ومفرقاً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ) البقرة 185 وقال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ) سورة القدر
5- إنه شهر الطاعات المختلفة والمتنوعة ففيه تزداد صلاة النافلة والقيام ( التراويح) والتهجد وقراءة القران وختمه مرات عديدة وفيه الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين وتذكر الأيتام والمنقطعين وفيه تزداد صلة الرحم وخاصة لكسب ثواب إفطار وتفطير الصائمين والإحسان إليهم وفيه يكثر ارتياد المساجد وفيه يبتعد المسلمون عن المعاصي والآثام والسُّباب واللعان وفحش الكلام، يفعل المسلم كل ذلك وأكثر مما يصعب حصره من الطاعات والقربات واجتناب الآثام والموبقات فقط احتسابا للأجر والثواب لينال المسلم فضلَ وكرامة هذا الشهر الذي قال فيه عليه السلام ( أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار).
6- إنه شهر كفارة الذنوب وغفرانها لمن صامه وقامه أو قام ليلة القدر فيه حيث ورد عن الرسول عليه السلام في ذلك أحاديث كثيرة منها، قال عليه السلام ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه، وقال عليه السلام ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه وقال عليه السلام ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. وهو تُكفّر فيه ذنوب المذنبين من السنة إلى السنة لقوله عليه السلام ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
7- إنه شهر الصبر؛ الصبر على ألم الجوع والعطش والصبر عن معصية الله وإعفايه بالذنوب والآثام والصبر على طاعة الله بالإكثار من الصلاة النافلة وتلاوة القرآن والقيام وذلك لينال المسلم في نهاية الأمر ثواب الصابرين لقوله تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) سورة الزمر: (10)
8- إنه شهر الجود والكرم والتكافل الاجتماعي حيث في هذا الشهر أكثر من غيره يتذكر المسلم إخوانه الفقراء والمحتاجين من أهله وأقاربه أو جيرانه أو أهل حيّه فيعطف عليهم ويصِلهم لينال الثواب الجزيل المضاعف في هذا الشهر الفضيل وحتى يكون جواداً كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ورد عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله أجودَ الناس وكان أجود ما يكون في رمضان فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) رواه البخاري.
9- إنه شهر الاجتهاد في العبادة وبذل أقصى الوسع والجهد فيها، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان لما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ المئزر) متفق عليه.
10- إنه شهر الاعتكاف في المساجد وإحياء الليالي بالعبادة وخاصة ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر منه. يفعل المسلم ذلك تأسّياً واقتداءً بالرسول عليه السلام، حيث أورد البخاري وأبو داود وابن ماجه أن النبيّ عليه السلام كان يعتكف في كل رمضان عشرةَ أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما.
11- إنه شهر السحور، وما أدراك ما السحور؟! فيه خير عميم وفضل كبير وأجر عظيم، لقوله عليه السلام (تسحروا فإن في السحور بركة) متفق عليه. ولقوله عليه السلام ( عليكم بهذا السحور فإنه الغذاء المبارك) رواه النسائي بسند جيد. والسحور فصل ما بيننا وما بين أهل الكتاب لقوله عليه السلام ( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر) رواه مسلم.
12- إنه شهر باب الريان. وهو باب من أبواب الجنة خصّه الله بأولئك الصائمين الصابرين المحتسبين، حيث لا يدخل منه أحد إلا هم، كرامةً لصيامهم هذا الشهر الفضيل. قال عليه السلام ( إن في الجنة باباً يقال له الرّيّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد)، رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.
13- إنه شهر الشفاعة حيث يشفع هذا الشهر لمن صامه كما يشفع القرآن لمن تلاه وقرأه. قال عليه السلام (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام :أيْ ربّ منعته الطعام والشهوات فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفّعان) رواه أحمد والطبراني.
14- إنه شهر صيام الدهر كله شرط أن يتبعه الصائم بصوم ستة أيام من شوال. فمن صام رمضان وأتبعه ستة أيام من شوال فإن ثواب الصائم عندها يكون بثواب صيام السنة كلها، وإذا فعل المسلم ذلك كل سنة كان له ثواب صيام الدهر كله. قال عليه السلام ( من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال فكأنما صام الدهر) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي أيوب الأنصاري.
وكيفية ذلك كما ورد في نزهة المجالس أن صيام رمضان إذا ضُرب بعشرة حسنات لأن الحسَنَة بعشرة أمثالها كان كصيام عشرة أشهر ومن صام بعد ذلك ستة أيام من شوال وضربها بعشرة كان كصيام ستين يوما، ويكون كل هذا كصيام السنة ومن يفعل ذلك كل سنة فكأن صيام رمضان وستة أيام من شوال كصيام الدهر كله. وهذا فضل عظيم لا يدانيه فضلٌ فما بالك بكل ما سبق ويزيد...
15- إنه شهر الجهاد والاستشهاد حيث إن كثيرا من غزوات المسلمين ومعاركهم الفاصلة كانت في هذا الشهر المبارك كغزوة بدر وفتح مكة. ولا عجب أن ينتصر المسلمون في معاركهم في هذا الشهر، فهم صائمون مجاهدون يدعون ربهم فأنّى لا يستجاب لهم وهم كذلك!!
هذا غيض من فيض فضائل شهر رمضان المبارك، شهر التقوى والمغفرة والرحمة وأختم هذه الفضائل بما رواه صاحب نزهة المجالس في كتابه عن سليمان الفارسي رضي الله عنه حيث قال: خطَبَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آخر شهر شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، فرض الله صيامه وجعل قيامه تطوعا، من أدى فيه فريضة كان كمن أعتق رقبة وكمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان كما أعتق رقبة، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد من يفطّر به الصائم. قال يعطي الله هذا الثواب لمن فطّر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار).
اللهم اغفر لنا جميع الزّلاّت واستر علينا كل الخطيئات وسامحنا يوم السؤال والمناقشات. اللهم يا مصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا واستر علينا في الدنيا والآخرة عيوبنا، واغفر بعفوك وبرحمتك ذنوبنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات.
اللهم أقرّ عيوننا برؤية الخلافة الثانية على منهاج النبوة. واجعلنا اللهم من العاملين لإقامتها والمجاهدين في سبيلها والساعين لحمايتها.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن تجعلنا من المسابقين إلى الخيرات، المتباعدين عن المنكرات، اللهم ارزقنا الفقه في دينك والعمل بكتابك وبسنة نبيك وثبتنا عليهما إلى أن نلقاك و أنت راضٍ عنا يا كريم. ارحمنا برحمتك فأنت أرحم الراحمين، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين.
   
أسامة (أبو محمود)
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التعلـــــــــيم
أهداف التعليم في دولة الخلافة
أهداف التعليم المعاصر

لا يختلف اثنان في حال الأمة الإسلامية بما وقعت به من انحدار إلى انحطاط بعد رقيّ دام اكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمان وما آلت إليه من جهالة بعد علم وإلى ضعف بعد قوة وإلى تشتت بعد وحدة, فالمشاكل تُحيط بها من كل جانب فالأمة الإسلامية تقف في مؤخرة ركب الأمم لما تعرضت له من هزيمة وإذلال حيث تحوّل بعض أبنائها إلى علمانيين أو عبيد للغرب بالإضافة لتشويه صورتهم وتلطيخ سمعتهم حيث إن صفحتهم أشد الصفحات سواداً.
والحق أنه لا بد للعالم الإسلامي أن يتجاوز كل المشاكل العالقة لإعادة الحياة الإسلامية الرائدة والتي كانت سائدة في العصور السابقة باستئنافها وإقامة دولة إسلامية راشدة لإعادة هذه الأمة لمركزها الأول في العالم وتقود الدورة الحياتية من جديد وتنقلها من بين أيدي العالم الغربي لأيدٍ أمينة رائدة في كل مجالات الحياة. فكان لا بدّ للمسلمين من إعادة الثقة بأحكام الإسلام وإعادة تثقيف الأمة الإسلامية بالثقافة التي تضمن بقاءها في مقدمة الأمم فثقافة الأمة هي العمود الفقري لوجودها وبقائها, فعلى هذه الثقافة تُبنى حضارة الأمة وتتحدد أهدافها وغايتها ويتميز نمط عيشها عن غيرها, فإذا اندثرت هذه الثقافة انتهت هذه الأمة كأمة متميزة تتقاذفها أمواج الأمم الأخرى لتسير وراء ثقافة الآخرين.
والثقافة الإسلامية هي المعارف التي كانت العقيدة الإسلامية سبباً في بحثها سواءً كانت هذه المعارف تتضمن العقيدة الإسلامية كعلم التوحيد أم كانت مبنيّة على العقيدة الإسلامية مثل الفقه والتفسير والحديث أو كان يقتضيها فهمُ ما ينبثق عن العقيدة الإسلامية من أحكام مثل المعارف التي يوجبها الاجتهاد في الإسلام كعلوم اللغة العربية ومصطلح الحديث وأصول الفقه, وتاريخ الأمة هو جزء من ثقافتها لما فيه إخبار عن حضارتها وعن رجالها وقادتها وعلمائها.
وثقافة الأمة هي الصانع لشخصيات أفرادها فهي التي تصوغ عقلية الفرد وكما وتصوغ ميوله أي أنها تؤثر في سلوكه والدولة الإسلامية تحرص على غرس ثقافة الإسلام لأبنائها ومنع أي ثقافة دخيلة من الوصول إليهم.
والتعليم هو الطريق لحفظ ثقافة الأمة في صدور أبنائها وفي سطور كتبها سواءً كان تعليماً منظما منهجياً أم غير منهجي لذلك يتوجب على الدولة الإسلامية الاعتناء بأمر التعليم وإعطاؤه الأولوية في الاهتمام بالنسبة للأمة الإسلامية حتى تُزال كل الرواسب التي علِقت بأذهان أبناء الأمة الإسلامية جرّاء حُكمهم بالنظام الرأسمالي وجراء الحرب الفكرية التي مورست على الأمة والتضليل المنظم الذي عمّ العالم الإسلامي.
وأيضاً يجب وضع علاج ناجح لمحاصرة أبناء الأمة الذين تسممت أفكارهم ممّن حمل الثقافة الغربية ونقلها مقتنعاً بها أو ممّن حملها دون تدقيق بها ونقلها غير معتقدٍ بها.
والتعليم هو الذي يُحافظ على العقيدة في النفوس لكي لا يقع في البدع والخرافات والشرك, والعقل بلا تعليم يؤدي إلى فقدان لقيمته وضعف في معرفته والمال بدون تعليم يؤدي إلى فقدانه.
إنّ وضع المناهج التعليمية الجديدة في دولة الخلافة التي من شأنها صناعة الشخصيات الإسلامية يجب أن تكون ضمن خطة منهجية منظمة فهي واجب حضاري ونموذجٌ يُحتذى به لكافة الدول الكافرة, فالثقافة الإسلامية تُمثّل الرسالة الإلهية الخاتمة الكفيلة بقيادة العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً على أعلى المستويات فالدولة ستعمل على إثراء الفكر الإنساني وصبغه الصبغة الإسلامية ليكون عامّاً عالمياً, لذلك يجب تكوين الشخصيات الإسلامية وصناعة الرجال المفكرين القادرين على قيادة العالم من جديد.
وبالنظر لواقع الأمة الحالي وبخاصة الجانب التعليمي فيها نجد أنّه داء خطير مستعصٍ وهو التربة الخِصبة لعِلل كثيرة في الأمة, ففي المدارس والجامعات يتم تغريب المسلم عن دينه على أيدي أساتذته المسلمين لأن التعليم هو الذي يُشكل الشخصية للإنسان حيث إن التعليم في العالم الإسلامي الحالي في حالة سيئة للغاية على الرغم من كثرة التوسع في مجال التعليم ولكن بجرأة في الدعوة إلى الانفلات من الإسلام الحق وإبعاد التعليم الإسلامي عن الاحتكاك بالواقع والمستجدات الحديثة.
أما بالنسبة للكادر التعليمي فهو دون المستوى الذي يليق بأمة الإسلام فبالنسبة للعلوم التجريبية فقد تم استقطاب علماء وأساتذة من خريجي الجامعات الأوروبية وهم قسمان قسم منهم نابغة وتعلم وغالباً ما يستحوذ عليه الغرب ويبقى مغترباً ولا يعود وأما القسم الآخر فإنه يرجع لعدم قبول الغرب له لهبوط مستواه في التعليم وهذا يرجع إلى الجامعات في العالم الإسلامي وهنا من الطبيعي أن يخرج طلبة أقل منه كفاءة وهكذا تهبط مستويات التعليم في العالم الإسلامي, وإذا رجع أشخاص متعلمون بمستوى عالي يصطدم لعدم وجود المختبرات ومراكز البحث العلمي المتقدّم. وكذلك المناهج في العالم الإسلامي مستقاة ممّا أفرج الغرب عنه من علوم ولم تعد حكراً عليه لوصوله لمستويات أعلى.
إن المأساة الكبرى للتعليم في العالم الإسلامي هو عدم سيطرة الرؤية الإسلامية على أساتذة الجامعات ومعلوماتهم الضئيلة عن الإسلام فهم ليسوا بشخصيات إسلامية وارتباطهم بالإسلام غالباً ما يكون مشاعرياً. فالمشكلة إذنْ تكمن في مناهج التعليم ومدرسي التعليم، وطرائق التعليم، وسياسة التعليم، ومؤسسات التعليم، ونوعية التعليم، وأهداف التعليم، فملف التعليم وديمومة النظر فيه وتطوير وسائله وإعادة النظر في سياساته وأهدافه، من أهم المتطلبات لعلاجه.
وإن المطالبة بمعالجة السياسات التعليمية والمناهج هي أقرب للشعارات والرغبات، بعيداً عن الخطط والبرامج، التي تستجيب لحاجات الأمة.
وبالتدقيق أكثر في أمور التعليم اليوم في ظل الدول القائمة في العالم الإسلامي نجد إهمال العلوم في مختلف الميادين مع بعض التركيز على العلوم التي تضمن الهيمنة وإلهاء الناس عن التطلّع للتغيير وإزالة المنكرات فلا يدخل لهذه الدول أي علم يمكن أن يطرد الاستعمار أو تغيير الحكام ومحاسبتهم والذي يتم التركيز عليه هو ما يُفرق ولا يوحد, فالمشكلة في وقتنا الحالي تكمن في مناهج التعليم وسياسة التعليم ومؤسسات التعليم ونوعية التعليم وأهداف التعليم مع أن الجامعات والمعاهد زادت بشكل كبير, حيث تحوّلت الجامعات وخريجوها إلى مشكلة فبدل أن تُحل مشاكل الأمة وتُطلق الطاقات وتُدرّب المهارات ويهيأ مناخ الإبداع, تحولت لتكون هي مشكلة الأمة فكرّست التخلف وخرّجت أصحاب الألقاب, هذه الألقاب لم تُحقق لأمتها إلا القليل ولم تُحقق النهضة وهي أشبه بالعملة الزائفة فهي أشكال وأحجام لكنها لا تُصرف بل إن منهاج الشريعة في الجامعات أُعد لتكريس أنظمه الحكم القائمة بنشر فكره طاعة ولي الأمر وحرمة الخروج عليه ومحاسبته .
والمناهج هي أقرب إلى الشعارات وبعض الرغبات بعيدة عن الخطط والبرامج ولا تُركّز على ما تلبّى به رغبات الأمة وتبصر بكيفية التعامل مع مشكلاتها أو ما يُحيط بنا من مناهج العلوم الشرعية التي تُعتبر أم العلوم فإنها تقوم في معظمها على التلقين والحفظ بعيدة عن بناء الشخصية وإنّما تُركّز على تخريج متعلمين وليس مثقفين لا يعرفون تطبيق نصوص كثيرة على واقع الأمه حتى إن دراسة السيرة النبوية، وعظمة القيم الإسلامية في حياة الناس، لا يخرج عن ذلك، وكأن هذه العلوم أصبحت للتبرك فقط
إنّ علة العلل في فشل التعليم في العالم الإسلامي هو الاستبداد السياسي الواقع على المسلمين وكذلك تحّول الجامعات إلى أبواق للسلطان أو مراكز للموالين له وإدخالهم في الجامعات بحجة انشغالهم بالنضال الوطني ليخرجوا أبطالاً قوميين.
كذلك فإنه لا يليق بأمة إسلامية تعتقد أن الحضارة الإسلامية ستبقى حية أن تُدرّس الشريعة في أقسام الدراسات الإسلامية ومعاهدها وفي كليات الشريعة والواقع أن إنشاء المسلمين أقساماً للدراسات الإسلامية في جامعاتهم لدليل على انحطاطهم لأنها محاكاة لما عند الغرب من دراسات وأقسام الاستشراق وفصل الدين عن الحياة لعدم تكوين عقلياتهم وصقلها بالإسلام ابتداءً.
إن دراسة الشريعة الإسلامية يجب أن تكون لجميع أفراد الأمة في كل مراحل التعليم بخطط منظمة ومدروسة ومعدّة مع دراسة العلوم البحتة والحيوية بصرف النظر عن تخصصاتهم لتعلم مبادىء الإسلام كجوهر للحضارة الإسلامية وإلى التعرف على الإنجازات التاريخية للحضارة الإسلامية والتعرف على قُدرة الإسلام بحل كل المشكلات المستجدة للمسلمين وغيرهم.
والحقيقة أن جرائم الثقافة المفروضة على الأمة الإسلامية هي أشدّ عليها من جرائم الحروب التي مارسها الحكام والسياسيون والعسكريون وإن المسؤوليه عن ما نمرّ به تقع على من فرّط وأهمل التعليم وبالتالي أهمل الثقافة الإسلامية.
وسيأتي اليوم الذي يُحاكم فيه من تسبب في تخلّف هذه الأمة من سدنة التخلف والاستبداد السياسي وفقهاء ومثقفي الحكام.
إن نظام التعليم في دولة الخلافة يتكون من مجموعة من الأحكام الشرعية والقوانين الإدارية المتعلقة بالتعليم المنهجي, فالأحكام الشرعية المتعلقة بالتعليم تنبثق عن العقيدة ولها أدلتها الشرعية مثل مواد التدريس والفصل بين الذكور والإناث, أمّا القوانين الإدارية في التعليم فهي الوسائل والأساليب المباحة التي يراها ولي الأمر ناجحة في تنفيذ نظام التعليم وتحقيق الغاية منه.
وهذا النظام بأحكامه الشرعية وقوانينه الإدارية بحاجة إلى جهاز إداري لتحقيق الغاية الأساسية من التعليم وهي بناء الشخصية الإسلامية بحيث يتولى هذا الجهاز الإشراف والتنظيم والمراقبة لجميع جوانب التعليم من حيث وضع المناهج واختيار المعلمين وتجهيز المدارس والمعاهد والجامعات وما يلزم من مختبرات ووسائل تعليم مناسبة.
أما الأهداف العامة للتعليم فهي :
1- بناء الشخصية الإسلامية عقلية ونفسية لأبناء الأمة عن طريق غرس الثقافة الإسلامية في عقول الطلبة.
2- إعداد أبناء الأمة الإسلامية ليكون منهم العلماء المختصون في كل مجالات الحياة في العلوم الشرعية والعلوم التجريبية.

أما طريقة التدريس في دولة الخلافة فهي الخطاب الفكري من المعلم والتلقي الفكري من المتعلم, فالفكر أو العقل هو أداة التعلم والتعليم وهذا العقل خاصية أودعها الله تعالى في الانسان وكرّمه بها.
وعملية الخطاب الفكري والتلقي الفكري عن طريق السماع أو القراءة لا بدّ لها من استخدام عناصر التفكير الأربعة بأداته وهي اللغة وما تحويه من ألفاظ وجمل بشكل فعّال في عملية التعلم والتعليم لتتحول إلى أفكار يستطيع المتعلم استخدامها والتعامل معها بما لديه من مقاييس كالحلال والحرام والصواب والخطأ.
هذه هي الطريقة العقلية الصالحة لإعطاء كل فكر سواء أكان للفكر علاقة مباشرة بوجهة النظر الخاصة عن الحياة كأفكار المبدأ أم لم يكن له علاقة مباشرة بوجهة النظر الخاصة كعلوم الرياضيات, فإن كانت من النوع الأول أي لها علاقة مباشرة من وجهة النظر الخاصة عن الحياة أي من الأفكار التي تُنظّم علاقة الانسان بربه أو بنفسه أو بغيره فلا بدّ من ربط هذا الفكر بالعقيدة الإسلامية, وأما إن كانت من النوع الثاني أي من الأفكار التي ليس لها علاقة مباشرة بوحهة النظر الخاصة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها فإنها تُدرّس من أجل إعداد الطالب للتعامل مع الكون الذي سخّره الله للإنسان قال تعالى في سورة النحل " اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "صدق الله العظيم, فالمسلم كشخصية إسلامية يتعلم العلوم التجريبية من أجل الانتفاع بها وتسخيرها لخدمة مصالح الأمة الإسلامية.
قال تعالى " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ اْلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا) {القصص: 77} صدق الله العظيم.
وقد وصل التعليم في ظل دولة الخلافة مبلغاً فصرنا خير أمة في كل ميادين الحياة حيث عرفنا كيف نتعلم ولماذا نتعلم فوظفنا العلم لخدمة البشرية جمعاء وأنتجت الأمة الإسلامية في مختلف ميادين العلوم
إنّ إصلاح التعليم المطلوب هو صبغ المعرفة الحديثة بالصبغة الإسلامية أي أسلمة العلوم وتطورها وإنتاج كتب ومراجع وحملة علم طبقاً للتصوّر الإسلامي وهذا يعني إيجاد الصبغة الإسلامية للتعليم وتوجيه الطلاب والهيئة التدريسية توجيهاً إسلامياً.. بدل الاكتفاء بما يُنقل من الغرب الكافر من علوم للوصول إلى سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.
   
موسى عبد الشكور
الخليل - فلسطين
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة
وزراء التنفيذ

وزير التنفيذ: هو الوزير الذي يعينه الخليفة؛ ليكون معاوناً له في التنفيذ والأداء والملاحقة, ويكون وسيطا بين الخليفة وبين أجهزة الدولة والرعايا والخارج, فعمله من الأعمال الإدارية, وليس من الحكم كمعاون التفويض, فلا يعيِّن والياً ولا عاملا ولا يرعى شؤون الناس.
وقد كان وزير التنفيذ يسمى كاتباً على عهد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _والخلفاء الراشدين, ثم صار يسمى صاحبَ ديوان الرسائل أو المكاتبات ثم استقر على كاتب الإنشاء, أو صاحب ديوان الإنشاء, ثم سُمي وزيرَ تنفيذ عند الفقهاء, وهو اليوم أشبه برئيس الديوان عند رؤساء الدول.

شروطه: يشترط في معاون التنفيذ ما يلي:
1. أن يكون مسلما؛ لكونه من بطانة الخليفة, فلا يكون كافرا لقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر".
2. أن يكون رجلا؛ لأن عمله يقتضي مطالعةَ الخليفة والاجتماع به اجتماعا معزولا في أي وقت من الليل والنهار, وهذا لا يتناسب مع ظروف المرأة وفق أحكام الشرع.
3. أن يكون حرا عدلا, ولا يشترط أن يكون عالما كما ذكر ذلك الماوردي في الأحكام السلطانية, وذكر له شروطا أخرى مثل: الأمانة, وصدق اللهجة, وقلة الطمع, والذكاء, والقدرة والفطنة, وأن لا يكون من أهل الأهواء, وألا تكون بينه وبين الناس شحناء وبغضاء. ومن طريف ما يروى أن المأمون الخليفة العباسي قد وصف الوزير الذي يرغب أن يستوزره بقوله: "إني التمست لأموري رجلا جامعا لخصال الخير, ذا عفة في خلائقه, واستقامة في طرائقه, قد هذبته الآداب, وأحكمته التجارب, إن اؤْتُمِنَ على الأسرار قام بها, وإن قُلِّد مهمات الأمور نهض فيها, يُسكِتُه الحلم, ويُنطِقُه العلم, وتكفيه اللحظة, وتغنيه اللّمحة. له صولة الأمراء, وأناة الحكماء, وتواضع العلماء, وفهم الفقهاء, إن أحسن إليه شكر, وإن ابتلي بالإساءة صبر. لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده, يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه". وقد جمع أحد الشعراء الصفات التي يجب أن يتجلى بها الوزير بقوله:

ببــيـهته وفكــرتـــه ســـواء إذا اشتبهت على الحال الأمور
وأحزم ما يكون الدهر يوما إذا أعـيـا الـمـشـاور والـمـشير
وصــدره فيــه للهم اتسـاع إذا ضــاقـــت لـلـهـم الـصــدور

أما الأمور التي يكون فيها معاون التنفيذ وسيطا بين الخليفة وغيره فهي:

1. العلاقات الدولية: سواء أكان الخليفة يتولاها مباشرة, أم يعين لها دائرة تتولاها. وبما أن الخليفة هو الحاكم الفعلي, وهو الذي يباشر بنفسه الحكم والتنفيذ؛ لذلك فإنه دائم الاتصال بجهاز الحكم, وبالعلاقات الدولية, وهو تابع للأعمال الدولية؛ ولذلك كان من هذه الأعمال أن يكون معاون التنفيذ وسيطا فيها, يؤديها عن وإلى الخليفة فيمتثل بأمر الخليفة, ولا يكفُّ عن المتابعة إلا إذا طلب الخليفة منه ذلك.
ومن أمثلة أعمال وزير التنفيذ في عهد رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ والخلفاء الراشدين فيما يتعلق بالعلاقات الدولية:
• صلح الحديبية: روى ابن كثير:" قال ابن إسحق قال الزهيري:...ثم دعا رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ عليَّ بن أبي طالب_رضي الله عنه_(وكان كاتبا) فقال: اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو...". وقد رواه أبو عبيد في الأموال.

• كتابه_صلى الله عليه وسلم_لهرقل: روى البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان:" بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم, سلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام...". وقد ردَّ عليه هرقل بكتاب.
• كتاب أهل منبج لعمر وردُّه عليهم: ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج: إنهم قوم من أهل الحرب وراء البحر. كتبوا إلى عمر بن الخطاب كتابا: دعنا ندخلْ أرضَك تُجّارا وتُعشِرْنا. قال: فشاور عمر أصحاب رسول الله_صلى الله عليه وسلم_في ذلك, فأشاروا عليه به, فكانوا أول من عَشَّر من أهل الحرب.

2. الجيش أو الجند: ما يتعلق بالجيش هو من الأمور التي يغلب عليها السرية, وهو من اختصاص الخليفة؛ لذلك لا يلاحقها ولا يتابع تنفيذها إلا إذا طلب منه الخليفة أن يلاحق شيئا منها, فإنه يتمثل لما أمره به فقط, ولا يلاحق غيره. ومن الأمثلة عليه أو بالأحرى من المكاتبات:
• كتاب أبي بكر إلى خالد_ رضي الله عنهما_ يأمره بالمسير إلى الشام من العراق. ذكره أبو يوسف.
• استمداد الأجناد بالشام عمر وكتابه إليهم: روى أحمد وأبو حاتم بإسناد عن سماك, قال: سمعت عياضا الأشعري قال:" شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء...قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبنا إليه أنه قد جاش إلينا الموت, واستمددناه فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم...فقاتلناهم فهزمناهم وقتلناهم...".

3. أجهزة الدولة غير الجيش: ذكرنا أن معاون التنفيذ هو جهاز توصيل من وإلى الخليفة, فهو يلاحق ما يقتضي الملاحقة من أجهزة الدولة, وباعتبار أن ما يصدر من الخليفة إلى الأجهزة وما يَرِد من الأجهزة إلى الخليفة يحتاج إلى متابعة لتنفيذه؛ لذلك كان على معاون التنفيذ أن يقوم بهذه المتابعة حتى يتم التنفيذ؛ فيتابع الخليفة ويتابع الأجهزة, ولا يكف إلا إذا طلب الخليفة منه ذلك. ومن مراسلات هذا النوع وكتبه ما يلي:
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_في العشر إلى معاذ _رضي الله عنه_: روى يحيى بن آدم في كتاب الخراج عن الحكم:" كتب رسول الله_صلى الله عليه وسلم_إلى معاذ باليمن: فيما سقت السماء أو سُقِيَ غيْلاً العُشر, وما سقي بالغرب فنصف العشر".
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_إلى المنذر بن ساوى في الجزية:" أن من صلى صلاتنا, واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم, له ذمة الله وذمة رسوله, فمن أحب ذلك من المجوس فهو آمِنٌ, ومن أبَى فعليه الجزية". ذكره أبو يوسف في كتاب الخراج.
• كتاب أبي بكر إلى أنس_رضي الله عنهما_في فريضة الصدقة لمّا وجّهه إلى البحرين. رواه البخاري.
• كتاب عمر إلى عمرو بن العاص_رضي الله عنهما_في عام الرمادة. رواه الحاكم والبيهقي.

4. العلاقات مع الرعية: بما أن الخليفة هو الحاكم الفعلي فإنه مسؤول عن الرعية من حيثُ رعايتُها وتنفيذُ طلباتها ورفعُ الظلامة عنها, كما أنه إليه يرفع ما يَرِد من الأمة من شِكاياتٍ ومطالبَ وشؤون, فهذا كله من شأن الخليفة, ومن يُنيبه لذلك, وليس من شأن معاون التنفيذ فلا يقوم بالملاحقة إلا فيما يطلب منه الخليفة أن يلاحقه منها, فعمله بالنسبة لها الأداء وليس الملاحقة, ومن أمثلة هذا النوع:
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_لأهل نجران, حيث جاء في آخره:" شهد بذلك عثمان بن عفان ومعيقب". رواه أبو داود وأبو عبيدة في الأموال. كما رواه أبو يوسف في الخراج, وذكر أن الكاتب هو: مغيرة بن شعبة.
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_لتميم الداري: ذكر أبو يوسف في الخراج:"...فكتب له: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري أن له قرية حبرى وبيت عينون قريتها كلها...لا يُحاقُّه فيها أحد...وكتب علي". ولما تولى أبو بكر الخلافة كتب لهم, أي للداريِّين كتابا يثبت فيه ما بيدهم من قرية حبرى وبيت عينون.

ختاما: هذه هي أعمال وزراء التنفيذ, فلا بد لدولة الخلافة من وجود هذا الجهاز, وللخليفة أن يعين كُتَّابا (وزراء تنفيذ) بالقدر الذي يحتاجه في مكاتباته, بل إنه يصل لحد الواجب إن كان لا يتم الواجب إلا بتعيينهم. وقد ذكر أصحاب السير أنه كان لرسول الله_صلى الله عليه وسلم_حوالي عشرين كاتبا, فقد روى البخاري أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_أمر أن يتعلم كتاب يهود؛ ليقرأه على النبي _صلى الله عليه وسلم_ إذا كتبوا إليه, فتعلمه في خمسة عشرة يوما. كما روى ابن إسحق:" أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث, وكان يجيب عنه الملوك...", فكان يستحسن رده؛ فقال له: أصبت وأحسنت, اللهم وفقه. وكان علي بن أبي طالب كاتبا على العهود والصلح, كما كان معيقب على خاتمه, وغيرهم الكثير.

اللهم اجعل ذلك اليوم الذي يوضع فيه هذا الجهاز وغيره من أجهزة الحكم في دولة الخلافة _قدوم الليل على النهار_ موضع التنفيذ قريبا, إنه لا يعجزك يا ربنا شيء في الأرض ولا في السماء.





‏2007‏‏-‏09‏‏-‏09‏ م    
أبو طارق العرامين
الخليل
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قضايا إجتماعية
ظاهرة عمالة الأطفال

الحمد لله والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:
لقد اتسعت مساحة الدمار والخراب الذي خلّفه النظام الرأسمالي وولّد الشقاء للإنسانية فلم يسلمْ من شرور حضارته الحجر والشجرُ ولا رجل ولا امرأة ولا كبير ولا صغير حتى الأطفال لم تشفع لهم طفولتهم ولا صغر سنهم أن ينأَوْا بأنفسهم ويبقَوْا بعيدين عن سموم ناره بل أُجبِروا أن ينغمسوا في وحل تلك الحضارة فتُمارَس بحقهم صنوفُ الاستغلال ويخضعون لشتى أنواع القهر الجسدي والنفسي ويحرمون من حقهم في الرعاية والتعليم وممارسة حياتهم ببراءة تتلاءم مع فطرتهم السليمة وطويتهم النقية .. أقول إنهم لم يُترَكوا وشأنهم بل صُفِّدوا بسلال الفقر والحرمان زُجُّوا في العمل فأصبحوا سلعة يتاجر بهم وأيديَ عاملةً رخيصة تمتهن ووسيلة للتسلية تُعرَض للشواذ من الناس, يستخدمون كهجّانةٍ في سباقات الهجن وكأنهم دمىً يُقذَف بهم ذات اليمين وذات الشمال .. وسنحاول أن نركز على ظاهرة تشغيل الأطفال المنتشرة بشكل مروّع دفع الكثير لفتح هذا الملف الذي أصبح وصمة عار على جبين الإنسانية.
بداية لقد اهتم الإسلام بالطفل ونصب له الأحكام الكثيرة المتعلقة بحقوقه وإكرامه وتأديبه وحسن رعايته فقال صلى الله عليه وسلم " أكرموا أولادكم وأحسنوا تأديبهم " وقال " أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءه القرآن".
فرحلة الطفل في الإسلام تبدأ من قبل وجوده، تبدأ من حين البحث عن أم وزوجة صالحة، قال صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) وأثناء حمله فلا يجوز إسقاطه ولا قتله وسمحت بالإفطار للحبلى والمرضعة حفاظا عليه سلامة نموه, فلا يجوز أن تتعاطى شيئاً يضعفه أو يشوهه، وينبغي أن تتقوى الحامل لتغذيته في بطنها، وحقُّ الولد في الرضاع محفوظ، قال الله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } وضمنت له حق الحضانة حتى يستقل بأمره، فيحفظ ويوقى من جميع الأضرار والشرور,
وأوجبت حق النفقة على الأب: ينفق على أولاده الذكر حتى يبلغ والأنثى حتى تتزوج قال عليه الصلاة والسلام (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله) حديث صحيح رواه مسلم وتربيته مسئولية واجبة على الأهل: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (مُروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع) هذه نظرة سريعة لعلاقة الإسلام بالطفل. وفي المقابل نرى حرص النظام الرأسمالي على رعاية الطفولة ظاهرة من خلال الحرص على الفحص الطبي، وصحة الولد، وبرامج التطعيمات، ومعالجة العيوب الخلقية، وتعهّد الأطفال المعاقين، وعلاج الأمراض النفسية من الانطواء والانكماش؛ والخوف والتردد، وعمل برامج لتقوية النبوغ في الأطفال، والاهتمام بمدارس الأطفال أكبر من الاهتمام بالمدارس المتوسطة والثانوية، وحرية إبداء الرأي عند الطفل، والحديث والسؤال، والجلوس مع الكبار، والتشجيع على القراءة، وعلاج عسرها وبطئها، والبرامج التعليمية والتثقيفية، وزيارة المدرسين للأولاد في البيت ولكن هذا الاهتمام الشكلي لم يمنع من انتشار كل صنوف الاستغلال للطفل حتى في ديارهم فليس هناك حضانة ولا حق في الرضاعة يعطى للطفل، ولا حنان يرتضعه، يترك ويُرمى ويهمل فهذا فتى بريطاني يرفع قضيةً على أمه؛ لأنها لا تجلس معه وقتاً كافياً، تذهب خارج البيت وتتركه.. وصبي آخر في أوريلندا وفي فلوريدا رفع قضية على والديه، بأنه يريد أن يغيّر أبويه ... وقال إن أمه مدمنة الماريجوانا، ولها علاقات جنسية شاذة، وأنها تأخذ أجرها في آخر الأسبوع لتشتري الخمر، وأخبر أنها تتعاطى الكحول، وأنها تنسى علبة الماريجوانا في المطبخ، ثم أخبر أنها وضعته في دار للأيتام فترة من الزمن، ثم إنها على علاقة بعشيق لها .. الآباء يعتدون على أبنائهم جنسياً حيث قضت إحدى محاكم لوسن في بريطانيا بالسجن خمسة أعوام على رجل في الخمسين من عمره قام بالزنا بابنته طوال اثني عشر عاماً وهناك أم تلقي بابنيها في بحيرة إرضاءً لعشيقها ... وأخرى تقتل طفلها في ماء الحمام المغلي، وأب يهشم رأس صغيرِه الوليد بحذائه. امرأة ولدت فألقت بالطفل في سلة المهملات، ويعثر على الأولاد في المراحيض العامة... وهذا غيظ من فيض لواقع أطفال داخل مجتمعاتهم ...
وأما واقع الأطفال في البلدان الفقيرة وفي بلدان ما يسمى بالعالم الثالث فالواقع أدهى وأمرّ والشُّقّة أبعد, حيث العولمة وبرامج الإصلاح التي يروِّج لها النظام الرأسمالي زاد من حدة الفقر والبطالة فوطأة القهر والاستبداد والتشرد وتعرض الكثير للتشريد واليتم والفاقة وفقدان المعيل وتنصل الدولة من رعاية شؤون رعيتها فانعكس سلباً على فئات المجتمع فطالت الكبير والصغير والرجل والمرأة, فلفّت حبلُ القروض على عنق المجتمع مما حدى بأفراد المجتمع بدون استثناء للخروج مهرولين هائمين على وجوههم فخرجت المرأة من خِدرها والطفل من خيمة ألعابه, خرجوا مقيدين بسلاسل سياسة السوق وسوق العمل الرخيص حيث مورس بحق الأطفال أبشعُ أنواع الظلم, فلم يشفع له صِغَرُ سِنّه أو ضعف جسده أو دقة عظمه بل حمّلوه ما لا يطيق مستغلين حاجته وسذاجته فيعمل الساعات الطوال تحت حر الشمس وبرد الشتاء, حاملا فوق طاقته, ولم يقتصر الأمر على ذلك بل يضرب ويهان ويقذف بوابلٍ من اللّعنات والألفاظ التي تنزل عليه كالصاعقة, فحسب آخر الإحصائيات هنالك أكثر من 250 مليون طفل معرضون لأبشع أنواع الاستغلال والتشغيل وهم بأعمار تتراوح بين 4 - 14 سنة يتعرضون لأنواع من الأمراض الجلدية بسبب التنقل في الأماكن ملوثة, ولضربات شمس جراء عملهم لفترات طويلة خارج البيت وخاصة ممن يعملون في الميدان الزراعي, الضعف الشديد والجفاف بسبب سوء التغذية والسير لمسافات طويلة, شيوع الاعتداءات الجنسية والانحرافات والاضطرابات, إضافة لتعرضهم للأمراض النفسية, فعَلَتْ الأصواتُ من داخل المجتمع الرأسمالي نفسه تطالب بتخفيف العبء عن الأطفال ليس حبّاً لهم ولا شفقة بهم بل ليستروا عورة نظامهم ويخفوا أثر جريمتهم التي فاح ريحها فسَنُّوا قانوناً خاصّاً بحقوق الطفل الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20/ 11\ 1959يدعو إلى احترام الطفولة وعدم المساس بحقوقهم وتهيئة أجواء مناسبة لكي ينعموا بحياة سعيدة فهم لا يعملون على توفير الأمن والأمان له وإرجاعه إلى مقعد الدراسة وإنما يريدون أن يخففوا شيئاً من معاناته ليستمر في عطائه وعمله فيصدق عليهم قول الله سبحانه وتعالى على لسان فرعون الذي كان يقتل أبناء بني إسرائيل عاماً ويبقيهم في العام القابل حتى لا ينقرضوا فلا يجد ما يخدمه." سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم" .
إن عمالة الأطفال وتشغيلهم هي لعنة خلّفها النظام الرأسمالي يريد بفعلته هذه إيجاد جيل أُمِّيٍّ, مشوه, قاصر ذهنيا وجسديا, لا يعرف إلا اللهاث خلف لقمة العيش, مطيعٍ لسيّده, منفِّذٍ لأوامره, مستمرئٍ الذلَّ ... بعيد عن مقاعد الدراسة والعلم والمعرفة, خارج حصنه وحاضنته, يُعرِّضونه لظروف عمل خطيرة ومعاناة بدنية وذهنية وعاطفية تؤدي به للبطالة والأمية عندما يصلون إلى سن البلوغ.
11-9-2007    
عثمان هاجس
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته


الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى .. أما بعد أيها الإخوة الكرام
إن الصوم عبادة عظيمة, إذ هي تُنظِّم علاقةَ المسلمين بربهم في هذه الناحية الروحية التعبدية, ثوابه عظيم وأجره جزيل, والصوم لا عدل له فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله مُرني بعملٍ قال:{عليك بالصوم فإنه لا عدل له} قلتُ: يا رسول الله مُرني بعمل, قال {عليك بالصوم فإنه لا عدل له} قلت: يا رسول الله مُرني بعمل, قال: {عليك بالصوم فإنه لا عدل له} رواه النسائي والحاكم صحيح.
وفي رواية ابن حبان: قلتُ: يا رسول الله دُلّني على عمل أدخُل به الجنة قال: {عليك بالصوم فإنه لا مثل له} فكان أبو أُمامة لا يُرى في بيته الدخانُ نهاراً إلا إذا نزل بهم ضيف.
وبما أن هذا فضل الصوم وثوابه, لذلك على المسلمين أن يحرصوا عليه من حيث يبدأون الصيام، وأن يكون صيامهم واحداً في يوم واحد, ويكون عيدهم واحداً يحتفلون به في يوم واحد.
وذلك امتثالا لأمر الله تبارك وتعالى فيما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله {صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته, فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عِدّة شعبان ثلاثين يوما} رواه البخاري، فهذا الحديث فيه دلالة صريحة على أن السبب الشرعي لعيد الفطر هو رؤية هلال شوال, وهذا الخطاب الشرعي مُوجّه إلى جميع المسلمين لا فرق بين أهل الشام أو أهل الحجاز ولا بين أهل إندونيسيا أو أهل العراق, فلفظ الحديث عامٌّ لأن ضمير الجماعة في {صوموا ...وأفطروا} يدل على عموم المسلمين, وكذلك لفظ {رؤيته} فهو اسم جنس مضاف إلى ضمير, يدل على رؤية الهلال من أي إنسان, وبما أن هذه الرؤية متعلقةٌ بعبادةٍ من عبادات المسلمين فلا تُقبَل شهادةُ غير المسلمين فيها, فكان الإسلام شرطاً في الشاهد وقد جاءت أحاديث حصرت هذه الرؤية بالمسلمين، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: {جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: رأيتُ الهلال, فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, قال: نعم فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أن صوموا} رواه الخمسة أصحاب السنن عدا البخاري ومسلم، صحيح. لذلك كانت رؤيةُ مسلمٍ هلالَ رمضان أو هلال شوال من موجبات الصوم على جميع المسلمين ومن موجبات الفطر على جميع المسلمين, لا فرق بين بلد وبلد ولا بين مسلم ومسلم, ولأن من يرى الهلال من المسلمين حجة على من لم يَرَه, وليس شهادة مسلم في بلد أَوْلى من شهادة مسلم في بلد آخر, ولا قيمة أيها المسلمون للتقسيمات والحدود التي أقامها الكفار في بلاد المسلمين, والتي جعلت أهل رفح المصرية تصوم في يوم وأهل رفح الفلسطينية تصوم في يوم آخر, حيث قَسَّمت الحدودُ الوهمية بفعل الكافر المستعمر البيوتَ من المنتصف, وكذا الحال بين بلدة درعا في سوريا وبين أهل الرمثا في الاردن وليس بين المدينتين إلا حدود وهمية رسمها الكفار منذ أن هدمت الخلافة ثم حرص على بقائها الحكام.

أيها الإخوة الكرام
إن الأمر في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بصوم رمضان لرؤية الهلال أمر للوجوب, لأنه أمرٌ بفرضٍ ثبت بقوله تعالى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} البقره 185، وإن الأمر بالفطر لرؤية هلال شوال هو أيضا للوجوب لأن النبي صلى عليه وسلم {نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر}.
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين يوم الفطر ويوم النحر} متفق عليه
وبما أنه نهي عن القيام بفرض, فهو قرينة على أن الأمر في قوله {وأفطروا لرؤيته} للوجوب. فكان صوم يوم العيد حراماً إذا ثبتت الرؤية من مسلم عدل.
أما اختلاف المطالع الذي يتذرع به البعض فقد كانت من باب تحقيق المناط على بحث قديم بحثه العلماء السابقون لواقع كانوا يعيشونه, حيث كان المسلمون لا يتمكنون من إبلاغ رؤية الهلال إلى جميع أنحاء دولة الخلافة المترامية الأطراف في يوم واحد لأن وسائل الإعلام والاتصالات التي كانت موجودة يومئذ كانت قاصرة عن ذلك.
وهذا الأمر مخالف لصريح الحديث الذي روي عن جماعة من الأنصار قال: {غُمّ علينا هلالُ شوال فأصبحنا صياماً فجاء رَكْبٌ من آخر النهار, فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رَأَوُا الهلال بالأمس, فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا, ثم يخرجوا لعيدهم من الغد} فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يفطروا في يوم حسِبوه من رمضان بسبب رؤية غيرهم هلالَ شوال في غير المدينة المنورة, فالركب رأوا الهلال قبل وصولهم المدينه بيوم. ولم يقل أحد من المسلمين لقد انتصف النهار نحن صيام فلا نبطل عملنا وهو طاعة. لأن في ذلك معصيةً وهو حرمة صوم يوم العيد ولن يضيع الله أعمالهم والأصل في العبادات الاتباع وعدم الابتداع.
وأما اليوم أيها الإخوه الكرام, فوسائل الإعلام متوفرة والاتصالات سهلة ميسورة بحيث يتم نقل الخبر في ثوان وفي بث حي ومباشر وهذا من نعم الله عز وجل على الناس أجمعين, لذلك على المسلمين الالتزام بالصيام أو الإفطار حال سماعهم خبر ثبوت رؤية الهلال من أي مكان على الأرض رؤية بصرية بالعين المجردة ولا اعتبار للحساب الفلكي لأنه لا قيمة شرعية له في إثبات الصوم والإفطار لأن السبب الشرعي للصوم أو الإفطار هو رؤية الهلال بالعين لقوله صلى الله عليه وسلم {إذا رأيتموه فصوموا, وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غُمّ عليكم فاقدروا له}.
أيها الإخوة الكرام، أيها المسلمون:
إن عدم توحيد رؤية الهلال ما هي إلا مشكلة من مشكلات عديدة تواجه المسلمين بسبب غياب دولة الخلافة التي ترعى شؤونهم بأحكام الإسلام, وتوحدهم في ظل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله, فعلى المسلمين التقيد بالحكم الشرعي في صيامهم وإفطارهم وكل أعمالهم, وإن لم يتقيد الحكام بذلك, فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, أما حكام زماننا فليس لهم علينا حقُّ الطاعة بل فرضٌ معصيتُهُم وطاعتهم حرام فليس أولئك علينا بحكام.
أيها المسلمون
إذا بلغكم خبرُ رؤية مسلم لهلال رمضان في أي مكان على الأرض وجب عليكم الصيام وإن بلغكم خبر رؤية مسلم هلال شوال في أي مكان على الأرض وجب عليكم الإفطارُ, فلا تقولوا ننتظر الجهات الرسمية أو المحاكم الشرعية فما أولئك إلا موظفون لدى الحكام يأتمرون بأمرهم وحالهم حال المغلوب المقهور مسلوب الإرادة فلا اعتبار لقوله ولا شهادته. أي الموظف الذي ينتظر قرار الحاكم رغم ثبوت رؤية مسلم للهلال.
أيها المسلمون
وإنا إذ ندعوكم للعمل بهذا الحكم الشرعي وهو توحيد أعياد المسلمين بيوم واحد وتوحيد صوم المسلمين بيوم واحد, نختم هذه الفرصة لنذكّركم بما فرضه الله عليكم وعلى جميع المسلمين من العمل الجدي لإقامة خليفة للمسلمين يبايع على الكتاب والسنة يجمع كلمتهم ويوحد صفوفهم ويطبق أحكام الشرع ويحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم, ويجاهد حتى تكون كلمة الله هي العليا. فقد آن الأوان لإعادة الخلافة الإسلامية لاسترجاع عزة المسلمين ورفع راية الإسلام, بذلك تنالون رضوان الله وثوابه في الآخرة
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

   
كتبه: سعيد الكرمي
أبو عبد الرحمن
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

معارك رمضان
فتح مدينة بلغراد
في الرابع من رمضان 927 هـ
كانت مدينة بلجراد التابعة للإمبراطورية المجرية (في القرن العاشر الهجري) هي مفتاح أوروبا الوسطى، وكانت قلعتها الشهيرة من أحصن القلاع في أوروبا، وأشدها منعة، وكانت تبعد عن الأراضي العثمانية حوالي 20 كيلومترا فقط، وكان المجريون يكنون الكثير من العداء للعثمانيين، ويسعون لطردهم من أوروبا بأسرها ومن منطقة البلقان على وجه الخصوص، ولعل هذا ما جعل العثمانيين يوجهون جهدهم لفتح بلجراد والقضاء على خطرها، وإزالتها كعقبة تعترض طريقهم نحو الانسياب إلى قلب أوروبا وفتح فينا وبودابست.
محاولات عثمانية لفتح بلجراد: حاول العثمانيون فتح بلجراد 3 مرات، ولم يتمكنوا من ذلك إلا في المرة الرابعة بعد مرور ما يقرب من قرن من الزمان، إن المحاولة الأولى لفتح بلجراد جرت في عهد السلطان العثماني مراد الثاني سنة (845 هـ= 1441م)، ففي عام (843 هـ= 1439م) أعلن البابا "أوجينيوس الرابع" حملة صليبية ضد الأتراك لطردهم من أوروبا، وشكل النصارى الكاثوليك كتلة مسيحية كبيرة لقتال العثمانيين، وكان هونيادي جونوس ابن قائد المجر كاثوليكيا متعصبا، هدفه الوحيد إخراج الأتراك من البلقان وأوروبا، فقام بدراسة تكتيك الحرب العثمانية بعناية شديدة واستطاع أن يقف على أهم ما يميز العسكرية العثمانية من حيث نقاط الضعف والقوة، ونتيجة لهذه الخبرة العسكرية الواسعة استطاع أن ينتصر على عدة جيوش عثمانية؛ وهو ما اضطر السلطان العثماني مراداً الثاني أن يسير بنفسه لفتح بلجراد، بعدما لم يتمكن القائد العثماني "أفرنوس أوغلو علي بك" من فتحها بعد حصار استمر 6 أشهر.
وشاءت الأقدار أن يتوفى ابن السلطان مراد الثاني وولي عهده وهو في الثامنة عشرة من عمره؛ وهو ما أصاب السلطان بصدمة كبيرة، جعلته يجري مفاوضات للصلح مع المجر في هذه الظروف الصعبة في (مايو 1444م) وتم إبرام معاهدة سيديان في (20 من ربيع الآخر 851 هـ= 12 يوليو 1447م).
أما المحاولة الثانية لفتحها فكانت في عهد السلطان محمد الفاتح، عندما قام بحملته الهمايونية (السلطانية) السادسة، والتي تسمى حملة بلاد الصرب سنة (860 هـ= 1456م) وكان جيشه يتكون من 150 ألف مقاتل، وحوالي 300 مدفع، و200 قطعة أسطول، ووصل الفاتح إلى قلعة بلجراد وحاصرها، ولم يتمكن من فتحها، وأصيب الفاتح أثناء الحصار.
أما المحاولة الثالثة فجرت في عهد السلطان بايزيد الثاني، عندما قام بحملته الهمايونية الثالثة، وكان الهدف بلجراد، فحاصرها سنة (897 هـ= 1492م) لكنه لم يتمكن من فتحها.
القانوني وبلجراد.. السياسة قبل القتال: صعد السلطان سليمان بن سليم الشهير بـ"سليمان القانوني" إلى الحكم بعد وفاة والده، ولم تمض إلا 8 أشهر على توليه الحكم حتى قام بحملته الهمايونية الأولى والتي أراد أن تكون وجهتها بلجراد، وأن تكون حملة تبث الرهبة في قلوب الأوروبيين المعادين للدولة العثمانية.
وبنى القانوني موقفه من بلجراد وتصميمه على فتحها على عدة اعتبارات سياسية وإستراتيجية؛ فالمملكة المجرية هي الخصم الأكبر للعثمانيين في أوروبا الشرقية بعد زوال مملكتي الصرب والبلغار وزوال الإمبراطورية البيزنطية، كما أن المملكة المجرية تمثل سدا منيعا دون انتشار الإسلام في أوروبا الشرقية خاصة في عهد "هونيادي" وابنه "ماتياس كورفين" اللذين تبنيا مشروعا صليبيا لطرد العثمانيين من أوروبا.
كانت العلاقات بين الجانبين تنظمها معاهدة موقعة بينهما، لكنها لم تمنع من المناوشات بين العثمانيين والمجريين على الحدود، وهو ما تسبب في نوع من الإجهاد النسبي للمجريين.
ومن الناحية الأخرى استطاع "القانوني" بحنكته السياسية الكبيرة أن يحيّد القوى الأوروبية عن التدخل لإنقاذ بلجراد؛ فالبندقية كانت تناقش في ذلك الوقت عقد معاهدة تجارية مع العثمانيين، ولم يكن من مصلحتها أن تدخل في حرب ضد العثمانية تأييدا للمجريين. أما الفاتيكان وملك بولندا فلم يجدا مبررا للتدخل لمساندة بلجراد، كما أن أوروبا كانت على وشك حالة من الانقسام الديني بسبب دعوة "مارتن لوثر" الدينية الجديدة التي تزامنت مع بدايات تحرك السلطان القانوني نحو بلجراد. والفرنسيون نصحوا الملك المجري "لويس" بإبرام هدنة مع القانوني كسبا للوقت، أما الألمان فكانوا مشغولين عن مساندة بلجراد ببعض العوامل الداخلية، ومن ثم تلكأت أوروبا عن نصرة بلجراد.
كانت الظروف الداخلية والأوروبية مهيأة لأن يقوم السلطان القانوني بفتح بلجراد، وتحقيق ما عجز ثلاثة من أكابر السلاطين العثمانيين عن تحقيقه؛ ومنهم محمد الفاتح، وانتظر القانوني الذريعة التي تمكنه من شن الحرب على المجريين، وأسعفه القدر عندما قام المجريون بقتل الرسول الذي أرسلته الدولة العثمانية إلى المجر ليطالبهم بدفع الجزية السنوية المقترحة من سليمان في مقابل تجديد الصلح معهم، ووجد في تلك الجريمة سببا كافيا لإعلان الحرب على مملكة المجر.
الفتح وقائع ونتائج
أخذ سليمان في الترتيب لفتح بلجراد طوال شتاء (926 هـ= 1520م)، فجمع قوات النخبة العثمانية من عدد من الولايات، وزاد في عدد القوات النظامية، وأصدر الأوامر لأصحاب الصنائع في الجهات المختلفة في الطريق إلى بلجراد بالاستعداد وأن ينفذوا ما يطلب منهم، وأمر بتخزين المؤن والحيوانات على طول الطريق إلى بلجراد، وتم تعهد الطرق والجسور على طول الطريق بالإصلاح والترميم.
وأصر القانوني أن يكون خروجه يوما مشهودا يشهده سفراء الدول الأجنبية في الدولة العثمانية، وكان يهدف من وراء ذلك إلى القيام بحرب نفسية ضد المجر، وحرب نفسية أخرى ضد الأوروبيين حتى لا يفكروا في تقديم يد العون لبلجراد، لعلمه أن هؤلاء السفراء سيرسلون إلى دولهم بحجم هذه الاستعدادات، ومن ثم فإن ما قام به كان استعراضا مدروسا للقوة.
وكان في مقدمة هذا الجيش البديع التنسيق، 6 آلاف من فرسان الحرس الإمبراطوري بأزيائهم الرائعة، وخيولهم الأصيلة، وأسلحتهم الحديثة، وكان في الحملة 3 آلاف جمل محملة بالذخيرة والبارود، و30 ألف جمل محملة بالمهمات، وسفينة محملة بالخيول كانت تسير في نهر ألطونة (الدانوب)، و50 سفينة حربية، و10 آلاف عجلة محملة بالطحين والشعير، وعدد من الأفيال المدرعة، والمدافع.
وكان الجيش يسير وفق نظام دقيق محكم، فكان الجنود يرحلون من معسكر إلى آخر مع أول ضوء من النهار، ثم يحطون رحالهم مع الظهيرة ليستريحوا، في مكان تم اختياره من قبل، وتم تجهيزه قبل أن ينزل فيه الجيش، فكان النظام هو السمة الرئيسية في التحرك، أما السمة الثانية فكانت العدل، فكان الجيش يتحمل تكاليف كل عطب تسبب فيه أثناء سيره إذا لم يقم بإصلاحه، وكان كل شيء يُشترى لا بد أن يدفع ثمنه في الحال، وكان كل من يقوم بأعمال اللصوصية يُعدم في الحال.
وفي أثناء سير الجيش الهمايوني لحق به الوزير فرحات باشا ومعه عدة آلاف من الإبل محملة بالذخيرة والمدافع، والقمح والشعير، أما الصدر الأعظم بير باشا فسبق جيش القانوني وعسكر تحت أسوار قلعة بلجراد الحصينة، وعندما جاء سليمان وجنوده نصبوا المدافع فوق الجزيرة في ملتقى نهر الدانوب، وبدأت المدافع تقصف القلعة بدون انقطاع حسب الخطة الموضوعة، وتوالت الهجمات تلو الهجمات طيلة 3 أسابيع، لكنها كانت دون جدوى.
وفي هذه الأثناء قدم أحد الأوروبيين نصيحة للقانوني بأن ينسف أكبر برج في التحصينات في القلعة لأن انهياره سوف يؤدي إلى انهيار معنويات المدافعين عن القلعة.
وبالفعل تم نسف البرج وانهارت معنويات المجريين والصرب المدافعين عن القلعة رغم ما أبدوه من بسالة في القتال، ثم ضرب القانوني ضربته الثانية للتفريق بين الصرب والمجريين، حيث وعد الصرب بالحفاظ على حياتهم إذا تركوا المجريين في القتال، واستطاعت هذه الخطة أن تبقي المجريين وحدهم في الميدان، فقتل أغلبهم وفتحت القلعة في (4 من رمضان 927هـ = 8 من أغسطس 1521م) أما بلجراد المدينة فتم فتحها في (25 من رمضان 927هـ = 29 أغسطس 1521م)، وسرعان ما انتشرت أخبار الانتصار في العالم، وأرسل الأوروبيون في البندقية وروسيا وفودا للتهنئة بالفتح.
وقد تسبب فتح بلجراد في وضع مأساوي لمملكة المجر، فقد توفي ملكها لويس بعد سماع نبأ سقوط بلجراد حصن المسيحية في أوروبا الشرقية، ولم تلبث هذه المملكة أن انهارت على يد القانوني بعد معركة صحراء موهاكس الشهيرة، وتدفق العثمانيون على أوروبا كالسيل الجارف الذي لا تزيده الأمطار إلا قوة وعنفوانا.
وبقي سليمان في المدينة 19 يوما، ثم تركها بعدما ترك فيها حامية من 3 آلاف جندي و200 مدفع، وعاد من حملته بعد حوالي 5 أشهر.
2/9/2007    
إعداد : أبو منير
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نفحات رمضانية
التنظيم الغريزي في رمضان

أودع الله تعالى في الإنسان حاجات عضوية وميولا غريزية، ولحكمة أرادها، فقد جعلها تشكل أحاسيس تدفع الإنسان للعمل أو القول لأجل إشباعها، فجاءت شريعة الإسلام والتي أنزلها رب العالمين على رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، معالِجةً لهذه الغرائز والحاجات لا بإطلاقها ولا بكبتِها، فلا الشريعة أطلقتها لتجعل الإنسان عبدا لهواه وغرائزه، ولا هي كبتتها لتحول بين الإنسان وبين الانتفاع والاستمتاع بما خلق الله تعالى.
والشريعة كذلك لم تعالج غريزة أو مظهرا على حساب آخر، بل اعترفت شريعة الإسلام بهذه الميول الغريزية وعالجتها المعالجة الصحيحة، إذ لم تترك للإنسان أن يضع المعالجات لهذه الميول والدوافع من عند نفسه، حتى إذا غلب أصحاب الميول الروحية على الأمور عطلوها كما حصل في القرون الوسطى في أوروبا، وإذا غلب أصحاب الميول الأخرى حولوا الحياة إلى صراع مادي بشع أفقد الإنسان طعم الحياة الكريمة، كما هو واقع مع سيطرة الرأسمالية هذه الأيام.
وشريعة الإسلام قد خصت أزمنة وأمكنة جعلت فيها للإنسان أن يراجع النفس ويقوّمها من كل اعوجاج، ومنها هذا الشهر الكريم وسيكون الحديث عن دور رمضان في تنظيم غرائز الإنسان.
في رمضان شهر الخير، يعود الإنسان الصادق في صومه ليرتب حياته ومهماته ودوافعه، ترتيبا جديدا، وذلك أن مفهوم الصوم يوجد معانيَ التقوى والورع في النفس، لأن في الصوم خضوع وانقياد لله تعالى، فإذا جنح الإنسان أو نسي أو أخطأ كان الصوم مُذكِّرا له بتقوى الله تعالى ومراقبته، قال تعالى في سورة البقرة  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ولقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصيام ودوره في تهذيب النفوس وميولها فقال : ( الصيام جُنّة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يرفث ولا يجهل، فإنْ امرُؤٌ شاتمة أو قاتله، فليقل إني صائم ) - متفق عليه -
هذه العبادة المتصلة طوال شهر كامل تشكل عاملا قويا وحافزا عظيما في تهذيب النفوس وكفِّها عن التطلع لمحارم الله، وعن التطلع إلى ما ليس لها به حق، فالصوم صبر وتحمل واحتساب، لأنه حمل للنفس على مفارقة الحرام، وحملها على دوام القُربِ من حكم الله تعالى، فبالصوم يجدد الإنسان ممارسة إرادته التامة في منع النفس عن أكبر ملذاتها، وحبسها عما حرم الله، وذلك طاعة لله تعالى، واحتسابا لثوابه ومغفرته.
وعلى ذلك:
فالصائم الصادق في صومه يحفظ فرجه ولا يزني.
والصائم الصادق يغض بصره ولا يتابع النظر لحرام.
والصائم الصادق لا يكذب ولا يغِش في بيعه، بل ويحرص على كسب الحلال ليكون مأكله ومشربه حلالا.
والصائم الصادق لا يرتشي ولا يأكل الربا ولا مال القمار.
والصائم الصادق في صومه لا ينافق أهل الرياسة ولا من بيدهم مقاليد الأمور بل يداوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والصائم الصادق يكف لسانه عن الكذب وعن شتم الناس وأذاهم خوفا من أن يضيع ثواب صيامه.
والصائم الصادق يجاهد نفسه عن الكبر والخيلاء والعُجب والرياء والتسميع.
والصائم الصادق في صومه لا يرفع سلاحا ولا حديدا في وجه إخوانه المسلمين.
والصائم الصادق لا يظن في إخوانه المؤمنين إلا خيرا.
والصائم الصادق لا يظلم الناس بقول أو عمل ولا بدعوى باطلة يرفعها على إخوانه ظلما وجورا.
والصائم الصادق يجعل من رمضان فرصة لصلة الرحم، وبذل المعروف وفعل الخير والإكثار من الطاعات وتلمس ذوي الحاجات.
والصائم الصادق لا يجعل من رمضان فرصة لإحياء ليالي الرقص أو الغناء، وكأن رمضان في النهار وليس في الليل كذلك، فرمضان فرصة لإحياء ليالي رمضان بالصلاة والذكر والدعاء والاستغفار، دعاء الله تعالى ورجاء نصره للإسلام المسلمين وتحرير ديارهم ومقدساتهم.
والصائم الصادق يحب أن يشيع الخير في المسلمين، وتاج الخير كله تطبيق شرع الله في الأرض بعودة المسلمين جماعة واحدة على إمام قائد واحد.
والصائم الصادق عندما تجوع بطنه يتذكر عقلُهُ إخوانَه فقراءَ المسلمين الذين ينامون أكثر أيامهم جوعى لظلم الأنظمة التي يعيشها الناس.
والصائم الصادق لا يفهم رمضان بأنه شهر الجوع والعطش ، بل يفهم أن رمضان هو شهر الطاعة والانقياد وحمل النفس على تعظيم حرمات الله بدل تعظيم شهوات البدن.
والصائم الصادق يفهم رمضان بأنه شهر النصر الذي به تمت أعظم الانتصارات، فيتجدد في النفس مع رمضان الشوق لأيام العزة والنصر وفي هذا تصحيح للميول التي اعوجت وللنفوس التي هانت.
والصائم الصادق يتذكر كل لحظة مفارقَتَه لهذه الحياة الدنيا فلا يأكل حراما ولا يمشي في حرام، ولا يجامل في حرام.
فالصائم الصادق مع الله تعالى يغتنم رمضان فرصة ذهبية ليجدد إيمانه وتوبته مع الله تعالى، ويجعل ذلك فرصة له ليُقوِّم نفسه وينظم غرائزه وليعالج طباعه. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول « الصِّيَام جُنَّة وَوِجَاء »
يقول ابن كثير واصفا أثر الصوم: (لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاة النُّفُوس وَطَهَارَتهَا وَتَنْقِيَتهَا مِنْ الْأَخْلَاط الرَّدِيئَة وَالْأَخْلَاق الرَّذِيلَة . . . لِأَنَّ الصَّوْم فِيهِ تَزْكِيَة لِلْبَدَنِ وَتَضْيِيق لِمَسَالِك الشَّيْطَان)
فالصوم ومعه الصلاة وقراءة القرآن وحضور المساجد، الأصل أن تثير هذه الأمور كلها عند اجتماعها، التأملَ في آيات الله تعالى والتدبرَ في مخلوقاته، فيأخذ ذلك المسلم على الصبر على الأذى، وترويض النفس على طاعة الله تعالى والانقياد له. لذلك جاء في الحديث عن أجر الصيام (الصوم لي وأنا أجزي به) رواه البخاري.
هذا كله من جهة المسلم الفرد وأثر الصيام على غرائزه وشهواته، وما يشكله الصوم من مفاهيم متعلقة بتقوى الله تعالى تمنع المسلم من المعصية، لكن هناك في رمضان عاملٌ مكمِّل آخر وهو أن هذه العبادة هي عبادة جماعية يباشرها المسلمون جميعا مما يولد شعورا لدى الجماعة اتجاه هذه العبادة باحترامها وإجلالها وإجلال كل ما تتطلبه، وفي نفس الوقت إنكار كل ما يخدشها ويشوش عليها، فينعكس هذا الشعور على الفرد إيجابا، مما يشجعه على الدخول مع الناس في هذه العبادة، وإذا أضفنا لهذا الشعور، الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أوجبه الله تعالى على المسلمين فإن الصوم كعبادة يباشرها الناس يكون لها أثرٌ بالغ مهم على النفوس وعلى تهذيب النفوس.
على أن هنالك عاملا كبيرا أمر به الإسلام لا بد منه لتحقيق أجواء الصيام كاملة، لا بد منه ليمنع الفسّاق من المس بحرمة هذا الشهر الكريم، ولا بد منه ليحقق هذا الشهر أثره الطيب في معالجة دوافع النفس، وفي كفها عن الحرام ، ورضاها بالحلال، هذا العامل هو السلطان أي الدولة ودورها في تعليم المسلمين ودورها في توجيههم ودورها في معاقبة المقصرين منهم، ليكتمل المشهد وتتحقق صورة الخير كاملة، ليس في رمضان فقط بل في كل وقت وكل زمان.
   
زياد (ابو محمود )
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

معارك رمضان
فتح عمورية
عندما نتحدث عن الفتوحات الإسلامية عبر العصور فإن أكثر ما يلفت انتباهنا ذلك الفتح العظيم ألا وهو فتح عمورية ـ فتح الفتوح ـ الذي ينبغي أن يكون في ذاكرة كل مسلم لِما له من أهمية تُلهِب الحماس وتُشعِر المسلمَ بالعزة والكرامة وتحيي الأمل في النفوس ونحن إذ نستذكر هذا الفتح العظيم نستذكر معه أيضا حال الأمة الإسلامية اليوم نستذكر ما جرى وما يجري في بلاد المسلمين بعد هدم دولة الإسلام من قتل للرجال والنساء والأطفال وهتك لأعراض المسلمات ونهب للثروات في كل من العراق وأفغانستان على أيدي الصليبيين الجدد وفي فلسطين على أيدي أبناء القردة والخنازير وفي الشيشان على أيدي الملاحدة الروس وفي البوسنة على أيدي الكفار الصرب وفي كشمير على أيدي الهنود عَبَدَةِ البقر ( نستذكر كل هذا ونقارن بين موقف المعتصم تجاه حادثة بسيطة إذا ما قورنت بما يحدث للمسلمين اليوم على أيدي الأعداء وبين موقف أنظمة الجَوْر والفجور حيال المصائب التي تلحق بالأمة على أيدي الأعداء الكفار فشتّان بين هذا وذاك).
أنا لا أتحدث في هذا الموضوع عن قصة خيالية أو أسطورة من الأساطير القديمة أو عن حكاية شعبية تجذب القراء والمستمعين بل أتحدث عن حقيقة سُطّرت في جنبات التاريخ بصحائف من نور ففي السادس من رمضان عام 223هـ الموافق 31 يوليو 838م لبّى المعتصم نداء الاستغاثة وفتح عمورية معقل البيزنطيين ليضيف إلى ذاكرة التاريخ وإلى صحائفه حدثا عظيما وذكرى عظيمة من أحداث وذكريات الأمة الإسلامية في ظل الدولة الإسلامية وفي ظل الخلافة .
ومن أخبار هذا الفتح ما أورده أحد المؤرخين: أن صاحب عمورية من ملوك الروم كانت عنده شريفة من ولد فاطمة رضي الله عنها، مأسورة في خلافة المعتصم بن الرشيد فعذبها فصاحت الشريفة فعذبها، فصاحت الشريفة : وامعتصماه ، فقال لها الملك : لا يأتي لخلاصك إلا على أبلق – فرس فيه سواد وبياض – فبلغ ذلك المعتصم فنادى في عسكره بركوب الخيل البلق ، وخرج وفي مقدمة عسكره أربعة آلاف أبلق ، وأتى عمورية وفتحها ، وخلص الشريفة وقال : ( اشهدي لي عند جدك أني أتيت لخلاصك ، وفي مقدمة عسكري أربعة آلاف أبلق ) .
ومن إخبار هذا الفتح ـ كما يذكر ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ ـ إن الإمبراطور "تيوفيل" البيزنطي انتهز فرصة انشغال المعتصم في مطاردة الخرميين (أتباع بابك الخرمي ) وأغار على الحدود الإسلامية وهاجم مدينة زبطرة وهي أقرب الثغور الإسلامية إلى بلاد الروم فأحرقها وخرّبها وقتل رجالها وسبى نساءها وأطفالها وغضب المعتصم لهذا الحادث خصوصا وأنه كان يعتز بهذه المدينة لأنها كانت مسقط رأس والدته ويضيف ابن الأثير أن امرأة هاشمية أخذت تصيح عندما وقعت في أسر الروم "وامعتصماه" !
فلما بلغ خبرها المعتصم قال:( لبيك يا أختاه ) وصاح في قصره النفير النفير، وأقسم بالله بأن ينتقم من الروم وأن يخرب مدينة عمورية مسقط رأس والدة الإمبراطور البيزنطي وأهم مدينة في الأناضول ثم جمع المعتصم جيشا كبيرا تولى قيادته بنفسه ويقال إن اسم عمورية كان منقوشا على درع كل جندي من جنود المسلمين وتقدم المعتصم بجيش مجهز جهازا لم يجهِّز مثله قبله خليفةٌ قطّ رغم إن مستشاريه نصحوه بألاّ يذهب لحرب البيزنطيين فإنه إنْ ذهب سيُهزَم ولكنه أصر على الذهاب والقتال وتقدم بجيشه حتى التقى بجيش "تيوفيل" فهزمه وخرب مدينة أنقرة ثم حاصر مدينة عمورية التي تقع بجوار أنقرة وبعد حصار شديد تمكن المعتصم من اقتحام المدينة عَنوةً وتخريبها وأسْرِ من فيها وهكذا انتقم المعتصم من الروم على ما فعلوه في زبطرة وكان انتقاما رائعا وصفه الشاعر أبو تمام في القصيدة التي مطلعها :
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
رمى الله بُرجَيْها فهدَّمها ولو رمى بك غير الله لم تصب
خليفة الله جازى الله سعيك عن جرثومة الدين والإسلام والحسب

إن هذا الفتح العظيم كان تلبية لنداء استغاثة … كان بسبب امرأة مسلمة لُطِمَتْ على خدها كفّاً واحدا قالت :"وامعتصماه" !
وعمورية في تركيا والمعتصم في العراق حيث الخلافة .. لم يسمع المعتصم نداء هذه المرأة المكلومة على شاشات التلفاز وسائر وسائل الإعلام لم يرها تذبح أو يُشقُّ بطنُها لم تُمسَك من شعرها وتسحب على الأرض لم يقتل أطفالُها أمامها لم يتم اغتصابها … إنما لُطِمَت كفّاً واحدا على خدها لأنها وقعت في الأسر .. قالت:" وامعتصماه "عَرَفَتْ بمن تستغيث بالإمام الْجُنَّةِ الذي يقاتَل من ورائه ويُتَّقى به ولأجلها جهز جيشا وسار لفتح عمورية وفي شهر رمضان كانت الواقعة وكان الفتح وكان النصر المبين أعاد للمرأة المسلمة كرامتها ومكانتها لأن كرامة ومكانة تلك المرأة من كرامة ومكانة الأمة ..لبى نداء الاستغاثة لبيك يا أمة الله وفك أسرها قائلا: لها اشهدي لي عند جدك إنني...
فمَنْ لنساء المسلمين اليوم من للثكالى مَنْ لليتامى من للمستنجدين والمستغيثين من لهؤلاء الذين يذبحون ويقتلون من آلاف النساء اللواتي اعتدي عليهن من قبل الكفار وكم من نداء استغاثة وكم من طلب نجدة سمعناه ولا مغيث ولا مجيب
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ألا يلهب فيكم هذا الحدثُ العظيم وهذا الفتح المبين –أيها المسلمون ألا يلهب فيكم المشاعرَ والأحاسيس ويدفعكم إلى التفكير والعمل من أجل التغيير تغييرا للحال الذي يغني عن المقال وأن تتَوحدوا تحت قيادة واحدة وراية واحدة وهي راية لا اله إلا الله محمد رسول الله هذه الراية هي وحدها التي لها النصر والتمكين وبغيرها ترى الناس يتسكعون عن الشمال وعن اليمين. ونحن إذ نعيش أياما مباركة من هذا الشهر الفضيل شهر رمضان شهر الخير والنصر شهر التضحيات والبطولات نذكركم أيها المسلمون بهذا الفتح العظيم ليكون لكم نبراسا … نعيد إلى أذهانكم شيئا من ماضي الأمة المشرف لكي تقارنوه بحاضرها المحزن الخزي المذل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
الموافق 19 أيلول 2007م    
أبو انس جرادات
سعير / الخليل
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أول نصر للمسلمين على الصليبيين


في السادس من شهر رمضان عام 532هـ الموافق 17 مايو 1138م، حدث أول نصر للمسلمين على الصليبيين بقيادة عماد الدين زنكي شمال الشام بحلب.
وقد ذكر صاحب كتاب الكامل تحت باب
ذكر وصول ملك الروم إلى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين
قد ذكرنا سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة خروج ملك الروم من بلاده واشتغاله بالفرنج وابن ليون، فلما دخلت هذه السنة وصل إلى الشام وخافه الناس خوفاً عظيماً، وقصد بزاعة فحصرها، وهي مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب، فمضى جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي وهو يحاصر حمص، فاستغاثوا به واستنصروه، فسير معهم كثيراً من العساكر، فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من الروم إن حصروها.
ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة، ونصب عليها منجنبقات، وضيق على من بها فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب، ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر وسبى. وكان عدة من جرح فيها من أهلها خمسة آلاف وثمانمائة نفس، وتنصر قاضيها وجماعة من أعيانها نحو أربع مائة نفس.
وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام يتطلبون من أختفى، فقيل لهم: إن جمعاً كثيراً من أهل هذه الناحية قد نزلوا إلى المغارات، فدخلوا عليهم، وهلكوا في المغاور.
ثم رحلوا إلى حلب فنزلوا على قويق ومعهم الفرنج الذين بساحل الشام، وزحفوا إلى حلب من الغد في خيلهم ورجلهم، فخرج إليهم أحداث حلب، فقاتلوهم قتالاً شديداً، فقتل من الروم وجرح خلق كثير، وقتل بطريق جليل القدر عندهم، وعادوا خاسرين، وأقاموا ثلاثة أيام فلم يروا فيها طمعاً، فرحلوا إلى قلعة الأثارب، فخاف من فيها من المسلمين، فهربوا عنها تاسع شعبان فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا، فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر إلى الأثارب، فأوقع بمن فيها من الروم، فقتلهم، وخلص السبي والأسرى وعاد إلى حلب.
وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة، وأقام جريدة ليتبع الروم ويقطع عنهم الميرة، وأما الروم فإنهم قصدوا قلعة شيزر، فإنها من أمنع الحصون، وإنما قصدوها لأنها لم تكن لزنكي، فلا يكون له في حفظها الاهتمام العظيم، وإنما كانت للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني، فنازلوها وحصروها، ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقاً، فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده، فسار إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها، بينها وبين حماة، وكان يركب كل يوم ويسير إلى شيزر هو و عساكره ويقفون بحيث يراهم الروم، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم.
ثم إنه أرسل إلى ملك الروم يقول له: إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال، فأنزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم، وإن ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها. ولم يكن له بهم قوة وإنما كلن يرهبهم بهذا القول وأشباهه، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بمصافته،وهونوا أمره عليه، فلم يفعل، وقال: أتظنون أنه ليس له من العسكر إلا ما ترون ؟إنما هو يريد أن تلقوه فيجيئه من نجدات المسلمين ما لا حد له.
وكان زنكي يرسل أيضاً إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه، فلو فارق مكانه لتخلوا عنه، ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول لهم :إن ملك بالشام حصناً واحداً ملك بلادكم جميعاً؛ فاستشعر كل من صاحبه، فرحل ملك الروم عنها في رمضان، وكان مقامه عليها أربعة و عشرين يوماً، وترك المجانيق و آلات الحصار بحالها، فسار أتابك زنكي يتبع ساقة العسكر، فظفر بكثير ممن تخلف منهم، وأخذ جميع ما تركوه.
ولما كان الفرنج على بزاعة أرسل زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن قاسم الشهرزوري إلى السلطان مسعود يستنجده، ويطلب العساكر، فمضى إلى بغداد، وانهى الحال إلى السلطان، وعرفه عاقبة الإهمال، وأنه ليس بينه و بين الروم إلا أن يملكوا حلب و ينحدروا مع الفرات إلى بغداد، فلم يجد عنده حركة، فوضع إنساناً من أصحابه، يوم جمعة، فمضى إلى جامع القصر، و معه جماعة من رنود العجم، وأمر أن يثور بهم إذا صعد الخطيب المنبر، ويصيح و يصيحوا معه: وا إسلامه، وا دين محمداه ! ويشق ثيابه، ويرمي عمامته من رأسه، ويخرج إلى دار السلطان والناس معه يستغيثون،كذلك ووضع إنساناً آخر يفعل بجامع السلطان مثله. فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل ولطم رأسه، وألقى عمامته وشق ثوبه، وأولئك معه، وصاحوا، فبكى الناس وتركوا الصلاة، ولعنوا السلطان، وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان فوجدوا الناس في جامع السلطان كذلك، وأحاط الناس بدار السلطان يستغيثون ويبكون، فخاف السلطان، فقال أحضروا إلي ابن الشهرزوري، فأحضر، فقال كمال الدين :لقد خفت منه مما رأيت، فلما دخلت عليه قال لي :أي فتنة أثرت ؟فقلت ما فعلت شيئاً. أنا كنت في بيتي، وإنما الناس يغارون للدين والإسلام، ويخافون عاقبة هذا التواني، فقال: اخرج إلى الناس ففرقهم عنا واحضر غداً واختر من العسكر من تريد، ففرقت الناس وعرفتهم ما أمر به من تجهيز العساكر وحضرت من الغد إلى الديوان، فجهزوا لي طائفة عظيمة من الجيش ن فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل أعرفه ذلك، وأخوفه من العسكر إن طرقوا البلاد، فإنهم يملكونها، فأعاد الجواب يقول: البلاد لا شك مأخوذة فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون.
فشرعنا في التحميل للرحيل، وإذ قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر برحيل ملك الروم ويأمرني بأن لا استصحب من العسكر أحداً، فعرفت السلطان ذلك فقال: العسكر قد تجهز، ولابد من الغزاة إلى الشام، فبعد الجهد وبذل الخدمة العظيمة له ولأصحابه أعاد العسكر.
ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء أتابك زنكي وأكثروا، فمن ذلك ما قاله المسلم بن خضر بن قسيم الحموي من قصيدة أولها :
بعزمك أيها الملك العظيم ... تذل لك الصعاب وتستقيم
ومنها :
ألم تر أن كلب الروم لما ... تبين أنه الملك الرحيم
فجاء يطبق الفلوات خيلاً ... كأن الجحفل الليل البهيم
وقد نزل الزمان على رضاه ... ودان لخطبه الخطب العظيم
فحين رميته بكفي خميس ... تيقن أن ذلك لا يدوم
وأبصر في المفاضة منك جيشاً ... فأحرب لا يسير ولا يقيم
كأنك في العجاج شهاب نور ... توقد وهو شيطان رجيم
أراد بقاء مهجته فولى ... وليس سوى الحمام له حميم
وهي قصيدة طويلة
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أجهزة دولة الخلافة
معاون التفويض

وزراء التفويض هم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة والقيام بمسؤولياتها. فكثرة أعباء الخلافة وبخاصةً كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة، ينوء بحملها وحده، فيحتاج إلى من يعاونه في حملها، والقيام بمسؤولياتها.
ولا يصح تسميتهم (وزراء) دولة تقيداً حتى لا يتلبس مدلول الوزير في الإسلام مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضيعة الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني.
ووزير التفويض أو معاون التفويض، هو الوزير الذي يعينه الخليفة ليتحمل معه مسؤولية الحكم والسلطان، فيفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاءها حسب اجتهاده وفق أحكام الشرع، فيقلده الخليفة عموم النظر والنيابة، أخرج الحاكم والترمذي عن أبي سيعد الخدري قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وزيراي في السماء جبريل وميكائيل ومن الأرض أبو بكر وعمر".
وكلمة الوزير في الحديث تعني المعين والمساعد الذي هو المعنى اللغوي وقد استعمل القرآن الكريم كلمة (وزير) بهذا المعنى اللغوي قال تعالى: {وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي }طه29، أي معيناً ومساعداً، وكلمة(وزير) في الحديث مطلقة تشمل أي معرفة، وأية مساعدة في أي أمر من الأمور ومنها إعانة الخليفة في مسؤولية الخلافة وأعمالها، وحديث أبي سعيد ليس مختصاً بالمعاونة في الحكم، لأن جبريل وميكائيل وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء لا علاقة لهما بمعاونته في مسؤولية الحكم وأعماله، لهذا فإن كلمة "وزيراي" في الحديث لا تدلّ إلاّ على المعنى اللغوي الذي هو معينان لي ويفهم من الحديث جواز تعدد المعاونين.
ومع أن أبا بكر وعمر لم يظهر عليهما القيام بأعباء الحكم مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلاّ أن جعلهما وزيرا له، يجعل لهما صلاحية معاونته في كل شيء دون تحديد، بما فيه شؤون الحكم وأعماله، وقد استوزر أبو بكر بعد أن تولى الخلافة عمر بن الخطاب معاوناً له، وكانت معاونته له ظاهرة.
وبعد أن تولى الخلافة عمر بن الخطاب، كان عثمان وعلي معاونين له، ،إلاّ أنه لم يكن يظهر أن أيّاً منهما كان يقوم بأعمال المعاونة لعمر في شؤون الحكم وكان وضعهما أشبه بوضع أبي بكر وعمر مع الرسول صلى الله عليه وسلّم، وفي أيام عثمان كان علي ومروان بن الحكم معاونين له، إلاّ أن عليّاً كان مبتعداً لعدم رضاه عن بعض الأعمال، لكن مروان بن الحكم كان ظاهراً قيامه بمعاونة عثمان في أعمال الحكم.
وإذا كان معاون التفويض وزير صدق فإنه يكون ذا نفع كبير للخليفة حيث يذكره بكل خير ويعينه عليه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه". ومن دراسة عمل المعاون على عهد رسول الله صلى الله ليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين نجد أن المعاون يمكن أن يكلف في مسائل معينة يكون له عموم النظر فيها، أو في كل المسائل بعموم النظر فيها، وكذلك يمكن أن يعيّن في مكان يكون له عموم النظر فيه، أو في عدة أمكنة بعموم النظر فيها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة"، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر على الحج، وهما وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يكلفان بعموم النظر والنيابة كما تقتضيه وزارة التفويض، وكان عمر بن الخطاب ظاهرة ًمعاونته لأبي بكر لدرجة أن قال بعض الصحابة لأبي بكر لا ندري أعمر الخليفة أم أنت، ويستفاد من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده وأن المعاون يقلّد عموم النظر والنيابة ولكن يجوز أن تخصّص المعاون بمكان أو عمل، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أبي بكر وعمر، وكما فعل أبو بكر مع عمر، كأن يولي معاوناً لمتابعة الولايات الشمالية وآخر لمتابعة الولايات الجنوبية ويجوز أن بعض الأول موضع الثاني والثاني موضع الأول، ويصرف هذا إلى العمل الفلاني وذاك إلى عمل آخر على الوجه الذي تقتضيه معاونة الخليفة ولا يحتاج إلى تقليد جديد بل يصح هنا نقله من عمل لآخر لأنه مقلّداً أصلاً عموم النظر والنيابة فكل هذه الأعمال ضمن تقليده معاوناً. ويختلف المعاون عن الوالي: فالوالي مقلد عموم النظر في مكان ولا ينقل إلى غيره بل يحتاج إلى تقليد جديد؛ لأن المكان الجديد ليس داخلاً في التقليد الأول، المعاون مقلّد في عموم النظر والنيابة فيجوز نقله من مكان إلى آخر دون حاجة إلى تقليد جديد.


مما سبق يتبيّن أن الخليفة يقلد معاونه النيابة عنه في كل أرجاء الدولة مع عموم النظر في كل الأعمال، مع ذلك فله أن يكلفه بعمل معيّن مثلاً: هذا لولايات المشرق، وذلك لولايات المغرب وهكذا. تظهر ضرورة ذلك في حالة كون الوزراء أكثر من واحد حتى لا تتعارض أعمالهم.
وحيث أن حاجة الخليفة وبخاصة مع اتساع الدولة ستكون لأكثر من وزير وجعل عمل كل منهم في كل أرجاء الدولة سيوجد مشاكل في قيام الوزراء بعملهم؛ لاحتمال التداخل ما دام لكل منهم "عموم النظر والنيابة" لذلك فنحن نتبنى:
 من حيث التقليد: يقلّد المعاون عموم النظر والنيابة في كل أرجاء الدولة من حيث العمل يكلف المعاون بعمل في جزء من الدولة أي أن الولايات تقسم بين المعاونين فيكون هذا معاون لخليفة المشرق وذلك معاون لخليفة المغرب، وآخر معاوناً له في ولاية الشمال وهكذا.
 ومن حيث النقل: ينقل المعاون من مكان إلى آخر ومن عمل إلى آخر دون الحاجة إلى تقليد جديد بل بتقليده الأول، لأن أصل تقليده معاوناً يشمل كل عمل.

شروط معاون التفويض
يشترط في معاون التفويض ما يشترط في الخليفة أي أن يكون رجلاً، حراً، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، قادراً، من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أعمال، فعمل المعاون في الحكم تكون الأدلة أدلة الخليفة، قال عليه الصلاة والسلام:" لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".
وكذلك أن يكون حراً لأن العبد لا يملك نفسه، وأن يكون بالغاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"رفع القلم عن ثلاثة:عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ"، وأن يكون عدلاً قال تعالى:" وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ "، ويشترط أن يكون من أهل الكفاية حتى يتمكن من معاونة الخليفة في تحمل أعباء الخلافة ومسؤولية الحكم.
عمل معاون التفويض
هو أن يرفع إلى الخليفة ما يعتزمه من تدبير ثم مطالعة الخليفة لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد حتى لا يصير في صلاحياته كالخليفة فعمله أن يرفع مطالعته وأن ينفذ هذه المطالعة ما لم يوقفه الخليفة عن تنفيذها.
ووزير التفويض : هو نائب عن الخليفة فيما كلف به فلا يحق له أن يستقل عن الخليفة وليس معنى مطالعته استئذانه في كل جزئية من الجزيئات فالمطالعة هي مجرد عرض الأمر والمذاكرة وليس أخذ الإذن بالقيام بالعمل . وله أن ينفذ المطالعة ما لم يوقفه الخليفة عن تنفيذها ويجب على الخليفة أن يتصفح أعمال وزير التفويض وتدبيره للأمور ليقر منها الموافق للصواب ويستدرك الخطأ لأن تدبير شؤون الأمة موكول للخليفة ، ومحمول على اجتهاده هو لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإمام راع وهو مسئول عن رعيته" ومعاون التفويض ليس مسئولا عن الرعية بل مسئول فقط عما يقوم به من أعمال ومسؤولية الرعية إنما هي للخليفة نفسه.
فمن أجل هذين الأمرين القيام بالمسؤولية عن الرعية ، واستدراك الخطأ من وزير التفويض وجب على الخليفة أن يتصفح جميع أعمال المعاون فإذا دبر وزير التفويض أمراً وأقره الخليفة فإن له أن ينفّذه كما أقره الخليفة ليس بزيادة ولا نقصان، فالأصل هو رأي الخليفة فله أن يمضي عمل وزير التفويض وله ألحق أن يلغي عمل وزير التفويض لأن عمل وزير التفويض يعتبر عملاً للخليفة.
ويجوز لوزير التفويض أن ينظر في المظالم ويستنيب فيها لأن شروط المظالم فيه معتبره، ويجوز أن يتولى الجهاد بنفسه وأن يقلد من يتولاه لأن شروط الحرب فيه معتبره ويجوز له أن يستنيب في تنفيذ الأمور التي التي دبرها لأن شروط الرأي والتدبير فيه معتبره إلا أن ذلك لا يعني أن ما قام به وزير التفويض لا يصح للخليفة أن يلغيه ما دامت قد رفعت إليه بل معنا أنه يملك ما للخليفة من صلاحيات فيما كلّف من أعمال. ولكن بالنيابة عن الخليفة وليس بالاستقلال عنه فيجوز للخليفة أن يعارض المعاون ي رد ما أمضاه، وإلغاء ما قام به من أعمال. ولكن في حدود ما يجوز للخليفة أن يرجع عما يقوم به هو نفسه من أعمال. فإن كان المعاون قد نفّذ حكماً على وجهه أو وضع مالاً في حقه وجاء الخليفة وعارض المعاون في ذلك بعد التنفيذ فلا قيمة لمعارضته، بل ينفض عمل المعاون ويرد رأي الخليفة واعتراضه لأنه بالأصل رأيه وهو في مثل هذه الأحوال لا يصح له أن يرجع عن رأيه في ذلك أو يلغي ما تم تنفيذه فلا يصح أن يلغى عمل ما تم تنفيذه، فلا يصح أن يلغى عمل معاونه فيها، أما إن كان المعاون قد قلد والياً أو موظفاً أو قائد جيش أو غير ذلك من التقليد، أو كان قد وضع سياسة اقتصادية، أو خطة عسكرية، أو مخططاً للصناعة، أو ما شاكل ذلك، فإنه يجوز للخليفة أن يلغيه، لأنه وإن كان يعتبر رأي الخليفة ولكنه مما يجوز للخليفة أن يرجع عنه لو قام به هو نفسه، فيجوز له أن يلغي عمل نائبه فيه، ففي هذه الحال يجوز أن يلغي أعمال المعاون والقاعدة في ذلك هي:
 كل ما جاز للخليفة أن يستدركه من فعل نفسه جاز له أن يستدركه من فعل معاونه، وكل ما لم يجز للخليفة أن يستدركه من فعل نفسه لا يجوز له أن يستدركه من فعل معاونه.
 ولا يخصص وزير التفويض بأي دائرة من الجهاز الإداري كدائرة المعارف مثلاً لأن الذين يباشرون الأمور الإدارية أجراء وليسوا حكاماً، ووزير التفويض حاكم وليس بأجير فعمله رعاية الشؤون وليس القيام بالأعمال التي يستأجر الأجراء للقيام بها، ومن هنا جاء عدم مباشرته الأمور الإدارية. وليس معنى هذا أنه ممنوع من القيام بأي عمل إداري بل معناه أنه لا يختص بأعمال الإدارة بل له عموم النظر.
تعيين وزير التفويض وعزله
يعينه ويعزله الخليفة وعند وفاة وزير التفويض تنتهي ولايته، ولا يستمر في عمله إلا فترة الأمير المؤقت ثم يحتاج إلى تقليد جديد من الخليفة الجديد كي يستمر في عمله ولا يحتاج إلى قرار العزل لأن ولايته في حكم المنتهية بوفاة الخليفة الذي اتخذه وزيراً له.
   
عند خالد
نظام محمد
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نظرات في السور المكية
الحلقة الثانية
ملامح الصراع في مكة
الجزء الأول

الإخوة المستمعون الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نجدد معكم اللقاء في الحلقة الثانية من برنامج (نظرات في السور المكية)
كنا قد تحدثنا في الحلقة الأولى عن مدى الارتباط الوثيق بين القرآن المكي وبين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وكيف أننا لا يمكننا فهم السيرة في مكة إلا في ضوء الآيات التي تنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم آنذاك.
وضربنا مثالين على ذلك، أحدهما رفض النبي الكريم استعمال العمل المادي في مكة، والآخر حول الصدع بالدعوة والصِّدامّية مع رؤوس الكفر بمكة.
وإنه لحريٌّ بنا أن نتعرف على ملامح هذا الصراع الذي دار في مكة أكثر من عشر سنوات، لاقى فيها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابُه أشدَّ أنواع العذاب والتنكيل والسخرية والامتهان للكرامة، كل ذلك ليس إلا لأنه يدعو إلى دين جديد، فالدعوة لم تكن دعوةَ تاجر، يُلقي ببضاعته، قد تروج وقد لا تروج، بل كانت دعوة مغيِّرٍ رافضٍ لكل ما كان عليه مجتمع مكة من عقائد ومفاهيم وعلاقات ونظم.
وإنه من خير السور التي تُطلِعنا على طبيعة الدعوة في مكة، وطبيعة الصراع فيها، سورة الأنعام.
فسورة الأنعام هي إحدى السور المكية الطويلة التي يظهر فيها جلياً أنها تضمنت كافة المواضيع والشؤون التي تقتضيها الدعوة في مراحلها قبل إقامة الدولة. فهي لم تَعْرِضْ لشيء من الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي، فلم تذكر شيئاً عن نظام الإسلام ولا عن النظام الاقتصادي ولا عن نظام العقوبات، ولا عن أحكام الأسرة والأحوال الشخصية بل لم يرد فيها أي أمر من أحكام العبادات كالصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحج، كما أنها لم تتعرض لعلاقات المسلمين بغيرهم ولا لأحكام الجهاد وقتال الكفار، ولا لقتال الخارجين على الدولة أو المرتدين فهي بحق سورةُ دعوةٍ كغيرها من السور المكية، إلا أنها امتازت عن غيرها بشمولها كافّةَ المواضيع التي يحتاجها الداعية. ففي الوقت الذي تفنِّد فيه آراءَ الخصوم، وتبين فساد عقائدهم وتدحض حججهم بالعقل والبرهان الساطع تثبت صدق العقيدة الإسلامية، ووضوح أفكار الإسلام المنزلة لمخاطبة قوى الإنسان العاقلة فهي تقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. كما أنها تناولت فساد العلاقات القائمة في المجتمع المكي وبينت بطلانها، كما بينت ما يلاقيه حامل الدعوة من مشاقَّ وما يتعرض له من أذى مبينةً ذلك بذكر خليل الله إبراهيم وبعض أبنائه.
باختصار لقد تناولت السورة الكريمة القضايا الأساسية في الدعوة وهي :
(قضية الألوهية) ، (قضية الوحي والرسالة) ، (قضية البعث والجزاء) ، (قضية الرد على الكفار والمشركين) كما أنها تناولت (مفاسد المجتمع المكي) و (قضايا التحليل والتحريم) .
ومما يلفت النظر في السورة الكريمة أنها عَرَضَتْ لأسلوبين بارزين لا نكاد نجدهما بهذه الكثرة في غيرها من السور هما: (أسلوب التقرير) و (أسلوب التلقين)

أما أسلوب التقرير : فإن القرآن يعرض الأدلة المتعلقة بالتوحيد، والدلائل المنصوبة على وجوده وقدرته، وسلطانه وقهره، في صورة الشأن المسلَّم به، ويضع لذلك ضمير الغائب عن الحسن الحاضر في القلب الذي لا يماري فيه قلب سليم ولا عقل راشد في أنه تعالى المبدع للكائنات صاحب الفضل والإنعام. فيأتي بعبارة (هو) الدالة على الخالق المدبر {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ} الأنعام 2، {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} الأنعام 3، { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ } الأنعام 60، { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } الأنعام 18، { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ } الأنعام 73، وهكذا ..

أما الأسلوب الثاني -أسلوب التلقين- فإنه يظهر جلياً في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم تلقين الحجة ليقذف بها في وجه الخصم بحيث تأخذ عليه سمعَه، وتملك عليه قلبه فلا يستطيع التخلص أو التفلُّتَ منها، ويأتي هذا الأسلوب بطريق السؤال والجواب، يسألهم ثم يجيب. استمع إلى الآيات الكريمة {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } الأنعام 12 ، { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم } الأنعام 19، {قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم مَنْ إله غير الله يأتيكم به } الأنعام 46، {وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون} الأنعام 37

وإننا إذا حلقنا في ظلال السورة الكريمة، يمكننا أن نستقريء أهم ملامح هذا الصراع الذي كان دائراً في مكة، صراعٍ يقوم على النقاش والحجة، فمن كانت حجته بالغة قاطعة فقد انتصر.
ومن المهم إدراكه أن هذا النقاش لم يكن من أجل الترف العلمي أو الفكري، أو نفخ الصدور غروراً وكبرياءً، بل كان نقاشاً في سياق الصراع بين الحق والباطل، نقاشاً تفضي نتيجته إلى نصر أو هزيمة، نقاشاً للأقوى فيه الحق بأنْ يُقَرِّعَ الخصوم ويحاسبهم بعد أن يقيم عليهم الحجة البالغة والبرهان القاطع.
وفي هذا الصراع نجد ما يلفت النظر إلى كيفيةِ إقامةِ نقاشٍ يستندُ إلى حجةٍ تشدخُ رؤوسَ الخصومِ، فهو قد نَعَى عليهم العقائد الباطلة، وفَرَض المقاييس الصحيحة وضَرَبَ المفاهيم والعلاقات الفاسدة.

ففي حرب الآيات لعقائد الكفار نجده تبارك وتعالى يفتتح السورة بإقرارٍ لم تنكره مكة، ذلك في قوله تعالى : {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} لقد أقرت مكةُ بأن الله هو الخالق تبارك وتعالى، وهو هنا يقر تلك الحقيقة ليبدأ بقصفهم بما ناقضوا فيه أنفسهم، اسمع قوله تبارك وتعالى : {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} هذه الحقيقة التي أقروها، الله هو خالق السموات والأرض، الله هو الذي سخر الشمس والقمر، فمقاليد الكون بيده سبحانه، وهذا الإقرار يدل على أنه في الصراع والنقاش لا بد من قاعدة مشتركة بين الخصوم، يستندون إليها في خلافهم، ولو كان كل خصم يأتي بما لديه دونما قواعدَ مشتركةٍ للنقاش لصار النقاش أجوفَ لا طائل منه.
فالسورة الكريمة أول ما أقرت، أقرت حقيقة لا ينكرها كفار مكة، فصارت هذه الحقيقة بمثابة القاعدة المشتركة التي سينطلق القرآن منها ليثبت صحة ما يتنزل من الله، وبطلان ما يزعمون.
فما دمتم قد أقررتم بأن الله خالق السموات والأرض فلم تُكذِّبون ما جاء به محمد من كلام الحق تبارك وتعالى؟ {فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ} الأنعام 5، بل إنهم زعموا أن هذا القرآن أساطيرُ أوَّلين، {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} ثم يعود تبارك وتعالى فيقرر عقائدَ مبنية على هذه الحقيقة التي لم ينكروها، يقول تعالى : {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)} ويقول: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)} فهذه الآيات وغيرها في سورة الأنعام تناولت عقائدَ إن كذبوها ناقضوا أنفسهم، فهم يشهدون أن الله خالق السموات والأرض وأنه مُسَخِّرُ الشمس والقمر، فلِمَ ينكرون أنه القاهر فوق عباده، ولم ينكرون أن هذا كلامه، إن أنكروا ثبتت جهالتهم، والتصقوا بخطيئتهم.
ثم نجده بعد إثبات الحقيقة يُقرِّعهم على إدبارهم عنها، فها هو يقول : {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} ويقول { قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
لقد حاربت الآية تكذيبهم لعقيدة الحق، واضطرتهم الآيات إلى ركن الجدار، فهم الذين أقروا بأن الله الخالق، ثم هم الذين لم يذعنوا لهذا الإقرار، فراحوا يصفون قول الله بأنه أساطير أولين، فحينها يكون التقريع، والتوعد بالعذاب الأليم.
هذا مَعْلَمٌ مهمٌ من معالم الصراع، إنها العقيدة الحقّة، إنها الحرب على عقائد الكفر والضلال وإثبات عقيدة الحق، بما يقطع دابر الخصوم.
ولعلنا اليوم لسنا ببعيدين عن هذا الصراع العقدي، كانوا في مكة يكذبون كلام الله، وينكرون حاكمية الله مع أنهم أقروا بأنه الخالق. ألا ترى أخي المستمع الكريم أن واقعنا المعاصر فيه ما يشبه ذلك، بالأمس في مكة صنعوا أصنامهم من الحجارة أو من التمر، ولكن اليوم يصنعون آلهة الضلال من شيء أسمَوْه (الديمقراطية) فصارت إلهاً يُعبَد من دون الله.
إن الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطية هو أن السيادة للشعب، أي أن الشعب هو الذي يضع دستوره ويضع قوانينه، فالهيئة التأسيسية تضع الدستور، ومجلس النواب يضع القوانين. شريطة أن يكون الأساس في التشريع حريةَ الإنسان. ويكون الخضوع المطلق للدستور والقانون، أي أن هذه المؤسسة التشريعية هي الإله الذي يأمر فيُطاع، يجيز ويمنع، بموجب كتابه المقدس المسمى (الدستور والقانون)، وما على الناس إلا إعلان الطاعة والعبودية والتقديس لهذا الإله الجديد. هذه هي الديمقراطية، وهي ليست كما يحاولون تصويرها، والتي يتبرّك بها الناس كأنها المُنقِذ ومفتاح السعادة، إنها ليست حكم الأكثرية كما يدّعون، بل هي حكم الأقلية، ولنفرض أنها حكم الأكثرية، فإن ذلك لا يعني أنها حق، يقول تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ} ، الأنعام 116، كما أنها لا تقوم على الشورى كزعم بعضهم، بل إن الشورى ليست نظامَ حكم ولا نظام اقتصاد ولا نظام اجتماع، إنما هي أسلوب يستعمله كل إنسان حين يَحْزُبه أمر، أو حين يحتار في مسألة لمعرفة الرأي الصواب في تلك المسألة، يلجأ إلى من يظن أن عنده الرأي الصائب، سواء أكان الرأي المطلوب تشريعيا أو فقهيا أو علميا أو فنيا، فالعودة إلى ذوي الاختصاص، فلا عبرة في الأكثرية أو الأقلية.
هذا هو إله عصرنا، الديمقراطية، بالأمس كانت الأصنام، واليوم رأي الأكثرية وكما تصدى النبي والصحابة الكرام بالأمس لآلهة قريش المزعومة، وجب علينا أن نتصدى اليوم لإله العصر المزعوم، وما أشبه أدعياء اليوم بأدعياء الأمس وهم يُقِرُّون بأن الله خالق كل شيء، ثم لا يقبلون منه أمراً ولا نهياً، ولا يجعلون الحاكمية له، بل يجعلونها للعقل البشري الذي يعجز عن ضبط نفسه، فكيف به سينظم أمور الحياة كلها.
ومن الجدير بالذكر ما يلاحظ بين الحين والآخر قيام الإله (المشرع) بتعديل المادة الفلانية من القانون أو من الدستور لأنه ثبت لديه فسادها وبطلانها، ثم يجري بعد التعديل تعديل ثم بعد التعديل تبديل، أفلا يعني ذلك أن الناس كانوا يعالجون مشكلتهم علاجا خاطئاً.
ولنتبصر أخي المستمع الكريم كيف نبذ إبراهيم عليه السلام ربوبية الكوكب وربوبية القمر وربوبية الشمس لأنها لا تصلح أن تكون إلهاً يشرِّع للناس قوانينَهم، وينظم للناس علاقاتهم.

حقاً، ما أشبه جاهلية اليوم بجاهلية الأمس مع تباين الادعاءات والأباطيل.
وفي صراعنا اليوم مع آلهة الضلال، وجب علينا أن ننهج نهج القرآن، فنعمدَ إلى قاعدة مشتركة، ننتزع الإقرار عليها من الخصوم، ثم نبني عليها نقاشنا وصراعنا.
فما دمتم تُقرُّون بأن الله خالق كل شيء، فلتلتزموا بتبعات ما أقررتم به ولا تملكون له إنكاراً أو دفعاً .

أما عن التصدي للمقاييس الرجعية:
فإن القرآن رفض الاحتكام إلى مقاييس مكة، وفرض عليهم مقاييس جديدة يقيسون عليها الأمور، انظر إلى قولهم: {وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} فهم يريدون أن يجعلوا نزول القرآن على ملك من الملائكة مقياساً للحكم عليه بأنه الحق، بل تمادَوْا فراحوا يطلبون شهادة أحدهم على صدق النبوة، وكأني بهم يريدون من النبي أن يأتيهم بواحد رفيع الشأن، سيد من الأسياد ليشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة، فقد روي أن رؤساء مكة قالوا يا محمد: (ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أَنْ ليس لك عندهم ذِكرٌ ولا صفة، فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم؟)
ولكن القرآن أفحمهم بالحجة البالغة ورفض مقياسهم هذا في الحكم على نبوة محمد عليه السلام، قال تعالى: { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} فهو هنا يضطرهم إلى مقياس جديد غير الذي زعموه، فهم قد أقروا بأن الله هو الخالق للسموات والأرض وهو المسخر للشمس والقمر، ولو أمعنوا الفكر قليلاً لوجدوا أنه أحق بأن تُصدَّقَ شهادتُه، فها هو يشهد أن هذا القرآن أوحي به إلى محمد، والله خير الشاهدين، ولما كان ديدنهم الكبرَ والبعد عن الحق كان الأمر الإلهيُ للنبي بالبراءة من شركهم كما جاء في الآية. وبهذا يكون قد فرض عليهم مقياساً جديداً للحكم، ألا وهو شهادة الله بهذا الوحي وهذه النبوة والرسالة، شهادة الله الخالق الذي أقروا بأنه سبحانه هو الخالق، بل وأقروا أنهم يعبدون الأصنام تقرباً إليه، قال تعالى: { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .
الإخوة المستمعون الكرام
كان هذان مَلْمَحيْن من ملامح الصراع في مكة، حرب العقيدة وحرب المقاييس.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نستأنف الإبحار في سورة الأنعام وفي غيرها لنرى كيف يكون التصدي للمفاهيم والعلاقات الفاسدة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قضايا في التعليم
"إعداد المعلم في الفكر التربوي الإسلامي"


للمعلم دور كبير في بناء الحضارات، لأن أعظم هبة يمكن أن تقدَّم للمجتمع؛ هي تعليم أبنائه، ولأن المعلم أمين على ما يحمل من علم كان لا بد له من إعداد يحافـظ على كرامته ووقاره، وهيبته ومكانته بين الناس لأن المعلم هو العامل الأساسي في نجاح العملية التعليمية.
وهو من أهم عناصر التعليم، لأن عناصر التعليم تفقد أهميتها إذا لم يتوفر المعلم الصالح الذي ينفث فيها من روحه فتصبح ذاتَ أثر وقيمة " قيل لأبي حنيفة رحمه الله: في المسجد حلقة ينظرون في الفقه" فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا، قال: لا يفقه هؤلاء أبدا.
وبعد استقراء الواقع ووضعه موضع التفكير، فلا بد من معرفة مشكلة الدراسة والتحديات والكفاءات المطلوبة التي تعترض إعداد المعلم، فالناظر في حال الأمة الإسلامية يلمح بوضوح أنواعا من الخلل قد انتظمت كافة مناحي الحياة وشرائح الأمة، سواء كان على الأداء السياسي، أم على الأداء الاقتصادي وكذلك التعليمي، حيث تدني مستوي التعليم والذي يرجع إلى ضعف القائمين على التعليم بشكل عام والمعلم بشكل خاص، فغياب الإعداد المسبق أدى إلى وجود أزمة في العملية التعليمية تستدعي تأهيل المعلمين للتدريس، لذا فليس كل أحد يصلح للتعليم، إنما يصلح من تأهب له وأُعِدَّ إعدادا طيبا فالإنسان لا ينتصب للتدريس إلا إذا كان أهلا لذلك، يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:" الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ "
المعلم المؤهل يتسم بعدة صفات منها:
• أن تكون نيته خالصة في أداء واجبه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ " أي أن لا يقصد المعلم دنياه فحسب بل والآخرةَ أيضا.
• أن يحمل همَّ الأمة، فالمعلم يتفاعل مع قضايا أمته كغيره من أفراد الرعية.
• أن يكون قدوةً لغيره لِما له من تأثير على غيره وخاصة على طلابه فهم مقلدون له.
• أن يكون بعطائه لا ينتظر الثناء.
• أن يراعيَ الفروق الفردية.
بعض التحديات التي تواجه المعلم:
• تحديات تتعلق بواقع تربية المعلم.
ومن هذه التحديات التي عمد الغرب على نشرها في المجتمع الإسلامي هو إعدام الهوية الإسلامية وذلك بسرقة الحضارة وتدميرها عند المسلمين، والخلط بين العلوم التجريبية والمعارف الثقافية، وأهم مظاهر سرقة الحضارة تجريد الأمة من لغتها حتى أصبح المعلم لا يجيد التحدث باللغة العربية لغة القرآن وكنتيجة لذلك أصبح ولاة الأمور في العملية التعليمية ليسوا أهلا لها مما أدى إلى ضعف في إعداد المعلم، وفي بناء شخصيات إسلامية.
• تحديات تتعلق باختيار المعلم.
إذا اختير على الوجه الذي تتطلبه المهنة، كان المعلم قويا مفكرا وناقدا، ولكن ما نراه الآن هو عدم إقبال الطلاب المتفوقين دخول كليات التربية (مهنة التعليم) مما أدى ذلك إلى تدني مستويات القبول في تلك الكليات، فعدم التقيد بأدبيات ومعايير القبول لاختيار المعلمين ينتج عنه ضعف المعلم، فلا بد من توفر شروط في المعلم وأوّلها الالتزام بالأخلاق الإسلامية وثانيها إتقان مهارة التعبير باللغة العربية الفصحى وثالثها اتساع ثقافته الإسلامية خاصة والعلمية عامة. هذا بالإضافة إلى الرغبة في العمل بمهنة التعليم والثبات الانفعالي والثقافة التكنولوجية والتي عزف عنها الطلاب لعدة أسباب منها:
1. احتقار المجتمع لمهنة التعليم وعدم تقديره لها.
2. القيود التي تضعها السلطات المسؤولة على كاهل المعلم.
3. تدني رواتب الموظفين في قطاع التعليم.
4. كثرة الأعباء الملقاة على المعلم..... وغيرها
• تحديات تتعلق بتزايد حملات الغزو الثقافي
ولكي يسيطر المعلم على هذا التحدي يجب أن يعمل على:
- مساعدة المتعلمين على التمسك بالعقيدة الإسلامية والعمل على تربيتهم تربية إسلامية.
- مساعدة المتعلمين على إدراك أن الدين الحنيف يستوعب جميع أنواع العلوم التقنية ومختلف عوامل المدنية طالما لا تتعارض مع الأحكام الشرعية.
- ترسيخ مجموعة من المعايير عند المتعلم لمقاومة البرامج المختلقة وتقييمها في وسائل الإعلام. فالمعلم يتحمل العبء الأكبر في هذا كله، فلا عودة لمهابة المسلمين ولا جمعا لشملهم ولا تحقيقا لتقدمهم إلا بالعودة إلى التربية الإسلامية التي تعمل على تحكيم شرع الله وإعادة عزهم ومهابتهم.
كفاءات المعلم في الفكر التربوي الإسلامي:
وتنقسم كفاءات المعلم إلى كفاءات علمية ومِهْنِيَّةٍ وأخلاقية وجسدية.
1. الكفاءات العلمية: ويقصد بها إلمام المعلم بتخصصه العلمي ومادته التدريسية وعلى المعلم ألا ينقطع عن التعليم وأن يداوم على البحث وتحصيل المعرفة؛ ولا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك التعليم فهو أجهل ما يكون.
2. الكفاءة المهنية:
ويقصد بها مهارات التدريس التي يجب توافرها في المعلم لكي يستطيع أن يؤدي عمله على أكمل وجه لتحقيق أهدافه التربوية. ومن هذه المهارات:
(أ) استثارة الدافعية عند التلاميذ فيرغّبهم في العلم ويذكّرهم بما أعد الله للعلماء من منازل وأنهم ورثة الأنبياء وعلى منابر من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء.
(ب) مراعاة الفروق المهنية: فلا ينبغي للمعلم أن يشرك الطالب عاليَ التحصيل مع متدني التحصيل وذلك لاختلاف قدرة كل منهما، ففي ذلك عدم إنصاف. فعليه مخاطبتهم على قدر عقولهم".
(ج) طريقة التدريس: بأن لا ينقلهم من علم إلى علم حتى يحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم. فالعلم هو ( ما حوته الصدور لا ما طوته السطور)
(د) إدارة الصف: وهي مهارة يجب أن يتمتع بها المدرس حتى يستطيع تحقيق أهدافه في أحسن جو وأن يصون مجالس درسه من الغوغاء واللغط وسوء الأدب.
(هـ) الثواب والعقاب: وضع الإسلام للعقاب ضوابط حتى لا يساء استخدامه من قبل المعلم وأن لا يلجأ للعقوبة البدنية إلا عند الضرورة القصوى. فالمعـلم ينزل من الصبيان منزلة الوالد، فهو الذي يوجههم إلى ما فيه مصلحة أنفسهم وهذا يحتاج إلى سياسة وكفاءة حتى يصل المعلم بالطفل مع الزمن إلى معرفة الخير والشر.
2. الكفاءات الأخلاقية: ومن الكفاءات الأخلاقية التي يجب توافرها في المعلم المسلم:
( أ ) القدوة: فعليه أن يكون قدوة حسنة لتلاميذه " أتأمرون الناس بالبر وتنسَوْن أنفسكم "، وإلا فالمعلم يفقد هيبته ويصبح مثارا للسخرية والاحتقار فيصبح عاجزا عن توجيههم وإرشادهم.
(ب) الزهد والتواضع: ويتمثل ذلك في أن يقتصد المعلم في ملبسه ومطعمه ومسكنه من غير ضرر على نفسه وعياله. وأن لا يستنكف أن يأخذ ما لا يعلمه ممن يعلمه سواء كان دونه منصبا أو نسبا أو سنا.
(ج) الوقار والهيبة: بأن يتجنب مواضع التهم وإن بعدت ولا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءته أو ما يُستنكَر ظاهرا وإن كان جائزا باطنا فإنه يعرّض نفسه للتهمة وعرضة للوقيعة. فلا يضحك مع الصبيان ولا يباسطهم لئلا تزول هيبته، فمشية المعلم يجب أن تكون مشية العلماء وأن ينزّه نفسه عن المهن الوضيعة مع إخلاصه في العمل ليكون رزقه حلالا.
3. الكفاءات الجسدية: من حيث المظهر المناسب والصحة، فالمدرس إذا عزم على مجلس التدريس تطهر من الخبث وتنظف وتطيب ولبس أحسن ثيابه اللائقة به بين أهل زمانه قاصدا بذلك تعظيم العلم، وهذا مستوحىً من اهتمام الدين الإسلامي بالصحة والنظافة بشكل عام فالوضوء والاغتسال وأخذ الزينة عند كل مسجد مظاهر تأثَّر بها المفكرون في التربية الإسلامية وحرصوا عليها لأن النظافة من الإيمان.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه. وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.


   
إعداد وجمع
يعقوب القسيري
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الفتوحات الإسلامية
فتح مصر

لقد اصطفى الله سبحانه وتعالى من بين البشر رسولا على خلق عظيم، ليكون للناس بشيرا ونذيرا ورحمة للعالمين، وأوحى إليه برسالة الإسلام العظيم ليبين للناس ما نزل إليهم، لتتحقق غاية العبودية لله الواحد القهار، فقال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". فتقررت بديهة من بديهيات هذا الدين في هذه الحياه ألا وهي حمل الإسلام إلى العالم أجمع من قبل الأمة الإسلامية بوصفها مسؤولة عن هذا الدين وذلك بعد أن تطبقه على نفسها في شتى ميادين الحياة، فكان نشر الإسلام إلى العالم بالدعوة والجهاد الطريق الوحيد الذي فرضه الله على المسلمين حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وبذلك تتحقق سيادة الشرع القويم على كل بني البشر، فيدينون بالحاكمية المطلقة لله ويخضعون لجميع أحكام الإسلام المنبثقة عن عقيدتة.
لذلك شرع الرسول صلى الله عليه وسلم، إمام المجاهدين وسيد الفاتحين، بعد أن أقام دولة الإسلام الأولى في المدينة بإرسال الكتب والرسل إلى القادة والزعماء والملوك، فأرسل السرايا وقاد الجيوش من أجل إخراج الناس من ظلمات وجهل أحكام البشر إلى نور وعدل أحكام رب البشر. والمتتبع لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يرى كيف كان يبشر المؤمنين بالفتوحات الإسلامية قبل أن يفتحوها، فبشرهم بفتح كثير من الممالك والبلاد كفتح الشام والعراق وفارس، وفتح القسطنطينية الهرقلية وروما البابوية، كما بشرهم بفتح مصر المقوقسية، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم :" ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحماً". وكذلك أخرج الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في دلائل النبوة، بسند صحيح، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند وفاته، فقال: " الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله".
فكانت هذه المبشرات من رسول الله صلى الله عليه وسلم رصيدا ماديا ومعنويا وحسيا تضاف إلى مسؤولية حمل الدعوة الإسلامية عند المسلمين وفق رؤية واضحة المعالم، حتى جعلت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: " افتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحونها إلى يوم القيامة، إلا وقد أعطى الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك". ففتح المسلمون ما فتحوا من الشام في خلافة أبي بكر الصديق التي لم تتجاوز الثلاثة عشر شهرا، ثم جاءت خلافة الفاروق رضي الله عنه فأكمل فتوحات الشام ووصل دور الفتح إلى مصر، أرض الكنانة التي نريد أن نقتصر حديثنا عن الفتح الإسلامي لها.
قبل أن نتحدث عن كيفية فتح المسلمين لمصر، لا بد أن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد بعث بكتاب إلى مقوقس مصر يدعوه فيه إلى الإسلام، وهذا نصه: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم ويؤتك الله أجرك مرتين،"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون". فرد المقوقس بكتاب، كتب فيه: " لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقي؛ وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمتُ رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت اليك بغلة لتركبها" والسلام. ثم بعد رسول الله صلى الله جاء الصديق رضي الله عنه فبعث حاطبا إلى المقوقس بمصر، فمر على ناحية قرى الشرقية من مصر، فهادنهم , وأعطوه، وكانت هذه أول هدنة في مصر. فلم يزالوا على ذلك حتى دخلها عمرو بن العاص بجيش الفتح الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب.
في السنة الثامنة عشرة للهجرة، وبعد تمام فتح الشام، قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الجابية (قرية من أعمال دمشق من ناحية الجولان قرب مرج الصفر في شمال حوران)، فخلا به عمرو بن العاص، وطلب منه أن يأذن له بالسير إلى مصر، وكان يحرضه على فتحها ويقول له إنْ فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا، وأعجزهم عن القتال والحرب، فتخوف عمر في بداية الأمر، لكن عمرو بن العاص ألح على عمر حتى أذن له فقال له عمر رضي الله عنه: سِرْ وأنا مستخير الله في مسيرك، فخرج عمرو بن العاص على رأس جيش قوامه أربعة آلاف رجل، وسار به حتى وصل مدينة بين رفح والعريش، فبعث عمرو بن العاص إلى المقوقس يطلب منه من ينيبه عنه ليخبره بما يريد، فبعث المقوقس براهبين اثنين أحدهما يقال له أبو مريم والآخر أبو مريام، فجلسا إلى عمرو بن العاص فدعاهما إلى الإسلام وبين لهما ما يجب عليهما وما يحق لهم، وبعد أن أنهى معهما طلبا منه أن يأذن لهما بالعودة إلى المقوقس وأن يمهلهما خمسة أيام، فأجابهما عمرو إلى ذلك، ولما عادا وأخبرا المقوقس بما يريده عمرو بن العاص، لم يستجب المقوقس وأخذ يجهز جيشه لقتال المسلمين، عندها رسم عمرو بن العاص خططه ونصب المنجنيق حول الحصن، ودار بينهم القتال، فأبطأ على المسلمين الفتح، فبعث عمرو بن العاص إلى خليفة المسلمين يستمده، فبعث له عمر بن الخطاب بأربعة آلاف رجل، ففتح عمرو بن العاص مدينة أم دنيين المصرية، ثم سار حتى نزل حصن عين شمس والتي هي بمثابة القاهرة اليوم، فحاصر الأقباط في قصر يقال له بابليون ولاقى هناك قتالا شديدا، فبعث عمرو إلى خليفة المسلمين يستمده ثانية، فأمده بأربعة آلاف رجل على كل ألف منهم رجل يُعَدّ بألف رجل وهم: الزبير بن العوام، المقداد بن الأسود، عبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، ثم انتهى القتال بفتح القصر، وطلب المقوقس من عمرو بن العاص أن يفرض للعرب على القبط دينارين دينارين على كل رجل منهم، فأجابه عمرو بن العاص إلى ذلك.
ثم أكمل عمرو بن العاص فتح ما تبقى من المدن المصرية، فبعث بجيشه إلى الإسكندرية والفرما نسبة إلى إسكندر وأخيه الفرما، وكان قد أمّر على جيش الإسكندرية عوف بن مالك وأبرهة على جيش الفرما، ففتحا المدينتين بعد أن لاقى الجيشان قتالا خفيفا من أهالي المدينتين. ويذكر أنه لما دخل عوف بن مالك الإسكندرية قال لأهلها ما أحسن مدينتكم! فقالوا إن إسكندر لما بناها قال: لأبنينّ مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس، فكانت تلك بهجتها، وكذلك لما دخل أبرهة الفرما، قال لأهلها: ما أقبح مدينتكم! فقالوا: إن الفرما لما بناها قال: لأبنينّ مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس، فتساقط بناؤها وشوهت.
وبذلك أنهى عمرو بن العاص فتح مصر المقوقسية، وبنى مسجده فيها وهو المعروف اليوم بجامع عمرو بن العاص، وبعث بالفتح والأخماس لخليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكان ذلك في السنة العشرين للهجرة، والله أعلى وأعلم.
نعم، إنهم المسلمون الأوائل، مضربا في التسابق لفتح البلاد ونشر الإسلام وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، الموت أحب إليهم من الحياة، التواضع أطيب إليهم من الرفعة، فلم يكن لأحدهم في الدنيا رَغَب ولا متعة وإنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم واحد منهم لا يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا سيدهم من عبيدهم.
لقد درسوا الإسلام، وتعلموه، وفهموه كما أراد الله سبحانه وتعالى، إسلاما عمليا، منهجا للحياة يطبق عليهم من قبل دولتهم، وتحمله معهم إلى العالمين رسالة نور وهداية. فهلا أدرك المسلمون اليوم في مصر والشام والحجاز والعراق وفارس وباكستان وكل بلاد المسلمين، هلا أدركوا هذه المهمة العظيمة كما أدركها أسلافهم من قبل، فيهبوا هبة رجل واحد لاعادة عزهم ومجدهم، فينقضّوا على أنظمة الظلم والطغيان الجاثمة على صدورهم، ويكنسوها عن الوجود ويقيموا خلافتهم التي ستعيد لهم سيرتهم الأولى، فتوحدهم بعد هذه التفرقة التي طال عمرها، وتحرر بلادهم من المستعمرين، ويستأنفون بها حياتهم الإسلامية بتطبيق شرع رب العالمين، ويحملون الإسلام رسالة هدى للعالمين، ويفتحون روما بلد الكاثوليكيين، ليفوزوا ببشارة رسول رب العالمين.
"وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"



‏15‏/09‏/2007    
عدنان النجار (أبو أيهم)
يطا
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

خبر وتعليق
نشر قوات دولية في جمهوريتي تشاد وأفريقيا الوسطى

الخبر: وافق الاتحاد الأوروبي على نشر قوات دولية في جمهوريتي تشاد وأفريقيا الوسطى.

التعليق: بمجرد استماع المرء إلى هذا الخبر للوهلة الأولى قد يتبادر إلى ذهنه أن دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى تستغيثان وتستصرخان أوروبا لنجدتهما من الأخطار المحدقة بهما، وأن أوروبا قد استجابت لطلبهما بكل نخوة، فوافق الاتحاد الأوروبي على إرسال قوات إليهما فوراً.
لكن الحقيقة تقول شيئاً آخر، فالدولتان المعنيتان بإرسال القوات الأوروبية إليهما هما في الواقع مستعمرتان فرنسيتان كانتا كذلك في الماضي وما زالتا حتى الآن. وتخاف فرنسا على نفوذها فيهما من الضياع بسبب تنامي النفوذ الأمريكي المتمدد في أفريقيا.
والدليل على ذلك أن أكبر وجود عسكري فرنسي خارج الأراضي الفرنسية يوجد فيهما، ففرنسا تملك في أفريقيا الوسطى الجيوش والقواعد والتسهيلات، وقد استخدمت بالفعل تلك القوات في التدخل في أكثر من بلد أفريقي. وما جرى من تدخل عسكري فرنسي تحديداً في ساحل العاج إنما كان منطلقاً من أفريقيا الوسطى.
وأما تشاد فلولا القوات الفرنسية لما تمكن إدريس ديبي من الحفاظ على دفة الحكم طوال الربع قرن الأخير، علماً بأن تشاد كانت قبل ذلك تُعرف بأنها أكثر البلدان اضطراباً وقلاقل وانقلابات.
وعليه فإن الذي طلب نشر القوات الدولية ليس حكام تشاد وأفريقيا الوسطى وهم عملاء ووكلاء لفرنسا في أفريقيا وإنما الذي طلب ذلك هي فرنسا ذاتها.
أما لماذا تطلب فرنسا من الاتحاد الأوروبي مساندتها ورفدها بالمزيد من القوات فالجواب على هذا السؤال يتمثل في خطرين اثنين:
الأول: إن تعرض تشاد العام الماضي لاجتياح من قوى المعارضة المدعومة من السودان قد تم صده بصعوبة، وكاد الاجتياح أن ينجح في إسقاط حكم الرئيس التشادي ديبي لولا الوجود العسكري الفرنسي، وبالتالي كان يُخشى معه على مستقبل الوجود الفرنسي برمته.
وكذلك تعرضت أفريقيا الوسطى إلى قلاقل لأول مرة شكلت خطراً على نظام الحكم فيها، وكان السودان أيضاً مَصْدَراً لهذه القلاقل وذلك كرد فعل طبيعي على تدخلات الفرنسيين الأوروبيين في دارفور.

الخطر الثاني: إن تمدد الوجود الأميركي في موريتانيا ومالي والنيجر ودول الصحراء الكبرى بات يشكل تهديداً مباشراً للوجود الفرنسي في تشاد وأفريقيا الوسطى خاصة مع اقترابه شيئاً فشيئاً من حدودهما.
ويبدو أن القوة الفرنسية الموجودة في هذين البلدين المهددين لم تعد كافية في درء الأخطار، لذلك كان لا بد من الاعتماد على سائر دول الاتحاد الأوروبي لرفد القوات الفرنسية بالمزيد من الجنود الأوروبيين للتمكن من الوقوف أمام المد الأمريكي المباشر المتمثل في القوات الأميركية المنتشرة في أفريقيا والمد الأمريكي غير المباشر والمتمثل في جيوش الدول المحلية كالسودان.
وبينما تتصارع أميركا وأوروبا بشدة على القارة السوداء، تقف البلدان العربية والإسلامية كالبلهاء مشدوهة مشلولة لا حول لها ولا قوة، فيما الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي تقفان متسمرتين عاجزتين عن فعل أي شيء مع أنهما من المفترض أنهما تمثلان الدول المعنية في هذا الصراع، فهما أولى من دول الاتحاد الأوروبي في معالجة مشاكل دولهم، وعلى الأقل فلم تطرح مثل هذه القضية الخطيرة التي تخص سيادة هذه الدول على بساط البحث، ومن يدري فربما لم يصل هذا الخبر بعد إلى مسامع المعنيين فيها.

   
أحمد خطواني/ فلسطين
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

من أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة
الخــلــيــفــة


الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد.

لقد جاء الإسلام دينا كاملا من رب العالمين، يعالج مشاكل الإنسان كلَّها في جميع مناحي حياته، ابتداءً من القراءة والتعلم مروراً بالعلاقات والمعاملات وصولاً إلى الأنظمة العامة في الحكم والاقتصاد. ولما كانت السيادة للشرع والسلطان للأمة في المجتمع الإسلامي كانت الأمة ملزمةً بتطبيق الشرع كلِّه على نفسها وحمل الدعوة إلى الأمم من بعدها، فكان لزاماً عليها أن تبايع من يقودها ويسوسها لتحقيق أمر ربها في تطبيق شرعه وحمله ونشره. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحلُّ لثلاثة نفرٍ يكونون بأرضِ فلاة الا أمَّروا عليهم أحَدَهم" . وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن الإمارة لا تكون إلا لواحد ومارسوا ذلك عمليا ملتزمين قوله صلى الله عليه وسلم:" من أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجل واحد يريد أن يشقَّ عصاكم ويفرِّق جماعتكم فاقتلوه" .
فلقد حدد الإسلام السلطان الإسلامي بأنه الحكم بما أنزل الله. قال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} . فكان كل سلطان يحكم بما أنزل الله أي يحكم بالقرآن والسنة هو حكماً إسلاميّاً شرعيّاً. وقد حدد الإسلام شكل نظام الحكم بأنه نظام الخلافة وهي رياسة تامة على كل المسلمين أينما حلّوا أو ارتحلوا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون" .
والخليفة هو الذي ينوب عن الأمة في الحكم والسلطان. هو أساس الدولة وحارس العقيدة، هو ولي الأمر واجب الطاعة، هو الذي يضع كتاب الله وسنة رسوله موضع التطبيق والالتزام، هو الذي ينزل الحكم على الواقع، هو الذي تقول لنا أم سلمة أن نجيب من يدعو إليه حين سألت: " كيف أنتم إذا دعاكم داعيان، داعٍ إلى كتاب الله وداع إلى سلطان الله. أيهما تجيبون؟ قالوا: نجيب الداعي إلى كتاب الله قالت: بل أجيبوا الداعيَ إلى سلطان الله. فإن كتاب الله مع سلطان الله".
نعم كتاب الله مع سلطان الله. فمِنْ كتاب الله أمرُه لنا عز وجل بطاعة ولي الأمر حيث قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} . فأين ولي الأمر لكي نطيعه؟
أمرنا ربنا بالحج ... فأين أميره الذي يقود المسلمين في شعائر الحج؟
أمرنا ربنا بالجهاد ... فأين قائده الذي يجيش الجيوش ويقود الجموع؟
أمرنا ربنا بإقـامـة الحـدود ... فـمـن ينوب عن المسلمين في تأديـتـها؟
وهذا القرآن الكريم من يضعه موضع التطبيق والإلزام؟
من يفعل ذلك غيرُ سلطان الله وخليفة رسول الله!!

إن كل فعل أو قول أو تقرير ثبت لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من سنته وهو واجب الاتباع. ومحمد رسول الله كان حاكما في تلك الفترة التي عاشها من بعد هجرته من مكة وحتى وفاته صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة عاصمة دولته. وقد قام في تلك الفترة بأعمال حكم هو لنا فيها قدوة وهذه الأعمال أحكام شرعية واجبة الاتباع مثلها مثل الصلاة والزكاة والحج. فأقام الحدود وقاد الجيوش وبلغ الدعوة وقام بأعمال الحاكم وهذا ثابت في كتب السنة ومراجعها. فمن يقتدي به صلى الله عليه وسلم ويعمل بعمله؟ ...
إنه واجب كل المسلمين أن ينيبوا عنهم خليفة لرسول الله. وهذا ما فعله الصحابة مجمعين على أهميته فبعد وفاته صلى الله عليه وسلم بايعوا أبا بكر خليفة له. وبقوا على إجماعهم سائرين فبايعوا خليفة لأبي بكر ثم لعمر ثم لعثمان بعد وفاة كل منهم.
وهذا عمر بن الخطاب يصف الإسلام الذي عاشه فيقول:" لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة". فماذا نقول نحن في واقعنا المرير المتمثل حسرة وضياعاً على المسلمين بعد أن فقدوا منبع قوتهم بهدم دولة الإسلام التي بناها رسول هذه الأمة عليه وعلى آله وصحبه الكرام أفضل سلام إلى يوم الدين؟
نقول أن الحمد لله بأن مصدر العزة باقٍ إلى يوم الدين محفوظٌ بحفظ رب العالمين. وليس علينا إلا التمسك به والرجوع الصحيح إليه لنعيد الإمارة للجماعة ونعيد الجماعة إلى الإسلام الذي نقله لنا صحابة رسول ربنا رضوان الله عليهم أجمعين. الإسلام الذي بقي مطبقا في دولته زهاء الثلاثة عشر قرنا، الإسلام الذي نشر الهدي والعدل بين الناس، الإسلام الذي يطبق في السياسة والاقتصاد وفي العلاقات الخارجية، الإسلام الذي فيه الجواب الشافي لكل شيء. الإسلام الذي طبقه رسول ربنا الكريم ومن سار على دربه من الصحابة والتابعين.
هذا ديننا وهذا فعل رسولنا ونعرف كيف أن الصحابة اقتدَوْا به أجمل اقتداء فكان منهم المبشَّرون بالجنة وكان منهم الشهداءُ والصّدّيقون. فمن يريد أن يكون معهم ويحشر جنبهم فليعمل بعملهم فيكون معهم يوم الدين وفي الدنيا يحقق وعد خاتم المرسلين حين قال: "إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها".
اللهم اجعل ذلك قريبا.
   
إياس حمزة
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

نظرات في السور المكية
الربط بين القرآن والسيرة

الحمد لله والصلاة والسلام على الحبيب محمد رسول الله
الإخوة المستمعون الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقدمُ لكم هذه الحلقة من برنامج (نظرات في السور المكية) وهي بعنوان الربط بين القرآن والسيرة.
ولاحظوا إخواني المستمعين الكرام، أننا نقول السيرة، ولا نقول السنة، وذلك لأن القصد هو الربط بين القرآن الكريم وبين الأحداث التي مر بها النبيُّ الكريم، والتي اتخذ إزاءها مواقفَ حددها له الوحي.
لقد قام العديد من المفسرين بشرح الآيات واقتناص معانيها والكشف عن أسرارها، واتجهوا طلباً لذلك اتجاهاتٍ عدة، فمنهم من اقتصر على شرح المفردات، ومنهم من زاد على ذلك بشرح الأفكار ومنهم من اهتمَّ بالعقائد، ومنهم من اهتم بالإعراب والقواعد، ومنهم من ذكر بعض أسباب النزول، إلا أنَّ أحداً منهم لم ينظر إلى القرآن الكريم كمنهاج دعوة في فهم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان مكلفاً ببيان ما يتنزل عليه من القرآن الكريم، وكان مُسَيَّراً بالوحي، والقرآن يتولى التوجيه والردَّ والبيان وتوجيه الرسول في التبليغ والردِّ على الخصوم وبيان الوقائع والأحداث. فإذا تناولنا القرآن على هذا النحو اتضحت لنا سيرةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفنا المواضيع التي كان يعالجها والمراحل التي مرّ بها.
وبنظرة بسيطة نلاحظ مثلاً أن القرآن الكريم لم يتعرض للنفاق والمنافقين في المرحلة المكية، لأن قضية النفاق لم يواجهها النبيُّ الكريم صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية، ولما واجهها في المدينة حيث الدولةُ قائمةً والسلطانُ للإسلام فقد ظهرت قضيةُ المنافقين، فتناولها القرآنُ الكريمُ، وبيَّن كيفيةَ التعاطي مع هذه القضية.

الإخوة المستمعون الكرام
لقد كان الواقع في مكة يختلف عنه في المدينة من حيث إن الواقع في مكة كان واقعَ دعوةٍ وصراعٍ فكريٍّ وكفاحٍ سياسيٍّ للوصول إلى إيجاد سلطان للإسلام ودولة للمسلمين، أما في المدنية فقد كانت مرحلة دولةٍ وسلطانٍ وبسطِ نفوذٍ وتنظيمِ حياةٍ وجهاد.
ومن يتابع القرآن المكي والقرآن المدني سيجد أن الآيات المكية ترسم لنا صورة الفترة المكية، فتبين معالمها، وتبين كيفية التعاطي مع هذه الحالة. وسيجد أن الآيات المدنية قد رسمت صورة المجتمع المسلم في ظل دولة الإسلام وسلطانه وكيف انتظمت حياة المسلمين في كل نواحيها.

وإنه لما كانت دولة الإسلام قائمة، ولما كان سلطانه مبسوطاً، ولما كان الجهاد نافذةً أحكامُه، فإننا نجد السابقين من العلماء الأجلاء قد تعاملوا مع القرآن على أنه محلٌّ لاستنباط الأحكام المتعلقة بالحياة، ومحلٌّ للتفسير من حيث المراد بالمعنى ومن حيث المراد بالألفاظ، وبعضهم ربط القرآن بالحديث الشريف، فراح يستنطق الدلالات ويمزج المرادات التشريعية، وبعضهم نظر من زاوية البلاغة والأدب، وراح علماء أجلاء ينكبّون على دراسة السيرة النبوية الشريفة، فرصدوها من ألفها إلى يائها، ونقوها من الضلالات والأكاذيب، وبينوا كل وقائعها حتى عادت سيرة الحبيب محمد وصحابته الأوائل واضحة بيضاء نقية، صافية لا تشوبها شائبة، وكان في ذلك فضلٌ وخيرٌ عظيمٌ.

لكن أحداً من العلماء لم يكن يتصور أن الحالة المكية ستعود معالمها من جديد، معالم الجاهلية الأولى، فلم يخطر ببال أحدهم أن يقرأ السيرة المكية قراءة تشريعية، يستنطق الأحداث فيها ليخرج بالتشريعات، مع أنهم فعلوا هذا مع السيرة المدنية، فقد استنطقوا أفعال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، فإن جهز للغزو تتبعوا فعله وقوله، وجعلوه محل الاقتداء والتأسي، وإن ضحك تابعوه في ضحكه، وإن بكى تبصروا بكاءه، حتى في حديثه مع أهل بيته، وفي مزاحه مع العجوز، لقد قدم العلماء الأقدمون الأجلاء كل ما لديهم ليقيموا أمر هذا الدين، فلم يتركوا شاردة ولا واردة إلا تابعوها ودرسوها ونقبوا حولها.
ولكن المرحلة المكية لم تحظَ بهذا الاهتمام، لا من حيث القرآن الذي تنزل فيها، ولا من حيث سيرة الحبيب محمد في تلك المرحلة، ولعل السبب في ذلك هو عدم تصورهم ألبتة بأن الإسلام سيزول كيانه السياسي، وتعود حالة الجاهلية لتصبح هي صفة الحياة المعاصرة.
وهنا يأتي دورنا كحملة دعوة، فواقعنا المعاصر إنما يطابق في كل خطوطه وحروفه ومعالمه واقع الجاهلية الأولى.
في الجاهلية الأولى لم يكن للإسلام سلطان وكذا اليوم، وفي الجاهلية الأولى كانت السيادة لعقيدة الكفر، وكذا اليوم فالسيادة لعقيدة كفر أسْمَوْها (القانون)، وفي الجاهلية الأولى طغت مفاهيم منبثقة عن عقائد الكفر، وكذا اليوم، ولعل في مفاهيم الديمقراطية والوطنية والعولمة والحريات وغيرها خير شاهد على طغيان مفاهيم الكفر، وفي الجاهلية الأولى كانت العلاقات كلها قائمة على أساس غير أساس الإسلام، وهكذا اليوم فليست العلاقات قائمة على أساس الإسلام، والأعراف في الجاهلية الأولى كانت أعرافاً فاسدة وكذا اليوم، فهم كان رجالهم يَئِدون البنات في التراب، واليوم يئدون بناتهم في مستنقعات الفاحشة !
إن واقعنا المعاصر الذي تبرز فيه أهم سمة من سمات الجاهلية الأولى وهي غياب الحاكمية، إن هذا الواقع يجب علينا أن نغيره إلى واقع جديد مطابق للواقع الذي كان عليه المسلمون في المدينة ..
وهنا نجدنا لا نملك سبيلاً إلى العودة إلى تلك المرحلة المكية التي عاشها النبي فيها أكثر من نصف عمره في النبوة.
إن ثلاثَ عشرةَ سنةً من الدعوةِ في مكة لَحَقٌّ علينا دراستُها لمعرفة كيف غيَّر النبي تلك الجاهلية إلى إسلام ..
ولدراسة هذه المرحلة المكية، فإننا يجب علينا أن نفعل كما السابقون من العلماء، نرصد سيرة الحبيب في هذه المرحلة، ونرصد كل آية نزلت في تلك المرحلة، ونربط الآيات بالأحداث فنفهم كيف سلك النبي صلى الله عليه وسلم سبيل التغيير، للوصول إلى غايته، ألا وهي دولة الإسلام التي تعلو فيها أحكام الإسلام ويُبسط فيها نفوذه، وتعلوها رايته.

الإخوة المستمعون الكرام ،،، بالمثال يتضح المقال ..
جاء في السيرة أنه في بيعة العقبة الثانية، قال العباس بن عبادة بن نضلة‏:‏ والذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «‏‏لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم‏ »
ولكنه حين خرج مهاجراً إلى المدينة، وبينما هو في طريقه ليتسلم الحكم في المدينة نزلت آيات كريمات : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } وكانت هذه أول آية متعلقة بالقتال، وفيها الإذن بالقتال، وبربط هذه الآية مع ما سبق من رفض النبي الكريم لاستخدام السلاح، ثم ربطها بالحالة الجديدة، وهي تسلم الحكم في المدينة وقيام دولة الإسلام، فإننا نستقرئ هنا دلالة تشريعية تتمثل في أنه لا يُستخدم العمل المادي لتغيير دار الكفر إلى دار إسلام ..
ونستنطق حكماً جديداً من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم عندما أمره الله بالصدع، لقد كان صلى الله عليه وسلم منذ نزل الوحي عليه في غار حراء يدعو من حوله إلى الإسلام، ويؤلفهم حوله وحول فكرة الإسلام، فكرة لا إله إلا الله وما ينبثق عنها من عقائد ومفاهيم، وشيئاً فشيئاً علمت مكة كلها بأن محمداً جاءهم بدين جديد، وعلمت مكة أن محمداً يأتيه خبر السماء، وكانوا يذكرون ذلك في نواديهم، ومجالسهم، حتى باتت مكة كلها تعلم بالأمر، ولكن أحداً لم يكن يتأذى من دين محمد الجديد !! لماذا يا تُرى ؟
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الاعتقاد بوحدانية الله عز وجل وألوهيته وأنه لا معبود بحق إلا هو سبحانه، يدعو من حوله ويكتلهم حوله ويؤلفهم، حتى باتت حوله كتلة صغيرة من المؤمنين، ولكنه في كل هذا كان يدعوهم دونما صدام مع أحد، فهو يدعو، فمن شاء آمن ومن شاء لم يؤمن، بعض راصدي السيرة أسموا هذه الفترة بفترة الدعوة السرية، والحقيقة أنها لم تكن سرية فقد كانت مكة تعلم بدين النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ اللحظة الأولى، ولم يخفِ صلى الله عليه وسلم عن مكة أنه قد أتى بدين جديد، ولكن ما حصل أنه لم يعمد إلى المخاطبة الجماعية، بل كان اتصاله بالناس فردياً، يدعو كل فرد على حدة، فإن آمن كتـَّـله معه، وصار جزءاً من الثلة المؤمنة في مكة، يعلمهم القرآن، ويثقفهم به.
ثم نزل قول الله تبارك وتعالى: { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } وكانت هذه الآية إيذاناً بعهد جديد من الدعوة، عهد المخاطبة الجماعية التي أخذت شكلاً يرتكز على الصدامية والصراع ورفض كل شيء دون الحق.
وقد امتثل الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم لأمر الله، وجمع عشيرته بني هاشم، فكانوا نحو خمسةٍ وأربعين رجلاً، وأراد أن يتكلم فلم يُمَكـِّـنه أبو لهب من الكلام، فجمعهم الثانية وتكلم فيهم فقال: «‏الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه‏،‏ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏»‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏«‏إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إنى رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا‏ »
فقال أبو طالب‏:‏ ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشدَّ تصديقًا لحديثك‏.‏ وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به‏.‏ فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب‏.‏
فقال أبو لهب‏:‏ هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب‏:‏ والله لنمنعه ما بقينا‏.
وكانت بهذا معالم العهد الجديد قد بدأت ترتسم. بعد ذلك نجد العلاقة مع قريشٍ قد أخذت منعطفاً جديداً لم يكن من ذي قبل، إنها الصداميةُ، وضربُ الرؤوسِ مباشرةً، فها هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، يصعد جبل الصفا وينادي: «‏يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا‏.‏ يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏.‏ يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا معشر بني قصي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏.‏ يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا‏.‏ يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏ يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا‏.‏ يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا‏.‏ يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا‏.‏ يا فاطمة بنت محمد رسول الله، سليني ما شئت من مالي، أنقذى نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنك من الله شيئًا‏، غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها» فرد عليه أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا‏؟‏ فنزل قوله تبارك وتعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ..} وكان هذا منعطفاً جديداً يظهر فيه الصدام وتقريع رؤوس الكفر بمكة، فهو لم يكن قبل ذلك يصطدم بأشخاص الأسياد ورؤوس الكفر، ولكن القرآن فعل اليوم، فبدأت معالم تلك المرحلة، الصراع مع كل شيء، الصراع مع العقائد الباطلة، والأفكار الفاسدة، والتقاليد البالية، الصراع مع سادة مكة، الحارسين لهذه العقائد والأفكار والتقاليد.
لهذا وجب علينا أن نتتبع القرآن المكي والوقائع التي نزل فيها، لندرك معالم تلك المرحلة من الدعوة، فنفهم متى نخاطب الأفراد، ومتى ننتقل للخطاب الجماعي والصدام والصراع مع عقائد المجتمع وأفكاره ومفاهيمه ومقاييسه في الحياة، ومتى نبحث عن أهل القوة، وهكذا في كل صغيرة وكبيرة، كما فعل العلماء والمجتهدون حين تتبعوا سيرته صلى الله عليه وسلم في المدينة، واستنطقوا حديثه وفعله وإقراره صلى الله عليه وسلم.
إن ارتباط القرآن المكي بمرحلة الرسالة في مكة وثيق جداً، ولا يمكن تجاهله، طالما أن الواقع الذي كان موجوداً في مكة قد تكرر في واقعنا المعاصر، وكم حاجتنا اليوم إلى من يقوم بتتبع السيرة في مكة، وربطها بالقرآن الذي نزل في ذلك العهد، واستنطاق كل ذلك ليخرج بأحكام الدعوة قبل الدولة، يخرج بأحكامها كاملة دون نقصان.

ولكن أيها الإخوة المستمعون الكرام : ما هي معالم هذا الصراع الدائر في مكة ؟ ما هي طبيعته ؟ ما هي غايته ؟ ما هي أدواته ؟ هذا ما سنتعرف عليه في الحلقات القادمة بإذن الله ....

نترككم في أمان الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

أسباب تأخر زواج الشباب


يعتبر الزواج من العلاقات الحتمية التي لا بد منها بين النساء والرجال، ذلك أن بقاء واستمرارية النسل البشري لا يتأتى إلا بها، وصحيح ما قيل من أن عدم إشباع الميل الجنسي عند الرجل لا يؤدي به إلى الهلاك وإن أحدث أو أوجد قلقا واضطرابا؛ لأنه يختلف عن إشباع الحاجة العضوية التي إن لم تشبع تأخذ بصاحبها إلى الهلاك حتى يقال أن إشباع الميل الجنسي ليس ضروريا. نعم يقال ذلك للفرد الواحد، أما بالنسبة إلى الجماعة كجماعة فلا يقال ذلك؛ لأن الاتصال الجنسي بين الذكورة والأنوثة ضرورة ملحة، ولا بد منها للحياة الإنسانية فضلا عن أن سنن الخليقة قد فرضتها على الناس.
وإنه وإن كان الميل الجنسي عند الرجل الذي هو مظهر من مظاهر غريزة النوع يدفع الرجل إلى الاتصال الجنسي مع المرأة، فإن الإسلام لم يتركه دون إرشاد أو تنظيم؛ حيث جعل من الزواج فقط نظاما حافظا للتناسل والأنساب بأحكام منها على سبيل المثال، أحكام عدة المطلّقة والمتوفَّى عنها زوجُها وأحكام الأبوة والأمومة بأحكام مفصلة، وفي الحديث (الولد للفراش)، وفي قوله تعالى (ادعوهم لآبائهم).
وقد حث الإسلام على الزواج المبكر وأمر به، فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، بمعنى أنه عليه السلام أمر أولئك الشباب بالتقرب إلى الله تعالى لصرفهم عن الآثام، وعن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتُّل، أخرجه أحمد وقرأ قتادة (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية)، ومعنى التبتل الانقطاع عن النكاح والملاذ إلى العبادة، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ثلاثةٌ حق على الله إعانتُهم؛ المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد أن يستَعِفَّ، والمُكاتِب يريد الأداء) أخرجه الحاكم وابن حِبان.
وقد جاء الإسلام بأحكام ومعالجات لعلاقات الناس جميعا في المجتمع من أنظمة للاقتصاد والاجتماع وغيره، وقد مكَّنت الشباب في الحياة الإسلامية وفي المجتمع الإسلامي من الزواج المبكر، أخذاً بحديثه صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج...) الحديث. ولكن أنّى لشباب اليوم في ظل النظام الرأسمالي الديمقراطي أن يتمكنوا ويعملوا بحديث (الباءة)، ويتزوجون مبكرين وقد كثرت المعوقات فأدت إلى تأخير زواجهم.
أما ما هو السبب الحقيقي في تأخير زواجهم فهو السبب الأعظم ألا وهو عدم تطبيق الإسلام وغياب الخلافة. ولكن ولأن عنوان البحث (أسباب تأخر زواج الشباب) صار لا بد من تسليط الضوء على الأسباب الموجودة مع غياب حكم الإسلام.
وباستقراء الواقع ودراسته تبين أن سياسة ومناهج التعليم كانت من الأسباب التي عملت على تأخير الزواج للشباب؛ ذلك أن فيها من المواد التدريسية التي لا تلزم وما هي إلا قتلٌ للوقت. فتدريس اللغة الإنجليزية مثلاً من المواد التي لا تلزم، بدليل أن الدول الذاتية لا تُدرِّس إلا لغتها فقط؛ فروسيا على سبيل المثال لا تدرس إلا لغتها فقط، وكذلك ألمانيا وإيطاليا وغيرها. وهنالك الكثير من مواد التدريس مثل تاريخ الغرب وعظمائه من المواد التي تعتبر جزءاً من ثقافته، فضلا عن أن المراحل التدريسية المطولة المقطعة بما فيها من إجازات ومناسبات وأعياد مبتدعة يعطَّل فيها التدريس، فتؤخِّر تخرُّجَ الطالب فيأكل الزمن من عمره السنين، وإذا ما تخرج بدأ بالبحث عن عمل وبعدها يشرع في الزواج.
الأعراف والتقاليد:-
إن الأعراف والتقاليد التي تشق على الشباب كانت سبباً من الأسباب التي تؤخر الزواج لما فيها من كلفة مادية، فاستئجار الفنادق والقاعات لاستقبال المهنئين قبل الزواج وبعده مثلا، والكثير من التقاليد التي يمكن الاستغناء عنها تعرفها النساء قبل الرجال. فبدل أن يعمل بحديثه عليه السلام الذي يقول فيه (من سن سُنّةً حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها..) الحديث، نجد أن الناس يبتدعون الكثير من الأمور التي لا حاجة لها. ولا غرابة في ذلك حينما تكون المقاييس عند الناس هي الأعراف والترف والمباهاة. والله سبحانه وتعالى قال في حق المترفين أي أصحاب البطر والمباهاة (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)
البطالة والفقر ومشكلة السكن:
فالبطالة والفقر ومشكلة السكن معروفة في ظل النظام الرأسمالي خاصة في البلاد المذلولة لأعدائها، وقد شاعت مشكلة السكن هذه في مصر أكثر من غيرها من البلدان، وكانت سبباً يُضاف إلى الأسباب في تأخر الزواج عند الشباب.
التعقيد في الحياة الرأسمالية خلافاً للبساطة:
فالتعقيد في الحياة الرأسمالية التي تشق على الشباب خلافا للبساطة في العيش كانت سببا من الأسباب، وقد لوحظ أن القرى التي لا زالت تعيش على بساطتها ولم تغرق في طراز العيش الغربي قد خففت الكثير عن الشباب، وقد تمكنوا من التبكير في زواجهم.
إن العدوى التي أصابتنا من طراز العيش الغربي، والمفاهيم التي يشيعها أعداء الإسلام الداعية إلى تأخير الزواج للشباب، وتزيينها، ما هي إلا دعوة إلى ارتكاب الفاحشة ومحاربة لفكرة التكاثر التي حث عليها الإسلام.
ولكل ما تقدّم وبعد هذا العرض لأسباب تأخر زواج الشباب، نجد أنها كلها تندرج تحت سببين اثنين فقط، وهما: (فساد النظام المطبق والثقافة والمقاييس التي تسير الناس)، وما من سبب من أسباب تأخر الزواج إلا ويندرج تحت واحد منهما، لذلك وإذا ما أردنا إنقاذ الشباب مما هم فيه وإنقاذ الأمة مما هي فيه من مشكلات وبلاءات أخرى، فعلينا أن نعمل لنُطهِّر الأمة من الأفكار والمفاهيم الفاسدة لتحل محلها أفكارُ ومفاهيم الإسلام حتى تتمكن الأمة من إقامة خلافتها التي بشرها بها نبيها الكريم في قوله:
(ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة).
   
إبراهيم أبو غزالة
الخليل
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مفاهيم خطره على الإسلام
الخصخصة

تعني الخصخصة في التعبير الاقتصادي نقل الملكية العامة أو ملكية الدولة إلى القطاع الخاص. وهناك تعريف آخر لا يختلف عن التعريف السابق وهو أن (تبيع شركات ومؤسسات وقطاعات تجارية من الحكومة إلى القطاع الخاص) وتستحوذ عبارة الخصخصة على اهتمام معظم دول العالم سواء كانت متقدمة أو نامية وهي جميعها تسميات لمصطلح اقتصادي باللغة الإنجليزية أو الفرنسية لكلمة privatization وإذا أمعنّا النظر في مصطلح الخصخصة فإننا نكتشف أنه لا يوجد مفهوم دولي متفق عليه لكلمة الخصخصة حيث يتفاوت مفهوم هذه الكلمة من مكان إلى آخر ومن دولة إلى أخرى ولكن لو أردنا تعريف هذه الظاهرة التي أصبحت موضوعا رئيسيا يتم استخدامه في معظم دول العالم
فإنها فلسفة اقتصادية حديثة ذات استراتيجية لتحويل عدد كبير من القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية التي لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة من القطاع العام إلى الخاص.
والخصخصة مفهوم اقتصادي انبثقت عن النظام الرأسمالي. وهذا المفهوم ليس حديثا نوعا ما وإنما يرجع هذا المفهوم إلى القرن السابع عشر وبالذات عام 1676:-
يقول الدكتور محمد شريف منير من جامعة بترا في ماليزيا (وتوصف عملية الخصخصة اليوم بأنها ظاهره عالمية ويرجع تاريخ أول عملية للخصخصة في العالم إلى سماح بلدية نيويورك لشركه خاصة بأن تقوم بأعمال نظافة شوارع المدينة عام 1676م ) ويعتبر العالم الاقتصادي الإنجليزي وهو أحد أعمدة مفكري النظام الرأسمالي ويطلق عليه أبو الرأسمالية وهو العالم (آدم سميث ) أول من نادى بالخصخصة؛ وذلك عندما طلب من الحكومة والتي كانت تمثل القطاع العام بعدم التدخل نهائيا في القطاع الخاص, وهذا ما حصل بالفعل في الدول المتقدمة وأصبح القطاع الخاص والذي تملكه شركات مساهمة خاصة هو الذي يتحكم في الإنتاج والبيع والثمن والعرض والطلب ولكن الدولة في البلاد المتقدمة عادت وتدخلت بشكل واسع في المجال الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وذلك من أجل إعادة البناء السريع لاقتصادياتها التي دمرتها الحرب واتخذ هذا التدخل بشكل خاص تأميم المشروعات الاقتصادية الخاصة.

ولكن الرأسماليين أصحاب الشركات الضخمة وخاصة شركات صناعة الأسلحة والسيارات والمعدات الثقيلة والشركات النفطية وهؤلاء عادة هم الذين يخططون ويديرون السياسات العليا في الدول المتقدمة بدأوا يطالبون برفع يد الدولة من جديد وعدم التدخل في سياسات السوق وحجم الشركات إلا فيما يخدم سياسة هذه الشركات وأصحابها ولذلك بدأنا نسمع ونرى في السنوات القليلة الماضية ظهور شركات يطلق عليها الشركات المتعددة الجنسيات والشركات العابرة للقارات, وهذه الشركات بدأت تنمو وتتمدد وخاصة في البلاد النامية ومنها البلاد الإسلامية, وذلك من أجل السيطرة على مقدرات هذه الدول.

وقد اتخذت هذه الشركات وسائل وطرق ملتوية للسيطرة على مقدرات الدول النامية ومنها البلاد الإسلامية وذلك عن طريق الدول التي تنتمي إليها وذلك من خلال إنشاء منظمة التجارة العالمية وإجبار الدول الفقيرة (بلاد العالم الثالث) على الانتماء إلى هذه المنظمة, وبما أن قانون منظمة التجارة العالمية تتحكم فيه الدول المتقدمة وشركاتها الرأسمالية الكبرى فإن هذه الدول الفقيرة (دول العالم الثالث ) لن تستطيع أن تنافس الدول المتقدمة وشركاتها الضخمة فإنها في النهاية ستكون فريسة سهلة لهذه الشركات وهذه الدول, تقول الكاتبة سارة سيكسبن في مقالة لها عن الخصخصة تحت موضوع (العام ينقلب إلى خاص) ما يلي.
رغم أن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (جانس) تشمل كل الخدمات يعتقد كثير من موظفي الخدمة العامة ووزراء الحكومات أن الاتفاقية تستثني الخدمات العامة المقدمة من الحكومة مثل خدمات الرعاية الصحية والتعليم والأشغال العامة, لكن الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات تحدد الخدمات الحكومية في حدود ضيقة .
وليست على أساس تجاري ولا عن طريق المنافسة مع واحد أو أكثر من الذين يقدمون نفس الخدمة لدرجة أن هذا الاستثناء يكاد يصبح لا معنى له لو أن بلدا رأت مقاضاة بلد آخر أمام هيئة حل المنازعات بمنظمة التجارة العالمية باعتبار أن ذلك يعد خرقا لاتفاقيات الجات (منظمة التجارة العالمية ) .
ومن الوسائل التي انتهجتها الدول المتقدمة للسيطرة على مقدرات دول العالم الثالث ومنها دول العالم الإسلامي القروض التي تمنحها هذه الدول المتقدمة للدول الفقيرة وكشرط لتقديم قروض من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لهذه الدول تشترط هاتان المؤسستان على الدول الفقيرة أن تستجيب لشروط الإصلاح الهيكلي عن طريق إلغاء الحماية على السلع المصدرة والمستوردة وخصخصة الشركات لذلك رأينا كثيرا من الدول في العالم الثالث قامت ببيع شركات القطاع العام إلى القطاع الخاص واشترطت أن يكون المشتري شريكا استراتيجيا أي له القدرة على شراء ما نسبته أكثر من 51 % من أسهم هذه الشركات ولأنه لا يوجد في العالم العربي والإسلامي رجال أعمال لهم القدرة المالية على أن يكون شركاء استراتيجيين أي لهم القدرة على شراء ما نسبته 51 % من قيمة الأسهم التي يملكها القطاع العام فإن الذي يفوز بشراء هذه الأسهم عادة هم أصحاب الشركات الرأسمالية الاستعمارية الغربية، وهنا تقع البلاد الإسلامية وبلاد العالم الثالث تحت سيطرة هؤلاء الرأسماليين سواء عن طريق امتلاكهم لمعظم الأسهم في هذه الشركات, أو الاستجابة لمطالب وشروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي تعني وضع السياسات الاقتصادية العليا للبلاد الإسلامية من قبل هاتين المؤسستين .
والخصخصة لا تتوقف عند حد معين بل تمتد لتشمل جميع نواحي الحياة سواء في المجال الاقتصادي أو التعليمي والخدمات الأخرى وهذا هو شرط منظمة التجارة العالمية فمثلا تقول سارة سيكس تين في مقالة لها عن الخصخصة تحت عنوان العام ينقلب إلى خاص: -
(إن الاتحاد الأوروبي مثلا يريد كل الدول والأعضاء في منظمة التجارة العالمية أن تفتح أنظمة توصيل المياه لديها أمام المنافسة لأن ذلك سوف يمنح فرص عمل للشركات الأوروبية التي تعمل في مجال المياه كما يظهر هذا التوسع والاستحواذ الجاري الذي تقوم به الشركات الأوروبية إذ احتلت الشركات التي تتخذ من فرنسا مقرا لها مثل (فيفتدي، وسويو ليونيو) المقدمة في خدمات توصيل المياه ...
إن الخصخصة في البلاد الإسلامية بشكل خاص وفي بقية دول العالم الثالث بشكل عام تشكل خطرا كبيرا على هذه البلدان وإذا ما تم تطبيق الخصخصة والتوسع فيها في البلاد الإسلامية وهذا يعني أن البلاد الإسلامية بكل ما فيها من ثروات اقتصادية وخدمات سوف تخضع لسيطرة الكافر المستعمر, فالثروات النفطية وآبار الغاز في البلاد العربية والإسلامية سوف تنتقل ملكيتها إلى هذه الشركات الرأسمالية العملاقة , وأكبر دليل على ذلك قانون النفط والغاز الذي أقرته الحكومة العراقية المرتبطة بالاحتلال الأمريكي مؤخرا هذا القانون يعطي هذه الشركات عوائد نفطية تقدر ب 80% من قيمة الإنتاج وأما الـ 20% المتبقية فتذهب إلى السلطات الإقليمية لتقدم عائداتها إلى المواطنين على شكل خدمات مثل توفير المياه والكهرباء والصحة والدواء والمواصلات الخ من الخدمات
وهذا يعني حرمان الشعب العراقي من الاستفادة من ثرواته النفطية بشكل كامل هذا أولا وثانيا فإن عائدات الـ 20% التي ستأخذها السلطات الإقليمية (أي المحافظات التي تبيع النفط ) سوف توزع على هذه المحافظات أي أن المحافظات التي لا يوجد فيها ثروة نفطية سوف تحرم من عائدات النفط, وبما أن النفط في العراق يتركز في الجنوب وفي الشمال فإن المستفيد من ذلك هم سكان المحافظات الجنوبية (الشيعة) وسكان المحافظات الشمالية (الأكراد ) أما سكان محافظات الوسط والغرب (السنة) فإنهم سوف يحرمون من عائدات النفط مما سيؤدي إلى نشوب نزاعات مذهبية وعرقية بين أبناء الأمة الواحدة .
وهناك مثال آخر في البلاد الإسلامية يبين خطورة الخصخصة وفسادها ومخالفتها للشريعة الإسلامية, فقبل مدة قصيرة قامت حكومة الإمارات العربية المتحدة بفرض رسوم مرور على السيارات التي تسير في شوارع معينه بحجة تخفيف الازدحام المروري ولكن هذا العذر واهٍ. والحقيقة أن هذه الشوارع السريعة والواسعة تقوم بإنشائها شركات خاصة مقابل أن تحصل هذه الشركات على رسوم عبور من كل سيارة تعبر هذه الشوارع بمدة تزيد عن عشرين عاما, وهذا يعني أن الحكومة قامت ببيع ما هو ملكية عامة لشركات خاصة وهذا مخالف للحكم الشرعي, ومن مخاطر الخصخصة في البلاد الإسلامية وسيطرة القطاع الخاص على الخدمات التعليمية أي أن التعليم الأساسي والثانوي والجامعي ربما يخضع في المستقبل لإشراف قطاع خاص أو أن القطاع الخاص سوف يمتلك التعليم ويخضع لسيطرته وهذا يعني حرمان قطاع كبير من أبناء الأمة الفقراء من القدرة على التحصيل العلمي العالي واقتصار التعليم على أبناء الأغنياء بالإضافة إلى وضع المنهاج التعليمي في المدارس والجامعات على أساس رأسمالي علماني يلبي حاجات ورغبات الدول الاستعمارية.
إن خطر الخصخصة وغيرها من المفاهيم الرأسمالية التي تسللت إلى بلادنا الإسلامية لا يمكن مجابهتها إلا من قبل دولة ترعى شؤون الناس وتسهر على مصالحهم وهذه الدولة هي الدولة الإسلامية التي تطبق شرع الله في الأرض لذلك نهيب بأبناء الأمة الإسلامية أن ينضموا فعلا إلى حزب التحرير وهو الحزب الوحيد الموجود في الساحة الإسلامية والذي يستطيع الوصول إلى قيام هذه الدولة بإذن الله سبحانه وتعالى, وإذا ما قامت هذه الدولة إن شاء الله فإنها سوف تعيد الأمور إلى نصابها وسوف تعود العزة والكرامة إلى الأمة وسوف توفر هذه الدولة الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والطمأنينة والرفاهية لكل أبناء المجتمع الإسلامي .
   
عادل مداوي    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير آي من الذكر الحكيم

الحلقة الخامسة والعشرون
الآيتان الخامسة والسادسة من سورة القصص


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد،
نحييكم أيها الإخوة المستمعون الكرام في كل مكان من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير في حلقة جديدة مع وقفات مع آيات من القرآن الكريم، نتناول فيها تفسير قول الله عز وجل في سورة القصص : } وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6){ القصص

أيها المستمعون الكرام:
بعد أن يذكر رب العزة سبحانه وتعالى في بداية السورة أنه سيقص من أنباء موسى وفرعون تلك القصة البليغة في المفارقة بين الحق والباطل والتي ذكرت أكثر من غيرها من القصص، ويبين أن فرعون قد علا في الأرض وتجبر في عباد الله حيث يقول : "نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)"
يتبع رب العزة هاتين الآيتين بطمأنة لعباده المخلصين الذين صبروا واحتسبوا ما حل بهم من قبل فرعون وملئه، واعداً إياهم بالتمكين في الأرض من بعد الاستضعاف وأن يجعلهم الحكام في الأرض وأن يورثهم أرض هؤلاء وديارهم، وأن يدمر على فرعون وجنوده ومن مالأه ويهلكهم، كل ذلك يأتي قبل أن يبدأ الله سبحانه مبيناً لما جرى في هذه القصة من أحداث بين الحق والباطل وكيف أن الله سبحانه وتعالى قد أحق الحق وأبطل الباطل، فالقصة تبدأ في عزم فرعون على قتل كل مولود في العام الذي ولد فيه موسى عليه السلام لما أخبره الكهنة بأنه سيولد في ذلك العام من يستولي على ملكه، فأوحى الله لأمه أن تضعه في التابوت وتلقيه في اليم وقدر الله أن يأخذه فرعون ويعيش موسى في كنفه، وأن يكون بعد ذلك نبي الله المرسل إلى فرعون، فتدور المعركة بين نبي الله وعدو الله الذي أصبح عنواناً للطغاة، فينصر الله عبده ورسوله ومن آمن معه ويهلك الله عدوه ومن آزره وناصره، قبل ذكر هذه التفاصيل في أكثر من ثلثي السورة تأتي الطمأنينة بكل أوجهها للمؤمنين :" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ"

أيها المستمعون الكرام:
إن فرعون مثال لكل الطغاة في كل عصر ومكان، ففرعون قد خلفه خلف من الطواغيت تفننوا في الحرب على الله وعلى دعوته وعلى حملة تلك الدعوة، من طغاة قريش والروم والفرس وأمريكا وروسيا اليوم ومن شابه هؤلاء، وقد خرجت أمريكا اليوم معلنة فرعونيتها بأبشع مما كان من فرعون بالأمس، فقتلت الملايين من الرجال والنساء والولدان والشيبان واستحيت النساء وأهلكت الحرث والنسل، وقد أخذت تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تمنع ظهور الإسلام من جديد في تكرار لما فعله فرعون من قبل في قتله كل مولود فاحتلت بلاد المسلمين ونهبت ثرواتهم وخيراتهم وطبقت ديمقراطيتها بقوة عليهم ونصبت حكاماً موالين لها ليحاربوا أي أمل في الأمة يعيد لها عزتها ورفعتها، وكذلك قالت أمريكا مثل ما قال فرعون من قبل : {...مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }غافر29 فحملت ديمقراطيتها العفنة وحريتها المزعومة للعالم لتطبقها جبراً عن الشعوب، وتبقي العالم في قبضتها، ولكن أنى لها ذلك وقد كان فرعون من قبل يرى مثل رأيها في أنه باق مخلد فأهلكه الله، وهكذا كل الطغاة فإنهم سيلقون من الله وعلى أيدي عباده المخلصين وجنوده ما يحذرون من علو الإسلام ورفع كلمته ورايته، وأن الأرض لله يورثها عباده الصالحين العاملين.

فاعملوا أيها المسلمون لرفع كلمة الله خفاقة بالعمل لإقامة الخلافة، واطمئنوا بالأمن والأمان والتمكين، وأنكم ستكونون الأئمة الوارثين لعروش هؤلاء الظالمين الذين سيلقون الهلاك على أيدي عباد الله
وسيبدوا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
نسأل الله أن يمكن لنا في الأرض وأن يجعلنا من عباده الوارثين لعروش هؤلاء الطغاة المتجبرين قريباً.

وإلى وقفة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة في الخلافة
"ما أشبه الليلة بالبارحة"
كان القرنان السادس والسابع الميلادي من أحط أدوار التاريخ، فقد تدحرجت الإنسانية إلى الدرك الأسفل، ولم يك آنذاك على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي، وكان الإنسان قد نسي خالقه، فنسي نفسه، وفقد رشده ولم يعد يميز بين الخير والشر والحق والباطل.
لقد أصبحت الديانات الكبرى آنذاك فريسة للعابثين والمتلاعبين ولعبة بيد المحرّفين والمنافقين حتى فقدت روحها وشكلها، فخفتت دعوة الأنبياء السابقين، وانطفأت المصابيح التي أوقدوها بفعل العواصف التي هبّت بعدهم، وأصبح نور رسالتهم ضعيفا ضئيلا بالكاد ينير بعض القلوب التي انسحب معظم أصحابها إلى صوامعهم وخلواتهم فراراً بدينهم من الفتن، أو اعترافاً بأن لا طاقة لهم بمواجهة الجاهلية بأدواتها وبطشها وسلطان عاداتها.
أما الكثرة الكثيرة من رجال الدين فقد أخذه تيار الحياة فأفسده، واصطلح مع الملوك الجبابرة وأهل الدنيا، وأعانهم على إثمهم وعدوانهم وأكل أموال الناس بالباطل على حساب الضعفاء.
لقد بلغ الانحلال الاجتماعي مداه فذابت أسس الفضيلة وانهارت القيم والأخلاق حتى صار الناس يستعيضون عن الزواج بالعلاقات المحرمة، وصار العدل سلعة يباع ويشترى وعمت الخيانة والرشوة، وأثقلت الشعوب بالضرائب والأتاوات لتأمين مصالح الملوك العابثين.
في وسط ذلك الظلام الدامس، يشاء الرحمن الرحيم أن يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وانطلقت دعوة التوحيد في بطاح مكة، وما هي إلا سنوات من الدعوة والصبر وبناء الرجال حتى مكّن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأرض وأقيمت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة، حيث اجتمع الحق والقوة في طاعة الرحمن لحمل رسالة الإسلام للعالمين بالدعوة والجهاد.
لقد أخذ الإسلام بيد البشرية وأخرج الملايين من الظلمات إلى النور، وتفيأ بظله وبأجوائه حتى من لم يؤمن به، فارتفع بهم من درك العيش الذي كانوا يعيشون، وقاد البشرية لقرون وقرون بخيرٍٍ لم تنعم البشرية بمثله.
واليوم وقد استدار الزمان دورته، وانتكست البشرية مرة أخرى، وأظلتها جاهلية جديدة أشد وطأة عليها من الجاهلية الاولى حيث أصبح مستقبل البشرية في ظلها في خطر، فما أحوج البشرية اليوم إلى دين محمد وإلى أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ليخرجوها من الظلمات إلى النور كما فعل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته الكرام.
يا أمة الإسلام، بيدكم علاج البشرية، الإسلام. فالتزموا أحكامه وأقيموا شرعه في خلافة راشدة على منهاج النبوة فتنقذوا أنفسكم والبشرية معكم من هذا الشقاء وتنالون ما هو أكبر من ذلك - رضوان الله ورحمته.
} يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم {
5 – 8 - 2007    
ابو انس – سيدني
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير آي من الذكر الحكيم

الحلقة الرابعة والعشرون
الآيتان 23 و 24 من سورة الأحزاب


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد،
نحييكم أيها الإخوة المستمعون الكرام في كل مكان من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير في حلقة جديدة مع وقفات مع آيات من القرآن الكريم، نتناول فيها تفسير قول الله عز وجل في سورة الأحزاب : } مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) { الأحزاب

أيها المستمعون الكرام:
قيل بأن الآية الأولى نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه وأصحابه، فقد روى مسلم في صحيحه عن سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ قَالَ أَنَسٌ عَمِّيَ الَّذِي سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا قَالَ فَشَقَّ عَلَيْهِ قَالَ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُيِّبْتُ عَنْهُ وَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَانِي اللَّهُ مَا أَصْنَعُ قَالَ فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا قَالَ فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ فَقَالَ وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ قَالَ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ قَالَ فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ قَالَ فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا } قَالَ فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ"
من المؤمنين أي أن هناك فئة من المؤمنين رجال، وهم ليسوا أي رجال وإنما الرجال الرجال الذين أخلصوا العمل لله عز وجل، واشتروا الآخرة بالدنيا فرخصت في أعينهم وضحوا في سبيل رضوان الله بكل ما يملكون، بأنفسهم وأموالهم فكانت سيرهم لا كسير غيرهم إذ خلد ذكرهم في الدنيا وحظوا بالأجر العظيم في الآخرة، هؤلاء الرجال قد صدقوا الله عز وجل على ما عاهدوه من الالتزام بأمره والعمل بفروضه وصبروا على ذلك وثبتوا فما ضعفت لهم قناة، وما تزعزت مواقفهم أمام العواصف العاتية، وما وهنوا أمام أعدائهم، فمنهم من توفاه الله سبحانه وتعالى وهو على تلك المواقف العزيزة ومنهم من ينتظر لقاء الله سبحانه وتعالى واللحاق بإخوانه وهو ثابت على مواقفه لم يبدل ولم يغير كحال من يضعف أمام المحن والملمات، بل ثبتوا وصبروا وانتظروا لقاء الله ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ثم يبين رب العزة بأنه جازيهم على صدقهم وأنه معذب أولئك الذين لا يثبتون على موقف وإنما يعاهدون الله فينقضون عهدهم، فهم منافقون إن شاء الله غفر وإن شاء عذب، وهم لا يقارنون بحال مع الرجال الرجال.

أيها المستمعون الكرام:
في ظل هذه الحالة المتردية التي تعيشها الأمة الإسلامية، في وضع لا يرضى عنه ساكن الأرض ولا ساكن السماء، ما أحوج الأمة إلى مواقف الرجال الرجال، ما أحوجها لأمثال أنس بن النضر رضي الله عنه وموقفه المشرف يوم أحد، ما أحوجها لأمثال أبي بكر رضي الله عنه وموقفه يوم موت الرسول صلى الله عليه وسلم ويوم الردة، ما أحوجها لموقف سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم أن نصر دعوة الله، ما أحوج الأمة لموقف الرجال الرجال في وجوه الطغاة الظالمين فينالوا أجر سيد الشهداء، فأين أصحاب المواقف، أين الذين يصدقون الله فيعملوا لتحقيق رضاه، أين الذين اشتاقوا للجنة فوالله إن ريحها دون أفضل الأعمال عند الله وهو العمل لإقامة الخلافة وتحكيم شرع الله، فهلا فكر رجال الأمة اليوم في الوقوف موقفاً يكون لهم عند الله شفيعاً ولمن يخلفه داعياً لذكرنا بخير واستغفار، فإنما الرجال مواقف يثبتون عندها تعرف عند الشدة والابتلاء ولا تظهر عند الدعة والرخاء، فإما أن يكون المرء حينها من الرجال الرجال، أو من الخونة والأنذال أو من الجبناء أشباه الرجال ولا رجال.
فاصدقوا الله واعملوا لتحقيق رضاه ولا تغيروا ولا تبدلوا بل اثبتوا حتى لقاء الله .


نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المخلصين، الرجال الرجال الذين يثبتون عند المواقف ولا يحيدون عنها، وأن يجنبنا النفاق والضعف والهوان.

وإلى وقفة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

مفاهيم خطرة على الإسلام والمسلمين
الأصولية : مفهومها وأصل نشأتها

الأصولية : كلمة عربية منسوبة إلى ( الأصل ) أي أساس الشيء وأسفله. فنقول أصول الشعر، وأصل الشجرة، ونقول أصل الكلمة وهكذا. ومع تطور المعارف الإسلامية وزيادتها، صارت كلمة الأصول تطلق على هذه المعارف. فيقال: أصول الفقه، وأصول الحديث، وأصول الدين، وأصول الحاجات والمصالح، وأصول التكليف، وأصول الفرق، وأصول الشريعة وهكذا. وصار يقال :أصولي نسبة إلى علم الأصول. وصار يقال الأصوليون والفقهاء وأهل الحديث .
لكن هذا المصطلح خرج عن أصله الذي كان يطلق عليه، حيث ظهر بمعناه الجديد في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وقد كانت حركة البروتستنت هي صاحبة هذه الفكرة، حيث وضعت مبادئ الأصولية في مؤتمر(نياجرا ) الإنجيلي عام 1878م وفي المؤتمر العام البروتستنتي عام 1910م. والفكرة الأساسية هي: رفض الكنيسة للعلوم والفلسفة الحديثة والتقدم العلمي كونها من نتاج المبدأ الرأسمالي .
يقول الكاتب ( محمد بن يحيى النجيمي في جريدة الحياة 8/5/2004م)
( وأصبح اليوم مصطلح الأصولية يعني عند الغربيين فِرقٌ من البروستانت تؤمن بالعصمة بكل كلمة من الكتاب المقدس ويدّعي أفرادها التلقي المباشر من الله ويعادون العقل, والتفكير العلمي ويميلون إلى استخدام القوة والعنف لفرض معتقداتهم الفاسدة.)
ومع تلاشي هذه الحركة البروتستنتية بعد عجزها عن تقديم حلول لمشاكل الحياة، إلا أنها تركت أثرا خلفها استغله أعداؤها، حيث استقر في أذهان الأوروبيين أن الأصولية تعني التخلف ورفض التقدم العلمي والصناعي. من هنا: نجد أن الساسة الأوروبيين ومن جاء بعدهم من غربيين، صاروا يطلقون هذا المصطلح على كل حركة تقف في وجه مشاريعهم، حتى يوجدوا رأيا عاما ضدها بين شعوبهم، لتكون ذريعة لهم حينما يبطشون بهذه الحركات والتنظيمات. ويضيف الكاتب (محمد بن يحيى النجيمي ) قائلا: (وعمدت وسائل الإعلام الغربية المعادية للإسلام إلى استخدام مصطلح (الأصولية الإسلامية) بهدف تشويه سمعة الإسلام لدى المستمع والمتلقي الغربي لأنه يعتقد أن مصطلح الأصولية في الإسلام يماثل مصطلح الأصولية عند الغرب التي تحارب العقل والتفكير والعلم والتقدم.)
فما أن بدأت الصحوة الإسلامية تظهر في بلاد المسلمين متمثلة بحركات التغيير الإسلامية، حتى صارت دول الكفر تنعتها بالأوصاف التي يمكن من خلالها أن تتمكن من البطش بهذه التنظيمات والحركات، ويدعمها من خلفها شعوبها المضللة.
فبعد محاولة اغتيال السادات، بدأت وسائل الإعلام المحلية والدولية تردد شعارات المرحلة، حيث سماها البعض بحرب الشعارات. فتارة يقولون: المتشددون وتارة الأصوليون، والرجعيون، وأخيرا الإرهابيون والأشرار والفكر الشرير. في ظلال هذه الحرب الإعلامية وهذه النعوت والأوصاف، شن الكفار وأعوانهم من الحكام العملاء حربهم على الأمة، وعلى الصحوة الإسلامية فيها. فامتلأت السجون والمعتقلات منهم، ومنهم من علق على أعواد المشانق، ومنهم من غيب في السجن دون أن يعرف عنه أي شيء، ناهيكم عن التعذيب الشديد الذي لاقوه من جلاوزتهم. والحق يقال: إذا كانت أمريكا قد أقامت للمسلمين معتقلي أبو غريب وجوانتانامو فإن حكام المسلمين قد سبقوها بعشرات السنين في هذا الإجرام.
إن هذه الهجمة الشرسة التي تشن على المسلمين وعلى الصحوة الإسلامية، إن دلت على شيء إنما تدل على مدى الخوف والرعب الكامنين في قلوب الكفار عموما وحكام هذه الأمة خصوصا من عودة الإسلام متمثلا في دولة الخلافة. وإلا فما الذي يعنيه القذافي عندما قال قبل سنوات: (اقتلوا الأصوليين قتل الكلاب). وما تحذيرات رامسفيلد وتوني بلير وبوتين والجنرال جون أبي زيد ومن قبلهم بوش، من الحركات (الإرهابية) وتخوفهم من زوال الأنظمة المعتدلة وقيام الإمبراطورية الإسلامية من إسبانيا إلى إندونيسيا إلا دليلٌ على عظم الخطر القادم المتمثل في دولة الإسلام. ولقد دأب الكفار ومفكروهم في عقد المؤتمرات ووضع الخطط والإستراتيجيات وإطلاق التحذيرات، ناهيكم عن شن الحروب الاستباقية كل هذا وذاك للحيلولة دون صحوة هذه الأمة وعودتها أمة عزيزة تقتعد مركز القيادة لأمم الأرض كلها.
يقول لورنس براون‏:‏ "‏إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي‏"

وفي عام 1952 قال دبلوماسي فرنسي: ( ليست الشيوعية خطراً فيما يبدو لي، فهي حلقة لاحقة لحلقات سابقة، وإذا كان هناك خطر فهو خطر سياسي وعسكري فقط، ولكنه ليس خطراً حضارياً تتعرض معه مقومات وجودنا الفكري والإنساني للزوال والفناء. إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديداً مباشراً وعنيفاً هو الخطر الإسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي. فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة. فهم جديرون أن يقيموا قواعد عالم جديد من دون حاجة إلى الاستغراب، أي من دون حاجة إلى إذابة شخصيتهم الحضارية والروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية العربية)
وفي مقال بقلم الدكتور/ علي بن عمر با دحدح ينقل فيه جملة من التصريحات الدالة على مدى خوفهم فيقول: تعليق في راديو إسرائيل في إحدى نشراته في الأعوام القريبة، يقول المعلق:
( إن عودة الروح الدينية للظهور من جديد في المنطقة، تشكل تهديداً مباشراً لمستقبل إسرائيل ومستقبل الحضارة الغربية بأسرها، يظهر ذلك أيضاً في كلام لخبيرة سياسية أمريكية اسمها روبن رايت:'(إن على الغرب أن يدرك أنه أعجز من أن يواجه هذه الصحوة مواجهة عسكرية، وإن من الأفضل أن يسالم الغرب الإسلام)' . ولذلك روبن رايت تقول مرة أخرى حول الأصولية الإسلامية: ' إن على أمريكا والغرب عموماً إدراك أن الأصولية الإسلامية لا يمكن أن تُحْتَوَى، أو يكون لها هزيمة عسكرية، أو مقاطعة اقتصادية؛ لأنها ليست ذات حدود ولكنها موجات تتحرك على مساحات شاسعة ' .
وتقول: ' إن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يتبناها الغرب هو التعايش والوفاق مع هذه الأصولية '، طبعاً من وجهة نظرها، وتقول: ' يجب أن نعترف أن الإسلام قوة أيدلوجية وقدرة ترشحه للبقاء فتيَّاً معافىً قادراً على العطاء وإثبات الحضور حتى قرننا المقبل '
ويقول( جيمس بل) أستاذ العلوم السياسية بأنه:('يتنبأ أنه من خلال الأربعين سنة القادمة، سوف يكون الإسلام الجماهيري قوة أيدلوجية في العالم' )
ويقول ( ألبير شامبو) في كتابه عن 'حمراء غرناطة': (هذا العربي الشجاع استطاع أن يغزو نصف العالم، وترك لنا في حمراء غرناطة آثار فخاره، إن هذا العربي الذي نام نوماً عميقاً قد استيقظ وأخذ ينادي العالم ها أنا لم أمت، من يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنج مهددة بالعرب المسلمين مرة ثانية في الوقت المناسب والزمن المناسب، فيحطمون الغرب عدوهم الأبدي ) .
ويقول السفير اليهودي في الأمم المتحدة: (إننا نشهد اليوم ظاهرة غريبة ومثيرة للاهتمام وتحمل في ثناياها الشر للمجتمع الغربي بأسره، وهذه الظاهرة هي عودة الحركات الإسلامية التي تعتبر نفسها عدوة طبيعية لكل ما هو غربي، وتعتبر التعصب ضد اليهود بشكل خاص، وضد الأفكار الأخرى بشكل عام فريضة مقدسة ).
وأصدر وزير الداخلية الفرنسي السابق أوامره إلى كبار موظفي الوزارة بإعداد تقرير عن فرنسا 'ذات الألف مئذنة والألف مسجد' على أن يبينوا كافة التفاصيل عن تأثير الأصوليين الإسلاميين .
فالظاهرة بدأت تأخذ حجمها في الخوف في داخل ديار القوم، وأحد الكتاب جير كيبل له كتاب [ فرنسا ضاحية الإسلام ]، وعنوان الكتاب ينبئ عن التخوف الكبير والرصد التحليلي الذي يعتمد على الإحصائيات والتنبؤات المستقبلية، فيقول: ' فرنسا ضاحية الإسلام كأنها أصبحت إحدى عواصم الإسلام ليس في العصر الحديث، وإنما في العصر الإسلامي الزاهر '،
وقد تم عقد عدة مؤتمرات ووضعت عدة دراسات واستخلصت منها العبر وتم وضع عدة توصيات متعلقة بالصحوة الإسلامية وخطر الأصولية
من هذه الدراسات حول الظاهرة الإسلامية:
أولاً: عقد مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة ' جورج تاون ' بواشنطن ندوة استمرت يومين عن العمل الإسلامي.
ثانياً: جمعية دراسات الشرق الأوسط في مؤتمرها السنوي العشرين والحادي عشرين في مدينة بوسطن وبلتمور في نوفمبر 1986م ـ 1987م تخصص هذين المؤتمرين لدراسة الظاهرة الإسلامية.
ثالثاً: تصريح بأن أحد الرؤساء في مراكز الأبحاث تلقى مبلغاً قدره خمسين ألف دولار من وكالة المخابرات المركزية مقابل تنظيم مؤتمر عالمي عن الإسلام الأصولي.
رابعاً: عقدت وزارة الخارجية الأمريكية عام 1987م سيمناراً حول الأصولية الإسلامية ووجهات النظر على السياسة الأمريكية .
خامساً: على مستوى أوروبا عقد مؤتمر أوروبي لمناقشة ظاهرة المد الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط، مما يدل أيضاً على أن القضية ذات طابع عملي ودراسة في هذا الباب .
ومن هنا يتنادى هؤلاء المذعورون إلى ضرورة الجانب العملي في هذا الباب، ولذلك من هذه الدراسات خلاصات تقول: ' لا بد من الاعتراف أن الحاجة ملحة لمزيد من المعلومات عن تكوين هذه الحركات وأعضائها.
من كل ما سبق ندرك تماما أن الغرض من تسمية المسلمين والحركات الإسلامية بالأصوليين، ليس مدحا لنا كما يحاول البعض أن يسمي ذلك، بل على العكس، إن هذا المصطلح خرج عن معناه الأصلي عند المسلمين وغلب عليه المعنى الجديد حين استعماله في وسائل الإعلام ألا وهو (التخلف ورفض التقدم والتطور) .
وفرق كبير بين وصفنا أنفسنا بالأصولية نسبة إلى ديننا (مع التزامنا بقيد الاستعمال)، وبين وصف الغربيين لنا بذلك. فالإسلام كان له فضل كبير على العالم كله حيث أخرجه من الفقر والتخلف العلمي والعبودية للأنظمة الجاهلية. وجولة سريعة في ميدان التاريخ تري ذلك الأمر بوضوح (راجع مقال بعنوان: أمتنا وبعض إنجازاتها الحضارية) د. غازي التوبة. بينما الأصولية النصرانية بل وحتى الرأسمالية نفسها رغم ما تدعيه بأنها صاحبة التقدم العلمي ونشر الحريات للشعوب إلا أن شعوب العالم الثالث بالذات لا تزال تكتوي بنيرانها. ناهيك عن تضرر العالم كله بمخلفاتهم الفكرية والصناعية. وأقرب مثالين على ذلك: زعمهم بأنهم سيجعلون العراق مثلا يحتذى في الديمقراطية، والمثال الثاني رفض أمريكا الالتزام باتفاقية الحد من الانحباس الحراري. في حين أن الرسول عليه السلام يقول ( لا ضرر ولا ضرار)
لذا فإنه ينبغي علينا كمسلمين أن ننتبه حين استعمالنا لهذه المصطلحات عملا بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). فإذا قلنا (نحن أصوليون) نبين للناس المقصود بذلك خشية أن ينصرف الذهن إلى المعنى الغربي لهذا المصطلح.
أخيرا أقول: إننا كمسلمين نعتقد يقينا أن المرحلة الحالية وما فيها من ضغط شديد على المسلمين، وشن للحروب عليهم، وصد كبير من حكامهم، إن كل ذلك إنما عقبة تؤول إلى الزوال وإن الأمة اليوم لتمر في مرحلة المخاض العسير والتي ليس بعدها بإذن الله إلا ميلاد دولة الخلافة التي بشر بها عليه السلام، وإنها لكائنة لا محالة مهما اتخذ الكفر وأعوانه من وسائل للحيلولة دون عودتها والصد عن سبيلها فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

   
أبو إسلام / جنين    

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير آي من الذكر الحكيم

الحلقة الثالثة والعشرون
الآية الرابعة بعد المئة من سورة النساء


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم واقتفى أثرهم بإحسان إلى يوم الدين:
أما بعد،
نحييكم أيها الإخوة المستمعون الكرام في كل مكان من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير في حلقة جديدة مع وقفات مع آيات من القرآن الكريم، نتناول فيها تفسير قول الله عز وجل في سورة النساء : } وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) { النساء

أيها المستمعون الكرام:
إن هنالك لصراعاً دائماً بين الحق والباطل، بين الفئة التي تكافح وتصبر وتثبت على طريق الرحمن والفئة الأخرى التي تمكر وتكيد على سبيل الشيطان، جبهة لا تنتهي إلا بقيام الساعة، والتمايز بينهما واضح بيّن لا مجال لمقارنة إحدى الجبهتين بالأخرى في كل شأن، فرب العزة سبحانه يثبت عباده المؤمنين في هذه الآية موضحاً لهم بأن من كان على درب الحق فإنه لا ينبغي أن يصيبه ضعف أو وهن في متابعة الكفاح والنضال على الجبهة، ولا ينبغي له أن يضعف أمام قوى الكفار والطواغيت، فإن هؤلاء الكفار يألمون ويصيبهم الجراح والإيذاء كما يصيب المؤمنين، وقبل ذلك فإن المؤمنين يرجون من الله سبحانه وتعالى بصبرهم وتحملهم الأذى مغفرة الله ورضوانه وجناته ونعيمه، وأما هؤلاء حماة درب الشيطان فإنهم لا يرجون شيئاً بأعمالهم سوى الدنيا الفانية الزائلة التي لا تساوي شيئاً أمام ما يرجوه المؤمنون، فيجب أن يكون هذا البيان دافعاً لهم ليكونوا أشد إصراراً على المواجهة والمدافعة وخوض غمرات الصراع لإعلاء كلمة الله ودينه، وأن يتابعوا عدو الله وعدوهم حتى يطيحوا بقوته وجبروته فلا تبقى له منعة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

لقد جاء النهي من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين عن الهوان والضعف أمام الأعداء في المعركة الدائمة القائمة فيما بين الفريقين في ثلاث آيات في كتاب الله العزيز، آية النساء هذه، وقوله سبحانه في سورة محمد : " {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }محمد35 وقوله في سورة آل عمران :{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران139
وفي ذلك تركيز من سبحانه وتشديد على هذه الفكرة التي تقتضيها عزة المؤمن وتوكله على الله عز وجل وإيمانه بأنه على درب الحق، فكيف يكون الهوان والضعف والمؤمن عزيز بدينه قوي بربه، وقد تعهد الله بعونه وحفظه إن سار وفق أوامره، كيف يصبح الضعف والهوان مصاحباً للمؤمن وهو يرى قوى الكفر الباغية بدلاً من أن يزيده قوة وتحدياً على المواجهة والمجابهة لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فالإيمان يقتضي ذلك الاندفاع في سبيل الحق لا التراجع والانكسار والخذلان.

أيها المستمعون الكرام:
لقد بين الله سبحانه وتعالى في غير آية من آيات كتابه بأن جزاء الصبر عظيم جزيل، وهو أجزل وأعظم عندما يتعلق الصبر بالقضايا المصيرية للأمة والعمل لإعلاء دين الله فوق كل دين وتحكيم شرعه في أرضه، ولنا في من كان أول من ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام مثل وأي مثل في عظم موقعهم من الله عز وجل ومن دينه وأمته، ومن هنا كان على المسلمين المخلصين في هذا الزمان وقد غاض شرع الله عن أرضه ووجب عليهم العمل لإعادته لواقع الحياة، وقد اشتدت الهجمة من جبهة الشيطان واستخدمت فيها الأسلحة كافة، أن يكون الإقدام من المؤمنين أعظم من إقدام هؤلاء على حرب الأمة لا أن يضعفوا ويصيبهم الهوان، فالقاعدة التي رسمها الله في هذه الآيات يجب أن تبقى حاضرة، فلا هوان والكفار يصيبهم ما يصيبنا ونرجو من الله ما لا يرجون، وقد جعل الله لكل ألم أو جرح أو جهد يصيب من يصبر ويثبت على درب الحق أجوراً مضاعفة : {... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }التوبة120


نسأل الله أن يقوينا ويثبتنا ويؤمن روعاتنا ويخفف جراحنا ويكثرها في أعدائنا، وأن يضاعف أجورنا ويجعلنا من عباده المخلصين الذين يدخلون الجنة بلا حساب.

وإلى وقفة أخرى أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info