بسم الله الرحمن الرحيم

على أبوابِ رمضان
يَعتَصِرُني الألمُ ويَحدوني الأمَل

بقلم: عبدِ الرحمنِ المقدسيِّ (تُرابْ)
الحمدُ لله شَقَّ النور ، وعَلِمَ هَواجِسَ الصدور ، نافذٌ أمرُهُ ، دائمٌ بِرُّهُ ، شديدٌ بطشُهُ ، واجبٌ حمدُهُ ، فتباركَ اسمُهُ وجَلَّ ذِكْرُهُ ، محمودٌ بكلِّ لسانٍ ، معبودٌ بِكلِّ زمانٍ ، مقصودٌ بكلِّ مَكانٍ ، وأشهدُ ألاَّ إلهَ إلا اللهُ الرحمنُ الرحيمُ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ بالقرآنِ رحمةً للعالَمينَ الداعيَ إلى توحيدِ اللهِ في الحاكميةِ... لا وطنيةٌ ولا علمانيةٌ , لا قوميةٌ ولا اشتراكيةٌ ولا ديموقراطيةٌ...
أما بعدُ .... أيها الناسُ:
ما أسرعَ الأيامَ تَمُرُّ كَلَمْحِ البصرِ وإنها واللهِ نذيرٌ للبشرِ, لا يَفرَحُ الإنسانُ بمرورِها بِقَدْرِ ما يَحْزَنُ على فَواتِهَا ، ففي تَصَرُّمِهَا انقضاءٌ للعُمُرِ وفي زوالِها تقريبٌ من الْحُفَرِ.
في هذه الأيامِ نستقبلُ أيامَ رمضانَ الغاليةَ والعزيزةَ على النفسِ بعدَ أنْ طُوِيَتْ منذُ عامٍ كاملٍ بما أودَعْنَاها منْ أعمالٍ ستشهدُ علينا غَداً أمامَ اللهِ تعالى .
فأهلاً وسهلاً بكَ أيها الضيفُ الحبيبُ حَلَلْتَ أهلاً ووَطِئْتَ سَهْلاً وحَيَّى اللهُ الْهِلالُ الذيْ يُبَشِّرُ بقدومِكَ... عُذراً عُذراً... أيُّ هِلالٍ؟!! بَلْ أهلَّةٌ!!!
وكيفَ لا وفلسطينُ والأردنُّ جِيرانٌ وكُلٌّ يَصومُ على حِدَةٍ!!!
ورَفَحُ ومِصْرُ تَوْأَمَانِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يسبحونَ!!!
وإنْ تعجَبْ فعجَبٌ قولهُم, أوْ تضحكُ فعَجَبٌ ضحِكهُم على المسلمينَ بقولِهم إنّ في اختلافِ المطالعِ وَحْدَةً!!! وأَيْمُ اللهِ ما سمعنا بهذا في المِلةِ الأولى !!!
أيُّها الإخوة ُالأكارِمُ :

إنَّ مِمَا يُضحِكُ الثكلى, ويُجهضُ الحُبلى, مناداةَ ُبعض ِ علماءِ المسلمينَ من أتباع ِالسلاطين ِ, بوضعِ ِمَرصَدٍ عام ٍبأمِّ القـُرَى ـ مَكة َـ لتكونَ مَرجعَاً دينياً للمسلمينَ كما الفاتيكانِ للنصارى الكاثوليكِ !!!
وهذا -لَعَمْرِيْ- طمسٌ للإسلام ِوإبعادٌ لهُ عن حقيقتِهِ الناطقةِ بأنهُ دينٌ ومنهُ الدولةُ . وهذا ما لا يَقبلُ بهِ مسلمٌ وَرِع ٌتقيٌّ لا مِنَ السابقين, ولا مِنَ اللاحقينَ !
فليسَ من التقوى أن يصومَ الأردنيٌ بالمُدورةِ والرَّمثا , وفي اليوم ِنفسِهِ يُفطرُ الحجازيُّ بحالةِ عمَّار! والسوريُّ بدِرعَا, وليسَ بينهُما إلاَّ بضعة ُأمتارٍ ! وغداً لا قدَّرَ اللهُ إن صارَ لأهل ِفلسطينَ دولةٌ ًـ مستقلةًٌـ فليسَ بمستبعدٍ أن يكونَ لهُم يومُ صوم ٍخاصٌّ بهم , أو يومانَ: يومٌ بدولةِ رامَ الله , وآخرُ بغزة !!! أو أن يصومَ أهلُ غزة َمعَ مصرَ !وأهلُ الضفةِ معَ الأردن !
على غرارِ دول ِالضرارِ المحيطةِ بهم , فقد أصبَحَ واللهِ من المُضحكاتِ المُبكياتِ كذلكَ, أنْ تصومَ بعضُ البلدان ِ الإسلاميةِ بعدَ يوم ٍأو يومين ِمن بَدءِ الصوم ِبقطرٍ إسلاميٍّ مُجاور!!
وقسّ على ذلكَ ما يجري في جميع ِإفرازاتِ سايكس بيكو العفنةِ , بحُدودِهَا المُصطنعةِ بينَ المسلمينَ تَحَسُّباً مِن وَحدتِهم , وإمعاناً في تمزقِهم وترسيخ ِفُرْقَتِهِم !!
آللهُ أمرَ بذلكَ أيُّها المسلمون !! أمْ أنهُم على دين ِاللهِ يَفترون!!!
جَفَّتْ مآقيْنا يا ربُّ فأسْعِفْها ، و أرْهَقَتْ كاهلَنا الذنوبُ فخَفِّفْها ، وتلاحقَتِ النكباتُ على أفئدتِنا فَوَاسِهَا وتقلَّبَتْ أحوالُ الضمائرِ والنياتِ فَطَهِّرْهَا وتَعَرَّضَتِ الأجسادُ لِسَخَطِ الجبارِ فأنْقِذْهَا وتوالَتْ صَيْحاتُ الاستغاثةِ فأغِثْهَا, وما زادَنا حكامُنا ومِنْ ورائِهِمُ الكفارُ غيرَ تخسيرٍ وتقتيلٍ وتدميرٍ.
أظْلَمَتِ الدنيا في وُجُوهِنَا يا ربُّ فَأَنرها... ببركة شَهْرِ العِزَّةِ والكرامةِ، شهرِ الفتوحاتِ والانتصاراتِ.
ها قدْ عادَ علينا رمضانُ وحالُنا وحالُ الامةِ كرجلٍ استوقدَ ناراً فلما أضاءَتْ ما حولَهَا جَعَلَ الفَراشُ يَقَعْنَ في النارِ, فقامَ الرجلُ يمنعُهُنَّ فلا يستطيعُ ويغلبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فيها. مِصداقاً لقولِ رسولِ الله صلى اللهُ عليه و سلم: (مَثَلِيْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ ناراً فلما أضاءَتْ ما حولَهَا جَعَلَ الفراشُ وهذهِ الدوابُّ التي يَقَعْنَ في النارِ يَقَعْنَ فيها وجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ فيَقْتَحِمْنَ فيها فذلك مَثَلِيْ ومَثَلُكُمْ أنا آخُذُ بِحُجُزِكُمْ عنِ النارِ, هَلُمَّ عنِ النارِ هَلُمَّ عنِ النارِ, فتغلبوني فتقتحمونَ فيها ). صَحَّحَهُ الألبانيُّ : انظرْ حديثَ رقمِ: ثمانيةٍ وخمسينَ وثمانِ مِئةٍ وخمسةِ آلافٍ في صحيحِ الجامعِ
حالٌ مؤلِمٌ مُوْجِعٌ تذوقُ فيهِ الأمةُ مَرارةَ الذلةِ والمهانةِ والنكباتِ, حيثُ الراقصاتُ والفناناتُ يُسْتَضَفْنَ في الْخِيامِ الرمضانيةِ ليتحدثْنَ عن فلسطينَ وتحريرِها والعراقِ وجحيمِها, ونضالِهِنَّ الطويلِ على خَشَباتِ المسرحِ والمسلسلاتِ والأفلامِ, وما أَعَدُّوْهُ من قِيامٍ لِلَيالِيْ رمضانَ عَبْرَ مسلسلاتٍ ساقطةٍ هابطةٍ جديدةٍ!!!
ها قَدْ أهلّ علينا رمضانُ... ولسانُ حالِهِ يقولُ لنا:
أينَ دينُكم، أينَ عزتُكم وكرامتُكم، أين خَيْراتُكم، أين غَيْرَتُكُم على أعراضِكم، أينَ جَمْعُكُم؟!!!
إِلى متى تَرْضَوْنَ بالفُرقةِ وأهلِها، الى متى ستُحِبُّوْنَ الحياةَ، إلى متى ستَرْكَنُوْنَ إلى الذينَ ظَلَمُوا، إلى متى يَنْجَحُ الكفارُ في تضليلِكم عن دينِكم ، إلى متى يَبيعُ بعضُكم دينَهُ بِعَرَضٍ من الدنيا زائلٍ ، إلى متى تُحِبُّونَ العاجِلةَ وتَذَرُوْنَ الآخرةَ ، إلى متى تُعِيْنُونَ حكامَكم ، إلى متى تُصَدِّقُونَ كَذِبَهُمْ ، قدْ طالَ التصاقُكُم بالأرضِ ، وعيشُكُم بين الْحُفَرِ ، ألا تشتاقونَ الى الجنةِ وحُوْرِ الْعِيْنِ؟!!!
يا أحفادَ الخلفاءِ الراشدينَ والقادةِ الفاتحينَ الأتقياءِ الأقوياءِ وناشرِيْ الحضارةِ الإسلاميةِ في العالمِ.
أهكذا يكونُ حالُ خيرِ أمةٍ أخرجَتْ للناسِ !
أيكونُ هذا الحالُ لأمةٍ كانَ أجدادُها أمثالَ محمدٍ الفاتحِ وهارونِ الرشيدِ وعبدِ الحميدِ الثانيْ وغيرِهم من عظماءِ هذهِ الأمةِ .
محمدٌ الفاتحُ الذيْ لم يُجَاوِزِ الثالثةَ والعشرينَ وقدْ شَرَّفَهُ اللهُ بِمَدْحِ رسولِهِ صلى اللهُ عليه وسلم بقولِهِ: ( نِِعْمَ الأميرُ أميرُها ونعمَ الجيشُ ذلكَ الجيشُ).
وعبدُ الحميدِ الثانيْ الذيْ لَمْ تُغْرِهِ الملايينُ التي عرضتْها اليهودُ لخزينةِ الدولةِ مُقَابِلَ التنازلِ لهم والسماحِ لهم بالاستيطانِ في فلسطينَ ورَدَّ عليهم بقَوْلَتِهِ المشهورةِ: ( إنَّ عَمَلَ الْمِبْضَعِ في بَدَنِيْ أهونُ عليَّ مِنْ أنْ أرى فلسطينَ قدْ بُتِرَتْ منْ دولةِ الخلافةِ).
وهارونُ الرشيدُ الذيْ أجابَ مَلِكَ الرومِ بَعْدَ نَقْضِ عَهْدِهِ مَعَ المسلمينَ والعُدْوانِ عليهِم برسالةٍ هَزَّتْ كِيَانَهُ قالَ فيها: ( مِنْ هارونِ الرشيدِ إلى نِكْفُوْرَ كَلْبِ الرومِ، الجوابُ ما تَراهُ دونَ ما تَسْمَعُهُ ).
هذهِ هيَ عِزَّةُ المسلمينَ الذينَ اعتزّوا باللهِ فأعزَّهُمْ
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورةُ المنافقون الآيةُ الثامنةُ
أيها المسلمونَ:
أقبلَ رمضانُ شهرُ الإسلامِ فأَرُوْا اللهَ من أنفسِكم خيراً وانتصاراً لدينِهِ.
اُهْجُرُوا العُزْلَةَ فليستْ مِنْ شِيَمِ الإسلامِ والمسلمينَ. وحَذارِ, حَذارِ مِنْ إِمَاتَةِ الدينِ بالعباداتِ الفرديةِ منْ صَلاةٍ وصِيامٍ وتِلاوَةِ قُرآنٍ فحسبْ ، ثم تَرْكِ مصيرِ الأمةِ بيدِ أعداءِ اللهِ ورسولِهِ، بلِ اقتحامٌ للعَقَباتِ وخَوْضٌ لِلْغَمَرَاتِ .
فَوَاللهِ الذيْ رَفَعَ السماءَ بلا عَمَدٍ تَرَوْنَهَا إنّ الكفارَ يريدونَ تفريق أمتكم وكَسْرَ شوكَتِكُمْ ومَحْوَ دينِكم، فماذا أعددْتُمْ لهذا التحديْ العظيمِ ؟
فأَعْلِنُوها رسالةً قويةً مُدَوِّيَةً من هذهِ الديارِ إلى إخوانِكم المسلمينَ في العالَمِ، أنَّكُمْ جُنْدٌ للإسلامِ ما غَيَّرْتُمْ ولا بَدَّلْتُمْ واصْعَقُوا الكافرينَ والحاكمينَ والخائنينَ بأنَّ بيتَ المقدسِ لنْ تُصْبِحَ إسرائيلَ، وستظلُّ إسلاميةً حتى تَصيرَ عاصمةَ المسلمينَ في الأرضِ، داراً للخلافةِ، مِصداقاً لقولِ رسولِنا صلى الله عليه وسلم : إذا نَزَلَتِ الخلافةُ ببيتِ المقدسِ فَثَمَّ عَقْرُ دَارِها.
إنكم حقاً قادرونَ على إعادةِ عِزِّكُم بدولةِ الإسلامِ فالدولُ الكافرةُ ضخمةُ الْمَظهرِ وَاهنةُ الْمَخْبَرِ، فأمريكا وما يُسَمَّى بإسرائيلَ وحكامُنا قَدْ دَنَتْ مَنِيَّتُهُمَا وانْكَشَفَ عَوارُهُما على يَدِ مُجَاهِدِيْ العراقِ وأفغانستانَ ولبنانَ وفلسطينَ.
نعمْ أيها الإخوةُ:
وأَيْمُ اللهِ إنهم يَخْشَوْنَكُمْ وأنتم تَدْعُوْنَ لدولةِ الخلافةِ الراشدةِ، وما رَفْضُهُمْ وصَدُّهُمْ لرسالةِ أميرِ حزبِ التحريرِ الْمُوَجَّهَةِ إلى الحكامِ, ملوكاً ورؤساءَ وأمراءَ... في بلادِ المسلمين, من أطرافِ المحيطِ الهادئِ حيثُ إندونيسيا شرقاً إلى شواطئِ المحيطِ الأطلسيِّ حيثُ المغربُ غرباً , التي وَجَّهَهَا مؤخراً اليهم لَخَيْرُ دليلٍ على رَفْضِهِمُ الحكمَ بالاسلامِ وصَفِّهِم جَهاراً نَهاراً في صَفِّ الكُفْرِ والكافرينَ. ذلكَ أنهم يعلمونَ عِلْمَ اليقينِ ماذا تَعْنِيْ بالنسبةِ لهم هذهِ الدولةُ .
كيفَ لا وَهُمْ الذين عَرَكوا قُوَّتَها يومَ كانتْ تَحْكُمُ العالَمَ ؟ أَوَلَمْ تُدَسْ أنوفَهم بحوافِرِ خُيولِ المسلمينَ وتمَُرِّغْ جبروتهم بغبارِ أقدامِ المجاهدين ؟
أَوَليستْ هيَ مَنْ جَعَلَتْ قلوبَهُمْ تَصِلُ الحناجرَ في مواقِعِ العزّةِ مثلِ اليرموكِ وحِطِّيْنَ وغيرِها ...
يَخْشَوْنَ دولتَنا الإسلاميةَ القائمةَ قريباً بإذنِ اللهِ لأنهم يعلمونَ بل ويعتقدونَ أنّ هذهِ الدولةَ سَتُطِيْحُ برؤوسِهِم العَفِنَةِ وستغيرُ مَجْرَى التاريخِ الذيْ ما فَتِئَ يَسيرُ مُعْوَجّاً فتصلِحُهُ وتضَعُهُ حيثُ يَجِبُ أنْ يكونَ.
فها هو بوشْ يقولُ في السادسِ من تشرينٍ الأولِ ألفينِ وخمسةٍ ميلاديٍّ ، مُشيراً إلى وُجودِ استراتيجيةٍ لدى مسلمينَ تَهْدُفُ إلى إنهاءِ النفوذِ الأميركيِّ والغربيِّ في الشرقِ الأوسطِ،فقالَ: إنه " عندَ سيطرتِهِم على دولةِ واحدةٍ سَيَسْتَقْطِبُ هذا جُموعَ المسلمينَ، ما يُمْكِنُهُم من الإطاحةِ بجميعِ الأنظمةِ في المنطقةِ، وإقامةِ إمبراطوريةٍ أصوليةٍ إسلاميةٍ من إسبانيا وحتى إندونيسيا".
وتَحَدَّثَ رئيسُ وزراءِ بريطاينا توني بلير أمامَ المؤتمرِ العامِّ لحزبِ العمالِ في السادسَ عَشَرَ منْ شَهْرِ تموزٍ ألفينِ وخمسةٍ ميلاديٍّ، فقالَ " إننا نُجَابِهُ حَرَكَةً تسعى إلى إزالةِ دَوْلَةِ إسرائيلَ، وإلى إخراجِ الغربِ من العالَمِ الإسلاميِّ، وإلى إقامةِ دولةٍ إسلاميةٍ واحدةٍ تُحَكِّمُ الشريعةَ في العالمِ الإسلاميِّ عن طريقِ إقامةِ الخلافةِ لكلِّ الأمةِ الإسلاميةِ".
ايها الاخوةُ الاكارمُ:
إننا على موعدٍ معَ الخلافةِ الراشدةِ الثانيةِ التي ستكونُ دُرَّةَ الدنيا ومَنارتَهَا .
ولكنْ دونَ العملِ هذا أعمالٌ عظيمةٌ، فَمُدُّوْا أيديَكُم إلينا في هذا الشهرِ الفضيلِ وقد طالَ انكفاؤُها وابْسُطوا أيديَكم في العملِ لتخليصِ الأمةِ وقدْ طالَ انقباضُها.
هَيَّا تَحَرَّكُوا وأَعْلِنُوْهَا خلافةً على منهاجِ النبوّة، ضَعُوْا أيديَكُم بأيدِيْ العاملينَ وانْصُرُوا دينَكُم في شهرِ الانتصاراتِ الْمَجيدَةِ والفتوحاتِ العتيدةِ.
فَهَلُمُّوْا إلينا ليتحقَّقَ على أيديْنَا جميعاً وَعْدُ اللهِ سبحانَهُ وبشرى نبيِهِ صلى الله عليه وسلم.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ سورةُ النورِ الآيةُ الخامسةُ والخمسونَ.


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

خطأ اعتماد الحساب الفلكي في نفي رؤية الهلال

أجاز بعض العلماء اعتماد الحساب الفلكي في النفي فقط؛ بمعنى أنه إذا جاء من يشهد برؤية الهلال، ودلت الحسابات الفلكية على أن رؤية الهلال مستحيلة أو غير ممكنة؛ فإن هذه الشهادة ترد. ( فالحساب إذا نفى إمكانية الرؤية البصرية؛ فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي، فضلا عن أن يُقَدم عليه". ومن شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده، في أي قضـية من القضــايا؛ فإن رأى الحـس أو العـيان يكذبها ردهـا ولا كـرامة.
فالبينـة شـرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسًا وعقلا وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان اسـتحال القول شرعًا، لاسـتحالة المشــهود به، والشرع لا يأتي بالمســتحيلات.أما شهادة الشهود فتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب).

أما الحساب الفلكي الذي اعتمدوه في نفي رؤية الهلال فإنه يقوم على الحقائق التالية:

يدور القمر حول الأرض مرة واحدة كل 29 يوما و 12 ساعة و48 دقيقة، وأثناء دورانه هذا نراه بأطوار مختلفة: مبتدئًا بالمحاق، ومروراً بالهلال المتزايد، ثم التربيع الأول والأحدب المتزايد، ثم البدر والأحدب المتناقص، ثم التربيع الثاني، ثم الهلال المتناقص، وعودة مرة أخرى إلى المحاق.
وفي كل يوم تشرق الشمس من جهة الشرق صباحا، وتغرب في جهة الغرب بعد حوالي 12 ساعة تقريبا، وكما أن الشمس تشرق وتغرب فالقمر أيضا يشرق ويغرب، ولكنه لا يشرق دائما ليلا ويغرب نهارا كما يعتقد الكثيرون! فالقمر يشرق كل يوم في موعد يعتمد على طوره؛ فعندما يكون القمر محاقا فإنه يشرق مع الشمس ويغيب معها تقريبا. وعندما يكون هلالاً جديداً (متزايداً) فإنه يشرق بعد شروق الشمس بقليل ويغرب بعد غروب الشمس بقليل. وعندما يكون تربيعاً أولاً فإنه يشرق عند منتصف النهار ويغيب عند منتصف الليل تقريبا. أما عندما يكون بدرا فإنه يشرق مع غروب الشمس ويغرب مع شروق الشمس. ولرؤية هلال الشهر الجديد في السماء الغربية فإننا نقوم بتحري الهلال في اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري.

ولا بد من توفر شرطين أساسيين تستحيل رؤية الهلال بغياب أحدهما:

أولا: أن يكون القمر قد وصل مرحلة المحاق (الاقتران) قبل غروب الشمس؛ لأننا نبحث عن الهلال، وهو
-أي الهلال- مرحلة تلي المحاق، فإن لم يكن القمر قد وصل مرحلة المحاق فلا جدوى إذن من البحث عن الهلال.
ثانيا: أن يغرب القمر بعد غروب الشمس؛ لأن تحري الهلال يبدأ فور بداية اليوم الهجري الجديد عند غروب الشمس، فإذا كان القمر سيغيب أصلا قبل غروب الشمس أو معها؛ فهذا يعني أنه لا يوجد هلال في السماء نبحث عنه بعد الغروب.
فإذا لم يتوفر أحد الشرطين السابقين؛ فإن إمكانية رؤية الهلال تسمى "مستحيلة".

ولكن حدوث الاقتران قبل غروب الشمس وغروب القمر بعد غروب الشمس غير كافٍ حتى تصبح رؤية الهلال ممكنة؛ فهل يمكن رؤية الهلال إذا غرب بعد دقائق معدودة من غروب الشمس مثلا؟ بالطبع لا، وذلك لأسباب عدة، منها:

أولا: غروب القمر بعد فترة وجيزة جدا من غروب الشمس يعني أنه ما زال قريبا من قرص الشمس، وأن طور المحاق (الاقتران) قد حدث قبل فترة قصيرة من غروب الشمس؛ فعند الغروب لم يكن القمر قد ابتعد ظاهريا في السماء مسافة كافية عن الشمس حتى تبدأ حافته بعكس ضوء الشمس ليرى على شكل الهلال.
ثانيا: إذا نظرنا إلى جهة الغرب لحظة الغروب فسنلاحظ الوهج الشديد للغسق قرب المنطقة التي غربت عندها الشمس؛ فإذا ما وقع القمر في تلك المنطقة فإن إضاءة الغسق الشديدة ستحجب إضاءة الهلال النحيل.
ثالثا: إن وقوع قرص القمر قرب قرص الشمس وقت الغروب يعني أن القمر قريب جدًّا من الأفق وقت رصده، ووقوع القمر قرب الأفق سيؤدي إلى خفوت إضاءته بشكل كبير جدًّا؛ فنحن لا نستطيع النظر إلى الشمس وقت الظهيرة، في حين أنه يمكن النظر إليها وقت الغروب بارتياح أحيانا؛ وذلك لأن أشعة الشمس وقت الغروب تسير مسافة أكبر في الغلاف الجوي؛ مما يؤدي إلى توهين، وتشتت أشعتها، ولا يصلنا منها إلا القليل. وهذا ما يحدث للهلال أيضا فالغلاف الجوي عند الأفق كفيلٌ بأن يشتت جميع إضاءة الهلال فلا نعود نراه.

فاستنتجوا مما سبق أن قرص القمر يجب أن يكون على ارتفاع مناسب عن الأفق الغربي، وأن يبتعد مسافة كافية عن قرص الشمس حتى تزداد نسبة إضاءته، ولكي يبتعد عن وهج الشمس وبالتالي يزداد سطوعه.

وإذا حدث الاقتران قبل غروب الشمس وغرب القمر بعد غروب الشمس، ولكنه لا يمكن رؤية الهلال لأحد الأسباب الثلاثة سالفة الذكر؛ فإن رؤية الهلال تسمى "غير ممكنة".

فلبيان خطأ الحساب الفلكي في رؤية الهلال نقول :
تعتمد جميع الحسابات الفلكية كما ذكرنا من قبل على مواضيع الرياضيات العالية : التكامل والتفاضل والقياس الفلكي والميكانيكي السماوي والفيزياء الفلكية وعلم نشوء الكون والكونيات وفيزياء الفضاء والبصريات الفضائية وعلوم القمر وجغرافيته الطبيعية والكواكب والأرصاد الجوية والاتصالات الفضائية والأجهزة الالكترونية الحديثة وتقنية الأقمار الصناعية، بالإضافة إلى مواضيع أخرى مثل الديناميكية الحرارية ومكانيك السوائل والتحديد الحراري والدينامكية الجوية والمسح الفضائي والتحليل الإحصائي.
فكل هذه الحسابات تعتمد على الفيزياء الميكانيكية لحركة الكواكب حول نفسها وحول غيرها من الكواكب ، وتصور لنا كيفية تلك الحركة . وهذه الفيزياء الميكانيكية التي تسمى أيضا بالفيزياء القديمة تعتمد بدورها على قوانين نيوتن للحركة ، فقوانين نيوتن مثلا تحدد لنا كيفية حركة الأرض حول الشمس وكم من الوقت يستغرق ذلك وحساب متى تشرق الشمس وتغرب الشمس ومتى يكون هنالك كسوف بالساعة والدقيقة والثانية وفي أي البلاد يكون كسوفا كليا وأين يكون جزئيا ، وأيضا تحدد لنا متى يكون الاقتران وأين ومتى يولد الهلال .
فخطأهم هو من ناحية إنزال تلك الحسابات الميكانيكية على رؤية الهلال، أي على انعكاس ضوء الشمس على القمر ثم وصوله انتهاء إلى الأرض ، فمثلا عندما يقولون : عند الغروب لم يكن القمر قد ابتعد ظاهريا في السماء مسافة كافية عن الشمس حتى تبدأ حافته بعكس ضوء الشمس ليرى على شكل الهلال ، قد افترضوا أن ضوء الشمس يسير في خط مستقيم وبسرعة ثابتة منذ خروجه من الشمس وانعكاسه على سطح القمر حتى وصوله إلى الأرض، فلم تراع هنا قوانين الفيزياء الكميه في تلك الحسابات, أي لم تأخذ في عين الاعتبار إمكانية انحناء الضوء متأثرا بالقوى المغناطيسية المحيطة به الناتجة عن جاذبية الشمس وجاذبية القمر ثم جاذبية الأرض ، ولم تراع أيضا تأثير الغازات الموجودة في الكون والغلاف الجوي للأرض على اتجاه الضوء . فالفيزياء الكميه أو ما يطلق عليها اسم الفيزياء الحديثة والتي وضع أسسها العالم ماكس بلانك في عام 1901م ثم جاء من بعد العالم أينشتاين ثم العالم هيبيي ، أوجدت قوانين جديدة لدراسة الضوء وظواهره وكيفية تولده وسيره وانحنائه وانعكاسه وانشطاره .
فمن خلال الفيزياء الكمية استطاعوا أن يفسروا تأثر الضوء بالمجال المغناطيسي ، حيث أن هذا الضوء يحتوي على فوتونات أي جزيئات دقيقة مشحونة تتأثر بالمجال المغناطيسي المجاور ، والذي ينتج عنه انحناء تلك الأشعة عن مسارها الطبيعي عند اقترابها جسم كبير ( كوكب مثلا ) يحيط به في مجاله المغناطيسي. فمثلا كسوف الشمس كسوفا كليا ثم ابتداء انجلاء هذا الكسوف تكون أكثر نقطة تتجمع فيها الأشعة هي تلك التي يبدأ عندها هذا الانجلاء حيث أن أشعة الشمس تنحي بمرورها بجانب المجال المغناطيسي للقمر متمركزة في تلك النقطة ، فتكون كثافة تلك الأشعة أكبر ما تكون في تلك النقطة ، وهذا ما تفسره قوانين الفيزياء الكمية، ولا تستطيع تفسيره الفيزياء الميكانيكية .
ولقد كان هناك عدة تجارب في مجال التأثير على الضوء على انحنائه وعلى تسريعه باستخدام المجال الكهروميغناطيسي، أهمها تلك التجربة التي أشرفت عليها جامعة ميونخ في ألمانيا في العقد الماضي , والتي نتج عنها تسريع سرعة الضوء لعدة أضعاف والقدرة أيضا على إبطاء سرعته. فهذا أيضا بجانب التأثير على انحناء الضوء وشدة انحرافه .
أما بالنسبة لرؤية الهلال في حالة المحاق فهي واردة، وتفسيره هو أن خروج القمر من المحاق وولادته بعد الاقتران السطحي، وهو أن تقع الشمس والأرض في مستوى واحد ويظل القمر خارج الأرض وعلى نفس مستوى الشمس والأرض دون أن يكون على نفس الخط الواصل بين الشمس والأرض ، فطالما القمر على هذا الحال فإنه حسب قياسات الفيزياء الميكانيكية فإنه يستحال رؤية ضوئه على سطح الأرض، ولكنه حسب الفيزياء الكميه فإن أشعة الشمس المنعكسة على سطح القمر تتأثر بجاذبية القمر مما يؤدي على انحنائها باتجاه الأرض ، كما أن هذه الأشعة تتأثر أيضا بجاذبية الأرض مما يؤدي أيضا إلى انحنائها باتجاه مركز الأرض ، فهذا الذي يفسر رؤية الهلال في حالة المحاق بعدة ساعات على سطح الأرض
فخطأ الفقهاء اليوم في تعيين إمكانية أو عدم إمكانية رؤية الهلال في وقت محدد يرجع إلى الخلط بين ولادة الهلال وبين رؤيته, فحملت الحسابات المتعلقة بانعكاس الضوء على سطح القمر ووصوله إلى الأرض أي حسابات الفيزياء الكمية على الحسابات المتعلقة بدوران القمر حول الأرض ودورانهما معا حول الشمس أي حسابات الفيزياء الميكانيكية .
الإسلام قد حدد لنا بداية شهر رمضان برؤية الهلال, قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فاقدروا له"
رواه البخاري ، ومسلم بلفظ أغمي ، فالإسلام بذلك قد حل لنا مشكلة الاختلاف في تعيين بداية شهر رمضان الكريم حيث حصرها فقط برؤية الهلال وليس بتولده .
فلو كان للمسلمين دولة خلافة واحدة لأصبحنا جميعا صائمين بشهادة مسلم واحد عدل، وانجلى هذا الخلاف وتوحدت كلمة المسلمين تحت راية خليفة المسلمين. اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوب المسلمين، وأن تهديهم سبل السلام، وأن تجعلهم يدا على من سواهم، وان توحد كلمتهم تحت راية خليفة المسلمين، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن والاهم إلى يوم الدين .

كتبه للإذاعة : أبو حكيم


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

إخراج المشركين من جزيرة العرب

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" لَأُخْرِجَنَّ ‏ ‏الْيَهُودَ ‏ ‏وَالنَّصَارَى ‏ ‏مِنْ ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا" رواه مسلم
قَالَ ‏ ‏مَالِك ‏ ‏قَالَ ‏ ‏ابْنُ شِهَابٍ ‏ ‏فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ ‏ ‏عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ‏ ‏حَتَّى أَتَاهُ ‏ ‏الثَّلْجُ ‏ ‏وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ‏ ‏فَأَجْلَى ‏ ‏يَهُودَ خَيْبَرَ ‏
والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله:" لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي ‏ ‏جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب كما هو معلوم.
وأمّا حقيقة جزيرة العرب، فقال مجد الدين في القاموس: جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضاً.
قال الإمام الصنعاني في سبل السلام: وأضيفت إلى العرب لأنها كانت أوطانهم قبل الإسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت أيديهم، وقد تضمنت الأحاديث إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة العرب ومنها الحجاز لأنها بعضها.
قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يُمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام، وقال الشافعي ومن وافقه: إلاّ مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال، فإن دخل خفية وجب إخراجه فإن مات ودُفن فيه نُبش وأُخرج ما لم يتغير، لقوله تعال: { إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ}.
إن من المنكرات العظيمة التي ارتكبها حكام البلاد العربية والإسلامية ولا سيما حكام الجزيرة أنهم خالفوا أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ومنها أنهم استقدموا دول المشركين وجيوشهم وأساطيلهم البرية والبحرية والجوية إلى بلاد جزيرة العرب فقتلوا المسلمين فيها وقتلوا المسلمين منها، حينما احتلوا العراق وأفغانستان وانطلاقهم من قواعدهم العسكرية في الجزيرة، فأضاف الحكام إلى نجاستهم نجاسة المشركين هم وما يسمى بالعلماء الذين أفتوا لهم بجواز استقدام المشركين إلى جزيرة العرب والاستعانة بهم، ولم يكتفي الحكام بتلك النجاسة بل قاموا ببناء الكنائس لأولئك المشركين فتساووا معهم في الإشراك وخرجوا من ملة الإسلام.
إن الذي سيخرج المشركين من جزيرة العرب ويقضي على الشرك في الأرض جميعها ويُطبق الإسلام ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويحمل رسالة الإسلام رسالة رحمة ونور إلى العالم أجمع هو دولة الخلافة القادمة إن شاء الله والتي من غنائمها الأولى تلك القواعد العسكرية الموجودة في بلاد المسلمين، { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً } * { وَنَرَاهُ قَرِيباً } وليس ذلك على الله بعزيز.

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الأستاذ أبي مالك بمناسبة كتاب الحزب للحكام


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ لما أعطي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ، حتى قال قائلهم‏:‏ لقي واللّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال‏:‏ يا رسول اللّه، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء‏.‏قال‏:‏ ‏(‏فأين أنت من ذلك يا سعد‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ يا رسول اللّه، ما أنا إلا من قومي‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة‏)‏‏.‏ فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا‏.‏ وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال‏:‏ لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحمد اللّه، وأثني عليه، ثم قال‏:‏ ‏(‏يا معشر الأنصار، ما قَالَهٌ بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها على في أنفسكم‏؟‏ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه‏؟‏ وعالة فأغناكم اللّه‏؟‏ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم‏؟‏‏)‏ قالـوا‏:‏ بلـي، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفْضَلُ‏.‏
ثم قال‏:‏ ‏(‏ألا تجيبوني يا معشر الأنصار‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ بماذا نجيبك يا رسول اللّه‏؟‏ للّه ورسوله المن والفضل‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أما واللّه لو شئتم لقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ‏:‏ أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسَيْنَاك‏)‏‏.‏
‏(‏أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم‏؟‏ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم‏؟‏ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار‏)‏‏.‏
فبكي القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا‏:‏ رضينا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم قَسْمًا وحظاً، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا‏.‏
لقد أعطى الأنصار النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان مُكَـذَّبا، فصدقوه، ومخذولا، فنصروه، وطريدا فآووه، وعائلا، فآسوه
وأعطاهم الله بذلك عز الدنيا وعز الآخرة، وأصبح حبهم جزءا لا يكتمل الإيمان إلا به،
عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق , ومن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله } .
وقد استدار الزمان على هيئته يوم طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبائل العرب النصرة، القبيلة تلو القبيلة،
فأكثرهم من خاف حرب الأصفر والأحمر إن نصره، وهم يعلمون أنه يطلب النصرة على أن يملكوا العرب والعجم، ويصبحوا سادة الدنيا، لكن أكثرهم آثر الشياه والنَّعَم، ومتاعا رخيصا زائلا من الدنيا
فما هي إلا سنوات قليلة، بعد أن من الله على هذه الدعوة برهط قليل من الأنصار، إلا والدعوة تجتاح الجزيرة بيتا بيتا، وقبيلة قبيلة، ثم تنتقل إلى فارس والروم تدك عروشهم، ويخلد الأنصار في سجل صفحات الخالدين، نالوا عز الدنيا والآخرة
وسود التاريخ صفحات أبي جهل وأبي لهب، وابني عبد يا ليل، وغيرهم ممن رفض نصرة هذه الدعوة، فما بكت عليهم السماء والأرض، ومضوا إلى عذاب أليم خالدين فيه أبد الآباد.
واستدار الزمان لنرى بأم العين، رفض الرويبضات عز الدنيا ومنازل الأنصار في الآخرة، يؤثرون على ذلك تبعية ذليلة للغرب الكافر، وحرصا على متاع قليل مقابل خدمة مصالح الكافر المستعمر
فما هي إلا سنوات قليلة بإذن الله تعالى، حتى يتذكرهم الناس في ظل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، لاعنين ، سائلين المولى عز وجل أن ينزلهم منازلهم التي يستحقون يوم القيامة،
ومنهم من سيدرك الخلافة فتنزله المكانة اللائقة بالخانع الذليل الذي أذل عباد الله، واستمرأ أن يبقي بلاد المسلمين نهبا للكافر المستعمر
ودعوة الحق ماضية، غير آبهة بمن لم يدرك عظيم شأنها، فهو الخاسر الأكبر، وأما هذه الدعوة، فمنصورة بإذن الله تعالى
منصورة بثباتها على الحق، منصورة باتباع نهج نبيها صلى الله عليه وسلم، مهما كانت الصعاب

وإن غدا لناظره لقريب

ثائر سلامة أبو مالك
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قتل من صرّح بسب النبي صلى الله عليه وسلم

عن ابن عباس رضي الله عنه: أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَقَعُ فِيهِ ‏ ‏فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ قَالَ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏وَتَشْتُمُهُ فَأَخَذَ ‏ ‏الْمِغْوَلَ ‏ ‏فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ فَقَامَ الْأَعْمَى ‏ ‏يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا صَاحِبُهَا كَانَتْ تَشْتُمُكَ ‏ ‏وَتَقَعُ فِيكَ ‏ ‏فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ ‏ ‏وَتَقَعُ فِيكَ ‏ ‏فَأَخَذْتُ ‏ ‏الْمِغْوَلَ ‏ ‏فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا ‏ ‏هَدَرٌ" رواه أبو داود والنسائي واحتج به أحمد.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في النيل: وفي حديث ابن عباس دليل على أنه يُقتل من شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً وجب قتله. ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الإجماع أن من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم بما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لأن حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة، وقال الخطابي: لا أعلم خلافاً في وجوب قتله إذا كان مسلماً.
وأما فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل العهد والذمة فقال ابن القاسم عن مالك: يُقتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلاّ أن يُسلم. ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق مثله.
وأما عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم لليهود الذين كانوا يقولون له السام عليك فلأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل أنهم لما لم يُظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وعلى أي حال فالذي عليه اليهود من الكفر أشد وإنما حقن دماءهم العهد، وليس في العهد ولن يكون على التأييد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم أو من غيرهم كالنصارى وملل الكفر فقد تعدى العهد فينتقض فيصير كافراً بلا عهد فيُهدر دمه ووجب قتله.
وإن ما يقوم به الكفار اليوم من انتهاك حرمة النبي صلى الله عليه وسلم والإساءة إليه ما هو إلاّ تنفيذ لمخطط وضعته دول أوروبا وأمريكا تهدف منه إلى إذكاء روح الحقد الصليبية لدى شعوبهم ضد الإسلام بعدما أيقنوا ولمسوا بأن الإسلام يكتسح حواجزهم وينفذ إلى عقر دارهم فيُسلم من يُسلم من شعوبهم، وبأن الإسلام هو البديل الطبيعي والفطري لعقائدهم الفاسدة وديمقراطيتهم العفنة ورأسماليتهم المتوحشة، ودولة الإسلام القادمة إن شاء الله هي التي ستُنفذ حمل رسالة الإسلام بقوة إليهم وإلى العالم أجمع بشكل عملي وهي التي ستثأر من الذين أساءوا إلى نبينا عليه السلام {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

تعليق على تعليق السيد منذرعبدالله بعنوان حاكم سوريا لم يعد يستحي
نعم أخي منذر، حاكم سوريا لم يعد يستحي، ولكن من من حكام العرب والمسلمين يستحي؟
إن كانت الأمة قد انطلت عليها أكاذيب النظام السوري حول الصمود والتصدي ومعركة التحرير والكرامة المفقودة وعزة المواطن وتحرير فلسطين والإعداد للمعركة وبناء الجيش وتهيئة المخابئ والملاجئ وحفر الخنادق في شوارع دمشق وماحولها وتزريق الأضواء وتخصيص 70% من الميزانية السورية منذ عام 1963 للشؤون الحربية وحسم مبالغ من رواتب العمال والموظفين الشهرية تحت مسميات المجهود الحربي والجيش الشعبي، وحملات الإعتقالات غير المسبوقة بتهم التجسس لصالح العدو وبتهم التعاون مع أعداء الأمة وبتهم التخطيط ضد المعركة القادمة وبتهم تسريب معلومات عن القوة العسكرية ، وغير ذلك كثير.
إن كانت انطلت على الأمة لوقت طويل هذه الأكاذيب وهذه الترهات حتى فضح الله جل اسمه أهلها كما سيفضحهم يوم الفضيحة الكبرى ويفضح علماء السلاطين الساكتين عليهم. فهل انطلت على الأمة أكاذيب حسين الأردن الذي كان يأكل في مطيخ جولدا مائير بينما الجيوش تتصارع مع يهود؟ وهل انطلت عليها أكاذيب عبد الناصر عندما وعدها بمعركة تحرير كبرى وإذ به يزج بها بمعركة اعتقالات وتنكيل كبرى ورثها للرئيسين الذين اغتصبا السلطة من بعده؟
هل غابت عن الأذهان شخصيات كذبت ومازالت تكذب على الأمة جمعاء أمثال قذافي ليبيا الذي أنكر السنة الشريفة وغير القرآن، واستبدله بأخضر باهت من نتاج الخيال والشيطان، حينما كان يحفر الأخدود ويقتل فيها حملة الدعوة لا لشيء سوا لقولهم ربنا الله؟
هل نسيت الأمة مافعلته ميليشيات نصارى لبنان بالمسلمين في الحرب الأهلية اللبنانية؟ وهل أصبح عدو الأمس صديق اليوم، حتى رأينا الماروني صار "أخاً" لمسلم، بينما يعادي هذا "المسلم" مسلما آخر لأنه ضد الماروني
هل ابتعد عن ذاكرتها علمانية فتح واشتراكيتها، فصار السير ورائها واجباً ليس فقط وطنياً بل دينيا أيضا؟ وأصبحنا نتفق مع يهود على تهدئة ونحن نتبجح بإنكارنا لهم!
أخي منذر، حاكم سوريا لم يعد يستحي. هذه كلمة حق. وكلمة الحق تدفعنا لإتمامها من باب مالايتم الواجب إلا به فهو واجب، بالقول، حكام الأمة الإسلامية لم يعد يستحون، نقضوا عهودهم مع أمتهم وأقاموها مع يهود. نفضوا أيديهم من يد ربهم ووضعوها مع الكافر المعادي.
حكام الأمة لم يعد يستحون، ولكن علماء السلاطين ومفتو الديار ومشايخ المنابر الرسمية لم يعد يستحون أكثر، أوّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفوا على مقارعة الحكام والتغيير عليهم، ورموا وراء ظهورهم أمر الله لهم خاصة وللمسلمين عامة، بعدم السكوت على المنكر وبعدم المبيت أكثر من ثلاثة أيام بلا خليفة يجمع الأمة كلها في دولة إسلامية واحدة.
حاكم سوريا لم يعد يستحي ولم يكن يستحي لاهو ولا أبوه، لبعدهم عن الإسلام ولكفرهم به، ولكن الحكام الآخرين الذين يدعون الإسلام، لا يستحون من الله وهم يحاربونه ليل نهار وبكل قوة معهم.
وصدق الله العظيم، أخي منذر عبدالله، حين يقول:
إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.

أبو هاني - سوريا
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

إثم القول على الله بغير علم
رَوَى ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْمًا ‏ ‏يَتَدَارَءُونَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا وَمَا جَهِلْتُمْ ‏ ‏فَكِلُوهُ ‏ ‏إِلَى عَالِمِهِ" رواه أحمد في مسنده

وروى أيوب عن ابن بليكة قال: سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية، فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله.
وصحّ عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون.
وقال الشافعي رحمه الله: سمعت مالكاً يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله، وذكره ابن عجلان عن ابن عباس.
وقال أبو حُصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر.
وعن ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل:"الله أعلم" فإن الله قال لنبيه {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} ‏
فإذا كان هذا قول سلف الأمة الأخيار من الصحابة والتابعين وهم خير القرون على الإطلاق علماً وعملاً وورعاً، فماذا يقول اليوم علماء هذا الزمان من الذين يتجرؤون على دين الله ويفتون الناس بغير ما أراد الله، ما بالهم يتقحّمون النار يبتغون عرض الدنيا، يُرضون حكامهم ويُسخطون ربهم، يُضلون الناس عن علم أولئك علماء السلاطين الذين قال فيهم رسولنا الكريم عليه السلام:" إذا رأيتم العلماء على أبواب السلاطين فخافوا على دينكم منهم".


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

خواطر حامل دعوة3:
القمح السوري.. والسنوات العجاف

صحيح أن سوريا هي البلد الوحيد بين المنظومة المسماة بالبلاد العربية في العالم الإسلامي التي تزرع قمحها وتملأ مخازنها منه ولاتحتاج لاستيراده كما تحتاج مصر مثلا لذلك. فالأصل أنها لديها "قوت يومها" وأكثر من ذلك، فهي تملك احتياطيها منه، مما لايؤرقها ولايؤرق أهلها.
ومع ذلك فإن المواطن في سوريا هو من أقل المواطنين في العالم العربي من ناحية الأمن، سواء السياسي أم الغذائي أم الصحي أم الوظيفي!
والغريب العجيب، أنه مع انفضاح الأنظمة العميلة في العالم الإسلامي بانكشاف ضحالة أمنها الغذائي وانكشاف مجونها واستهتارها بأقوات الشعب، فإن المديح انصبّ على سوريا وعلى قمحها الصامد والمتصدي لكل حملة تجويع تستهدفها. فقيل ما قيل، كلمات كذب وتلفيق، مثل أن حافظ الأسد هو المخطط لهذا الإكتفاء الغذائي، أو أنه هو الذي كان يصر على المثابرة في زراعة القمح استعدادا لمعركة التحرير، والمقصود هنا طبعا تحرير فلسطين، ولتفويت فرصة تجويع الشعب السوري على العدو الصهيوني.
والحقيقة هي غير ذلك تماما. ولكننا كأمة تتوق باستمرار لاختلاق صورة أبطال نتوهم وجودهم أو نتوهم قيامهم بأعمال سامية. بانتظار الأبطال الحقيقيين الذين تعودنا بروزهم من بين صفوف الأمة لانتشالها مما هي فيه.
إن القمح السوري لاعلاقة له بالرغيف السوري.
فبرغم أن القمح يُزرع بكثرة في سوريا، إلا أن أن أزمة الخبز لم تكل أو تمل يوماً في ربوع سوريا المعطاءة. بل إن سوريا كانت تشهد أزمات خبز خانقة في حين أن قمحها لايُسمح لها بطحنه وعجنه وخبزه، بأمر الرئيس!
حتى في أيام حالكة، كان الناس في سوريا يغبطون إخوانهم في مصر ولبنان لوفرة الخبز عندهم ولندرته داخل سوريا. والسر في ذلك يكمن في الأسد السوري وفي الدب الروسي.
ففي أيام الإتحاد السوفييتي كانت روسيا تفرض على كل دولة من الدول التي تدور في فلكها، ولو اسميا، تصدير مادة ما لها، وكانت تعتمد عليها كليا بذلك.
لم تكن سوريا في السبعينيات والثمانينات دولة نفطية بعد، بل كان يظهر عليها أنها دولة زراعية فقيرة، لذا كان من نصيبها أن تزرع القمح وتكيّسه وتصدره للدب الروسي بالنوعية الممتازة. ومايتبقى للشعب فقط النوعية الرديئة أو النوعية التي كان الدب الروسي لايأكلها. ومن هنا تداول الناس اسم "الخبز الأسمر" وهو الخبز الرخيص الذي يتبقى للناس ولكن بكميات غير كافية. ومن المفارقات، أنه ثبت بعدها أن الخبز الأسمر هو الأجود والأفضل غذائيا وصحيا.
وذهب الاتحاد السوفييتي إلى غير رجعة، وأخذ معه حافظ الأسد إلى قعر التاريخ. وبقي ما خطه أمر ذاك الطاغية، بأن تُزرع المساحات المخصصة بالقمح ويستمر الإنتاج، ولكن لم يعد يُصدر للمقبور السوفييتي. فأين يذهب؟
فرب رمية من غير رام. رأف الله تعالى بالمسلمين في شآم الخير والبركة بدعاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لها. واستمر تدفق القمح مذكرا بحال المسلمين في ظل الزراعة في الدولة الإسلامية ووفرة الخيرات عليهم.
أذكر أنه في موسم من مواسم القمح، في سنة من سنوات الظلم في ظل حافظ الأسد، وضعت شحنات القمح بأطنانها اللامتناهية في أكياس الشحن في مرفئ اللاذقية بانتظار الشحن للسوفييت. وطال الإنتظار، تتالت الأيام، ولأمر سياسي أو اقتصادي ما، تأخر الشحن، فنبت القمح في الجو الساحلي الرطب مع السوء في التغليف، فضاع الموسم وضاع الحصاد. فسُحبت كل كميات القمح من بين أيادي الناس بالقوة، وأرسلت للإتحاد السوفييتي، وعانى الناس ماعانوه جراء ذلك.
إن تقزيم المشكلة الإقتصادية في العالم الإسلامي بمشكلة قمح هو ذر للرماد في العيون. وإن تحويل الشأن السوري من حكم متجبر وظالم ومحارب لله ولرسوله وللمسلمين، إلى موضوع الغذاء والقمح هو الظلم بعينه وهو التعتيم الكبير على الحقيقة.
فمتى كان الجلاد يرأف بضحاياه، ومتى كان الذئب يلتفت لإطعام فريسته قبل أن يقتلها، ومنذ متى كان الحمل الوديع آمنا في أحضان ذابحه!
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

انبثاق الفرَج من رحِم الشدّة

إن تصدي الحق ووقوفه أمام الطغيان الباغي ما هو إلا سنة الله على هذه الأرض التي لا تتخلف ولا تتبدل على مدار الزمان .

والناظر للأحداث التي حدثت في الأمم التي خلت من قبلنا والأحداث الواقعة في أيامنا هذه يرى أن الطغيان دائماً يمتاز بقوة الحكم والسلطان بل أن قوته تكون قوة الطاغية المتجبر اليقظ الحذر.
والحق يكون لا حول له ولا قوة ولا ملجأ ولا وقاية ولا حماية إلا الله عز وجل .

ولكن هذه القوة والجبروت والحذر لا تغني للباطل عن شيء بل لا تمكنه من الحق، وكيف يكون ذلك وهو في حراسة القوة الحقيقية، القوة الوحيدة التي بيدها الأمر وتدفع السوء وتعمي العيون بل وتتحدى الباطل تحدياً سافراً.

وتأتي الآيات الأولى في سورة القصص مبينة هذا التحدي ومعلنة انتصار الحق على الباطل مهما علا الباطل وطالت مدته ، تأتي على شكل حلقات لقصة من عدة مشاهد ما أن يسدل الستار عن مشهد حتى يرفع عن مشهد آخر تترابط أحداثها مع بعضها البعض.

قال تعالى : "وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"
أي نريد أن نتفضل وننعم عليهم .

وتلك حكاية مضت .... حكاية فرعون وظلمه وكيف أنه علا في الأرض وتكبر وتجبر فأوقع على الناس أشد صور الاضطهاد والبغي ، على أناس لم يحملوا عقيدته وأنكروا ألوهية فرعون ودانوا للواحد القاهر الجبار .

فهؤلاء المستضعفون الذين يتصرف الطاغية في شأنهم كما يريد له هواه البشع وتحكمه في عيشهم إلا انه كان يخافهم ويحذرهم فيبث عليهم العيون والأرصاد ويتعقب نسلهم من الذكور فيسلمهم إلى الشَّفَّارِكالجزار.

هؤلاء المستضعفون يريد أن يمنَّ الله عليهم بمهابة من غير تحديد ويجعلهم أئمة وقادة لا عبيداً ولا وتابعين ، وأن يورثهم الأرض المباركة وأن يمكنهم فيها ويجعلهم أقوياء راسخي الأقدام مطمئنين، فيحقق الله ما يحذره فرعون وما يتخذ الحيطة دونه وهو لا يشعر .

هكذا كان التصوير القرآني قبل بدء عرض القصة ، والقلوب معلقة بأحداثها ومجرياتها وما ستنتهي إليه.
قوة تقف وجهاً لوجه مقابل قوة
قوة فرعون المنتفشة المنتفخة التي تبدو للناس قادرة على الكثير أمام قوة الله الحقيقية القوة الهائلة التي تتهاوى دونها القوى الظاهرية الهزيلة التي ترهبها الناس وتخافها.

ثم تبدأ القصة ويبدأ التحدي ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، بياناً منه سبحانه أن لا قوة تعلو قوة الحق بيد القادر التي تعمل سافرةً دون ستار.

فيأتِِي أمر الله : " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ "
مشهد الأم التي تضع أبنها، وهو في حضنها، وفي رعايتها، فإذا خفت عليه وفمه في ثديك وتحت عينيك "فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ"
فيستكمل الخطاب بـ : " وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ " مطمئناً لها بأن لا تخاف ولا تحزن بل ومبشراً لها أنه سيُردُ إليها بل وإنه سيكون أيضاً من المرسلين .

فيسدل الستار عن هذا المشهد العظيم ليأتي بعده مشهد آخر مشهد الأم الحائرة التي تتلقى الإيحاء المطمئن لها المبشر المثبت المريح فينزل البرد والسلام على قلبها.

فتتتابع المشاهد من مشهد إلى آخر كلها لتحقق الوعد المنشود والذي يصب في نصرة الله للحق .
فمن التقاط فرعون لموسى إلى طلب زوجته منه بأن لا تقتله "عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"
أي قدرة تلك التي تدفع فرعون للإبقاء على حياة موسى بل والبحث عمن ترضعه والخوف عليه من الموت أو الذبول ، وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنوده. فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون.
ومن ثم عودة إلى مشهد الأم المسكينة التي وصف القرآن قلبها بصورة حية " فَارِغًا " لا عقل فيه ولا وعي حتى كادت تقول أنا أمه فربط الله على قلبها بالصبر لتكون من المؤمنين المصدقين بوعد الله .
ولكن أم موسى لم تسكت وأبت الانتظار دون عمل فكان لا بد من بحث ومحاولة.

فقالت لابنتها " قُصِّيهِ " أي اتبعي أثره واعرفي خبره إن كان حياً. فلم تتوان الفتاة عن تلبية طلب أمها، لعلمها أن الوصول إلى الغاية لا بد من عمل وأن وعد الله لا يتحقق للمتقاعسين.
وبعد الصبر والعمل والمثابرة يأتي وعد الله وتتحقق البشرى يقول الله تعالى : " فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ "
وقد عاد الطفل الغائب إلى أمه الملهوفة معافى في بدنه مرموقاً في مكانته يحميه فرعون وترعاه امرأته .
فجاءت هذه المشاهد لتبين أين يكون الأمن وأين تكون المخافة، وتعلم أن الأمن إنما يكون بجوار الله والتوكل عليه خير توكل والصبر والعمل والتبات والتصديق بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد.

وسنة الله لا تتبدل ولا تتغير ، ونحن هذه الأيام في الذكرى السابعة والثمانين لهدم الخلافة وفي صراع مرير لاستئناف الحياة الإسلامية منذ أكثر من سبعة وخمسين عاماً من العمل الجاد المجد.
والهجمة على الإسلام وأهله تزداد يوماً بعد يوم فاشتد الكرب وازداد الابتلاء على حملة الدعوة المخلصين في الأرض وازداد الصد والأذى في سبيل الله ، وطغى السلطان وبات هناك فراعنة في هذا الزمان.
فمن سجن وتعذيب وملاحقة إلى صدٍ حتى عن إحياء هذه الذكرى الأليمة.
فكان من الناس من يقول : لقد كثرت ألوان الفتن والتضليل والتحريف وتأخر النصر فهل من سبيل؟؟
وهل من مخلص يخلصنا مما نحن فيه من ذلٍ وهوان واستضعاف ؟؟
أين أهل القوة والمنعة ؟
ألا من ناصرٍ لهذا الدين؟؟
فهل انعدم الرجال وبتنا في زمن الجبناء؟
والكثير من هذه الأسئلة التي تتبادر في أذهان الناس وبعض حملة الدعوة، فمنها ما يُسمع على ألسنتها ومنها ما يجيش في الصدر دون تصريح، دلالة على النفسيات الراقية التي تتطلع إلى النصر وتتوق إلى العزة بل وكرهت عيشة الذل والمهانة .

وهنا نقول
إن الله تبارك وتعالى العزيز الرحيم العليم الحكيم القادر المقتدر إنما أمره بين الكاف والنون وهو الراعي والحارس لهذا الدين والحامي لهذه الدعوة وأهلها كما حرس موسى بعينه التي لا تنام ورده إلى أمه لتقر عينها .
والله تعالى وعدنا ووعده الحق وعد هذه الفئة العاملة المخلصة بالاستخلاف والتمكين والسنا والرفعة قال تعالى : " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "
فهذه الآية فيها وعد جازم بالاستخلاف والتمكين لمن آمن وعمل صالحاً بصدقٍ وإخلاص ومثابرة دون كلل أو ملل ولا نظر إلى متاع الدنيا من مناصب أو إرضاء لعباد الله دون الله ولا خوف من الظالمين وأعوانهم.
فالمسير وأن طال والاحتكاك والمواجهة وإن ازدادت فما هي إلا إرهاصات انبلاج فجر الحق ودنو ولادة عملاق الخلافة ليعود المسلم عزيزاً ممكنا في الأرض كما كان وينشر الله الإسلام فلا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا ودخل إليه الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل.
عز يعز فيه الإسلام وأهله وذل يذل به الشرك وأهله

نسأل الله العليّ القدير أن يجعلنا من شهودها وجنودها

اللهم استجب اللهم آمين.

أم سدين - بيت المقدس

   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة الشيخ أبي الحسن الأنصاري
تاقت لمؤتمر الخلافة نسوة


تاقت لمؤتمر الخلافة نسوة

حملت على الأكتاف من تبعاتها

يرفعن رايات العقاب بأنفسٍ

آلامها دلت على غاياتها

وهتفن باسم الله دون تردد

ونسجن ثوب العز من كلماتها

فرمت عليهن السهام تجنيا

تلك التي تقتات من زلاتها

أختاه إن القوم طاش صوابهم

وكذا العجول تهيج في ساحاتها

قد كان أحرى أن يصوب سهمهم

لنحور من قد أجرموا ببناتها

يا من ركعتم للعداة تزلفا

عل العداة تجود من لبناتها

لستم حماة الدار بل سراقََها

بل أنتم من رحبوا بغزاتها

مهدتم صعب السبيل لبيعها

وفتحتم أبوابها لجناتها

جندتم أبناء أمة أحمد

حتى يكونوا من حماة عُداتها

وأسرتم الأحرار من أبنائها

وضربتم أشرارها بهداتها

سبحان ربك كيف يصبح مسلم

لبني القرود مصانعا لسراتها

ويذود عن أقفاصها متذللا

وكأنه من جنسها وذواتها

نسل اللئام عليك نقمة ربنا

أنت الذي من زاد في علاتها

وعلى الذين أتو بكل كبيرة

خنقت عباد الله في ويلاتها


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الخامسة والأخيرة

فرض تنصيب خليفة للمسلمين


سنبحث في هذه الحلقة معنى الخلافة والأحكام الشرعية المتعلقة بها ووجوب إعادتها ووجوب العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، وإقامة دولة الإسلام، ونصب خليفة ونبين إثم القعود عن هذا الواجب. فما معنى الخلافة؟...

الخلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا. وهي إقامة لأحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة، فالإمامة والخلافة بمعنى واحد. وقد وردت الأحاديث الصحيحة بهاتين الكلمتين وبمعنى واحد، ولم يرد لأي منهما معنى يخالف معنى الأخرى في أي نص شرعي، أي لا في الكتاب ولا في السنّة لأنهما وحدهما النصوص الشرعية. ولا يجب أن يلتزم بهذا اللفظ ، أي الإمامة أو الخلافة، وإنما يلتزم بمدلوله.

ونصب خليفة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به ـ كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين ـ وهو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي يعذب الله عليها أشد العذاب.

وقد تضافرت الأدلة على وجوب نصب خليفة على المسلمين في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.

أما الكتاب، فإن الله تعالى أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم - بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله، وكان أمره له بشكل جازم، قال تعالى مخاطباً الرسول عليه السلام : ( فَٱحۡڪُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ‌ۚ )[المائدة: 48]. وقال : ( وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَہُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ‌ۖ )[المائدة: 49]. وخطاب الرسول هو خطاب لأمته ما لم يرد دليل يخصصه به، وهنا لم يرد دليل تخصيص فيكون خطاباً للمسلمين قاطبة بإقامة الحكم. ونصب خليفة يعني إقامة للحكم والسلطان. كما أن الله تعالى فرض على المسلمين طاعة أولي الأمر، أي الحاكم الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله وليس الحاكم الذي يحكم بشرعة الكفر كحكام اليوم، فهؤلاء لا طاعة لهم علينا. وهذا يدل على وجوب وجود ولي الأمر على المسلمين. قال تعالى : ( يَـٰٓأَيُّہَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ‌ۖ )[النساء: 59]. ولا يأمر الله بطاعة من لا وجود له. ولما يأمر الله بطاعة ولي الأمر فإنّه يكون قد أمر بإيجاده. فدل هذا على أن إيجاد ولي الأمر واجب. لأن وجود ولي الأمر يترتب عليه إقامة الحكم الشرعي. وترك إيجاده يترتب عليه تضييع الحكم الشرعي. وتضييع الحكم الشرعي فيه الحرمة والإثم.

وأما السنّة فقد روى مسلم " ‏عَنْ ‏زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ ‏عَنْ ‏نَافِعٍ ‏قَالَ ‏جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏إِلَى ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ ‏حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ ‏الْحَرَّةِ ‏مَا كَانَ زَمَنَ ‏يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ‏فَقَالَ اطْرَحُوا ‏لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ‏وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ ‏أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُهُ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏يَقُولُ ‏مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏لَا حُجَّةَ ‏لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ ‏بَيْعَةٌ ‏مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏".[رواه مسلم]. فالنبي – صلى الله عليه وسلم- فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون إلا للخليفة ليس غير. فالرسول هنا أوجب على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة لخليفة، ولكنه لم يوجب مباشرة البيعة من كل مسلم للخليفة. فالواجب هو وجود بيعة في عنق المسلم. فوجود الخليفة هو الذي يوجد في عنق المسلمين بيعة سواء بايعوا بالفعل أم لم يبايعوا. ولهذا كان الحديث دليلاً على وجوب نصب الخليفة وليس دليلاً على وجوب أن يبايع كل فرد الخليفة. لأن الذي ذمّه الرسول هو خلو عنق المسلم من بيعة حتى يموت، ولم يذم عدم البيعة. " عَنْ‏ ‏أَبِي الزِّنَادِ ‏عَنِ ‏الْأَعْرَجِ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ ‏يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ ‏وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ أَمَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرًا ‏". [رواه أحمد].

وروى مسلم " عَنْ ‏أَبِي حَازِمٍ ‏قَالَ ‏قَاعَدْتُ ‏أَبَا هُرَيْرَةَ ‏خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏كَانَتْ ‏بَنُو إِسْرَائِيلَ ‏تَسُوسُهُمْ ‏الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ " [رواه مسلم]. و" عَنْ ‏ابْنِ عَبَّاسٍ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ‏"[رواه البخاري]. فهذه الأحاديث فيها إخبار من الرسول بأنه سيتولى أمر المسلمين ولاة، وفيها كذلك وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. ووصف الإمام بأنه جنة هو إخبار عن فوائد وجود الإمام وهو في الوقت نفسه طلب. لأن الإخبار من الله ومن الرسول إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. كما أن هذه الأحاديث تبين أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهذا يعني طلبا لإقامتهم، وفيها تحريم خروج المسلم من السلطان، لأن من خرج من سلطان الإسلام خلع من عنقه البيعة فإذا مات على هذه الحال مات ميتة جاهلية. وقد أمر الرسول – صلى الله عليه وسلم- بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم، وهذا الأمر يتضمن إقامة خليفة، ولزوم طاعته والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. " عَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏قَالَ ‏مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ".[سنن أبي داود] . فالأمر بطاعة الإمام هو أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة تفيد الجزم بأن لا يكون هناك في الدنيا أكثر من خليفة واحد، وأن يكون وجوده على الدوام. أي إذا مات أو عزل لابد من مبايعة غيره.

وأما إجماع الصحابة فإنهم رضوان الله عليهم أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، فأجمعوا على تنصيب أبي بكر خليفة للمسلمين ولما توفي أقاموا عمر مكانه ومن بعده عثمان ثم عَلِيًا رضي الله عنهم جميعا. وهكذا كلما توفي واحد خلفه الآخر. وقد ظهر إجماع الصحابة وتأكيدهم على أن تنصيب خليفة هو من أولى الأولويات، حينما أخروا دفن الرسول – صلى الله عليه وسلم - واشتغلوا بمبايعة من سيخلفه. مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض، ويحرم على من يجب عليهم تجهيزه ودفنه الاشتغال بشيء غيره حتى يتم الدفن. فالصحابة الذين من المفروض أن يقوموا بتجهيز الرسول ودفنه، اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة، وسكت القسم الآخر عنهم ولم ينكروا عليهم ذلك. وشارك الجميع في تأخير الدفن ليلتين، ولا يكون ذلك إلاّ إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. فكان ذلك إجماعاً على أن الاشتغال بنصب الخليفة يتقدم عن أي شيء آخر. وقد أجمع الصحابة طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة، ومع اختلافهم على الشخص الذي ينتخب خليفة فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين، فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

فإقامة الدين وتنفيذ أحكام الشرع في جميع شؤون الحياة فرض على المسلمين بالدليل، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة. ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ بحاكم ذي سلطان. والقاعدة الشرعية تقول : ( ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب) فكان نصب الخليفة فرضاً من هذه الجهة أيضاً.

فهذه الأدلة صريحة بأن إقامة الحكم والسلطان فرض على المسلمين، وصريحة بأن الخليفة هو من يتولى الحكم وذلك من أجل تنفيذ أحكام الشرع، لا مجرد حكم وسلطان. انظر قوله – صلى الله عليه وسلم- فيما روى مسلم عن طريق عوف بن مالك " ‏خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا ‏ ‏نُنَابِذُهُمْ ‏عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ".[رواه مسلم]. فهو صريح في الإخبار بالأئمة الأخيار والأئمة الأشرار، وصريح بتحريم منابذتهم بالسيف ما أقاموا الدين، لأن إقامة الصلاة كناية عن إقامة الدين والحكم به. ففرض وجوب وجود خليفة يقيم أحكام الإسلام، ويحمله بالدعوة والجهاد، أمر لا شبهة في ثبوته في نصوص الشرع الصحيحة. وهذا الفرض هو فرض على الكفاية، فإن أقامه البعض ووجد فقد سقط عن الباقين، وإن لم يستطع أن يقيمه بعضهم ولو قاموا بالأعمال التي تقيمه فإنه يبقى فرضاً على جميع المسلمين، ولا يسقط عن أي مسلم ما دام لم يوجد الخليفة.

والقعود عن إقامة خليفة للمسلمين معصية من أكبر المعاصي لأنها قعود عن القيام بفرض من أهم فروض الإسلام، يتوقف عليه إقامة أحكام الدين، بل يتوقف عليه وجود الإسلام في معترك الحياة. فالمسلمون جميعاً آثمون إثماً كبيراً في قعودهم عن إقامة خليفة للمسلمين. فإن أجمعوا على هذا القعود كان الإثم على كل فرد منهم في جميع أقطار المعمورة. وإن قام بعض المسلمين بالعمل لإقامة خليفة ولم يقم بعضهم الآخر فإن الإثم يسقط عن الذين قاموا يعملون لإقامة الخليفة ويبقى الفرض عليهم حتى يقوم الخليفة. لأن الاشتغال بإقامة الفرض والتلبس به يسقط الإثم عن تأخير إقامته عن وقته وعلى عدم إنجازه. أما الذين لم يتلبسوا بالعمل لإقامة الفرض فإن الإثم بعد ثلاثة أيام من ذهاب الخليفة يبقى ساريا عليهم حتى ينصبوا من يليه ، لأن الله قد أوجب عليهم فرضاً فامتنعوا عن القيام به ولم يتلبسوا بالأعمال التي من شأنها أن تقيمه، ولذلك استحقوا الإثم واستحقوا عذاب الله وخزيه في الدنيا والآخرة. فاستحقاق العذاب على ترك أي فرض من الفروض التي فرضها الله ظاهر صريح، لا سيما الفرض الذي به تنفذ الفروض، وتقام به أحكام الدين، ويعلو به أمر الإسلام، وتصبح كلمة الله هي العليا في بلاد الإسلام، وفي سائر أنحاء العالم.

وأما ما ورد في بعض أحاديث العزلة عن الناس والاقتصار على التمسك بأمور الدين، فإنها لا تصلح دليلاً على جواز القعود عن إقامة خليفة، ولا على إسقاط الإثم عن هذا القعود. والمدقق فيها يجدها قد وردت في شأن التمسك بالدين لا في شأن الترخيص بالقعود عن إقامة خليفة للمسلمين. فمثلاً روى البخاري عن " ‏بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ‏قَالَ حَدَّثَنِي ‏أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ‏أَنَّهُ سَمِعَ ‏حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ‏يَقُولُ ‏: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ ‏نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ ‏ ‏دَخَنٌ ‏قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ".[رواه البخاري]. فإن هذا الحديث صريح بأن الرسول يأمر المسلم بأن يلزم جماعة المسلمين وأن يلزم إمامهم، ويترك الدعاة الذين هم على أبواب جهنم. فسأله السائل عن الحالة التي لا يكون فيها للمسلمين إمام وليس لهم جماعة ماذا يصنع مع الدعاة الذين على أبواب جهنم، فأمره حينئذ باعتزال تلك الفرق، لا أن يعتزل المسلمين، ولا أن يقعد عن إقامة إمام. فأمره صريح « فاعتزل تلك الفرق كلها» وقد بالغ في وصف اعتزاله لتلك الفرق إلى درجة أن لو بلغ به الاعتزال إلى حد أن يعض على أصل شجرة حتى يدركه الموت ويترك تلك الفرق التي على أبواب جهنم. وهذا معناه تمسك بدينك وابتعد عن الفرق الضالة، لتسلم بدينك من دعاة الضلال ولو تعض على أصل شجرة، لا أن تبتعد عن جماعة المسلمين وتقعد عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة إمام للمسلمين. فهذا الحديث ليس فيه أي عذر لترك القيام بالعمل لإقامة خليفة ولا أي ترخيص في ذلك، وإنما هو محصور بالأمر بالتمسك بالدين واعتزال الدعاة الذين على أبواب جهنم، ويبقى الإثم ساريا إذا لم يعمل لإقامة خليفة.

أما ما روي ‏" عَنْ ‏أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ‏رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ ‏قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ‏وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ‏يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ ".[رواه البخاري]. فإن هذا لا يعني اعتزال جماعة المسلمين والقعود عن القيام بأحكام الدين وعن إقامة خليفة للمسلمين حين تخلو الأرض من الخلافة، بل كل ما فيه هو بيان خير مال المسلم في أيام الفتن وخير ما يفعله للهروب من الفتن، وليس هو للحث على البعد عن المسلمين واعتزال الناس.

وعليه فإنه لا يوجد أي عذر لمسلم على وجه الأرض للقعود عن القيام بما فرضه الله عليه لإقامة الدين. ألا وهو العمل لإقامة خليفة للمسلمين حين تخلو الأرض من الخلافة، وحين لا يوجد فيها من يقيم حدود الله ويحفظ حرماته، ولا من يقيم أحكام الدين، ويجمع شمل المسلمين تحت راية لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. لا توجد في الإسلام أية رخصة تعفي من القيام بهذا الفرض حتى يُقام.

وقد بينا لكم من خلال هذه الحلقات خيوط المؤامرة والدور الذي قامت به الأحزاب والجمعيات ومعهم الجيش والضباط في هدم الخلافة وإلغاء الحكم بما أنزل الله. فكما أن الخلافة هدمت بعمل هذه الأحزاب والجمعيات والجيش فكذلك تقوم ويعاد بناءها من جديد بعمل الأحزاب ومساندة أهل القوة والنصرة من جيش وقبائل وقوى فاعلة في الأمة. وهاهو حزب التحرير يعمل منذ عقود في الأمة ومع الأمة لصالح الأمة. ويحمل الدعوة إلى الإسلام ويعمل للإسلام فقط. لتخليص هذه الأمة المنكوبة من أذرع الإخطبوط التي التفت حولها ولتحريرها من أفكار الكفر وأنظمة الكفر وهيمنة المستعمر الكافر. فيا أبناء الإسلام لا تفوتوا على أنفسكم فرصة الالتحاق بهذا الحزب والانضمام إليه، لتشاركوه في هذا العمل العظيم، وتبنوا معه دولتكم دولة الخلافة. فبادروا بتسجيل أسماءكم وأعمالكم في صحيفتين، صحيفة التاريخ لتذكركم الأجيال القادمة فتترحم عليكم، وصحيفة يوم العرض والحساب، يوم لا ينفعكم شيء إلا ما ادخرتم لأنفسكم من صالح الأعمال. أما أنتم أيها الجنود والضباط، أنتم يا أهل القوة والمنعة والنصرة، إننا نناديكم بهذا الإسم ونصفكم بهذا الوصف لأننا نأمل أن تكونوا من أهل النصرة والمنعة كما كان أهل يثرب من قبل أنصار رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هبوا لنصرة أمتكم وحماية أبناءكم وإخوانكم. هبوا للمشاركة في إنجاز هذا الفرض وتشييد هذا الصرح. فإن لكم مقاما وشأنا عظيما في إعلاء كلمة الله ونصرة دينه. فلا تكونوا أعوانا للسلاطين، لا تكونوا ترسا يتترس بكم رويبضة هذا الزمان. لا تكونوا جند حراسة تحرسون الذين كانوا سببا في هذه المصائب وهذه الأحزان. فإلى الخلافة ندعوكم أيها الضباط والجنود، إلى الخلافة ندعوكم يا قادة.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون النداء فيلبون. فقد قلت وأنت خير القائلين : ( ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُ ۥۤ‌ۚ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ ٱلَّذِينَ هَدَٮٰهُمُ ٱللَّهُ‌ۖ وَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ )[الزمر: 18]. اللهم أنجز لنا وعدك وأيدنا بنصرك، ومُنَّ علينا بخليفة يقيم فينا دينك، ويطبق علينا شرعك. اللهم آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


بقلم : خالد إبراهيم العمراوي
في : 21 رجب الفرد عام 1429 هـ
الموافق: 24 تموز (جويلية) 2008م


   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة

إلغاء الخلافة


رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.

في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:

1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.

وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.

وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.

وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.

وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.

ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.

هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.


ابن خلدون
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الثالثة

فصل السلطنة عن الخلافة


لقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بداية الحكم بالكفر وإنشاء الدستور العلماني في أواخر الدولة العثمانية. وقد بينا بالأدلة القطعية أن خلفاء المسلمين أبرياء من هذا الجرم العظيم وأن الذين قاموا بهذا الأمر هم مجموعة من الخونة والمنافقين والكفار. وفي هذه الحلقة سنبين لكم كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، أو بالأحرى فصل الدين عن الدولة كمقدمة لإلغاء الخلافة نهائيا.

في زحمة الأحداث رأى أعداء الإسلام أن إلغاء الخلافة الإسلامية ليس بالأمر الهين وأن ذلك لا يمكن أن يتم دون وجود بطل وهمي يحيطونه بهالة ويظهرونه للعامة كأنه البطل المعجزة لتجري على يديه القذرة إلغاء الخلافة. وهكذا ظهر على مسرح الأحداث شخص سيء الذكر من يهود الدونمة إسمه مصطفى كمال أتاتورك. ( لعنه الله وحشره مع من أحب من الكافرين).

في بداية ربيع 1338هـ أرسلت انكلترا قواتها البحرية لاحتلال استانبول وألقت القبض على عدد من النواب من أعضاء حزب مصطفى كمال ورئيس الوزراء الأسبق سعيد حليم وسيقوا إلى السجون لمدة يوم واحد ثم نقلوا إلى مالطة. وسيطر الانكليز على العاصمة وفرضت الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة. وقد أظهرت بريطانيا بخبث ودهاء للعامة أنها تعادي مصطفى كمال وحزبه وأنها حليفة للخليفة العثماني وصديقة له. وهكذا انطلت الحيلة على العامة البسطاء وظهر لهم أن هناك فريقين متصارعين: الفريق الأول يمثله السلطان وإلى جانبه الانكليز، والفريق الثاني يمثله مصطفى كمال وجماعته الذين بدوا للناس أنهم ضد الانكليز. فأيدهم العامة وأغلبية ضباط الجيش.

وكانت تلك فرصة ذهبية للخائن مصطفى كمال فاغتنمها وأعلن عن إجراء انتخابات، بحيث تكون أنقرة مقرا للمجلس الجديد بعيدا عن مقر الحكم في استانبول. وانعقد المؤتمر القومي، ومن بعد نقل الموظفون والضباط وأجهزة الدولة إلى أنقرة. وبدأ بإنشاء الجيش والدولة. وأخذ يضع أسس الجمهورية التركية الجديدة سرا متظاهرا بكفاح المحتل الأجنبي وكان يقول: " إن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطنة وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي".

وبعد انتخاب لجنة تنفيذية برئاسته لإدارة شؤون البلاد وانضمام الكولونيل "عصمت إينونو" للوزارة اتخذت قرارات خطيرة أدت إلى الصدام المسلح مع حكومة استانبول. وكاد الخليفة بمساعدة المقاطعات والقبائل التي انضمت إليه بسرعة لنصرة الخلافة أن يقضي على حكومة أنقرة لولا تدخل الإنكليز لصالح مصطفى كمال. إذ بعد المعارك التي استمرت طيلة شهر أيار أوشكت أنقرة على السقوط. وفي هذه اللحظات الحاسمة التي أصبح فيها مصير مصطفى كمال وجماعته على كف عفريت أذاعت بريطانيا بأسلوب إعلامي واسع وخبيث شروط الصلح التي مضى عليها سنة ونصف من تاريخ الهدنة، وهي شروط معروفة باسم " معاهدة سيفر" التي وافق عليها السلطان ووقعها الداماد فريد باشا. فنتج عن ذلك تحول في الرأي العام وانصبت النقمة على الخليفة ورئيس وزرائه وعلى الإنكليز وهكذا تغير الموقف لصالح أنقرة وربح مصطفى كمال الجولة التي هيأها له الإنكليز.

بعد تلك الأحداث دعت إنكلترا إلى عقد مؤتمر لندن من أجل إعادة النظر في معاهدة " سيفر" وبحث المسألة الشرقية. والغريب أنها قامت بدعوة وفدين لهذا المؤتمر. وفد يمثل حكومة أنقرة وآخر يمثل الحكومة العثمانية الشرعية والتي يفترض أن تكون هي الممثل الشرعي الوحيد. لكن مصطفى كمال اعترض عن الدعوة وطلب أن يكون هناك وفد واحد يتكلم بصوت واحد. فأرسل الإنكليز دعوة مباشرة إليه باسم الحلفاء وذلك بمثابة اعتراف صريح بحكومة أنقرة. فذهب الوفدان منفصلين، وفد الخليفة برئاسة " توفيق باشا" رئيس الوزراء ووفد أنقرة برئاسة " بكير سامي بك" وعقد المؤتمر في شباط عام 1339هـ وتنازل وفد الخليفة عن حقه في الكلام لصالح وفد أنقرة، وحضر المؤتمر " لويد جورج " ممثلا لانكلترا، و" بريان " لفرنسا و الكونت " سفورزا " لإيطاليا.

بعد ذلك شعر رجال البلاد بنوايا مصطفى كمال تجاه الخلافة الإسلامية فحذروه من القيام بأي إجراء لإلغاء الخلافة. وهدده الجنرال " كاظم قره باكير"، المتحمس القوي للسلطان وصاحب المركز المرموق في الجيش والدولة، ومنعه من الإقدام على ذلك. لكن مصطفى كمال قام بتهدئته وطمأنه وأعلمه بأنه ليس في نيته التعدي على مركز الخلافة والسلطنة. وأيقن هذا المجرم أن الحل الوحيد لتنفيذ مخططاته هو اكتساح معارضيه وخصومه باستعمال القوة.

وفي تموز من عام 1340 هـ عقدت معاهدة الهدنة وانسحب اليونان من البلاد ولم يبق فيها سوى الإنكليز. فانفرد حينها " هارنجتون" بالعمل ودعيت حكومتا استانبول وأنقرة لمؤتمر " لوزان" بغية عقد معاهدة الصلح في 17 تشرين الأول. فسخط المجلس الوطني الكمالي واستطلع رأي مصطفى كمال الذي كان آنئذ في إزمير فلم يجب بشيء فاجتمع ذلك المجلس في جو مكفهر. وبعد أن حضر مصطفى كمال وصعد المنبر طلب من الحضور الإصغاء إليه واقترح فصل السلطنة عن الخلافة وأن تلغى السلطنة ويخلع وحيد الدين. فبرز الخطر وظهر الهياج، ورأى أغلبية المجلس أن يناقشوا الفكرة وأن يتعرّفوا على حقيقتها وأن يزِنوا نتائجها بضمائرهم وأفكارهم. فخاف مصطفى كمال من عقبى نتيجة البحث والدرس، فطلبَ أن يؤخذ الرأي دون نقاش، ووافقه على ذلك أصدقاؤه من النواب. إلا أن المجلس قرر إحالة الاقتراح إلى لجنة الشؤون القانونية لتبدي أولاً وجهة نظرها فيه ثم تعرضه بعد ذلك على المجلس. وذهب الاقتراح إلى اللجنة التي عكفت على دراسته ولم تلبث طويلاً حتى رأت مخالفته الجلية لأصول الإسلام فرفضته.

وما إن رأى مصطفى كمال توجه اللجنة إلى رفض الاقتراح حتى فقد سيطرته على أعصابه وقفز فجأة واعتلى مقعداً وهو يتميّز من الغيظ وصاح: " أيها السادة! لقد اغتصب السلطان العثماني السيادة من الشعب بالقوة، وبالقوة اعتزم الشعبُ أن يستردّها منه. إن السلطنة يجب أن تفصل عن الخلافة وتلغى، وسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث ذلك. كل ما في الأمر أن بعض رؤوسكم سوف تسقط في غضون ذلك". وكان يتكلم بلهجة الديكتاتور، فانفض اجتماع اللجنة. ثم دعيت الجمعية الوطنية من فورها لتناقش الاقتراح فجمع أنصاره من حوله وطلب أخذ الرأي عليه برفع الأيدي مرة واحدة، فاعترض النواب على هذه الخطة وقالوا: " إن كان لابدّ من أخذ الرأي فليكن مناداة بالاسم. فرفض مصطفى كمال وصاح وفي صوته رنة تهديد قائلاً: " أنا واثق من أن المجلس سيقبل الاقتراح بإجماع الآراء، ويكفي التصويت برفع الأيدي". ثم طرح الاقتراح على الأعضاء فلم ترفع غير أياد قليلة لتأييده. لكن النتيجة أَعلنت بأن المجلس أقر الاقتراح بالإجماع، فدهش النواب لذلك وقفز بعضُهم فوق مقاعدهم محتجّين صارخين: " هذا غير صحيح ونحن لم نوافق"! فصاح فيهم أنصار كمال يسكتونهم ويتبادلون معهم الشتائم.

وصدر قرار المجلس الوطني التركي متضمناً الفصل بين الخلافة والسلطنة، أي جعل الخليفة مجرداً من السلطات واعتباره صاحب منصب ديني وشخصية روحية فحسب، مخوِّلاً تصريف أمور تركيا السياسية والإدارية للوزراء.

وبعد خمسة أيام جرى انقلاب في استانبول تحت بصر الجنرال " هارنتجون" وعزلت حكومة السلطان بالقوة. وتحت حماية القائد الإنكليزي أجلي السلطان " وحيد الدين " وابنه وسمح لهما باصطحاب حقيبة صغيرة للملابس وحمّال لحمل بعض الأمتعة وانطلقت بهم سيارة إسعاف إلى زورق بخاري حملهم بدوره إلى بارجة حربية انكليزية كانت راسية بالميناء تنتظر ذلك، وأقلعت بهم إلى مالطة وذلك في 17 تشرين الثاني عام 1340 هـ ونودي بالأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ابن عم وحيد الدين خليفة للمسلمين بعد موافقة المجلس الوطني على ذلك.

وقد احتوى البيان الذي أصدره المجلس الوطني التركي على أربعة فصول بعد مقدمة عامة، وكان الفصل الأول منه خاصا بتعريف الخلافة وتوضيح شروطها، وأما الثاني فبكيفية اكتسابها، وأما الثالث فيتعلق بتقسيم الخلافة أو تفريق السلطنة عن الخلافة ليصل في النهاية إلى النتيجة التي كان يرمي إليها. وهذا عرض موجز لمضمون القرار:

يبدأ البيان بتعريف الخلافة وإيضاح مفهوم أهل السنة لها، وينتهي إلى أن الخلافة مسألة دنيوية سياسية أكثر منها دينية، ولذلك خلتْ النصوص الشرعية من إيضاحها بالتفصيل. ثم تعرض البيان إلى الأصوات التي تعارض القرار، وهذا يدل على قوة الأصوات المعارضة، فيذكر في إحدى عباراته : " وحيث أننا نلاقي أفكاراً باطلة وتعصباً لا مبرر له في شأن مسألة الخلافة في زماننا، كما هو الحال في كثير من الأحكام الشرعية سِواها، شرعنا إلى تحرير هذه الرسالة، وغرضنا منها تصحيح الأفكار وتنوير الأذهان بتفهيم حقيقة هذه الشرعية".

أما في فصل التعريف بالخلافة وإيضاحها يقرن المجلس كلمة (الخلافة) بالإمامة، فهي مرادفة لها، ولكنه يحصر الخلافة بالخلفاء الراشدين وحدهم، وأما الخلفاء من بعدهم لم يكونوا في حقيقة الأمر سوى رؤساء جمهور المسلمين لأن ولايتهم سياسية إدارية وليست روحية.

وتنتقل حيثيات القرار بعد هذا إلى عرض لما يُطلق عليه اسم " الخلافة الحقيقية والخلافة الصورية والحكمية". فالأولى هي الكاملة الجامعة للصفات والشروط والتي تمت عن طريق الانتخابات بواسطة الأمة، بخلاف الثانية وهي العارية عن هذه الشروط لأنها تمّت بالتغلب والاستيلاء، فهي ملك وليست خلافة من جهة، كما أن صاحبها لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لها من ناحية أخرى شأن خلفاء الأمويين والعباسيين، ما عدا عمر بن عبد العزيز الذي اقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم فألحقه البعض بالخلفاء الراشدين.

ثم يعتبر البيان أن الخليفة يعدّ من جهة نائباً عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناحية أخرى نائباً عن الأمة الإسلامية بصفته وكيلاً عنها فيحق للأمة عزله.

أما فيما يتعلق بتقييد حقوق الخلافة وواجباتها فيعود البيان إلى تقسيم الخلافة السابقة إلى خلافة كاملة حقيقية وخلافة صورية حكمية، ليضع نتائج البحث في ضوء هذا التقسيم بأن الخلافة بالمعنى الأول لا يجوز تطبيقها لأنها خلافة نبوة، بخلاف الشكل الثاني لها وهي الخلافة الصورية فإنه يجوز تقييدها.

والنتيجة المباشرة لكل هذه المقدمات التي ساقها هو أن الخلافة بعد أن أصبحت مرادفة للملك والسلطنة لم تعد إلا من المسائل السياسية، لهذا ألغاها المجلس بحيث " لا تضر الأمة والبلاد بتصرفاتها الاستبدادية، وأبقى السلطنة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية".

وتيقّن الناسُ بعد هذا أن حكام أنقرة الجدد كفرة، وصاروا يلتفون حول الخليفة عبد المجيد ويحاولون إرجاع السلطة إليه ليكون هو الحاكم الحقيقي للبلاد ويقضي على هؤلاء المرتدين. فأدرك المجرم مصطفى كمال الخطر، وعرف أن أكثرية الشعب تكرهه وتصفه بالزندقة والإلحاد، فنشط في الدعاية ضد الخليفة والخلافة، وأثار حماسة الجمعية الوطنية حتى سنّت قانوناً يقضي باعتبار كل معارضة للجمهورية، وكل ميل إلى السلطان خيانة عقابها الموت.

وشرع مصطفى كمال يهيئ الأجواء لإلغاء الخلافة. إلا أن النواب صاروا يتحدثون عن الخلافة وفائدتها لتركيا من الوجهة السياسية العامة. فقاومهم مصطفى كمال وقال : " أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن الأوان لتنظر تركيا إلى مصالحها وحدها، وتتجاهل الهنود والعرب وتنقذ نفسها من زعامة المسلمين".

وواصل مصطفى كمال حملته ضد الخلافة ودعايته ضد الخليفة، وأبرزه هو وأنصاره في صورة الخونة الذين يشتغلون لحساب الإنجليز. ولم يكتفِ بذلك، بل خلق موجة من الإرهاب ضد معارضيه من النواب الذين يريدون استبقاء الخلافة في تركيا. فإذا صرّح أحدهم بضرورة الخلافة ووجوب المحافظة على الدين، كلف المجرم شخصاً لاغتياله في الليلة التي تحدّث فيها. وإذا ألقى نائب آخر خطبة إسلامية أحضره وهدده بالشنق إذا فتح فمه بمثلها مرة أخرى.

وبهذا الترهيب والوعيد نشر الرعب في طول البلاد وعرضها، وضمن لنفسه ألا يعترض عليه معارض. ثم أرسل إلى حاكم إستانبول يأمره بالتشديد على الخليفة وإنذار أتباعه كي يتخلوا عنه.

وبعد أن نجح أعداء الله في تحقيق هذين الهدفين، أي إحداث الدستور العلماني المناقض لشرع الله ثم فصل السلطنة عن الخلافة لم يبق أمامهم بعد ذلك إلا إلغاء الخلافة كليا. وهذا ما سنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله.




بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة

إلغاء الخلافة


رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.

في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:

1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.

وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.

وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.

وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.

وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.

ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.

هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.


ابن خلدون
   
   

www.hizb-ut-tahrir.info
 
بسم الله الرحمن الرحيم

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الثانية

إنشاء الدستور العثماني