مراسلات English البث الاذاعي
بحث في الموقع

هنا إذاعة المكتب الإعلامي
إعـــلان
...والمزيد
مواقع أخرى
 

آخر الإضافات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مختـــــــارات

قضايا إجتماعية
ظاهرة عمالة الأطفال

الحمد لله والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:
لقد اتسعت مساحة الدمار والخراب الذي خلّفه النظام الرأسمالي وولّد الشقاء للإنسانية فلم يسلمْ من شرور حضارته الحجر والشجرُ ولا رجل ولا امرأة ولا كبير ولا صغير حتى الأطفال لم تشفع لهم طفولتهم ولا صغر سنهم أن ينأَوْا بأنفسهم ويبقَوْا بعيدين عن سموم ناره بل أُجبِروا أن ينغمسوا في وحل تلك الحضارة فتُمارَس بحقهم صنوفُ الاستغلال ويخضعون لشتى أنواع القهر الجسدي والنفسي ويحرمون من حقهم في الرعاية والتعليم وممارسة حياتهم ببراءة تتلاءم مع فطرتهم السليمة وطويتهم النقية .. أقول إنهم لم يُترَكوا وشأنهم بل صُفِّدوا بسلال الفقر والحرمان زُجُّوا في العمل فأصبحوا سلعة يتاجر بهم وأيديَ عاملةً رخيصة تمتهن ووسيلة للتسلية تُعرَض للشواذ من الناس, يستخدمون كهجّانةٍ في سباقات الهجن وكأنهم دمىً يُقذَف بهم ذات اليمين وذات الشمال .. وسنحاول أن نركز على ظاهرة تشغيل الأطفال المنتشرة بشكل مروّع دفع الكثير لفتح هذا الملف الذي أصبح وصمة عار على جبين الإنسانية.
بداية لقد اهتم الإسلام بالطفل ونصب له الأحكام الكثيرة المتعلقة بحقوقه وإكرامه وتأديبه وحسن رعايته فقال صلى الله عليه وسلم " أكرموا أولادكم وأحسنوا تأديبهم " وقال " أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءه القرآن".
فرحلة الطفل في الإسلام تبدأ من قبل وجوده، تبدأ من حين البحث عن أم وزوجة صالحة، قال صلى الله عليه وسلم: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) وأثناء حمله فلا يجوز إسقاطه ولا قتله وسمحت بالإفطار للحبلى والمرضعة حفاظا عليه سلامة نموه, فلا يجوز أن تتعاطى شيئاً يضعفه أو يشوهه، وينبغي أن تتقوى الحامل لتغذيته في بطنها، وحقُّ الولد في الرضاع محفوظ، قال الله عز وجل: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } وضمنت له حق الحضانة حتى يستقل بأمره، فيحفظ ويوقى من جميع الأضرار والشرور,
وأوجبت حق النفقة على الأب: ينفق على أولاده الذكر حتى يبلغ والأنثى حتى تتزوج قال عليه الصلاة والسلام (أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله) حديث صحيح رواه مسلم وتربيته مسئولية واجبة على الأهل: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) (مُروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع) هذه نظرة سريعة لعلاقة الإسلام بالطفل. وفي المقابل نرى حرص النظام الرأسمالي على رعاية الطفولة ظاهرة من خلال الحرص على الفحص الطبي، وصحة الولد، وبرامج التطعيمات، ومعالجة العيوب الخلقية، وتعهّد الأطفال المعاقين، وعلاج الأمراض النفسية من الانطواء والانكماش؛ والخوف والتردد، وعمل برامج لتقوية النبوغ في الأطفال، والاهتمام بمدارس الأطفال أكبر من الاهتمام بالمدارس المتوسطة والثانوية، وحرية إبداء الرأي عند الطفل، والحديث والسؤال، والجلوس مع الكبار، والتشجيع على القراءة، وعلاج عسرها وبطئها، والبرامج التعليمية والتثقيفية، وزيارة المدرسين للأولاد في البيت ولكن هذا الاهتمام الشكلي لم يمنع من انتشار كل صنوف الاستغلال للطفل حتى في ديارهم فليس هناك حضانة ولا حق في الرضاعة يعطى للطفل، ولا حنان يرتضعه، يترك ويُرمى ويهمل فهذا فتى بريطاني يرفع قضيةً على أمه؛ لأنها لا تجلس معه وقتاً كافياً، تذهب خارج البيت وتتركه.. وصبي آخر في أوريلندا وفي فلوريدا رفع قضية على والديه، بأنه يريد أن يغيّر أبويه ... وقال إن أمه مدمنة الماريجوانا، ولها علاقات جنسية شاذة، وأنها تأخذ أجرها في آخر الأسبوع لتشتري الخمر، وأخبر أنها تتعاطى الكحول، وأنها تنسى علبة الماريجوانا في المطبخ، ثم أخبر أنها وضعته في دار للأيتام فترة من الزمن، ثم إنها على علاقة بعشيق لها .. الآباء يعتدون على أبنائهم جنسياً حيث قضت إحدى محاكم لوسن في بريطانيا بالسجن خمسة أعوام على رجل في الخمسين من عمره قام بالزنا بابنته طوال اثني عشر عاماً وهناك أم تلقي بابنيها في بحيرة إرضاءً لعشيقها ... وأخرى تقتل طفلها في ماء الحمام المغلي، وأب يهشم رأس صغيرِه الوليد بحذائه. امرأة ولدت فألقت بالطفل في سلة المهملات، ويعثر على الأولاد في المراحيض العامة... وهذا غيظ من فيض لواقع أطفال داخل مجتمعاتهم ...
وأما واقع الأطفال في البلدان الفقيرة وفي بلدان ما يسمى بالعالم الثالث فالواقع أدهى وأمرّ والشُّقّة أبعد, حيث العولمة وبرامج الإصلاح التي يروِّج لها النظام الرأسمالي زاد من حدة الفقر والبطالة فوطأة القهر والاستبداد والتشرد وتعرض الكثير للتشريد واليتم والفاقة وفقدان المعيل وتنصل الدولة من رعاية شؤون رعيتها فانعكس سلباً على فئات المجتمع فطالت الكبير والصغير والرجل والمرأة, فلفّت حبلُ القروض على عنق المجتمع مما حدى بأفراد المجتمع بدون استثناء للخروج مهرولين هائمين على وجوههم فخرجت المرأة من خِدرها والطفل من خيمة ألعابه, خرجوا مقيدين بسلاسل سياسة السوق وسوق العمل الرخيص حيث مورس بحق الأطفال أبشعُ أنواع الظلم, فلم يشفع له صِغَرُ سِنّه أو ضعف جسده أو دقة عظمه بل حمّلوه ما لا يطيق مستغلين حاجته وسذاجته فيعمل الساعات الطوال تحت حر الشمس وبرد الشتاء, حاملا فوق طاقته, ولم يقتصر الأمر على ذلك بل يضرب ويهان ويقذف بوابلٍ من اللّعنات والألفاظ التي تنزل عليه كالصاعقة, فحسب آخر الإحصائيات هنالك أكثر من 250 مليون طفل معرضون لأبشع أنواع الاستغلال والتشغيل وهم بأعمار تتراوح بين 4 - 14 سنة يتعرضون لأنواع من الأمراض الجلدية بسبب التنقل في الأماكن ملوثة, ولضربات شمس جراء عملهم لفترات طويلة خارج البيت وخاصة ممن يعملون في الميدان الزراعي, الضعف الشديد والجفاف بسبب سوء التغذية والسير لمسافات طويلة, شيوع الاعتداءات الجنسية والانحرافات والاضطرابات, إضافة لتعرضهم للأمراض النفسية, فعَلَتْ الأصواتُ من داخل المجتمع الرأسمالي نفسه تطالب بتخفيف العبء عن الأطفال ليس حبّاً لهم ولا شفقة بهم بل ليستروا عورة نظامهم ويخفوا أثر جريمتهم التي فاح ريحها فسَنُّوا قانوناً خاصّاً بحقوق الطفل الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20/ 11\ 1959يدعو إلى احترام الطفولة وعدم المساس بحقوقهم وتهيئة أجواء مناسبة لكي ينعموا بحياة سعيدة فهم لا يعملون على توفير الأمن والأمان له وإرجاعه إلى مقعد الدراسة وإنما يريدون أن يخففوا شيئاً من معاناته ليستمر في عطائه وعمله فيصدق عليهم قول الله سبحانه وتعالى على لسان فرعون الذي كان يقتل أبناء بني إسرائيل عاماً ويبقيهم في العام القابل حتى لا ينقرضوا فلا يجد ما يخدمه." سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم" .
إن عمالة الأطفال وتشغيلهم هي لعنة خلّفها النظام الرأسمالي يريد بفعلته هذه إيجاد جيل أُمِّيٍّ, مشوه, قاصر ذهنيا وجسديا, لا يعرف إلا اللهاث خلف لقمة العيش, مطيعٍ لسيّده, منفِّذٍ لأوامره, مستمرئٍ الذلَّ ... بعيد عن مقاعد الدراسة والعلم والمعرفة, خارج حصنه وحاضنته, يُعرِّضونه لظروف عمل خطيرة ومعاناة بدنية وذهنية وعاطفية تؤدي به للبطالة والأمية عندما يصلون إلى سن البلوغ.
11-9-2007    
عثمان هاجس
   

طباعة إرسال لصديق تعليق أو سؤال عودة إلى القسم