مراسلات English البث الاذاعي
بحث في الموقع

هنا إذاعة المكتب الإعلامي
إعـــلان
...والمزيد
مواقع أخرى
 

آخر الإضافات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مختـــــــارات

أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة
وزراء التنفيذ

وزير التنفيذ: هو الوزير الذي يعينه الخليفة؛ ليكون معاوناً له في التنفيذ والأداء والملاحقة, ويكون وسيطا بين الخليفة وبين أجهزة الدولة والرعايا والخارج, فعمله من الأعمال الإدارية, وليس من الحكم كمعاون التفويض, فلا يعيِّن والياً ولا عاملا ولا يرعى شؤون الناس.
وقد كان وزير التنفيذ يسمى كاتباً على عهد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _والخلفاء الراشدين, ثم صار يسمى صاحبَ ديوان الرسائل أو المكاتبات ثم استقر على كاتب الإنشاء, أو صاحب ديوان الإنشاء, ثم سُمي وزيرَ تنفيذ عند الفقهاء, وهو اليوم أشبه برئيس الديوان عند رؤساء الدول.

شروطه: يشترط في معاون التنفيذ ما يلي:
1. أن يكون مسلما؛ لكونه من بطانة الخليفة, فلا يكون كافرا لقوله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودُّوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر".
2. أن يكون رجلا؛ لأن عمله يقتضي مطالعةَ الخليفة والاجتماع به اجتماعا معزولا في أي وقت من الليل والنهار, وهذا لا يتناسب مع ظروف المرأة وفق أحكام الشرع.
3. أن يكون حرا عدلا, ولا يشترط أن يكون عالما كما ذكر ذلك الماوردي في الأحكام السلطانية, وذكر له شروطا أخرى مثل: الأمانة, وصدق اللهجة, وقلة الطمع, والذكاء, والقدرة والفطنة, وأن لا يكون من أهل الأهواء, وألا تكون بينه وبين الناس شحناء وبغضاء. ومن طريف ما يروى أن المأمون الخليفة العباسي قد وصف الوزير الذي يرغب أن يستوزره بقوله: "إني التمست لأموري رجلا جامعا لخصال الخير, ذا عفة في خلائقه, واستقامة في طرائقه, قد هذبته الآداب, وأحكمته التجارب, إن اؤْتُمِنَ على الأسرار قام بها, وإن قُلِّد مهمات الأمور نهض فيها, يُسكِتُه الحلم, ويُنطِقُه العلم, وتكفيه اللحظة, وتغنيه اللّمحة. له صولة الأمراء, وأناة الحكماء, وتواضع العلماء, وفهم الفقهاء, إن أحسن إليه شكر, وإن ابتلي بالإساءة صبر. لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده, يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن بيانه". وقد جمع أحد الشعراء الصفات التي يجب أن يتجلى بها الوزير بقوله:

ببــيـهته وفكــرتـــه ســـواء إذا اشتبهت على الحال الأمور
وأحزم ما يكون الدهر يوما إذا أعـيـا الـمـشـاور والـمـشير
وصــدره فيــه للهم اتسـاع إذا ضــاقـــت لـلـهـم الـصــدور

أما الأمور التي يكون فيها معاون التنفيذ وسيطا بين الخليفة وغيره فهي:

1. العلاقات الدولية: سواء أكان الخليفة يتولاها مباشرة, أم يعين لها دائرة تتولاها. وبما أن الخليفة هو الحاكم الفعلي, وهو الذي يباشر بنفسه الحكم والتنفيذ؛ لذلك فإنه دائم الاتصال بجهاز الحكم, وبالعلاقات الدولية, وهو تابع للأعمال الدولية؛ ولذلك كان من هذه الأعمال أن يكون معاون التنفيذ وسيطا فيها, يؤديها عن وإلى الخليفة فيمتثل بأمر الخليفة, ولا يكفُّ عن المتابعة إلا إذا طلب الخليفة منه ذلك.
ومن أمثلة أعمال وزير التنفيذ في عهد رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ والخلفاء الراشدين فيما يتعلق بالعلاقات الدولية:
• صلح الحديبية: روى ابن كثير:" قال ابن إسحق قال الزهيري:...ثم دعا رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ عليَّ بن أبي طالب_رضي الله عنه_(وكان كاتبا) فقال: اكتب باسمك اللهم. هذا ما صالح محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو...". وقد رواه أبو عبيد في الأموال.

• كتابه_صلى الله عليه وسلم_لهرقل: روى البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان:" بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم, سلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام...". وقد ردَّ عليه هرقل بكتاب.
• كتاب أهل منبج لعمر وردُّه عليهم: ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج: إنهم قوم من أهل الحرب وراء البحر. كتبوا إلى عمر بن الخطاب كتابا: دعنا ندخلْ أرضَك تُجّارا وتُعشِرْنا. قال: فشاور عمر أصحاب رسول الله_صلى الله عليه وسلم_في ذلك, فأشاروا عليه به, فكانوا أول من عَشَّر من أهل الحرب.

2. الجيش أو الجند: ما يتعلق بالجيش هو من الأمور التي يغلب عليها السرية, وهو من اختصاص الخليفة؛ لذلك لا يلاحقها ولا يتابع تنفيذها إلا إذا طلب منه الخليفة أن يلاحق شيئا منها, فإنه يتمثل لما أمره به فقط, ولا يلاحق غيره. ومن الأمثلة عليه أو بالأحرى من المكاتبات:
• كتاب أبي بكر إلى خالد_ رضي الله عنهما_ يأمره بالمسير إلى الشام من العراق. ذكره أبو يوسف.
• استمداد الأجناد بالشام عمر وكتابه إليهم: روى أحمد وأبو حاتم بإسناد عن سماك, قال: سمعت عياضا الأشعري قال:" شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء...قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبنا إليه أنه قد جاش إلينا الموت, واستمددناه فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم...فقاتلناهم فهزمناهم وقتلناهم...".

3. أجهزة الدولة غير الجيش: ذكرنا أن معاون التنفيذ هو جهاز توصيل من وإلى الخليفة, فهو يلاحق ما يقتضي الملاحقة من أجهزة الدولة, وباعتبار أن ما يصدر من الخليفة إلى الأجهزة وما يَرِد من الأجهزة إلى الخليفة يحتاج إلى متابعة لتنفيذه؛ لذلك كان على معاون التنفيذ أن يقوم بهذه المتابعة حتى يتم التنفيذ؛ فيتابع الخليفة ويتابع الأجهزة, ولا يكف إلا إذا طلب الخليفة منه ذلك. ومن مراسلات هذا النوع وكتبه ما يلي:
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_في العشر إلى معاذ _رضي الله عنه_: روى يحيى بن آدم في كتاب الخراج عن الحكم:" كتب رسول الله_صلى الله عليه وسلم_إلى معاذ باليمن: فيما سقت السماء أو سُقِيَ غيْلاً العُشر, وما سقي بالغرب فنصف العشر".
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_إلى المنذر بن ساوى في الجزية:" أن من صلى صلاتنا, واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم, له ذمة الله وذمة رسوله, فمن أحب ذلك من المجوس فهو آمِنٌ, ومن أبَى فعليه الجزية". ذكره أبو يوسف في كتاب الخراج.
• كتاب أبي بكر إلى أنس_رضي الله عنهما_في فريضة الصدقة لمّا وجّهه إلى البحرين. رواه البخاري.
• كتاب عمر إلى عمرو بن العاص_رضي الله عنهما_في عام الرمادة. رواه الحاكم والبيهقي.

4. العلاقات مع الرعية: بما أن الخليفة هو الحاكم الفعلي فإنه مسؤول عن الرعية من حيثُ رعايتُها وتنفيذُ طلباتها ورفعُ الظلامة عنها, كما أنه إليه يرفع ما يَرِد من الأمة من شِكاياتٍ ومطالبَ وشؤون, فهذا كله من شأن الخليفة, ومن يُنيبه لذلك, وليس من شأن معاون التنفيذ فلا يقوم بالملاحقة إلا فيما يطلب منه الخليفة أن يلاحقه منها, فعمله بالنسبة لها الأداء وليس الملاحقة, ومن أمثلة هذا النوع:
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_لأهل نجران, حيث جاء في آخره:" شهد بذلك عثمان بن عفان ومعيقب". رواه أبو داود وأبو عبيدة في الأموال. كما رواه أبو يوسف في الخراج, وذكر أن الكاتب هو: مغيرة بن شعبة.
• كتابه_صلى الله عليه وسلم_لتميم الداري: ذكر أبو يوسف في الخراج:"...فكتب له: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري أن له قرية حبرى وبيت عينون قريتها كلها...لا يُحاقُّه فيها أحد...وكتب علي". ولما تولى أبو بكر الخلافة كتب لهم, أي للداريِّين كتابا يثبت فيه ما بيدهم من قرية حبرى وبيت عينون.

ختاما: هذه هي أعمال وزراء التنفيذ, فلا بد لدولة الخلافة من وجود هذا الجهاز, وللخليفة أن يعين كُتَّابا (وزراء تنفيذ) بالقدر الذي يحتاجه في مكاتباته, بل إنه يصل لحد الواجب إن كان لا يتم الواجب إلا بتعيينهم. وقد ذكر أصحاب السير أنه كان لرسول الله_صلى الله عليه وسلم_حوالي عشرين كاتبا, فقد روى البخاري أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_أمر أن يتعلم كتاب يهود؛ ليقرأه على النبي _صلى الله عليه وسلم_ إذا كتبوا إليه, فتعلمه في خمسة عشرة يوما. كما روى ابن إسحق:" أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث, وكان يجيب عنه الملوك...", فكان يستحسن رده؛ فقال له: أصبت وأحسنت, اللهم وفقه. وكان علي بن أبي طالب كاتبا على العهود والصلح, كما كان معيقب على خاتمه, وغيرهم الكثير.

اللهم اجعل ذلك اليوم الذي يوضع فيه هذا الجهاز وغيره من أجهزة الحكم في دولة الخلافة _قدوم الليل على النهار_ موضع التنفيذ قريبا, إنه لا يعجزك يا ربنا شيء في الأرض ولا في السماء.





‏2007‏‏-‏09‏‏-‏09‏ م    
أبو طارق العرامين
الخليل
   

طباعة إرسال لصديق تعليق أو سؤال عودة إلى القسم