الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله النبي الأمي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد:
فقد أظلنا شهر عظيم شهر البركة والمغفرة شهر يجدد فيه المؤمنون البيعة لله سبحانه ويشحذون فيه الهمة في الطاعات فهو شهر عظيم ينتظره المؤمنون بلهفة وسعادة شهر تكثر فيه الصلوات وتتنزل فيه البركات وتغشى الناس فيه الرحمات.
فطوبى وألف مرحى لمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا وتفقد فيه المساكين وأحسن فيه إلى السائلين وكان فيه عونا للأيتام والمنقطعين وحسرة وألف حسرة على من أدرك رمضان ولم يغفر له وحسرة على من أدرك رمضان ولم يذق فيه طعم الإيمان، وحسرة على من أدرك رمضان ولم يحصل على جائزته التي وعد الله بها عباده.
لقد فضل الله شهر رمضان عن غيره من أشهر السنة وادّخره الله خصّيصا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى يُكرمها به إكراما لسيد ولد آدم فهو شهر الصبر والتضحية والفداء وهو شهر الجود والكرم شهر الفقراء والمساكين شهر الجهاد والاستشهاد شهر الصيام والقيام شهر القران والتراويح شهر التقوى والمغفرة شهر مضاعفة الحسنات إلى سبع مائة ضعف ولقد اعتبر شهر رمضان شهر التقوى والمغفرة وخير شهر من شهور السنة وأفضلها على الإطلاق وذلك للأمور التالية:
1- لأنه فُرض علينا صيامُه والصوم هو الركن الرابع من أركان الاسلام وثواب صيام هذا الشهر خاص بالله وحده واختصاص الله تعالى وحده به وإضافته اليه تعالى كعبادة إكرام لهذا الشهر وإكرام لمن صامه وتشريف لهما قال عليه السلام ( كلُّ عملِ ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف، قال الله عز وجل : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) متفق عليه.
2- إنه شهر الجنة حيث تُفتّح فيه أبواب الجنة وتُغلّق فيه أبواب الجحيم وتصفّد فيه الشياطين قال عليه السلام لمّا حضر رمضان ( قد جاءكم شهر مبارك افتُرض عليكم صيامُه تُفتّح فيه أبواب الجنة وتغلّق فيه أبوابُ الجحيم وتُغلّ فيه الشياطين ) رواه أحمد والنسائي والبيهقي.
3- إنه شهر فيه ليلة خير من ألف شهر وهي ليلة القدر حيث إن قيامها وتلاوة القران فيها والدعاء فيها لله تعالى يعدل ثواب عمل ذلك في ألف شهر ليس فيها ليلة قدر قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ } * { لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } سورة القدر
4- إنه شهر القران حيث فيه أُنزل القران الكريم جملةً واحدة إلى السماء الدنيا ثم نزل منجّما ومفرقاً إلى الأرض في ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ) البقرة 185 وقال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ) سورة القدر
5- إنه شهر الطاعات المختلفة والمتنوعة ففيه تزداد صلاة النافلة والقيام ( التراويح) والتهجد وقراءة القران وختمه مرات عديدة وفيه الإحسان إلى الفقراء والمحتاجين وتذكر الأيتام والمنقطعين وفيه تزداد صلة الرحم وخاصة لكسب ثواب إفطار وتفطير الصائمين والإحسان إليهم وفيه يكثر ارتياد المساجد وفيه يبتعد المسلمون عن المعاصي والآثام والسُّباب واللعان وفحش الكلام، يفعل المسلم كل ذلك وأكثر مما يصعب حصره من الطاعات والقربات واجتناب الآثام والموبقات فقط احتسابا للأجر والثواب لينال المسلم فضلَ وكرامة هذا الشهر الذي قال فيه عليه السلام ( أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار).
6- إنه شهر كفارة الذنوب وغفرانها لمن صامه وقامه أو قام ليلة القدر فيه حيث ورد عن الرسول عليه السلام في ذلك أحاديث كثيرة منها، قال عليه السلام ( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه، وقال عليه السلام ( من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ) متفق عليه وقال عليه السلام ( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. وهو تُكفّر فيه ذنوب المذنبين من السنة إلى السنة لقوله عليه السلام ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
7- إنه شهر الصبر؛ الصبر على ألم الجوع والعطش والصبر عن معصية الله وإعفايه بالذنوب والآثام والصبر على طاعة الله بالإكثار من الصلاة النافلة وتلاوة القرآن والقيام وذلك لينال المسلم في نهاية الأمر ثواب الصابرين لقوله تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) سورة الزمر: (10)
8- إنه شهر الجود والكرم والتكافل الاجتماعي حيث في هذا الشهر أكثر من غيره يتذكر المسلم إخوانه الفقراء والمحتاجين من أهله وأقاربه أو جيرانه أو أهل حيّه فيعطف عليهم ويصِلهم لينال الثواب الجزيل المضاعف في هذا الشهر الفضيل وحتى يكون جواداً كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ورد عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله أجودَ الناس وكان أجود ما يكون في رمضان فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ) رواه البخاري.
9- إنه شهر الاجتهاد في العبادة وبذل أقصى الوسع والجهد فيها، وخاصة في العشر الأواخر من رمضان لما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ المئزر) متفق عليه.
10- إنه شهر الاعتكاف في المساجد وإحياء الليالي بالعبادة وخاصة ليلة القدر، والاعتكاف في العشر الأواخر منه. يفعل المسلم ذلك تأسّياً واقتداءً بالرسول عليه السلام، حيث أورد البخاري وأبو داود وابن ماجه أن النبيّ عليه السلام كان يعتكف في كل رمضان عشرةَ أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما.
11- إنه شهر السحور، وما أدراك ما السحور؟! فيه خير عميم وفضل كبير وأجر عظيم، لقوله عليه السلام (تسحروا فإن في السحور بركة) متفق عليه. ولقوله عليه السلام ( عليكم بهذا السحور فإنه الغذاء المبارك) رواه النسائي بسند جيد. والسحور فصل ما بيننا وما بين أهل الكتاب لقوله عليه السلام ( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر) رواه مسلم.
12- إنه شهر باب الريان. وهو باب من أبواب الجنة خصّه الله بأولئك الصائمين الصابرين المحتسبين، حيث لا يدخل منه أحد إلا هم، كرامةً لصيامهم هذا الشهر الفضيل. قال عليه السلام ( إن في الجنة باباً يقال له الرّيّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد)، رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.
13- إنه شهر الشفاعة حيث يشفع هذا الشهر لمن صامه كما يشفع القرآن لمن تلاه وقرأه. قال عليه السلام (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام :أيْ ربّ منعته الطعام والشهوات فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيشفّعان) رواه أحمد والطبراني.
14- إنه شهر صيام الدهر كله شرط أن يتبعه الصائم بصوم ستة أيام من شوال. فمن صام رمضان وأتبعه ستة أيام من شوال فإن ثواب الصائم عندها يكون بثواب صيام السنة كلها، وإذا فعل المسلم ذلك كل سنة كان له ثواب صيام الدهر كله. قال عليه السلام ( من صام رمضان ثم أتبعه ستّاً من شوال فكأنما صام الدهر) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي عن أبي أيوب الأنصاري.
وكيفية ذلك كما ورد في نزهة المجالس أن صيام رمضان إذا ضُرب بعشرة حسنات لأن الحسَنَة بعشرة أمثالها كان كصيام عشرة أشهر ومن صام بعد ذلك ستة أيام من شوال وضربها بعشرة كان كصيام ستين يوما، ويكون كل هذا كصيام السنة ومن يفعل ذلك كل سنة فكأن صيام رمضان وستة أيام من شوال كصيام الدهر كله. وهذا فضل عظيم لا يدانيه فضلٌ فما بالك بكل ما سبق ويزيد...
15- إنه شهر الجهاد والاستشهاد حيث إن كثيرا من غزوات المسلمين ومعاركهم الفاصلة كانت في هذا الشهر المبارك كغزوة بدر وفتح مكة. ولا عجب أن ينتصر المسلمون في معاركهم في هذا الشهر، فهم صائمون مجاهدون يدعون ربهم فأنّى لا يستجاب لهم وهم كذلك!!
هذا غيض من فيض فضائل شهر رمضان المبارك، شهر التقوى والمغفرة والرحمة وأختم هذه الفضائل بما رواه صاحب نزهة المجالس في كتابه عن سليمان الفارسي رضي الله عنه حيث قال: خطَبَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آخر شهر شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، فرض الله صيامه وجعل قيامه تطوعا، من أدى فيه فريضة كان كمن أعتق رقبة وكمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان كما أعتق رقبة، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد من يفطّر به الصائم. قال يعطي الله هذا الثواب لمن فطّر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار).
اللهم اغفر لنا جميع الزّلاّت واستر علينا كل الخطيئات وسامحنا يوم السؤال والمناقشات. اللهم يا مصلح الصالحين أصلح فساد قلوبنا واستر علينا في الدنيا والآخرة عيوبنا، واغفر بعفوك وبرحمتك ذنوبنا واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات.
اللهم أقرّ عيوننا برؤية الخلافة الثانية على منهاج النبوة. واجعلنا اللهم من العاملين لإقامتها والمجاهدين في سبيلها والساعين لحمايتها.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن تجعلنا من المسابقين إلى الخيرات، المتباعدين عن المنكرات، اللهم ارزقنا الفقه في دينك والعمل بكتابك وبسنة نبيك وثبتنا عليهما إلى أن نلقاك و أنت راضٍ عنا يا كريم. ارحمنا برحمتك فأنت أرحم الراحمين، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين.