الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
لقد أكرمنا الله عز وجل بالإسلام وحمل دعوته، وإننا كحملة دعوة نقوم بهذا العمل ابتغاءً لوجهه الكريم خالصا لله عز وجل، لا نريد جزاءً ولا شكورا، التزاما بطريقة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- واستجابة لأمر الله عز وجل في قوله : (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)).
إن حمل الدعوة هو أشرف عمل يقوم به المسلم وهو أعظم مصدر لِجَني الحسنات، ونوال الدرجات والمنازل، فحمل الدعوة لا يعني التفوه بالكلام والتنظير وحسب، حتى إذا اهتزت له عصا، أو تعرض للأذى، أو سمع الإشاعة عن الدعوة، أو سمع التهديدات، أو قرأ الأقاويل الباطلة، أو تعارضت الدعوة مع مصالحه، أو وجد صدّاً من أهله أو من الناس، أو حربا من الأحزاب والجماعات، أو اضطهاداً من الحكام وأجهزتهم، انكفأ على وجهه، ونكص على عقبيه، وضعف عن حمل تلك الرسالة، وكسل وتكاسل وأصيب بالإحباط، ويئس وملّ حمل هذه الدعوة، فخسر الحسنات...، وكتبت عليه السيئات، وباء بغضب من الله عز وجل قال تعالى: (( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)).
نعم أيها الإخوة الكرام,...
قضت حكمته تبارك وتعالى أن يبعث المرسلين مبشرين ومنذرين ويبعث معهم الهداية والرشاد والإستقامة....
ويؤيدهم بالمعجزات الدامغة؛ لتقام الحجة العقلية على صحة ما يدعون إليه...
وإذ نحن نكمل عمل الأنبياء في رسالاتهم ...، كان لزاما علينا أن ندرك تمام الإدراك أن حمل الدعوة مسؤولية عظيمة... لا يستطيع أن يحملها إلا من كان مؤهلا للجندية والقيادة في آن واحد، جامعا بين الرحمة والشدة ، والزهد والنعيم ، يفهم الحياة فهما صحيحا ، فيستولي على الحياة الدنيا بحقها، وينال الآخرة بالسعي لها، ولذا لا تغلب عليه صفة من صفات عُبّاد الدنيا، ولا يأخذه الهوس الديني ولا التقشف الهندي، وهو حين يكون بطلَ جهاد يكون حليفَ محراب، يجمع بين الإمارة والفقه، وبين التجارة والسياسة، وأسمى صفة من صفاته أنه عبدٌ لله تعالى خالقه وبارئه، ولذلك تجده خاشعا في صلاته معرِضا عن لغو القول مؤديا لزكاته، غاضا لبصره، حافظا لأماناته ، وفِيّاً بعهده، منجزا وعده، مجاهدا في سبيل الله، ولا يخشى في الله لومة لائم.
وعلى هذا فإن حامل الدعوة يجب أن يعلم منذ اللحظة الأولى أنه مقدِمٌ على مجابهة الباطل وأهله وعلى مجابهة الحكام وملئهم، ومتعرض للصد عنها من قبل الناس والحكام والأهل، إن حمل الدعوة واجب، والقيام به واجب لا شك فيه، والثبات عليه واجب أيضا، والكفار يعملون ليلا ونهارا لإضعافنا وصدنا عنها بكل أساليبهم ووسائلهم الخبيثة، قال تعالى : (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ...)).
بناءً على ذلك نُذكِّر حملة الدعوة بأنهم مقبلون على شهر رمضان الكريم، شهر الطاعة والغفران، شهر البركة واليمن والفتوحات، فيجب أن يغتنموا هذا الشهر الفضيل بعملهم الدعوي وبطاعتهم الصادقة المخلصة لله عز وجل، من صيام وقيام وجهاد وغيرها من الأعمال التي تقربنا إلى الله سبحانه وتعالى.
أيها الأخوة الكرام..
ولكي تبقى الهمة عاليةً والعزيمة وقَّّادة، يجب أن نتذكر دائما ونحن نسير في طريق الدعوة إلى الله عز وجل أمورا عدة. منها:
أولا: صلتنا بالله عز وجل ...وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض.
ثانيا: نتذكر أننا أصحاب الفكر الصحيح الراقي، وأن فكرنا يرتقي فوق جميع الأفكار؛ لأنه منبثق عن العقيدة الإسلامية .
ثالثا: نتذكر أثناء سيرنا وتحملنا للمشاق والتعب أن هذه الدنيا زائلة فانية، لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
رابعا: نتذكر أن عملنا هذا الذي نقوم به ابتغاء مرضات الله عز وجل... إنما هو عمل الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله هداية للناس ورحمه لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
خامسا: نتذكر أثناء سيرنا أنه يجدر بنا تحمّلُ الأذى والمشاقّ وأنه لا يقع علينا إلا ما قدّره الله لنا.
سادسا: نتذكر أن الله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا ويعلن الحرب على الظلم والظالمين.
سابعا: يجب أن نتصور نحن حملة الدعوة (أثناء سيرنا) وجه الأرض في ظل خلافة راشدة حيث شرع الله قائم بالعدل.
ثامنا: يجب أن نتذكر الرضا من الله عز وجل فهي أعظم نعمة ينالها حملة الدعوة في هذا الوجود، ونتذكرمع هذا الرضا الإلهي العظيم ، الصحبة الطيبة مع سلف هذه الأمة الأبرار في دار خلد لا تبيد ولا تبلى في ظلال عرش الرحمن، صحبة مع الأنبياء والصديقين الشهداء وحسن أولئك رفيقا... فعلى هذا يجب على حامل الدعوة أن يخلص لله في العمل ويتفانى في ذلك ويبذل أغلى ما يملك من مال ومتاع، ويصبر على لأواء الدنيا ومشاقها ومحنها وفتنها ، مقابل رضا الله عز وجل ، والنعيم المقيم، في جنات عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...