مراسلات English البث الاذاعي
بحث في الموقع

هنا إذاعة المكتب الإعلامي
إعـــلان
...والمزيد
مواقع أخرى
 

آخر الإضافات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مختـــــــارات

قضايا اجتماعية
ظاهرة ملاجئ العجزة

يختلف نمط العيش في المجتمع الإسلامي عنه في المجتمعات الغربية ففي المجتمع الغربي تسود الأنانية والتفكك والميوعة، كما أن الفرد حر يفعل ما يشاء، ذلك لأن الغرب الكافر يطبق عقيدة فصل الدين عن الحياة والتي انبثق عنها مقياس للأعمال هو المنفعة المادية. فالعمل عندهم يقيّم ويوزن بميزان المنفعة بغض النظر عما يترتب عليه من أمور تصيب الآخرين. ونتيجة لهذا المقياس القذر تحول الناس في البلاد الرأسمالية إلى جيوش لاهثة وراء ما هو نافع ولذيذ. وأهملت باقي القيم الأخرى من روحية وإنسانية، وخلقية، وكذلك أدى هذا المقياس النتن إلى تقطيع أواصر العلاقات بين الناس بشكل عام، وبين الأقارب بشكل خاص، وأصبح كل واحد يلهث وراء مصلحته ومنفعته المادية. فباتت الفتاة تحضر عشيقها إلى بيت والدها تمارس معه الرذيلة بحجة الحرية الشخصية، وبات الشخص يشرف على الموت ولا أحد يهب لإنقاذه بحجة أن ذلك يؤخره عن عمله، وكذلك بات الشخص يلقي بوالديه في ملاجيء وبيوت خاصة بحجة أن وجودهم في البيوت يقلل من دخلهم ويعوق مسيرتهم الاقتصادية وأحياناً يتقززون منهم. من هنا كان وجود ظاهرة ملاجئ للعجزة نتيجة طبيعية لتطبيق المبدأ الرأسمالي، فهي ثمرة من ثماره. والذي أدى إلى انتشار هذه الظاهرة في المجتمعات الغربية فضلاً عن مقياس الأعمال عندهم هو النظرة الفردية لدى الدولة فهي لا تهتم إلا بالطبقات الرأسمالية، والقضايا الاجتماعية تترك للقطاع الخاص يستغلها كيفما يحلو له. وللأسف الشديد فقد غزت هذه الظاهرة بلاد المسلمين تحت حجج واهية، بل جعلوا لهم يوماً في السنة يحتفلون معهم به.

... وبالنظر في واقع هذه الفكرة تُري أنها تخالف ما عليه المجتمع الإسلامي، فهو مجتمع تسوده الأفكار الإسلامية، وفيه توازن بين القيم الأربعة، الروحية، والمادية والأخلاقية والإنسانية، وهناك حد أدنى لكل قيمة من هذه القيم فلا تسمح بأن يلقي المُسنّون والعجزة في أبنية وملاجيء تجردهم من عاطفة الأبوة والأمومة، فبرّ الوالدين واجب، وطاعتهما واجبة في حدود الشرع فالله سبحانه وتعالى قرن عبادته إياه بالإحسان إلى الوالدين وهذا شرف رفيع لهما، حيث يقول سبحانه " وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً "[الإسراء : 23] . فلسان حال هذه الآية تقول أن تضحيات الوالدين أكثر من أن تحصى، فمقابل ذلك حرم الإسلام التأفف والضجر من تصرفاتهما، وأوجب أن نخاطبهم بأطيب الأقوال، وأن نذل لهم، وأن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة لقاء الجميل الذي قدموه لنا. فليس من الإحسان وضعهم في ملاجيء وتخصيص أيام معينة في السنة لزيارتهم. وهناك أحاديث شريفة تحثنا على احترام الكبير وتوقيره واحترام ذي الشيبة، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس منا من لم يُجلّ كبيرنا " وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ". ولقد بلغ اهتمام الإسلام بالكبير والمسن أنه قدم خدمته على الجهاد في سبيل الله، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما – أنه قال " أقبل رجل إلى نبي الله –صلى الله عليه وسلم- فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، فقال: هل لك من والديك أحد حيّ؟ قال نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله تعالى؟ قال نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ". وفي رواية أخرى: جاء رجل فاستأذن في الجهاد فقال: " أحيٌّ والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما جاهد " . ... فأشخاص مثل الوالدين، الجنة تحت أقدامهم، وقرنوا مع عبادة الله، وعقوقهم من الكبائر، فمن الإجحاف والظلم التخلي عنهم وإيداعهم في ملاجيء يعاملون كما تعامل قطع الأثاث .

من هنا نقول أن فكرة ملاجيء العجزة فكرة دخيلة على المسلمين مصدرها الغرب الكافر. ولكن هناك حالة أن يكون الشخص الكبير والمسن لا ولد له ولا أقارب فالدولة مسؤولة عن رعايته، وإيجاد مأوى له، وإيجاد من يقوم على رعايته حتى الوفاة. ولكن ظاهرة ملاجيء العجزة في أيامنا هذه ليست هذه الحالة فقط وإنما يكون للشخص أولاد وأقارب وبدافع العقوق وبحجة أنهم قد يعطلونه عن عمله يلقيهم في هذه الملاجيء. فالدولة في الإسلام ترعى شؤون المسلمين كباراً وصغاراً مسلمين وغير مسلمين، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ترك مالاً فلورثته ومن ترك عيالاً فالدولة أبو العيال" فالإسلام ينظر إلى كل فرد بعينه لا إلى مجموع الأفراد الذين يعيشون في المجتمع. فينظر إليه باعتباره مرتبطاً بعلاقات معينة، فإذا عجز الإنسان عن إشباع حاجاته نتيجة فقر أو مرض أو غير ذلك من الأمور المعيقة ينظر، فإن كان له ولد غني أو والد غني وجب عليه أن يسد حاجته، فإن لم يكن له ولد ولا والد غني وجب على أقرب الناس إليه إن كان غنياً، فإن لم يوجد وجب على الدولة أن تسد حاجته، فإن لم يكن في بيت المال مال تفرض الدولة ضرائب على الأغنياء لسد حاجات الفقراء.

وبناءً على ما سبق لا وجود لفكرة ملاجيء العجزة بالمفهوم الغربي اللهم إن كان الشخص مقطوعاً فتتولى الدولة رعايته.

والحمد لله رب العالمين
   
عصام مطر    

طباعة إرسال لصديق تعليق أو سؤال عودة إلى القسم