مراسلات English البث الاذاعي
بحث في الموقع

هنا إذاعة المكتب الإعلامي
إعـــلان
...والمزيد
مواقع أخرى
 

آخر الإضافات

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مختـــــــارات

ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة

إلغاء الخلافة


رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.

في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:

1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.

وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.

وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.

وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.

وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.

ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.

هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.


ابن خلدون
   
   

طباعة إرسال لصديق تعليق أو سؤال عودة إلى القسم