لقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن بداية الحكم بالكفر وإنشاء الدستور العلماني في أواخر الدولة العثمانية. وقد بينا بالأدلة القطعية أن خلفاء المسلمين أبرياء من هذا الجرم العظيم وأن الذين قاموا بهذا الأمر هم مجموعة من الخونة والمنافقين والكفار. وفي هذه الحلقة سنبين لكم كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، أو بالأحرى فصل الدين عن الدولة كمقدمة لإلغاء الخلافة نهائيا.
في زحمة الأحداث رأى أعداء الإسلام أن إلغاء الخلافة الإسلامية ليس بالأمر الهين وأن ذلك لا يمكن أن يتم دون وجود بطل وهمي يحيطونه بهالة ويظهرونه للعامة كأنه البطل المعجزة لتجري على يديه القذرة إلغاء الخلافة. وهكذا ظهر على مسرح الأحداث شخص سيء الذكر من يهود الدونمة إسمه مصطفى كمال أتاتورك. ( لعنه الله وحشره مع من أحب من الكافرين).
في بداية ربيع 1338هـ أرسلت انكلترا قواتها البحرية لاحتلال استانبول وألقت القبض على عدد من النواب من أعضاء حزب مصطفى كمال ورئيس الوزراء الأسبق سعيد حليم وسيقوا إلى السجون لمدة يوم واحد ثم نقلوا إلى مالطة. وسيطر الانكليز على العاصمة وفرضت الرقابة على الصحف والبريد والبرق والوزارة. وقد أظهرت بريطانيا بخبث ودهاء للعامة أنها تعادي مصطفى كمال وحزبه وأنها حليفة للخليفة العثماني وصديقة له. وهكذا انطلت الحيلة على العامة البسطاء وظهر لهم أن هناك فريقين متصارعين: الفريق الأول يمثله السلطان وإلى جانبه الانكليز، والفريق الثاني يمثله مصطفى كمال وجماعته الذين بدوا للناس أنهم ضد الانكليز. فأيدهم العامة وأغلبية ضباط الجيش.
وكانت تلك فرصة ذهبية للخائن مصطفى كمال فاغتنمها وأعلن عن إجراء انتخابات، بحيث تكون أنقرة مقرا للمجلس الجديد بعيدا عن مقر الحكم في استانبول. وانعقد المؤتمر القومي، ومن بعد نقل الموظفون والضباط وأجهزة الدولة إلى أنقرة. وبدأ بإنشاء الجيش والدولة. وأخذ يضع أسس الجمهورية التركية الجديدة سرا متظاهرا بكفاح المحتل الأجنبي وكان يقول: " إن كل التدابير التي ستتخذ لا يقصد منها غير الاحتفاظ بالخلافة والسلطنة وتحرير السلطان والبلاد من الرق الأجنبي".
وبعد انتخاب لجنة تنفيذية برئاسته لإدارة شؤون البلاد وانضمام الكولونيل "عصمت إينونو" للوزارة اتخذت قرارات خطيرة أدت إلى الصدام المسلح مع حكومة استانبول. وكاد الخليفة بمساعدة المقاطعات والقبائل التي انضمت إليه بسرعة لنصرة الخلافة أن يقضي على حكومة أنقرة لولا تدخل الإنكليز لصالح مصطفى كمال. إذ بعد المعارك التي استمرت طيلة شهر أيار أوشكت أنقرة على السقوط. وفي هذه اللحظات الحاسمة التي أصبح فيها مصير مصطفى كمال وجماعته على كف عفريت أذاعت بريطانيا بأسلوب إعلامي واسع وخبيث شروط الصلح التي مضى عليها سنة ونصف من تاريخ الهدنة، وهي شروط معروفة باسم " معاهدة سيفر" التي وافق عليها السلطان ووقعها الداماد فريد باشا. فنتج عن ذلك تحول في الرأي العام وانصبت النقمة على الخليفة ورئيس وزرائه وعلى الإنكليز وهكذا تغير الموقف لصالح أنقرة وربح مصطفى كمال الجولة التي هيأها له الإنكليز.
بعد تلك الأحداث دعت إنكلترا إلى عقد مؤتمر لندن من أجل إعادة النظر في معاهدة " سيفر" وبحث المسألة الشرقية. والغريب أنها قامت بدعوة وفدين لهذا المؤتمر. وفد يمثل حكومة أنقرة وآخر يمثل الحكومة العثمانية الشرعية والتي يفترض أن تكون هي الممثل الشرعي الوحيد. لكن مصطفى كمال اعترض عن الدعوة وطلب أن يكون هناك وفد واحد يتكلم بصوت واحد. فأرسل الإنكليز دعوة مباشرة إليه باسم الحلفاء وذلك بمثابة اعتراف صريح بحكومة أنقرة. فذهب الوفدان منفصلين، وفد الخليفة برئاسة " توفيق باشا" رئيس الوزراء ووفد أنقرة برئاسة " بكير سامي بك" وعقد المؤتمر في شباط عام 1339هـ وتنازل وفد الخليفة عن حقه في الكلام لصالح وفد أنقرة، وحضر المؤتمر " لويد جورج " ممثلا لانكلترا، و" بريان " لفرنسا و الكونت " سفورزا " لإيطاليا.
بعد ذلك شعر رجال البلاد بنوايا مصطفى كمال تجاه الخلافة الإسلامية فحذروه من القيام بأي إجراء لإلغاء الخلافة. وهدده الجنرال " كاظم قره باكير"، المتحمس القوي للسلطان وصاحب المركز المرموق في الجيش والدولة، ومنعه من الإقدام على ذلك. لكن مصطفى كمال قام بتهدئته وطمأنه وأعلمه بأنه ليس في نيته التعدي على مركز الخلافة والسلطنة. وأيقن هذا المجرم أن الحل الوحيد لتنفيذ مخططاته هو اكتساح معارضيه وخصومه باستعمال القوة.
وفي تموز من عام 1340 هـ عقدت معاهدة الهدنة وانسحب اليونان من البلاد ولم يبق فيها سوى الإنكليز. فانفرد حينها " هارنجتون" بالعمل ودعيت حكومتا استانبول وأنقرة لمؤتمر " لوزان" بغية عقد معاهدة الصلح في 17 تشرين الأول. فسخط المجلس الوطني الكمالي واستطلع رأي مصطفى كمال الذي كان آنئذ في إزمير فلم يجب بشيء فاجتمع ذلك المجلس في جو مكفهر. وبعد أن حضر مصطفى كمال وصعد المنبر طلب من الحضور الإصغاء إليه واقترح فصل السلطنة عن الخلافة وأن تلغى السلطنة ويخلع وحيد الدين. فبرز الخطر وظهر الهياج، ورأى أغلبية المجلس أن يناقشوا الفكرة وأن يتعرّفوا على حقيقتها وأن يزِنوا نتائجها بضمائرهم وأفكارهم. فخاف مصطفى كمال من عقبى نتيجة البحث والدرس، فطلبَ أن يؤخذ الرأي دون نقاش، ووافقه على ذلك أصدقاؤه من النواب. إلا أن المجلس قرر إحالة الاقتراح إلى لجنة الشؤون القانونية لتبدي أولاً وجهة نظرها فيه ثم تعرضه بعد ذلك على المجلس. وذهب الاقتراح إلى اللجنة التي عكفت على دراسته ولم تلبث طويلاً حتى رأت مخالفته الجلية لأصول الإسلام فرفضته.
وما إن رأى مصطفى كمال توجه اللجنة إلى رفض الاقتراح حتى فقد سيطرته على أعصابه وقفز فجأة واعتلى مقعداً وهو يتميّز من الغيظ وصاح: " أيها السادة! لقد اغتصب السلطان العثماني السيادة من الشعب بالقوة، وبالقوة اعتزم الشعبُ أن يستردّها منه. إن السلطنة يجب أن تفصل عن الخلافة وتلغى، وسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث ذلك. كل ما في الأمر أن بعض رؤوسكم سوف تسقط في غضون ذلك". وكان يتكلم بلهجة الديكتاتور، فانفض اجتماع اللجنة. ثم دعيت الجمعية الوطنية من فورها لتناقش الاقتراح فجمع أنصاره من حوله وطلب أخذ الرأي عليه برفع الأيدي مرة واحدة، فاعترض النواب على هذه الخطة وقالوا: " إن كان لابدّ من أخذ الرأي فليكن مناداة بالاسم. فرفض مصطفى كمال وصاح وفي صوته رنة تهديد قائلاً: " أنا واثق من أن المجلس سيقبل الاقتراح بإجماع الآراء، ويكفي التصويت برفع الأيدي". ثم طرح الاقتراح على الأعضاء فلم ترفع غير أياد قليلة لتأييده. لكن النتيجة أَعلنت بأن المجلس أقر الاقتراح بالإجماع، فدهش النواب لذلك وقفز بعضُهم فوق مقاعدهم محتجّين صارخين: " هذا غير صحيح ونحن لم نوافق"! فصاح فيهم أنصار كمال يسكتونهم ويتبادلون معهم الشتائم.
وصدر قرار المجلس الوطني التركي متضمناً الفصل بين الخلافة والسلطنة، أي جعل الخليفة مجرداً من السلطات واعتباره صاحب منصب ديني وشخصية روحية فحسب، مخوِّلاً تصريف أمور تركيا السياسية والإدارية للوزراء.
وبعد خمسة أيام جرى انقلاب في استانبول تحت بصر الجنرال " هارنتجون" وعزلت حكومة السلطان بالقوة. وتحت حماية القائد الإنكليزي أجلي السلطان " وحيد الدين " وابنه وسمح لهما باصطحاب حقيبة صغيرة للملابس وحمّال لحمل بعض الأمتعة وانطلقت بهم سيارة إسعاف إلى زورق بخاري حملهم بدوره إلى بارجة حربية انكليزية كانت راسية بالميناء تنتظر ذلك، وأقلعت بهم إلى مالطة وذلك في 17 تشرين الثاني عام 1340 هـ ونودي بالأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ابن عم وحيد الدين خليفة للمسلمين بعد موافقة المجلس الوطني على ذلك.
وقد احتوى البيان الذي أصدره المجلس الوطني التركي على أربعة فصول بعد مقدمة عامة، وكان الفصل الأول منه خاصا بتعريف الخلافة وتوضيح شروطها، وأما الثاني فبكيفية اكتسابها، وأما الثالث فيتعلق بتقسيم الخلافة أو تفريق السلطنة عن الخلافة ليصل في النهاية إلى النتيجة التي كان يرمي إليها. وهذا عرض موجز لمضمون القرار:
يبدأ البيان بتعريف الخلافة وإيضاح مفهوم أهل السنة لها، وينتهي إلى أن الخلافة مسألة دنيوية سياسية أكثر منها دينية، ولذلك خلتْ النصوص الشرعية من إيضاحها بالتفصيل. ثم تعرض البيان إلى الأصوات التي تعارض القرار، وهذا يدل على قوة الأصوات المعارضة، فيذكر في إحدى عباراته : " وحيث أننا نلاقي أفكاراً باطلة وتعصباً لا مبرر له في شأن مسألة الخلافة في زماننا، كما هو الحال في كثير من الأحكام الشرعية سِواها، شرعنا إلى تحرير هذه الرسالة، وغرضنا منها تصحيح الأفكار وتنوير الأذهان بتفهيم حقيقة هذه الشرعية".
أما في فصل التعريف بالخلافة وإيضاحها يقرن المجلس كلمة (الخلافة) بالإمامة، فهي مرادفة لها، ولكنه يحصر الخلافة بالخلفاء الراشدين وحدهم، وأما الخلفاء من بعدهم لم يكونوا في حقيقة الأمر سوى رؤساء جمهور المسلمين لأن ولايتهم سياسية إدارية وليست روحية.
وتنتقل حيثيات القرار بعد هذا إلى عرض لما يُطلق عليه اسم " الخلافة الحقيقية والخلافة الصورية والحكمية". فالأولى هي الكاملة الجامعة للصفات والشروط والتي تمت عن طريق الانتخابات بواسطة الأمة، بخلاف الثانية وهي العارية عن هذه الشروط لأنها تمّت بالتغلب والاستيلاء، فهي ملك وليست خلافة من جهة، كما أن صاحبها لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لها من ناحية أخرى شأن خلفاء الأمويين والعباسيين، ما عدا عمر بن عبد العزيز الذي اقتفى أثر النبي صلى الله عليه وسلم فألحقه البعض بالخلفاء الراشدين.
ثم يعتبر البيان أن الخليفة يعدّ من جهة نائباً عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناحية أخرى نائباً عن الأمة الإسلامية بصفته وكيلاً عنها فيحق للأمة عزله.
أما فيما يتعلق بتقييد حقوق الخلافة وواجباتها فيعود البيان إلى تقسيم الخلافة السابقة إلى خلافة كاملة حقيقية وخلافة صورية حكمية، ليضع نتائج البحث في ضوء هذا التقسيم بأن الخلافة بالمعنى الأول لا يجوز تطبيقها لأنها خلافة نبوة، بخلاف الشكل الثاني لها وهي الخلافة الصورية فإنه يجوز تقييدها.
والنتيجة المباشرة لكل هذه المقدمات التي ساقها هو أن الخلافة بعد أن أصبحت مرادفة للملك والسلطنة لم تعد إلا من المسائل السياسية، لهذا ألغاها المجلس بحيث " لا تضر الأمة والبلاد بتصرفاتها الاستبدادية، وأبقى السلطنة في يد الأمة التي هي صاحبتها الحقيقية".
وتيقّن الناسُ بعد هذا أن حكام أنقرة الجدد كفرة، وصاروا يلتفون حول الخليفة عبد المجيد ويحاولون إرجاع السلطة إليه ليكون هو الحاكم الحقيقي للبلاد ويقضي على هؤلاء المرتدين. فأدرك المجرم مصطفى كمال الخطر، وعرف أن أكثرية الشعب تكرهه وتصفه بالزندقة والإلحاد، فنشط في الدعاية ضد الخليفة والخلافة، وأثار حماسة الجمعية الوطنية حتى سنّت قانوناً يقضي باعتبار كل معارضة للجمهورية، وكل ميل إلى السلطان خيانة عقابها الموت.
وشرع مصطفى كمال يهيئ الأجواء لإلغاء الخلافة. إلا أن النواب صاروا يتحدثون عن الخلافة وفائدتها لتركيا من الوجهة السياسية العامة. فقاومهم مصطفى كمال وقال : " أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن الأوان لتنظر تركيا إلى مصالحها وحدها، وتتجاهل الهنود والعرب وتنقذ نفسها من زعامة المسلمين".
وواصل مصطفى كمال حملته ضد الخلافة ودعايته ضد الخليفة، وأبرزه هو وأنصاره في صورة الخونة الذين يشتغلون لحساب الإنجليز. ولم يكتفِ بذلك، بل خلق موجة من الإرهاب ضد معارضيه من النواب الذين يريدون استبقاء الخلافة في تركيا. فإذا صرّح أحدهم بضرورة الخلافة ووجوب المحافظة على الدين، كلف المجرم شخصاً لاغتياله في الليلة التي تحدّث فيها. وإذا ألقى نائب آخر خطبة إسلامية أحضره وهدده بالشنق إذا فتح فمه بمثلها مرة أخرى.
وبهذا الترهيب والوعيد نشر الرعب في طول البلاد وعرضها، وضمن لنفسه ألا يعترض عليه معارض. ثم أرسل إلى حاكم إستانبول يأمره بالتشديد على الخليفة وإنذار أتباعه كي يتخلوا عنه.
وبعد أن نجح أعداء الله في تحقيق هذين الهدفين، أي إحداث الدستور العلماني المناقض لشرع الله ثم فصل السلطنة عن الخلافة لم يبق أمامهم بعد ذلك إلا إلغاء الخلافة كليا. وهذا ما سنراه في الحلقة القادمة إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
ما الذي يجب أن يعرفه المسلمون في ذكرى هدم الخلافة.
الحلقة الرابعة
إلغاء الخلافة
رأينا في الحلقة السابقة كيف تمت عملية فصل السلطنة عن الخلافة، وحالة الرعب والترهيب التي مارسها المجرم مصطفى كمال أتاتورك على معارضيه وعلى كل من كان يرغب في إبقاء الخلافة. وفي هذه الحلقة سنرى كيف تم القضاء على الخلافة بالرغم من كونها صارت في النهاية رمزا فحسب، إلا أن أعداء الله ما كانوا ليرضوا ببقاء هذا الرمز مخافة أن يلتف المسلمون من جديد حول خليفتهم ويعيدوا له ما فقد منه.
في 20 تشرين الثاني افتتح مؤتمر " لوزان " وحضره وفد أنقرة فقط ووضع " كرزون " رئيس الوفد الإنكليزي أربعة شروط للاعتراف باستقلال تركيا وهي كالتالي:
1 - إلغاء الخلافة الإسلامية إلغاءًا تاما.
2 - طرد الخليفة خارج الحدود.
3 - مصادرة أموال الخليفة.
4 - إعلان علمانية الدولة.
وعلى إثر إخفاق المؤتمر وفشله في تحقيق هذه الشروط عاد " عصمت إينونو" رئيس الوفد إلى تركيا ولقيه مصطفى كمال وعرف منه كل ما جرى في المؤتمر. والجدير بالذكر هنا أن عمله هذا كان غير دستوري مما أثار الاحتجاج عليه فاستقال رئيس الوزارة الذي وقفت الأكثرية إلى جانبه ضد مصطفى كمال وعصمت إينونو. ولكن مصطفى كمال أخذ يدبر المكائد ضد الجمعية الوطنية إذ لم يبق في صفه سوى عصمت وفوزي والقلة القليلة. وعند ذلك قرر مصطفى كمال تنفيذ الشروط البريطانية ففكر في حل الجمعية، وقد تم ذلك وجاء بمجلس جديد، لكن هذا المجلس جاء ضده أيضا. فلجأ إلى الكيد ووضع المآزق والعراقيل أمامه وحرض الوزراء على الاستقالة وفشلت الجمعية في تشكيل حكومة جديدة وكثر الجدل وحلت الفوضى.
وفي اليوم التالي قرر مصطفى كمال إعلان الجمهورية فاجتمعت الجمعية في جو صاخب وعراك بين النواب. ولإنقاذ الموقف وحسم المسألة أُستدعيَ مصطفى كمال لتشكيل الوزارة، لكنه اشترط على الجميع قبول رأيه بلا مناقشة فوافقوا على ذلك. وفي 29 تشرين الأول عام 1341 هـ ، صعد المنبر وأعلن عن مولد الجمهورية التركية فذهل الجميع. وعلى الرغم من عدم مشاركة أربعين في المائة من النواب بالتصويت، فقد أقر الأمر وانتخب مصطفى كمال رئيسا للجمهورية. ومن ثم أخذ يعمل لإلغاء الخلافة وإعلان العلمانية. وشاع حينها أن حكام أنقرة الجدد من الكفرة وهاجمه الخطباء وغادر الكثيرون من رجالات البلاد أنقرة إلى استانبول والتفوا حول عبد المجيد. ولما اشتدت الحملة عليه تدخل الإنكليز وأمدوه بالسلاح.
وفي أول آذار من عام 1341 هـ دعا المجلس الوطني لعقد جلسة، وقدم مرسوما بطرد الخليفة وإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة. واستمر الجدل والنقاش لعدة أيام. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح اليوم الثالث من آذار (مارس) سنة 1924 أذيع نبأ إلغاء الخلافة والسلطنة وفصل الدين عن الدولة وأمر في الوقت نفسه بطرد الخليفة عبد المجيد وأفراد أسرته وترحيلهم من البلاد إلى سويسرا. وهكذا فاجأ هذا المجرم المرتد العالم الإسلامي والعالم أجمع بإلغاء الخلافة بعد سنة من فصل السلطنة عن الخلافة. وهدّم دولة الإسلام التي بناها الرسول – صلى الله عليه وسلم-. وبعد إلغاءه للخلافة قام بإلغاء كل مظاهر الإسلام فألغى الوظائف الدينية، وصادر أوقاف المسلمين وضمها للدولة، وحول المدارس الدينية إلى مدنية وخاضعة لرقابة وزارة المعارف. وبذلك نفذ مصطفى كمال الشروط الأربعة السالفة الذكر التي اشترطها الإنكليز. ثم أرسل عصمت وزير خارجيته إلى مؤتمر الصلح وأعيد افتتاح المؤتمر في 23 نيسان 1341 هـ ووقعت معاهدة لوزان في 24 تموز من العام نفسه. واعترفت انكلترا باستقلال تركيا، وانسحبت من استانبول والمضائق، وغادر قائد قوات الحلفاء والصديق الحميم لمصطفى كمال: " هارنجتون" البلاد ظافرا. وقد قام أحد النواب الانكليز إثر ذلك واحتج على " كرزون" في مجلس العموم لاعترافه باستقلال تركيا فأجابه هذا : " إن القضية هي أن تركيا قد قضي عليها، ولن تقوم لها قائمة، لأننا قد قضينا على القوة المعنوية فيها وهي الخلافة الإسلامية". وصدق هذا الكافر فيما قال فإن تركيا والعالم الإسلامي بأسره لم تقم له قائمة بعد سقوط الخلافة وها أنكم لترون الحالة التي نحن عليها اليوم.
وهكذا أسفر مصطفى كمال عن وجهه القبيح، وشرع يوجه الدولة الجديدة نحو العلمانية. واستهل عهده بترجمة القرآن الكريم إلى اللغة التركية، وبإلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية ونظام الوقف والمحاكم الشرعية وقوانينها ثم عمد إلى رفع الحجاب وإلغاء تعدد الزوجات، وأمر بإلغاء الطرق الصوفية والتكايا ومصادرة أموالها وبإخلاء جامع آيا صوفيا وإعداده في مصافّ الآثار القديمة.
ثم منع الطربوش ودعا إلى استبداله بالقبعة عام 1925م، وعدّل الدستور لكي يحذف منه العبارة التي تنصّ على أن الإسلام دين الدولة عام 1928م، وألغى تدريس العلوم الدينية عام 1929م. وأدخل إلى الجوامع تلاوة القرآن بالتركية وحول الأذان إلى هذه اللغة عام 1932م، ورفع من برنامج جامعة إستانبول القسم الديني عام 1933م، وحظّر على الأئمة والخطباء الاستمرار على ارتداء لباسهم التقليدي عام 1934م، وأعلن المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الميراث، بالإضافة إلى تبديله الحروف العربية بالحروف اللاتينية، وحمل الشعب على تغيير أسمائهم وكُناهُم بأسماء وكنى ترجع إلى الطورانية وذلك أسوة به إذ سمّى نفسه أتاتورك عوضاً عن مصطفى كمال. وفرض القانون المدني السويسري وقانون الجرائم الإيطالي بعد التصويت عليهما في المجلس الوطني.
هذه هي فصول قضيتكم أيها المسلمون عرضناها عليكم لتعلموا ماذا جرى لكم وماذا صنع بكم الكفار الأعداء. ولتعلموا أن الذين غدروا بكم البارحة هم الخونة والعملاء الحقيرون وليس الخلفاء. والذين يغدرون بكم اليوم هم خلف لؤلئك السلف المجرمين. وهاهم أبناءهم وأحفادهم بين ظهرانينا بعضهم في سدة الحكم وبعضهم في وظائف الدولة وبعضهم الآخر في الإعلام وفي المناصب الحساسة. وها إنكم لترونهم كيف يقتفون الأثر نفسه ويمارسون الخطة نفسها ليواصلوا مشروعهم الخبيث، وليقضوا على الإسلام نهائيا. وها أنكم لترون كيف يتضاعف حقدهم على الإسلام والمسلمين يوما بعد يوم . ولما ظهرت من جديد الدعوة إلى الخلافة وتبينوا أن الأمة تسعى لإعادة الخلافة جن جنونهم وطارت عقولهم وصاروا كالوحوش الضارية يفتكون بشباب الأمة. فيقتلون ويعذبون ويسجنون ويشردون ويعبثون بالأعراض. وليس ذلك فحسب وإنما سخروا زمرة من المرتزقة تعمل لصالحهم وتشكك المسلمين في وجوب إعادة الخلافة. فتراهم يستخفون بها ويستهجنونها ويسخرون ممن يعمل لها ويزعمون أنها هرطقة وترهات وأوهام وخيال وحلم يصعب تحقيقه في عالم الحضارة والتمدن والتنوع الفكري والإيديولوجي. فلا تسمعوا لهؤلاء الكذابين الدجالين. فإن الخلافة فرض أوجبه الله سبحانه وتعالى فبها يقام الدين وبها تحفظ الأعراض وبها تحرس الثغور وبها تحمل رسالة الإسلام إلى العالم. وهذا ما سنراه بإذن الله في الحلقة القادمة والأخيرة.
ابن خلدون