- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-06-17
جريدة الراية:
تايوان بين تصعيد الصين
وارتباك أمريكا
في لحظةٍ يبدو فيها العالم منشغلاً بالحروب الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تتحرك الصين بهدوءٍ محسوب نحو أخطر نقطة اشتباك جيوسياسي في القرن الحادي والعشرين، وهي تايوان.
فالتصعيد العسكري المتسارع في بحر تايوان لم يعد مجرد مناورات عابرة أو رسائل ضغط دبلوماسية، بل أصبح مؤشراً على تحولٍ استراتيجي عميق في ميزان القوى العالمي، حيث تسعى بكين إلى فرض واقع جديد يكرّس صعودها كقوة دولية قادرة على تحدي الهيمنة الأمريكية في آسيا والمحيط الهادئ.
وفي المقابل تبدو واشنطن أمام معضلة معقدة؛ فهي تدرك أن خسارة تايوان تعني تراجع نفوذها الاستراتيجي في الشرق الآسيوي، لكنها تدرك أيضاً أن أي مواجهة مباشرة مع الصين قد تفتح الباب أمام حرب عالمية ذات كلفة كارثية على الاقتصاد والنظام الدولي معاً.
لذلك تتزايد التساؤلات حول طبيعة التفاهمات غير المعلنة بين القوى الكبرى، خصوصاً في مرحلة ترامب، وما إذا كانت تايوان قد تحولت بالفعل إلى ورقة تفاوض ضمنية في الصفقات الكبرى بين واشنطن وبكين، أم أنها مكيدة من ترامب لتوريط الصين وإغراقها في مشاكل إقليمية ودولية؟
إن العالم بعيد عن لحظة الحسم النهائي، ولو مؤقتاً، حيث إننا نمر بإحدى أخطر أزمات العصر.
في كل مرة تقوم الصين بمناورات حول تايوان تتوتر الأجواء، ونكون أمام استعراض قوة مؤقت، أما اليوم فنجد أنفسنا أمام تمهيد لتغيير تاريخي في شكل النظام الآسيوي؛ فالصين لم تعد تتعامل مع الجزيرة باعتبارها ملفاً مؤجلاً، بل باعتبارها القضية المركزية في مشروعها القومي، وأن أوان حسمها قد اقترب، بينما تبدو أمريكا أقل وضوحاً من أي وقت مضى في الالتزام تجاه حماية تايوان.
أولاً: ماذا يعني التصعيد الصيني الحالي حول تايوان؟
خلال الأشهر الأخيرة كثفت الصين مناوراتها البحرية والجوية حول الجزيرة، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد السفن والطائرات التي تتحرك قرب المجال التايواني، حيث أعلنت تايبيه أن أكثر من 100 سفينة حربية أو تابعة لخفر السواحل الصيني منتشرة في البحر الأصفر وبحر الصين الجنوبي، أي على مقربة من تايوان. (الجزيرة 23/5/2026).
بالإضافة إلى عمليات ضغط بحرية متكررة حول الجزر الصغيرة التابعة لتايوان، والهدف الصيني لا يبدو مجرد تخويف عسكري، بل يمكن فهمه ضمن ثلاثة مستويات:
1- تطبيق الحصار التدريجي، أي جعل الوجود العسكري الصيني حول تايوان أمراً يومياً وطبيعياً، بحيث تتحول الجزيرة نفسياً وعسكرياً إلى مساحة مطوقة.
2- استنزاف الإرادة التايوانية: فالصين تدرك أن الحرب لا تُحسم دائماً بالاجتياح، بل أحياناً بكسر ثقة المجتمع بقدرته وقدرة حلفائه على حمايته.
3- اختبار موقف أمريكا الحقيقي: تريد الصين معرفة إلى أي مدى ستذهب أمريكا فعلاً للدفاع عن تايوان إذا اقتربت الأزمة من نقطة الانفجار.
ولهذا يرى كثير من المحللين أن الصين تتحرك وفق استراتيجية "الخنق البطيء" بدل الغزو المباشر المكلف، وفي الوقت نفسه تعمل على كشف نوايا الجميع.
ثانياً: ما هي الأجواء الأمريكية بعد هذا التصعيد؟
في الداخل الأمريكي نجد حالة ارتباك واضحة تجاه ملف تايوان؛ فأمريكا لا تزال تعلن رسمياً رفض أي تغيير بالقوة للوضع القائم، لكن لا يُعلم هل هي تتنازل عن شيء للصين في هذا الملف، أم أنها تحاول توريطها في تايوان.
وفي الوقت نفسه ظهرت مؤشرات مقلقة لتايوان، منها:
- تقارير تحدثت عن تجميد أو إبطاء بعض صفقات السلاح الأمريكية لتايوان بسبب أولويات عسكرية أخرى مرتبطة بالشرق الأوسط. حيث قال مسؤول عسكري أمريكي: "ستُوقف صفقة بيع أسلحة بقيمة 14 مليار دولار لتايوان للحفاظ على الذخائر لحربها مع إيران". (الجزيرة، 22/5/2026).
- ترامب نفسه استخدم لغة تجارية تجاه تايوان، واعتبر أن صفقات السلاح يمكن أن تكون ورقة تفاوض مع الصين. (رويترز، 19/5/2026).
- الإدارة الأمريكية الحالية تبدي اهتماماً أكبر بمنع الحرب مع الصين، لا بخوضها، ولا نعلم ما تخفيه، فالمكر من طباعهم.
وهذا لا يعني أنها تخلّت عن تايوان، لكنه يعني أن الأولوية الأمريكية أصبحت إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى مع بكين في الوقت الحالي.
ثالثاً: هل كانت هناك صفقة ضمنية بين ترامب والصين حول تايوان؟
حتى اليوم لا توجد أي أدلة رسمية على وجود اتفاق سري يسمح للصين بأخذ تايوان، لكن من الواضح أن ملف الجزيرة أصبح جزءاً من المساومات الكبرى بين البلدين.
وخلال لقاءات ترامب مع الرئيس الصيني طُرح ملف تايوان بقوة، مع ضغط صيني كبير، وما رشح منها سوى وقف الدعم العسكري الأمريكي لتايبيه. (الجزيرة، 23/5/2026).
المشكلة أن ترامب ينظر إلى السياسة الخارجية بعقلية الصفقات، وليس بعقلية التحالفات العقائدية التقليدية، وهذا طبعاً يثير قلق التايوانيين؛ لأنهم يدركون أن مستقبلهم قد يتحول إلى ورقة مساومة داخل تفاهمات اقتصادية وأمنية وعسكرية بين الصين وأمريكا.
لكن هنا توجد قيود عميقة تمنع أمريكا من التخلي الكامل عن تايوان، منها: أهمية الجزيرة الاستراتيجية في احتواء الصين. وموقعها المحوري في صناعة أشباه الموصلات العالمية. والضغط داخل الكونغرس الأمريكي المؤيد لتايوان. وخوف واشنطن من أن يؤدي سقوط تايوان إلى انهيار الثقة بحلفائها الآسيويين مثل كوريا الجنوبية واليابان.
لذلك قد تلجأ إلى محاولة إدارة انتقال طويل ومعقد يمنع الحرب، ويؤجل الحسم، ويجعل عودة تايوان إلى الصين أمراً طبيعياً ولكن على مدى زمني طويل.
رابعاً: هل أصبحت عودة تايوان إلى الصين مسألة وقت؟
الصين تعتبر أن إعادة تايوان ليست خياراً سياسياً فقط، بل جزء من استعادة الكرامة التاريخية للصين بعد "قرن الإذلال" الغربي، لذلك فإن ملف الجزيرة هدف لا يمكن التنازل عنه مهما طال الزمن.
ولكن عودة تايوان ليست أمراً سهلاً، وذلك لعدة أسباب، منها:
● المجتمع التايواني بات يمتلك هوية سياسية مختلفة عن الصين.
● أي غزو مباشر قد يتحول إلى حرب إقليمية مدمرة.
● الاقتصاد العالمي سيتعرض لصدمة هائلة إذا تعطلت مصانع الرقائق الإلكترونية التايوانية.
● اليابان وأمريكا تخشيان أن يؤدي سقوط تايوان إلى هيمنة الصين الكاملة على غرب المحيط الهادئ.
ومع ذلك فإن ميزان القوة يتحرك لصالح الصين، خاصة مع التوسع العسكري البحري الصيني، وتراجع استعداد أمريكا لخوض حرب مفتوحة، خصوصاً في حالة الانقسام الداخلي فيها حالياً.
أزمة تايوان اليوم ليست مجرد نزاع حدودي بين الصين والجزيرة المتمردة، بل هي اختبار لمستقبل النظام العالمي كله.
وأمريكا أمام معضلة تاريخية: إما الدفاع عن تايوان والمخاطرة بحرب كبرى مع الصين، أو القبول تدريجياً بصعود نظام آسيوي جديد تقوده الصين.
إن هذه التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي بأكمله تجعل العالم الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة تحت الهيمنة الأمريكية المطلقة يبدو اليوم أمام مرحلة إعادة توزيع للنفوذ، حيث تصعد قوى جديدة قادرة على تحدي المركز الغربي التقليدي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
وفي خضم هذه التحولات قد تنشأ ولادة قوة دولية جديدة، والمرشح الوحيد القادر على اعتلاء القمة بأسرع وقت ممكن، والانتقال من دولة ناشئة إلى دولة كبرى، هو عودة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
والغرب يعي معنى هذه العودة؛ لأنها القوة الوحيدة القادرة على إنهاء غطرسة أمريكا ومبدئها الرأسمالي، وإعادة الصين إلى حجمها الطبيعي، ونشر العدل والنور في ربوع هذه الكرة الأرضية، تحقيقاً لبشرى رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا».
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم
المصدر: جريدة الراية