Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Al Raya sahafa

 

2026-07-08

 

جريدة الراية: 

خارطة الطريق الأمريكية المغربية للدفاع 2026-2036

هدفها تحويل المغرب قاعدة للدفاع عن الاستعمار الأمريكي!

 

 

كشفت مضامين مشروع قانون أمريكي جديد يحمل الرقم س.4784 المدرج ضمن حزمة تشريعات تفويض ميزانية الدفاع للسنة المالية 2027، عن توجه واشنطن نحو بناء إطار استراتيجي متكامل لتعميق الاتفاق الأمني مع الرباط خلال الفترة 2026-2036، وهو ما أطلق عليه النص التشريعي "خارطة الطريق الأمريكية المغربية للتعاون الدفاعي"، وقد سبق ذلك توقيع إدارة ترامب لاتفاقية دفاعية مع المغرب في 16 نيسان/أبريل 2026 في واشنطن، تحت مسمى "خارطة طريق للتعاون العسكري" وتمتد إلى غاية 2036.

 

فاتفاق نيسان/أبريل وضع الخط العريض لرؤية أمريكا الأمنية الاستراتيجية المتعلقة بالمغرب، أما مشروع القانون الحالي فهدفه تحويل الرؤية إلى التزام أمني قانوني بعيد المدى لأمريكا، كما أنه يكشف ما لم يعلن كاملا في اتفاق نيسان/أبريل، فهو يؤسس لتحويل المغرب إلى منصة لهيمنة أمريكا واستعمارها لغرب المتوسط ومنطقة الساحل والعمق الأفريقي، عبر الإجراءات العملية التي كشف عنها، ومنها:

 

- إقامة مواقع أمنية داخل المغرب تحت بند تعزيز الاستقرار الإقليمي ورفع الجاهزية المشتركة للتعامل مع الأزمات.

 

- وضع خارطة طريق لتعميق التعاون في مجال مكافحة الإرهاب (الإسلام) ومواجهة التهديدات التي تستهدف أمريكا والمغرب والمنطقة.

 

- اعتماد صيغة لتقاسم التكاليف من أجل إعادة تأهيل مدارج جوية استراتيجية كانت أمريكا قد استعملتها سابقا (استعادة القواعد الجوية فترة الخمسينات؛ سيدي سليمان وبن جرير والنواصر)، إلى جانب دعم تحديث القوات المسلحة المغربية عبر اقتناء معدات دفاعية أمريكية وإنشاء مجمع للتدريب والاختبارات متعدد المجالات.

 

- توسيع نطاق وحجم التدريبات العسكرية الثنائية والمتعددة الأطراف، من قبيل مناورات "الأسد الأفريقي"، بما يتيح إدماج مجالات الأمن السيبراني، وعمليات الطائرات المسيرة، وقدرات مواجهة هذه الطائرات، والتكنولوجيات تحت سطح البحر، ومواجهة الحروب الهجينة، وحماية البنيات التحتية الحيوية، وسلاسل الإمداد والحركة العسكرية.

 

- التعاون المستقبلي بين البلدين سيأخذ بعين الاعتبار أيضا التطورات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي والقدرات الذاتية في المجال العسكري، في سياق التحولات التي تعرفها أنماط الحروب الحديثة وتنامي الاعتماد على التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة.

 

فمشروع القانون كما الاتفاق ليسا مجرد تمديد تقني لاتفاقيات سابقة بل هو إطار أمني استراتيجي أمريكي جديد في ظرف استراتيجي حرج بالنسبة للهيمنة الأمريكية يهدف إلى تحويل المغرب لجزء من بنية أمريكا الأمنية الاستراتيجية في غرب المتوسط نظرا لموقعه الجيوستراتيجي الاستثنائي (نقطة التقاء ثلاث دوائر استراتيجية كبرى وحيوية الأطلسي والمتوسط وأفريقيا، مع تحكم المغرب في المدخل الجنوبي لمضيق جبل طارق الممر الاستراتيجي الحيوي للعبور اللوجيستي والعسكري والتجارة والطاقة).

 

لكن الإطار الأمني والوظيفة الاستراتيجية للمغرب لا تقتصر على الموقع الجيوستراتيجي فقط، فأمريكا تسعى إلى تحويلها لقاعدة ومنصة انطلاق لتكريس هيمنتها على الغرب الإسلامي والتصدي لمشروعه الإسلامي، وتوظيفه بوابة نفوذ وتحكم لشمال المتوسط الأوروبي عبر مضيق جبل طارق، وكذلك عبر إدارة نفوذها الاستعماري للساحل والعمق الأفريقي.

 

فالإخفاقات السابقة المكلفة في العراق وأفغانستان دفعت بأمريكا لإعادة صياغة عقيدتها الاستراتيجية، فبدل الهيمنة المباشرة عبر الاحتلال والقواعد العسكرية الضخمة، انتقلت إلى نمط جديد من الهيمنة يعتمد على نقط تموضع إقليمية وأنظمة وظيفية محلية تشكل امتداداً لنفوذها الأمني والاستراتيجي والاستخباراتي مع تحمل هذه الأنظمة تكاليف وأعباء الهيمنة الأمريكية. ومع حرب إيران ومأزق أمريكا تعاظمت المعضلة الأمنية الأمريكية ومعها الحاجة الاستراتيجية لركائز إقليمية ضمن منظومة الدعم والردع الأمريكية.

 

والمغرب ونظامه الوظيفي يفي بحاجة أمريكا عبر جغرافيته الاستثنائية وموارده الاستراتيجية (عمق حضاري وتاريخي في الساحل وأفريقيا، نافذة على الشمال المتوسطي الأوروبي، الانخراط التام في حرب الإسلام، جيش منظم وذو خبرة قتالية، أجهزة وخبرة استخباراتية، ارتباط عال وتنسيق أمني عميق مع واشنطن، معادن ومناجم استراتيجية، قواعد ونقاط ارتكاز أمنية، موانئ ومطارات وتضاريس متنوعة...) ما يمنح أمريكا تحكما وسيطرة على حركة التجارة والطاقة والانتشار العسكري والإمداد اللوجيستي والتحكم في المجال الاستخباراتي والسيبراني بين ثلاث قارات ومنها جغرافية المنطقة الإسلامية الحيوية الخطيرة.

 

فمشروع قانون "خارطة الطريق الأمريكية المغربية للتعاون الدفاعي" هي خطة أمريكا لتحويل المغرب إلى منصتها الأمنية وقاعدتها الاستراتيجية غرب المتوسط لدعم هيمنتها وتوسيع عمقها الاستراتيجي بعد أزماتها المتلاحقة، ولقد كان فخ الاعتراف بمغربية الصحراء وضعف وفراغ الحكم بالمغرب عاملا مساعدا.

 

هي خطة أمريكا لزرع بذور التبعية والارتهان الاستراتيجي كمقدمة للارتهان السياسي، فخطة أمريكا تسعى ليس لاختراق الجيش النواة الصلبة للحكم في المغرب بل أبعد من ذلك، أي للسيطرة والتحكم التام في عقيدته العسكرية وبنيته التنظيمية وتخطيطه الاستراتيجي وسلاحه وموارده وأجهزته الأمنية عبر دمجه في بنيتها الأمنية، ويتم الأمر عبر توسيع وتكثيف الاتصال والتنسيق عبر أنظمة القيادة الأمريكية ووفق عقيدتها العسكرية وفلسفتها الأمنية، مع الاعتماد المتزايد على التقنية والسلاح الأمريكي (المغرب يتصدر مستوردي السلاح الأمريكي في أفريقيا طائرات الفاكون وإف16 وما يلحق بهما من قطع غيار وذخائر وتحديثات)، وأخطر من ذلك امتلاك أمريكا لأنظمة التشغيل والبيانات الفنية التكتيكية، عطفا على الارتباط الأمني الاستخباراتي بالأجهزة والتكنولوجيا الأمريكية المتقدمة (الرادارات وأنظمة "لانك-16" لربط الاتصال بين الشبكات القتالية المختلفة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي) والتي تشرف عليها القيادة الأمريكية حصرا عبر التحكم في بروتوكول قيادة العمليات. ثم هناك الطائرات المسيرة ومنصات التحكم الأمريكية، ثم تأتي التدريبات المكثفة والمناورات الموسعة الدورية تحت إشراف القيادة الأمريكية التي تعيد صياغة العقيدة العسكرية للجيش المُستَهدَف، عبر إعادة تحديد الفلسفة والهدف والغاية الأمنية، وإعادة تعريف الخطر والتهديد والعدو والصديق، وهنا يتم الاحتلال والإحلال العقائدي العسكري البديل، فتصبح النواة الصلبة للحكم عقيدة وأجهزة وتسليحا وتخطيطا وتنفيذا تحت إدارة القيادة الأمريكية، فيصبح قرار الأمن والحرب رهينة عند أمريكا، فيصبح الجيش رهينة أمريكا، ولن يستمر هذا الوضع حتى ينتهي إلى هدفه النهائي؛ تبعية سياسية للمستعمر الأمريكي.

 

هذا ما جنته علينا أنظمة الخيانة والعار؛ صيرت بلادنا وثرواتنا ومواقعنا الجيوستراتيجية الاستثنائية وجيوشنا الجرارة أدوات في خدمة الغرب الكافر ونقمة علينا وعلى بلادنا!

 

بقلم: الأستاذ مناجي محمد

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.