- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-08
جريدة الراية:
العطش بِحَرِّ أوسلو
ووادي عربة!
ما إن يقترب الصيف حتى يتصاعد الحديث عن أزمة دائمة مستمرة طوال العام، ولكنها تتفاعل مع حر الصيف ولهيب الشمس، فتتفجر آثارها ويمتد تأثيرها ليتجاوز المُزارع وصاحب الحقل حيث يجف الزرع وتيبس الأرض في بلاد أمطارها غزيرة ومياهها كثيرة! فهل هذه أحجية؟ أم أنها مأساة اتفاقيات سياسية وقعت بأقلام سياسيين تقمصوا السيادة والقيادة؟ وكيف حصل ذلك؟ وما هي الآثار الناتجة؟ وكيف تتعامل السلطات مع هذه الأزمة؟ وكيف تحل هذه الأزمة؟
يعاني الناس في الضفة الغربية من نقص في المياه كل عام خاصة في فصل الصيف، وعند البحث عن أسباب هذا العجز في المياه المطلوبة، وذلك لتشخيص هذه الأزمة بشكل موضوعي، يتبين أن السبب وراء هذا النقص هو أن المياه قد أصابها من الاتفاقيات السياسية وخاصة اتفاقية أوسلو ما أصاب التراب والهواء من أذى وضياع لصالح يهود، ذلك أن كيان يهود لم ينظر إلى مسألة المياه على أنها تفاصيل عادية يمكن القفز عنها ومناقشتها لاحقاً، وإنما نظر إليها على أنها قضية استراتيجية بالغة الأهمية لأجل السيطرة على الأرض وتهجير أهلها، واعتبرها كذلك مسألة مجال حيوي تشكل ضرورة توسعية في المنطقة، وقد عبر عن ذلك حاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية في رسالة إلى ديفيد جورج عام 1920م، أشار فيها إلى أن مياه نهري الأردن واليرموك لا تفي بحاجة الدولة اليهودية، ويمكن لنهر الليطاني سد هذا العجز، ومثله تلك المشاريع التي كانت تبحث عن إمكانية تحويل جزء من نهر النيل إلى سيناء ومن ثم إلى النقب، وكل ذلك قبل الإعلان عن إنشاء هذا الكيان عام 1948م.
ليس من التجني السياسي القول إن سبب عطش البشر والشجر والأرض في هذه الأيام هو مناخ سياسي بدأ بأوسلو وهو مستمر إلى اليوم، وأن منظمة التحرير هي المسؤولة عن ذلك، دون تجاهل لكيان يهود ومشاريعه السرطانية التي سبقت نشأته، للسيطرة على مياه فلسطين وما حولها، وهو وإن كان قد بدأ بتلك المشاريع للسيطرة على المياه قبل أوسلو بعقود ولكن أوسلو مكنته من ذلك وأحكمت سيطرته؛ ففي تلك الاتفاقية جعلت قضية المياه من قضايا الحل النهائي التي من المفترض أن تنتهي خلال خمس سنوات، وجعل ملف المياه ومواردها في يد لجنة مشتركة تكون اليد الطولى فيه لكيان يهود، وبالتالي أبقيت السيطرة الكاملة على موارد المياه وإمكانية الوصول لها في يده ريثما يتم التوصل إلى حل خلال نصف عقد، فكانت أوسلو - الثانية ببندها رقم 40 المتعلق بالمياه - وفرضية الخمس سنوات هي المحبس الذي مكن كيان يهود من المياه، ففتحه على مستوطنيه وأغلقه على أهل فلسطين.
إن هذه اللمحة السياسية السريعة هي لتبيان أن الأزمة ليست بسبب النمو السكاني، والتوسع العمراني وتغير المناخ، وإن كانت كلها عوامل مؤثرة، لكنها عوامل طبيعية لها حلولها التقنية والإدارية الخاصة في دولة تمتلك سيادة على مائها وترابها، ولكن الكارثة هي إسقاط تلك الحلول الإدارية على واقع الأزمة في الضفة الغربية كما تفعل السلطة فتروج لحلول وقوانين كان من آخرها تفعيل قانون ما يسمى بنظام "ترخيص وحفر وتأهيل الآبار واستخراج المياه الجوفية" تحت عنوان أنه نظام إداري للحد من استنزاف المياه الجوفية ومنع انتشار الآبار وضمان توزيع أكثر عدالة للمياه ومنع التلوث!
وهي بذلك إنما تعالج المرض بالسم، فالعجز الذي وصل في مجمل القطاعات الزراعية والصناعية والسكانية إلى ما يقرب من 100 مليون متر مكعب، كيف يعالج بملاحقة آبار باتت مهرب الناس والشجر والأرض من عطش يحيط بهم؟ وكيف يعالج بملاحقة وكشف وتسجيل كل الآبار التي يعتبر الكثير منها وخاصة في مناطق "ج" غير قانوني ضمن قوانين كيان يهود الذي يتواصل مع السلطة في الملفات والترتيبات الإدارية؟ وبالتالي كشف السلطة لتلك الآبار يعني إغلاق كيان يهود للكثير منها حالياً أو كلها مستقبلاً في ظل مشاريع استيطانية تهجيرية متسارعة دون توقف! وكيف تعزز الفواتير بآلاف الدنانير مزارعين يستثمرون جهدهم ووقتهم ليس في جني الأرباح، بل في مجرد توفير لقمة العيش، وبعضهم فقط في تعزيز بقاء بيته وخضار شجره وخصاب حقله في مناطق وأراض يتربص بها المستوطنون ليل نهار للسيطرة عليها وطرد أهلها؟! وكيف تعاقب الناس على بحثهم عن المياه وأنت لا توفرها لهم؟! ومن الذي يجب أن يدفع الثمن؟ هل هو من جمع بين الحماقة والتفريط على كرسي التفاوض؟ أم الذي يتمسك بأرضه ومياهها؟!
وفي الختام، فإنه صحيح أن قضية المياه شأنها شأن القدس وحيفا ويافا ونهر الأردن وطبريا؛ لا تحل إلا بعقلية مبدئية تواجه عقلية وايزمان الاستعمارية ومن جاء بعده، وبقوة عسكرية تتجاوز نهر النيل أو الأردن أو طبريا لتنهي كيانهم وتروي عطش أهل فلسطين وأمة الإسلام، صحيح ذلك ولكن لا يمكن التغافل عن تحركات السلطة بخصوص هذا الملف وما تحمله من مخاطر على أهل فلسطين، وضرورة التصدي لها قبل أن يتحول العطش إلى ظمأ شديد حيث يدفع المزارع فاتورة ريّه لأرضه التي يتربص بها المستوطنون ويصبح الصهريج همّ الناس ويباع الماء بالدولار! وينحصر الماء بأنابيب شركة مكوروت التي تشتري منها السلطة حالياً ما يقارب 80 مليون متر مكعب سنوياً من أصل 220 مليون متر مكعب متاحة للاستهلاك، طبعا مع ملاحظة وجود عجز سنوي لا يُسد وصل إلى 58 مليون متر مكعب عام 2018، وهنالك أرقام حسابية تتحدث حاليا عن 100 مليون متر مكعب.
ملاحظة: ذكرتُ اتفاقية وادي عربة في العنوان لأنها تتشابه مع اتفاقية أوسلو من حيث تمكين يهود من المياه وخاصة مياه نهر الأردن، وكما فرطت منظمة التحرير بالمياه في أوسلو فقد فعل النظام الأردني في وادي عربة، وكما تشتري السلطة المياه تشتريها الأردن كذلك، وهناك تفاصيل لا يتسع المقال لذكرها تركناها لك أيها القارئ أو لمقالة قادمة تفصّلها.
بقلم: د. مؤمن عبد الله
المصدر: جريدة الراية