- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-07-08
جريدة الراية: زيارة توني بلير لأوزبيكستان
تدشين لمرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي في آسيا الوسطى
لا تتحرك الدول في السياسة بناءً على العواطف، بل وفقاً للمصالح. وفي العلاقات الدولية، تعلو مقولة "المصالح المشتركة" على مفهوم "الدولة الصديقة". وبناءً على ذلك، فمن الخطأ تقييم زيارة توني بلير إلى طشقند على أنها مجرد لقاء بروتوكولي عابر.
ينبغي أن يُطرح السؤال بشكل مختلف: لماذا اليوم بالذات؟ ولماذا أوزبيكستان تحديداً؟ ولماذا توني بلير بالذات؟ وبدون العثور على أجوبة لهذه التساؤلات، سيتعذر فهم المضمون الفعلي لهذا اللقاء.
لماذا أصبحت آسيا الوسطى من جديد في مركز اهتمام النظام الدولي؟
في الماضي القريب، كان يُنظر إلى آسيا الوسطى على أنها منطقة ذات أهمية إقليمية فحسب. أما اليوم، فقد تغير الوضع.
لقد أعادت الحرب في أوكرانيا تشكيل نفوذ روسيا وقدراتها في المنطقة. وفي المقابل، تواصل الصين توسيع نفوذها عبر ممراتها الاقتصادية واستثماراتها الضخمة. أما الولايات المتحدة وأوروبا، فلا ترغبان في أن يتحول نفوذ روسيا والصين في المنطقة إلى هيمنة مطلقة.
لم تعد آسيا الوسطى مجرد جغرافيا تعيش فيها خمس دول فحسب، بل تحولت إلى مركز جيوسياسي يكتسب أهمية استراتيجية كبرى من حيث ممرات النقل التي تربط أوروبا بآسيا، ومصادر الطاقة، واحتياطيات المواد الخام، فضلاً عن الأبعاد الأمنية.
وفي مثل هذه الظروف، تطمح كل قوة كبرى إلى ترسيخ وجودها في المنطقة.
ولماذا بريطانيا بالذات؟
يرى الكثيرون بريطانيا على أنها مجرد دولة أوروبية فحسب، لكن التاريخ يتحدث بلغة أخرى.
فبريطانيا دولة شكلت على مر القرون فن التأثير والسيطرة، ليس من خلال القوة العسكرية فحسب، بل عبر الدبلوماسية والاقتصاد والتعليم والخبرات الاستشارية. وحتى في يومنا هذا، هي لا تحكم العديد من البلاد بشكل مباشر، بل تمارس نفوذها من خلال المستشارين، والمؤسسات الاستشارية، والاستثمارات، وإصلاحات الإدارة والحوكمة. والنقطة الأهم هنا هي أنه لا يزال ينبغي النظر إليها باعتبارها دولة استعمارية.
ويعتبر توني بلير أحد أهم وأبرز ممثلي هذه السياسة. وإن النظر إلى كل نصيحة يقدمها على أنها ستعود بالمنفعة على أوزبيكستان حتماً، هو نوع من السذاجة الطفولية. إذ لا بد من تذكر قاعدة بسيطة في السياسة الدولية: إن كبار رجال الدولة لا ينتهجون عادةً سياسات تتعارض مع المصالح الاستراتيجية طويلة المدى لدولهم. بناءً على ذلك، يجب تقييم أي نصيحة خارجية بالتوازي مع عواقبها المحتملة.
من منظور جيوسياسي: ما هي النصائح التي يمكن أن يقدمها توني بلير لميرزياييف؟
بما أنه لم يتم الإعلان عن مضمون اللقاء الرسمي بالكامل، فإننا لا نعرف على وجه التحديد ما قيل فيه. ومع ذلك، وبناءً على الوضع الدولي الراهن، يمكننا تحليل التوجهات والمحاور المحتملة.
فاليوم، تتحول آسيا الوسطى إلى إحدى أهم ساحات التنافس في العالم. وهناك قوى متعددة تسعى في آن واحد لتعزيز نفوذها هناك:
روسيا: تسعى للحفاظ على نفوذها التقليدي في مجالي الأمن والاقتصاد.
الصين: توسع نفوذها من خلال التجارة، والنقل، وتطوير البنية التحتية.
أمريكا وبريطانيا: تحاولان كبح هذا التمدد وإيجاد توازن أمام النفوذين الروسي والصيني.
لا يجري توني بلير جولاته بصفته قائداً سياسياً، بل باعتباره مستشاراً سياسياً دولياً. إذ يقدم المعهد الذي يقوده المشورة للعديد من الدول في مجالات حوكمة الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، وتحسين مناخ الاستثمار. وبناءً على ذلك، فمن الأهمية بمكان تقييم هذا اللقاء كجزء من الجهود البريطانية الرامية لتعزيز نفوذها في منطقة آسيا الوسطى.
تسعى أوزبيكستان للحفاظ على علاقات متوازنة في آن واحد مع روسيا والصين وأمريكا وأوروبا ودول المنطقة. وفي ظل هذه الظروف، فمن المرجح أن يوصي الخبراء الخارجيون بتبني مقاربات على النحو التالي:
• الحفاظ على التوازن متعدد الأبعاد في السياسة الخارجية.
• جذب المزيد من الاستثمارات والتقنيات الغربية على نطاق أوسع.
• ملاءمة حوكمة الدولة والإدارة العامة مع المعايير الدولية.
• تسريع وتيرة الإصلاحات في مجالي الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
• الإقناع بأفضلية توجيه أكبر قدر ممكن من الموارد الطبيعية نحو بريطانيا تحديداً، بدلاً من الصين.
وقد تخدم مثل هذه النصائح بعض مصالح أوزبيكستان أيضاً. وعلى سبيل المثال، يمكن القول إن عدم دعم أوزبيكستان لروسيا في حربها ضد أوكرانيا جاء بناءً على مشورة بريطانية.
ومع ذلك، فمن الطبيعي أن تتماشى هذه المواقف أيضاً مع أهداف بريطانيا والدول الغربية الأخرى الرامية إلى تعزيز نفوذها في المنطقة. وفي السياسة الدولية، يمكن لهذين الأمرين أن يوجدا معاً في آن واحد.
من أين تبدأ السيادة؟
إن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وجود العلم والنشيد الوطني والحدود فحسب. فإذا كانت القرارات الاستراتيجية للدولة، ونموذجها التنموي، وفلسفتها الإدارية تُصاغ دائماً في مراكز خارجية، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول السيادة الحقيقية.
يمكن الاستفادة من التجارب الخارجية، ولكن تبنيها بشكل أعمى أمر مختلف تماماً. إن أي أمة لن تحقق استقلالها الحقيقي إلا إذا كانت قادرة على تحديد مصالحها، ورسم سياستها الداخلية والخارجية بنفسها وبإرادتها المستقلة.
على أي مصدر يجب أن يستند المجتمع المسلم من منظور الفكر السياسي الإسلامي؟
إن المصدر الأساسي للتطور والتقدم بالنسبة للمسلمين هو أولاً كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ففي الفكر السياسي الإسلامي، المعيار الأساسي ليس الأشخاص، بل المصدر والحكم. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾.
بقلم: الأستاذ إسلام أبو خليل – أوزبيكستان
المصدر: جريدة الراية