- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-08-19
جريدة الراية:
اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين
يحتفل عالميا في الثامن والعشرين من شهر تموز/يوليو بالذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية جنيف المعتمدة من الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين والتي تهدف إلى حماية الأشخاص المضطهدين والهاربين من الحروب أو بسبب خوف مبرر من الاضطهاد بسبب الرأي السياسي، أو الدين، أو العرق، أو الجنسية، أو الانتماء إلى فئة مجتمعية معينة.
من أهم المبادئ التي جاءت بها الاتفاقية مبدأ عدم الإعادة القسرية، أي عدم جواز إعادة اللاجئ إلى بلد قد يتعرض فيه للخطر أو الاضطهاد. كما تضمن للاجئين حقوقاً أساسية مثل التعليم والعمل والسكن والحماية القانونية.
ومن المعلوم أن اتساع رقعة الحروب وازدياد سوء اقتصاد بلدان ما يسمى دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا أدى إلى تضاعف أعداد اللاجئين والمهجرين على سبيل المثال من سوريا والعراق وأفغانستان نتيجة الحروب، ومن السنغال ومالي ودول وسط أفريقيا ودول المغرب العربي بدافع الفقر.
وبسبب هذه الزيادة في أعداد المهجرين، وازدياد أعداد طالبي اللجوء في أوروبا، أُنشئ نظام دبلن الذي بدأ باتفاقية دبلن سنة 1990 وتطور لاحقاً إلى لوائح أوروبية متعاقبة وآخرها لائحة دبلن الثالثة (Dublin III) عام 2013، والتي بدأ تطبيقها في عام 2014. ويهدف هذا النظام إلى تحديد الدولة الأوروبية المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء. ومع أن دول الاتحاد الأوروبي ما زالت تعلن التزامها باتفاقية جنيف، إلا أن نظام دبلن والسياسات اللاحقة المتعلقة بالدول الآمنة والصد على الحدود أدت عملياً إلى الحد من وصول كثير من طالبي اللجوء إلى الحماية التي نصت عليها الاتفاقية ويرى كثير من الحقوقيين أن هذه السياسات تمثل التفافاً عملياً على مقاصد اتفاقية جنيف.
وقد وصفت منظمة العفو الدولية تعديلات نظام اللجوء الأوروبي الجديدة بأنها تقوّض أسس حماية اللاجئين، وقالت إن توسيع مفهوم "الدولة الثالثة الآمنة" قد يؤدي إلى رفض طلبات لجوء دون فحص جوهرها ونقل طالبي اللجوء إلى دول ليست لهم بها صلة حقيقية. كما اعتبرت أن هذه السياسات تمثل محاولة للتهرب من مسؤولية حماية اللاجئين ونقلها إلى دول خارج أوروبا. وكذلك انتقدت المنظمة ما تسميه حصن أوروبا، ورأت أن التوسع في الأسوار الحدودية والإجراءات الردعية وعمليات الإبعاد القسرية (Pushbacks) يهدد الحق الفردي في طلب اللجوء.
إن الدول الغربية الكبرى التي تتصدر الحديث عن حقوق الإنسان ليست بعيدة عن الأسباب التي دفعت ملايين البشر إلى الهجرة واللجوء، فهي التي أشعلت الحروب أو دعمتها، وهي التي كرست النظام الرأسمالي الجائر القائم على السيطرة على ثروات الشعوب ونهب خيراتها وإبقاء كثير من بلدان العالم الثالث في حالة تبعية وفقر واضطراب. ثم هي نفسها التي تغلق حدودها في وجه ضحايا تلك السياسات، وتقيم الأسوار والحواجز، وتبتدع الأنظمة والإجراءات التي تحول دون وصول المستضعفين إلى الأمن الذي تزعم الدفاع عنه.
وفي المقابل، نؤكد على ما عهدته البشرية قبل مبادئ جنيف وغيرها بقرون عديدة من حفظ المسلمين للعهد، وتشديد هذا الأمر في الشريعة بالنصوص الثابتة في القرآن والسنة، حيث قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وقول النبي ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» أو قوله ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِداً لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».
ومن أمثلة ذلك حين منحت أم هانئ بنت أبي طالب الأمان لبعض المشركين يوم فتح مكة، فأراد بعض المسلمين التعرض لهم. فلما أخبرت النبي ﷺ قال: «قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»، فأقر حق المسلم في منح الحماية وألزم الدولة الإسلامية باحترام هذا الأمان. ولم يكن هذا التصرف حادثة فردية، بل كان تطبيقاً لمبدأ شرعي عام يجعل الوفاء بالأمان والعهد حقاً واجب الرعاية من قبل الدولة والمجتمع.
والمستجير يُمنح الحماية في الإسلام بسبب طلبه للأمان، ويجعل الإسلام أصل الحماية قائماً على حرمة الدم ووجوب الوفاء بالأمان، وفي المقابل فإن الأنظمة الوضعية تربط الحماية بشروط وإجراءات قانونية قابلة للتعديل والتبديل وفق التوازنات السياسية والقوانين التي تضعها الدول تبعاً للمصالح السياسية وتقلباتها، لا التزاماً ثابتاً بالمبدأ.
إن الفرق الجوهري بين الإسلام والأنظمة الوضعية أن حماية المستجير في الإسلام ليست منحة سياسية ولا إجراءً إدارياً قابلاً للتراجع بحسب المصالح والانتخابات وتقلبات الرأي العام، بل هي حكم شرعي ثابت أوجبه الله تعالى، وجعل الوفاء به من مقتضيات الإيمان والعدل. ولذلك سبق الإسلام اتفاقيات اللجوء الحديثة بقرون طويلة في تقرير حق المظلوم والمطارد في الأمن والحماية وصيانة الكرامة الإنسانية.
والآن وبعد خمسة وسبعين عاماً على اتفاقية جنيف، ما زال ملايين اللاجئين يصطدمون بالأسوار والمعسكرات وقوانين المنع والصد والإرجاع.
إن مأساة اللاجئين في عالم اليوم ليست نتيجة غياب الاتفاقيات، بل نتيجة هيمنة نظام دولي تصنعه الدول الكبرى، وفق مصالحها، ونفوذها السياسي والاقتصادي. فهذه الدول كانت شريكاً في كثير من الحروب والصراعات التي شرّدت الملايين، وساهمت عبر سياساتها الاقتصادية في إفقار شعوب واسعة من العالم، ثم أقامت الأسوار والحواجز وابتكرت الأنظمة والإجراءات لمنع ضحايا تلك السياسات من الوصول إلى الأمن الذي تزعم الدفاع عنه. وبينما تتبدل القوانين والاتفاقيات تبعاً للمصالح والضغوط والانتخابات، يبقى الإسلام متميزاً بثبات مبدئه؛ فالمستجير يُجار، والمستأمن يُحمى، والمعاهد لا يُظلم، والوفاء بالأمان والعهد فريضة شرعية لا خياراً سياسياً. ولذلك لم يجعل الإسلام حماية المظلوم منحة تمنحها الدول متى شاءت وتسلبها متى شاءت، بل جعلها حكماً شرعياً ثابتاً يرعى الإنسان لكونه إنساناً ويصون دمه وكرامته وأمنه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. ومن هنا فإن البشرية ليست بحاجة إلى مزيد من الشعارات والمواثيق التي تُفسَّر وفق المصالح، بل إلى نظام مبدئي عادل يجعل حماية المستضعفين ورعاية شؤونهم واجباً ثابتاً لا يتغير بتغير الأهواء والمصالح.
بقلم: م. يوسف سلامة
المصدر: جريدة الراية