Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-09-23

 

جريدة الراية: الانتخابات الديمقراطية وصفة مستهلكة

وإلهاء وتخدير للناس لن يحسّن من أوضاعهم شيئاً

 

 

تقود الدولة والأحزاب والهيئات التابعة لهما حملة لحث الناس للمشاركة في الانتخابات التشريعية لأيلول/سبتمبر 2026. وتعتبر المشاركة عموماً مقياساً لثقة الناس في مؤسسات النظام، وفي مشروعية النظام بشكل عام، ولهذا تحرص الأنظمة على إبقاء هذه النسبة مرتفعة لكي تقنع الداخل والخارج باستقرار النظام وثباته وأن معارضة الناس وإن احتدَّت أحياناً فهي موجهةٌ فقط نحو بعض الأشخاص أو الأحزاب وليست على أسس النظام. والمتابع لنسبة المشاركة في معظم الدول العربية يرى بوضوح كيف تنخفض هذه النسب موسماً بعد موسم.

 

في المغرب مثلاً يتحايل النظام لكي يستر هذه الحقيقة، فيتلاعب بطريقة الحساب لكي يخفف الوطأة، فيحتسب المشاركة من المسجلين فقط دون احتساب من يحق لهم التصويت ولم يسجلوا أصلاً. ففي انتخابات عام 2021 مثلا، بلغت نسبة المسجلين 69% ممن يحق لهم التصويت مقابل 86% سنة 1991، يعني أن ثلث المعنيين بالأمر قاطعوا التسجيل ابتداءً، فإذا علمنا أن نسبة المشاركة من المسجلين بلغت 50.35% فهذا يعني أن نسبة من شاركوا فعلاً محتسبةً من مجموع من يحق لهم التصويت هي 50% * 69% = 34.5%، وهذا يعني أن ثلثي المعنيين بالأمر قاطعوا العملية الانتخابية، فإذا أضفنا كذلك نسبة الأصوات الملغاة والتي بلغت 13.6% من المشاركين، فهذا يعني أن نسبة الأصوات المحتسبة لم يتجاوز 30.1%.

 

والأمر نفسه ينطبق على الجزائر حيث انخفضت نسبة السكان في سن التصويت الذين انتهوا إلى صوت صحيح من حوالي 70.7% سنة 1991 إلى 16% فقط سنة 2021 و17% في انتخابات 2026.

 

أما في تونس فالوضع أسوأ، حيث انهارت نسبة المشاركة بشكل سريع؛ فقد انتقلت من 67.7% عام 2014 إلى 41.7% عام 2019 ثم إلى 11.2% عام 2022.

 

أي أن الجو الشعبي العام لا يعترف بهذه الانتخابات ولا يعتبرها مؤثرة على أوضاعه لذلك فهو غير معني بالمشاركة فيها. أما من يحث الناس على المشاركة فيها ويلوم الممتنعين والمقاطعين فإنه يبني رأيه على مجموعة من الأفكار منها:

١- عدم المشاركة في الانتخابات هو انسحاب من الشأن العام ومن أعمال التغيير المطلوب، وهذا لا يليق بالحريص على مصالح الناس.

 

٢- السبيل الوحيد للمشاركة في الشأن العام هو عبر الانتخابات التشريعية لأنه هو الذي سيؤدي إلى اختيار من سيقود البلاد في المرحلة القادمة.

 

٣- عدم المشاركة والتفريط في حق اختيار ذي الكفاية والأنسب، يفتح الباب لوصول الفاسدين والانتهازيين الذين سيزيدون الوضع سوءا.

 

4- الانتخابات التشريعية فرصة ونافذة للإصلاح، قد لا تكون الحل المثالي والأنجع، ولكن ما المانع من استغلالها وتحصيل بعض مصالح الناس، وما لا يدرك كله لا يترك بعضه!

 

والرد على هذه النقاط بما يلي:

 

1- الانتخابات عملياً هي أسلوب واحد من بين عدة أساليب للتغيير، وعدم سلوك سبيل ما، لا يمنع من سلوك سبيل آخر

.

2- المشاركة في الشأن العام وتبني مصالح الناس والمطالبة بحقوقهم هو عمل يومي وليس عملاً موسمياً ينشغل به الناس مرة كل بضع سنوات.

 

3- المشاركة في الشأن العام تبدأ بفهم مشاكل الناس، والتفريق بين أسبابها وأعراضها، ومعرفة المسؤول عنها، ودراسة البديل السليم ومن ثم التفكير في الحلول الناجعة والابتعاد عن الحلول الترقيعية، والحذر من السقوط في ضغط الواقع لقبول ما يطرح من حلول بغض النظر عن نجاعتها.

 

4- من يصور للناس أن إلقاء ورقة يتيمة في صندوق مرة كل بضع سنوات، هو إبراء للذمة في رعاية مصالح الناس، هو المخادع الدجال، وليس من يدعو الناس للتبصر في أوضاعهم وتجنب أن يساقوا بدون وعي.

 

5- لقد تمت تجربة أسلوب الانتخابات مرات ومرات، ليس في المغرب فقط، وإنما في دول أخرى كثيرة، فماذا نتج عنها؟! أين التقدم الحضاري؟! وأين المحاسبة؟! هل حُجِّم الفساد؟! هل زحزح مسؤول يوماً عن منصبه بفعل المحاسبة؟! هل استجابت الأنظمة لنبض الشارع والرأي العام؟! أم أنه لم ينتج عنها موسماً بعد موسم إلا الخيبة وتكريس الفساد وتغوله وسن القوانين الظالمة المجحفة؟! في ماذا تختلف هذه الانتخابات عما سبقها، والضحالة هي هي، والتفاهة هي هي، والتحكم المسبق من خلف الستار، بل ومن أمامه هو هو، إن تكرار التجربة نفسها بالمدخلات ذاتها ثم انتظار نتائج مغايرة هو حمق.

 

6- إن سوء الأحوال ليس ناتجاً فقط عن فساد الأشخاص، وإن كان يلعب دوراً في ذلك، وإنما ناتج بالأساس عن فساد المنظومة وفساد الأسس التي تقوم عليها المنظومة، وهذه الأسس ليست موضع نقاش وليست أصلاً من صلاحيات الحكومة أو المنتخبين. إذن فالانتخابات وما سينتج عنها لن يغير في الأمر شيئاً. وهنا نسأل: ما الفائدة من وضع مدير نزيه على بنك ربوي أو على حانة خمر أو وكر دعارة؟ إن وضع أشخاص صالحين على رأس مؤسسات فاسدة، مع حصر صلاحياتهم ومنعهم من أن يصلوا إلى مواطن الفساد ورؤوسه لا يعدو أن يكون مدّاً في عمر تلك المؤسسات وتخديراً للناس بإعطائهم جرعات كاذبة من الأمل.

 

7- الانتخابات التشريعية هي لاختيار أشخاص يكونون بمثابة وكلاء عمن انتخبوهم لتشريع القوانين على غير ما أنزل الله، لذلك فهي حرام، فما يحرم على الوكيل يحرم على الأصيل، والوكالة في الحرام حرام.

 

8- من يريد أن يشتغل بالشأن العام ويصلح أحوال الناس فليعلم أن شؤون الناس لا تنصلح إلا بمنهاج رب العالمين، فالذي خلقهم هو أعلم بما يصلحهم، وبما ينفعهم ويضرهم، ومن أراد أن يشتغل وفق هذا المنهج، فعليه البحث عن المخلصين الواعين الذين يشتغلون بجد لإصلاح أحوال الناس، ويصبر نفسه معهم وليركب في سفينتهم حتى وإن كانت اليوم على اليبس، ففيها النجاة حين ترتطم أمواج الظلم والظلام.

 

وفي الأخير نقول للناس، لو كان في هذه الانتخابات استنقاذ حقوقكم من جيوب من يسرق أقوات أبنائكم ما نُظِّمت، ولا دعيتم لها، إنما هي جولة، تلقون بتلك الوريقة في الصندوق الذي أعد لكم، ثم تعودون إلى رحالكم غير غانمين، فيوصلون بتلك الوريقات من يريدون إلى الحكومة، فيبقي البلاد طعمة هنيئة مريئة لهم، بينما تشتغلون أنتم خمس سنين دأباً، فإذا قضوا منه وطراً، وجاء الموسم الذي يليه، دعيتم مرة أخرى، وأسمعتم ما تحبون سماعه من الوعود والأماني، وألقيتم وريقة أخرى، وهكذا، حتى تستهلك أعماركم وأقواتكم وجهودكم وجهود ذرياتكم.

 

إن درب التغيير واضح معروف لمن كان يريده فعلاً، وإن سلوك ما فتح لكم من الدروب قد يكون سهلاً وبدون تكلفة لكنه لا يوصل إلى خير. فاختاروا: درب سهل غير موصل، أم درب موصل لا محالة قد أرشد إليه رب العزة، فيه الخير العميم وعز الدنيا وفلاح الآخرة؟ صحيح أنه قد تشوبه مشقة لكن كل مشقة فيه مُثابة، بل الأجر فيه على قدر المشقة.

 

بقلم: الأستاذ محمد عبد الله

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.