- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-23
جريدة الراية: الفرق بين السياسي
وعالِم السياسة
السياسي وعالِم السياسة مفهومان متقاربان، إلا أن وظيفتهما ودورهما ليسا واحداً.
عالِم السياسة هو المختص الذي يدرس السياسة دراسةً علمية، ويحلل الأحداث السياسية. فهو يدرس الدول والأنظمة السياسية والعلاقات الدولية، ويحلل أسباب الوقائع ونتائجها، ثم يقدّم الاستنتاجات والتوصيات. ومع ذلك، فقد لا يشارك في العمل السياسي بصورة عملية. وإذا كان مفكراً يسعى إلى تحويل أفكاره إلى واقع عملي، فإنه يصبح مفكراً سياسياً.
أما السياسي فهو الذي يمارس السياسة عملياً، ويسعى إلى إدارة شؤون المجتمع، واتخاذ القرارات، والمحافظة على النظام القائم أو تغييره وفق الفكرة التي يتبناها. ويُعدّ الرئيس، والوزير، والنائب، أو قائد أي حركة سياسية من هذا الباب.
غير أن السياسي الحقيقي لا يُعرَف بالمنصب وحده، فقد يكون فلاحاً أو تاجراً أو صاحب أي مهنة أخرى، ومع ذلك يكون له تأثير في حياة المجتمع ومساره السياسي. وعلى العكس من ذلك، قد يشغل بعض أصحاب المناصب مواقع رسمية دون أن تكون لهم إرادة سياسية مستقلة، فيقتصر دورهم على تنفيذ قرارات غيرهم.
مفهوم خاطئ في المجتمع
مع الأسف، انتشرت في مجتمعاتنا مفاهيم خاطئة عن السياسة، ومن أشهرها القول: "لا ينبغي التدخل في السياسة لأنها عمل فاسد وقذر".
وقد أبعد هذا الفهم كثيراً من الناس عن الاهتمام بشؤون مجتمعهم، فابتعدت الأنظمة عن رقابة الأمة ومحاسبتها، وأصبح الناس غير مبالين بالسياسات الخاطئة، ما ساهم في استمرار الظلم وسوء الإدارة، وأضعف الشعور بالمسؤولية تجاه قضايا الأمة.
ما هي السياسة؟
السياسة هي رعاية الشؤون الداخلية والخارجية. وفي اللغة، يقال: ساسَ - يَسُوسُ - سِياسَة، أي: قام بالتدبير، والإدارة، والرعاية، وتولّى شؤون غيره. ويقال: ساسَ الخيلَ، أي: قام برعايتها، وتدريبها، وقيادتها.
ومن هذا المعنى اللغوي جاءت كلمة السياسة، فهي تدل على رعاية الأمور وإدارتها وتنظيمها.
قال رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُر». رواه البخاري ومسلم
ومن هنا يتبين أن لفظ السياسة في أصله اللغوي يعني الرعاية والإدارة، ثم استُعمل بعد ذلك مصطلحاً للدلالة على إدارة شؤون الدولة والمجتمع. وفي هذا الحديث استعمل رسول الله ﷺ لفظ «تَسُوسُهُمْ»، فبيّن المعنى اللغوي للسياسة، كما دلّ الحديث على أن السياسة ليست عملاً فاسداً أو دنيئاً، بل هي مهمة شريفة قام بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
السياسة في القرآن الكريم
لم ترد كلمة السياسة بلفظها في القرآن الكريم، لكن معانيها جاءت في ألفاظ ومفاهيم متعددة، منها: الحكم، والأمر، والاستخلاف، والتمكين، والشورى.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، تدل هذه الآية على أن مصدر الحكم هو ما أنزله الله سبحانه وتعالى.
وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وتبين هذه الآية أن العدل هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الحكم.
كما وردت في القرآن الكريم مصطلحات أخرى تدل على معنى الحكم وإدارة شؤون الناس، ومن ذلك:
الاستخلاف، وهو جعل الإنسان خليفةً في الأرض. قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض﴾.
ومنها أيضاً التمكين، وهو منح السلطة والقدرة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، تبين هذه الآية وظائف الحكم في الإسلام، وهي: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ولذلك عدَّها العلماء من أهم الآيات التي تبين مقصد السلطة في الإسلام، إذ إن وظيفة الحكم ليست مجرد حفظ النظام أو إدارة الاقتصاد، بل إقامة العدل وإدارة المجتمع وفق أوامر الله سبحانه وتعالى.
ومن المصطلحات القرآنية أيضاً الأمر، قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُم﴾.
ولهذا فإن القول: "إن القرآن لم يذكر الخلافة أو لم يتحدث عنها" قول غير صحيح، لأن الآيات السابقة قد بينت بوضوح مفاهيم الحكم، والاستخلاف، وإدارة شؤون الناس.
وعليه، فإن السياسة ليست مجرد متابعة الأخبار، أو قراءة الصحف، أو التعليق على الأحداث، وإن كان ذلك مما يحتاج إليه السياسي، وإنما حقيقتها أنها رعاية الشؤون الداخلية والخارجية للأمة على أساس الإسلام، والعمل على إقامة هذه المبادئ في واقع الحياة.
الوعي السياسي في الإسلام
الوعي السياسي عند المسلم هو النظر إلى العالم وإلى الأحداث الجارية فيه من خلال العقيدة الإسلامية، أي أن يقيِّم كل واقعة بميزان "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
فإذا سعى الإنسان إلى أن يجعل فكرته أساساً لفهم الواقع وتغييره، أو ناضل من أجل أن تسود أفكاره في الحياة وتُطبَّق في المجتمع، فإنه يكون سياسياً. ذلك أن السياسة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعمل والكفاح لإقامة الأفكار والمبادئ في واقع الحياة، وليست مجرد معرفة بالأحداث أو تحليل لها.
وخلاصة القول إن عالِم السياسة يدرس السياسة ويحللها، أما السياسي فهو الذي يعمل وفق فكرة وبرنامج معين لإدارة شؤون المجتمع أو لإصلاح نظام الحكم.
وأما الوعي السياسي عند المسلم، فيتمثل في النظر إلى الواقع من خلال العقيدة الإسلامية، والشعور بالمسؤولية تجاه إقامة الحق والعدل.
ولهذا، فإن السياسة في الإسلام ليست شأناً يختص به نخبة من الناس، بل هي مسؤولية تتعلق برعاية شؤون الأمة والمحافظة على مصالحها وفق أحكام الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ.
بقلم: الأستاذ إسلام أبو خليل – أوزبيكستان
المصدر: جريدة الراية