Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Al Raya sahafa

 

2026-09-23 

 

جريدة الراية: بريكس: هل يتغير النظام العالمي

أم تتغير مراكز القوة داخله؟

 

 

في 12 أيلول/سبتمبر 2026، اجتمع قادة بريكس في الهند، وانتهت القمة إلى اعتماد "إعلان نيودلهي" الذي أكد التزام المجموعة بتعزيز التعددية، وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وزيادة تمثيل الأسواق الناشئة والدول النامية، وبناء نظام دولي "أكثر عدلاً وإنصافا".

 

هذه المخرجات، تعيد إلى الواجهة السؤال الذي رافق بريكس منذ نشأتها: هل هي أداة حقيقية للحد من الهيمنة الغربية، أم تجمع للمصالح المتباينة يريد تعديل ميزان القوى دون امتلاك مبدأ بديل للنظام الدولي؟

 

بريكس: موازنة الهيمنة لا بناء كتلة متجانسة

 

بداية، لا بد من التذكير بأن بريكس لم تنشأ أصلاً لإسقاط النظام الرأسمالي العالمي. فمصطلح "بريك" صاغه عام 2001 الاقتصادي جيم أونيل في بنك غولدمان ساكس، لوصف البرازيل وروسيا والهند والصين كاقتصادات صاعدة في ظل هيمنة أمريكية أحادية القطب. ثم تحول المصطلح إلى إطار للتعاون السياسي والاقتصادي، فبدأت اجتماعاته عام 2006، وعُقدت أول قمة له عام 2009، ثم انضمت جنوب أفريقيا عام 2010 فأصبح الاسم "بريكس". والمفارقة أن تصنيفاً وُلد داخل النظام الرأسمالي الغربي تحول إلى تجمع يسعى إلى إعادة توزيع القوة داخله، والحد من الهيمنة الغربية، وزيادة نفوذ القوى الصاعدة، من دون أن يطرح الخروج من الرأسمالية أو هدم النظام الاقتصادي العالمي.

غير أن اتساع بريكس لم يجعلها أكثر تجانساً، بل أكثر تناقضا. فالهند تحافظ على شراكة استراتيجية متنامية مع أمريكا وتنافس الصين في محيطها الآسيوي، وروسيا تخشى الصدام المباشر مع أمريكا وتتجنب تحديها في مناطق نفوذها، كما تحرص على ألا يتحول تنامي نفوذ الصين إلى هيمنة عليها. ثم إن انضمام دول عربية وإيران أضاف توازنات وصراعات إقليمية متشابكة. فإيران تواجه خصوماً يرتبط بعضهم بعلاقات وثيقة مع واشنطن، بينما تحافظ السعودية على علاقاتها الاستراتيجية بأمريكا، وقد اكتفت في القمة بتمثيل وزير خارجيتها. ومع ذلك، استطاعت بريكس أن تجمع هذه الأطراف المتباينة تحت سقف واحد.

 

وقد ظهر عمق هذه التناقضات في أيار/مايو الماضي، حين عجز اجتماع وزراء خارجية بريكس عن إصدار بيان مشترك بسبب الخلافات حول الحرب في الشرق الأوسط، قبل أن تنجح قمة نيودلهي في تجاوز الاختبار بإصدار إعلان مشترك يدعو إلى "أقصى درجات ضبط النفس" والحوار والدبلوماسية. وفي هذا السياق، لم يكن حضور رئيس إيران مسعود بزشكيان تفصيلاً عابراً، فقد جلس إلى جانب قادة دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع أمريكا، وسعى إلى طمأنة دول الخليج وفتح قنوات للحوار، فعقد لقاءً مع ولي عهد أبو ظبي. وهنا تكمن دلالة بريكس: فهي لا تحل بالضرورة صراعات أعضائها، لكنها توفر إطاراً يجلس فيه الخصوم معاً من دون أن تكون واشنطن هي التي تحدد قواعد الجلوس. وهكذا يتسع هامش المناورة بعيداً عن المركز الغربي، لكن اتساع المجموعة يزيد في الوقت نفسه من تناقضاتها الداخلية.

 

الصين: من موازنة القوة إلى التحكم في البنية

 

ثم إذا كانت روسيا والصين تدفعان باتجاه عالم أكثر تعدداً للأقطاب، فإن الصين تملك أداة إضافية: القوة الصناعية والتكنولوجية. فالرئيس شي جين بينغ دعا في القمة إلى تعميق التعاون الصناعي في مجال الذكاء الاصطناعي، وتبادل مخرجات البحث والتطوير والتطبيق، وتعزيز التعاون في الصناعة وسلاسل الإمداد. وقد صبغ هذا التوجه إعلان القمة، فانطبع فيه الحديث عن نقل التكنولوجيا وزيادة مشاركة الدول النامية في مراحل التصنيع الأعلى قيمة.

 

غير أن هذه الشعارات التي قد تستميل المنبهرين بالصعود الصناعي الصيني، ينبغي ألا تحجب حقيقة التنافس على النفوذ الاقتصادي. فالتعاون المعلن قد يتحول عملياً إلى توسيع لنفوذ الصين على سلاسل الإمداد، وتعزيز لموقعها في الحصول على المواد الخام من البلاد الإسلامية، مع بقاء حلقات التكرير والتصنيع والتكنولوجيا الأعلى قيمة متركزة خارجها.

 

وهكذا، نجد أن الغرب قد ساهم في صناعة القوة التي يخشاها اليوم: نقل إنتاجه إلى الصين، وجعل منها مصنعاً للعالم، ثم اكتشف أن المصنع لا ينتج السلع فحسب، بل يملك أيضاً مفاتيح سلاسل الإمداد. ولذلك فإن القلق الغربي الحالي من نفوذ الصين ليس منفصلاً عن الخيارات الاقتصادية التي اتخذتها الشركات والدول الغربية نفسها على مدى عقود.

 

المعادن الحرجة: ساحة صراع جديدة

 

إن موضوع المعادن الحرجة لم يكن مبادرة هندية عابرة في هذه القمة، بل ورد صراحة في الفقرة 67 من إعلان نيودلهي، التي دعت إلى سلاسل توريد للمعادن الحرجة تكون موثوقة ومتنوعة ومرنة وعادلة، مع تقاسم المنافع وإضافة القيمة والتنويع الاقتصادي في الدول الغنية بالموارد. كما ربط الإعلان هذه المعادن بأمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد. ودعا في مواضع أخرى إلى زيادة مشاركة الدول النامية في التصنيع الأعلى قيمة ونقل التكنولوجيا.

 

والمقصود بالمعادن الحرجة ليس المعادن النادرة فقط، فالمعادن الحرجة مفهوم أوسع يشمل مواد مثل الأنتيمون والغاليوم والجرمانيوم والتنغستن، وتكتسب صفتها "الحرجة" من أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، مع تعرض إمداداتها لمخاطر الانقطاع أو التركز في دول محددة. وتكشف قضيتها عن اختلال أعمق في بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي: فالدول الغنية بالموارد كثيراً ما تُحصر في تصدير الخامات، بينما تتركز عمليات التكرير والتصنيع والتكنولوجيا، وهي الحلقات الأعلى قيمة، لدى الدول الصناعية الكبرى. ومن ثم فإن الصراع حول المعادن الحرجة هو في جوهره صراع حول من يملك الموارد، ومن يضيف إليها القيمة، ومن يسيطر على سلاسل الصناعة والتكنولوجيا المرتبطة بها.

 

في المقابل يتزايد قلق الغرب من الاعتماد على الصين. فقد أظهرت دراسة لـGovini أن أكثر من 80 ألف قطعة عبر نحو 1900 منظومة سلاح أمريكية تستخدم واحداً أو أكثر من خمسة معادن حرجة: الأنتيمون والغاليوم والجرمانيوم والتنغستن والتيلوريوم، بما يجعل نحو 78% من منظومات أسلحة وزارة الحرب الأمريكية معرضة للتأثر بهذه السلاسل.

 

وتتمتع الصين بهيمنة كبيرة على إنتاج أو معالجة هذه المعادن الخمسة وسلاسل توريدها العالمية، الأمر الذي جعل قيودها على تصدير الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون وغيرها مصدر قلق مباشر لأمريكا، التي بدأت هي وحلفاؤها بالنظر إلى سلاسل الإمداد ليس كقضية اقتصادية فحسب، بل باعتبارها قضية أمن قومي. والمفارقة أن استخدام الصين لهذه القوة قد يدفع الغرب إلى تسريع بناء سلاسل بديلة، في محاولة للتخلص من الاعتماد عليها.

 

من تعدد الأقطاب إلى السؤال عن المبدأ

 

لقد أصبحت بريكس أوسع وأثقل وزناً، وانتقلت من مجرد الاعتراض على هيمنة النظام الغربي إلى محاولة بناء أدوات مالية وصناعية وتكنولوجية تقلل الاعتماد عليه. لكنها لم تتخلص من تناقضها الأساسي: كيف تقيم نظاماً أكثر استقلالاً عن الغرب بينما تظل الصين القوة الصناعية والتكنولوجية الأثقل داخل المجموعة؟ وهل يعني تعدد الأقطاب العدالة بالضرورة أم سيبقى منطق العلاقات الدولية قائماً على القوة والمصلحة والنفوذ؟

 

إن المطلوب اليوم، ليس مجرد تغيير القطب المهيمن داخل نظام رأسمالي فاسد، وإنما المبدأ الذي ينبغي أن يحكم العلاقات بين الأمم. وهنا تبرز دعوة حزب التحرير بوصفها تقديما لنموذج حضاري بديل، لا لمحور جيوسياسي جديد. وهذا المشروع الحضاري المتمثل في دولة الخلافة الراشدة، لا يكتفي بإعادة توزيع القوة، بل يطرح معياراً يحكم القوة نفسها، هو الإسلام، بحيث تقوم العلاقات بين الدول على العدل، والحق، والوفاء بالعهود، ورفض أن تتحول القوة الاقتصادية أو العسكرية إلى حق في الهيمنة ورغبة في قهر الشعوب وامتصاص دمائها.

 

إذن، قد تنجح بريكس في إضعاف بعض أدوات المركز الغربي، لكنها لا تحمل في أحشائها تصوراً متكاملاً للعالم الذي تريد بناءه. وهذه هي المساحة الفارغة الحقيقية: ليست فراغاً في القوة، بل فراغ في المبدأ، وهو فراغ حضاري استراتيجي، لن تملأه إلا دولة الإسلام القادمة قريبا بإذن الله، ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.