- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-23
جريدة الراية:
دور تركيا المرسوم لها
للمرحلة القادمة
نشر موقع أكسيوس أن البيت الأبيض أصدر مؤخرا تفاصيل استراتيجية الأمن القومي الجديدة، لإدارة ترامب، وهي وثيقة مكونة من 33 صفحة ركزت فيها على عدة قضايا من بينها وأهمها، البلاد الإسلامية. ويعود سبب اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط لأهميته الجغرافية وموقعه الجيوسياسي الفريد. وقد خصصت هذه الاستراتيجية صفحتين لملف الشرق الأوسط، وتحدثت فيهما عن رؤيتها لمستقبل المنطقة في ظل الصراعات القائمة، وطبيعة توجهات أمريكا لما سيحدث مستقبلا لإعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط لمرحلة ما بعد الحرب على إيران. وتتمحور المفاصل الأساسية للاستراتيجية الأمريكية للشرق الأوسط الجديد (أو ما يُعرف بخطط ما بعد الحرب الإقليمية) حول ركائز استراتيجية رئيسية تسعى إدارة ترامب عبرها إلى إعادة صياغة التحالفات الأمنية والسياسية في المنطقة، من مثل بناء تحالف إقليمي رادع مثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك لضبط إيقاع إيران في المنطقة أو كبح جماحها، وتأمين الممرات المائية وطرق الطاقة، وحل مسألة غزة بحسب رؤية أمريكا، والتوسع في اتفاقيات أبراهام والتطبيع مع كيان يهود وأمنه، والاندماج الاقتصادي والتكنولوجي، وإعادة هيكلة الناتو على أساس الإنفاق الدفاعي أي الدفع مقابل المشاركة، بالإضافة لموضوع الصين.
باختصار شديد إنها إعادة صياغة لمنطقة الشرق الأوسط التي تقع في قلب العالم عند ملتقى القارات الثلاث: آسيا، وأفريقيا، وأوروبا، وتعتبر المركز الأساسي لأسواق الطاقة العالمية، حيث تمتلك مزيجاً فريداً من الوقود الأحفوري الهائل وإمكانات هائلة للطاقة المتجددة، ويبلغ عدد سكانها 469 مليون نسمة.
وهنا يأتي السؤال المهم ألا وهو هل تستطيع أمريكا بالرغم من كل التحديات القائمة، القيام بهذه الصياغة لمنطقة الشرق الأوسط بمفردها ومباشرة، أي من دون وسيط أو حليف إقليمي يكون لها طوق نجاة، وإقصاء كل طرف منافس؟ وهل سينجح هذا المشروع الاستعماري الجديد القديم؟
لماذا تركيا بالذات؟
بالنسبة لموقعها ضمن خارطة الشرق الأوسط فإن تركيا تقع في ملتقى قارات العالم القديم آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يمنحها موقعاً جيوسياسياً فريداً يجعلها جسراً وممراً حيوياً بين الشرق والغرب. وتكمن الأهمية الجيوسياسية لتركيا في النواحي التالية:
- كونها تقع في مكان من العالم يجعلها تتحكم بالمضائق المائية كالبحر الأسود شمالا ومضيق البوسفور وبحر إيجة غربا والبحر الأبيض المتوسط جنوبا.
- تشكل مركز أمن الطاقة، حيث تعتبر ممراً رئيسياً لنقل الغاز والنفط من بحر قزوين وآسيا الوسطى إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب استراتيجية مثل TANAP وTurkStream.
- تُعتبر العقدة التجارية (الممر الأوسط) حيث تربط آسيا بأوروبا عبر طريق الحرير القديم ومشاريع النقل مثل ممر زنغزور وطريق التنمية، لتكون مركزاً تجارياً عالمياً.
- القوة العسكرية في الناتو حيث تضم ثاني أكبر جيش والبلد الإسلامي الوحيد في حلف الناتو، ما يعزز دورها الأمني في منطقة الشرق الأوسط.
- العمق الإقليمي والثقافي حيث تملك روابط وثيقة مع دول آسيا الوسطى من خلال منظمة الدول التركية ومحيطها الإسلامي والشرق أوسطي.
- تعتبر مكتفية ذاتياً بشكل كبير في القطاع الزراعي والغذائي، وتحتل المرتبة الأولى أوروبياً والثامنة عالمياً في الإنتاج الزراعي، وتنتج مئات أنواع المحاصيل، أي أنها صمام الأمان في الأمن الغذائي العالمي.
- العمق التاريخي والإسلامي المتجذر في المنطقة إذ كانت حاضرة الخلافة العثمانية لمدة 624 عاماً، كما بلغت مساحة الدولة العثمانية في أقصى اتساع لها نحو 5.2 إلى 5.5 مليون كيلومتر مربع تقريباً في عام 1683م. وهي بذلك تمتلك مقومات الدولة الحقيقية إن توفر شرط الإرادة السياسية الصحيحة.
- تنوع ووفرة هائلة في الثروات الطبيعية كالمعادن وغيرها التي حباها الله سبحانه وتعالى في هذه البلاد.
- يضم شرق البحر المتوسط مخزوناً ضخماً من الغاز يقدر بأكثر من 3 آلاف مليار متر مكعب.
- توجد كميات كبيرة من النفط في قاع البحر المتوسط.
دور تركيا المرسوم للمرحلة القادمة ليس دوراً إقليميا بل دور محوري:
كما يرى القارئ الحصيف والباحث السياسي أن هذه المعطيات الجيوسياسية تفتح شهية أمريكا، وهي التي دفعتها لتوكل إلى تركيا تنفيذ سياستها في المنطقة بالوكالة في معظم الملفات الحساسة والشائكة؛ العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، وإيران، وروسيا/أوكرانيا، وقبرص، وغزة، بل حتى منطقة الخليج.
إن أردوغان يمارس الحكم لأكثر من ربع قرن وقد تعامل مع هذه الملفات سابقا خدمة لمصالح أمريكا، ولكن يبدو أنه هذه المرة سيلعب دورا محوريا أكثر منه إقليميا لصياغة المنطقة بحسب رؤية أمريكا، بعبارة أخرى فإن أردوغان ينفذ سياسة أمريكا المرسومة له للمرحلة القادمة ضمن خطين متوازيين؛ السياسي والشعبي، فعلى الصعيد السياسي يعمل على أمركة الشرق الأوسط تحديدا على مستوى الطاقة والتحكم بها إنتاجا وتسويقا، وما مشروع "طريق التنمية" عنا ببعيد، وهو ممر استراتيجي بري وسككي يربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بالحدود التركية وصولاً إلى أوروبا، ويهدف لتحويل العراق وتركيا إلى مركز تجاري عالمي لسلاسل الإمداد!
وأما على الصعيد الشعبي فإن تنامي نفوذ تركيا في المنطقة بمظهر "الأردوغانية" بكل ما تحوي من توجهات وتطلعات إسلامية يحملها الشارع في ذاكرته التاريخية تنعكس شعبيا على أنها مناهضة للكمالية التي تعادي الإسلام، وهذا المظهر بحد ذاته يولد شعورا جماهيريا جياشا يفهمه الشارع على أنه "عثمنة" المنطقة وليس العكس. إنه مما ينبغي أن يُعلم من السياسة بالضرورة أن النخبة السياسية الحاكمة في البلاد الإسلامية برمتها ومنها أردوغان وحزبه حزب العدالة والتنمية لا يفكرون سياسيا وفقا للإسلام، بل يفكرون كما يريد الغرب منهم، فالفكر السياسي والنتاج السياسي هو تنفيذ لمخططات أمريكا وليس رعاية شؤون المسلمين.
إن أمريكا تتعامل معنا من منطلق القوة والنفوذ فقط، دون الأخذ بالاعتبار جانب القيم والأخلاق والخصوصية المبدئية، ولكنها نسيت أو تناست أن أمريكا قبل حربها على إيران هي ليست أمريكا بعدها. إنها اليوم تعاني من أزمات داخلية خانقة اقتصاديا وأخلاقيا وسياسيا، فالهيبة السياسية التي صنعتها وحمت نفسها بها ردحاً من الزمن سقطت في حرب يهود التي أدارتها هي على غزة ولم يعد "النموذج الأخلاقي" الذي كانت تتشدق به يلقى ترحيبا لدى شعوب العالم. فقد عرَّت حرب الإبادة كل القيم الغربية من حقوق للإنسان وحقوق المرأة وغيرها فكشف المستور للقاصي والداني.
إن ما تخطط له أمريكا للبلاد الإسلامية لن يُكتب له النجاح على المدى الطويل، فالتخبط والتراجع حالة واضحة يراها المتابع السياسي، ونضوج الشعوب الإسلامية وتعطشها للإسلام عقبة كأداء ومستعصية على الكافر المستعمر.
إن أزمة الديمقراطية الليبرالية والبحث عن نماذج حكم بديلة خارج الأطر التقليدية، تزايدت وتيرته في السنوات الأخيرة بين الفلاسفة والكتاب السياسيين في الغرب. نعم، أنا أتفق مع أمريكا أن منطقة الشرق الأوسط على موعد مع تغيير استراتيجي وجيوسياسي جذري، ولكن ليس على مقاسها، بل على مقاس الإسلام العظيم بعقيدته الصحيحة وشريعته الغراء وبخلافته الراشدة على منهاج النبوة التي بشر بها الصادق الأمين ﷺ ولا يفصلنا عن هذا التغيير إلا حسن الظن بالله سبحانه وتعالى وحسن التوكل عليه، ثُم جهود المخلصين ممن تأسوا بنبيهم منهجا وسيرة ونذروا أنفسهم لله سبحانه وتعالى.
بقلم: الأستاذ فؤاد حامد أيوب
المصدر: جريدة الراية