- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-09-30
جريدة الراية:
أمريكا والصين
وحضارات زائفة تنتظر زوالها
استقبل رئيس أمريكا ترامب الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر 2026، نظيره الصيني شي جين بينغ في قاعدة جوية قرب العاصمة واشنطن، في مستهل زيارة رسمية للرئيس الصيني استغرقت 3 أيام.
بدايةً، كانت الصين واحدة من أفقر دول العالم في السبعينات، وقد تحولت إلى ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وأصبحت كما يُقال "مصنع العالم". لكن هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتيجة رؤية طويلة الأمد، وخطة مدروسة، وصبر استراتيجي. ويعود بدء هذا المسار إلى تولي دينغ شياو بينغ رئاسة الحزب الشيوعي الصيني عام 1978م، حيث أعطى الأولوية للاقتصاد بدل المبدأ؛ فأوجد نموذجاً اقتصادياً يقوم على الأجور المنخفضة والصادرات الخارجية العالية، وفتح الأبواب أمام المستثمرين الأجانب، ثم أنشأ مناطق اقتصادية خاصة (SEZ) في مدن الصين الشرقية عام 1979، واعتباراً من عام 2010 أصبحت ثاني أقوى اقتصاد في العالم.
أما من الناحية العسكرية، فإن الصين تسير في طريق تحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية؛ إذ تزيد من نفقاتها العسكرية كل عام. فقد أعلنت الصين أنها "تعتزم زيادة ميزانية الدفاع الوطني لعام 2025 بنسبة 7.2%، ما يمثل العام العاشر على التوالي من النمو أحادي الرقم في ميزانية الدفاع، وسيبلغ الإنفاق الدفاعي المخطط للبلاد 1.784665 تريليون يوان (حوالي 249 مليار دولار أمريكي) في العام الجاري...". ومع ذلك، فإن قدرات الجيش الصيني التقليدية والنووية آخذة في التطور أيضاً؛ فقد ذكر تقرير وزارة الحرب الأمريكية المقدم إلى الكونغرس يوم الأربعاء، أنه في منتصف عام 2024 كانت الصين تمتلك أكثر من 600 رأس نووي، وبحلول عام 2030 سيجاوز عددها الألف، وقد حرصت الصين على عرض أسلحتها المتطورة في عرض عسكري يوم 3 أيلول/سبتمبر 2025.
لذا، فالصين اليوم ليست صين السبعينات وما قبلها، والمفاوضات معها لن تكون كما كانت سابقاً؛ فأمريكا اليوم أمام قوة عسكرية جبارة لا يُستهان بها، وقوة اقتصادية عملاقة يحسب لها ألف حساب، وهذا ما يظهر جلياً في تعامل الإدارات الأمريكية، وخاصة إدارة ترامب.
جاء في جواب سؤال أصدره أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة بعنوان: الصين وانعتاقها من نظرتها الإقليمية المحدودة بتاريخ 2025/11/22م "لقد سعت أمريكا - ولا تزال - وعملاً باستراتيجيتها الآسيوية، إلى الحيلولة دون صعود الصين واحتوائها؛ تارةً بنقل جنودها وعتادها من أوروبا إلى منطقة المحيط الهادئ، وتارةً باستغلال أزمة تايوان، وتارةً باستخدام الهند، وتارةً بإقامة تحالفات عسكرية مع دول إقليمية مثل "أوكوس" (أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) و"كواد" (الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان)، وتارةً بشن حروب تجارية على الشركات الصينية مثل "هواوي". ذلك أن أمريكا، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وضعت الإسلام كعدو مبدئي (أيديولوجي) والصين كعدو دولة، على رأس قائمة أعدائها. ولئن كانت حروب العراق وأفغانستان قد أخرت صراعها مع الصين وأبطأته، إلا أنها بعد هذه الحروب ركزت كامل هدفها على الصين، وخاصة عبر الحروب التجارية".
والآن، بالنسبة للموضوعات محل البحث والتفاوض، هل يمكن لهذه القمة أن تنجح كما يروج لها ترامب؟!
إن تصريحات ترامب التي ذكرتها وسائل الإعلام، منها: أنه ونظيره الصيني شي جين بينغ أحرزا "تقدماً هائلاً" خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الصيني لواشنطن، فيما كشف الجانبان عن مناقشة الحرب على إيران وإمكان عقد اجتماعين إضافيين بينهما قبل نهاية العام (بي بي سي)، تعبر عن تضليل كبير ومخاوف حقيقية وليست تصريحات صادقة؛ وذلك لاعتبارات عدة:
- مسألة الانتخابات: محاولة ترامب إقناع الشارع الأمريكي، وخاصة المزارعين، بحدوث تقدم ملموس في اللقاء.
- الأزمات السياسية والاقتصادية: أزمته في الحرب مع إيران وما يترتب عليها من تداعيات سياسية وآثار سيئة على الاقتصاد العالمي ومنه الأمريكي، فضلاً عن غلاء النفط داخل أمريكا.
- الضغوط الداخلية والخارجية: أزمته داخل الحزب الجمهوري وكذلك الانقسام السياسي في أمريكا؛ لذا لا تزال أمريكا تحيط الصين بأعداء وتطلب منهم رفع القيود وزيادة النفقات العسكرية، كما تطالب الدول الأوروبية بزيادة الإنفاق للناتو.
أما الموضوعات المطروحة فهي كثيرة وتحتاج إلى وقفة عند كل بند؛ فمسألة الذكاء الاصطناعي مثلاً لا يبدو أنه سيكون هناك التزام حقيقي بشأنها، برغم تصريحات شي (إن على واشنطن وبكين مسؤولية تطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، مبيناً: "لدينا القدرة والمسؤولية معاً لتطوير وإدارة الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح العام، وضمان أن يظل تطويره دائماً في ظل الرقابة البشرية").
فقد نقلت وسائل الإعلام عن صحيفة نيويورك تايمز قولها: (أظهر ترامب اهتماماً قليلاً بالمخاطر وعدم اكتراث بتنظيم هذه الأداة الجديدة، وكل ما يشغل باله هو انتصار أمريكا على الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وبغض النظر عن معايير السلامة). وذكرت أنه من الناحية الواقعية، من غير المرجح أن يحقق أي اجتماع بمفرده تقديماً يذكر في القضايا الأكثر حساسية، لكن أمريكا والصين ليستا مجرد خصمين على النفوذ الدولي، بل تجمعهما أيضاً مصالح مشتركة في الاستقرار العالمي.
أما مسألة المعادن الحيوية، فالصين تدرك أهميتها وخطورتها، وقد استخدمتها كسلاح في وجه أمريكا لكسب تنازلات منها في حربها التجارية، وإن كان ذلك كرد فعل من الصين. قال كولين هندريكس، زميل أول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، لقناة الحرة، إن الصين أدركت أنها تستطيع استخدام القيود على تصدير هذه المواد لإرباك سلاسل التوريد الصناعية والدفاعية لدى منافسيها. وقال هاس، وهو الآن زميل أول في مؤسسة بروكينغز، إن قطع الصين إمدادات هذه المعادن عن أمريكا ستكون له تداعيات واسعة على اقتصادها.
ومما يدل على محدودية نجاح اللقاء هو فقدان الثقة في ديمومة التصدير؛ حيث قال الممثل التجاري الأمريكي جاميسون غرير إن أمريكا بحاجة إلى مواصلة الضغط على الصين لضمان التزامها بالاتفاقات المتعلقة بالمعادن الحيوية، بعدما قال مسؤولون أمريكيون إن الإمدادات الصينية لم تصل إلى المستوى المطلوب. وكذلك ما يدل على محدودية نجاح اللقاء هو تمديد الهدنة التجارية لشهرين فقط؛ فقد أعلن سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، الأربعاء، اتفاق أمريكا والصين على تمديد الهدنة التجارية بينهما شهرين، من موعد انتهائها في 10 تشرين الثاني/نوفمبر إلى 10 كانون الثاني/يناير 2027، بحسب ما ذكرته وكالة رويترز.
أختم مقالتي بما ختم به جواب السؤال سالف الذكر بقوله:
"وفي الختام فإن هذه الدول سواء أكانت أمريكا أم الصين أم كلاهما فهما تتزاحمان في هذه الدنيا بما لا يوجد خيراً بل شراً يحيط بهم وبأتباعهم، وحضارة زائفة لم يفلح أهلها.. أما ما يظهر عليهم اليوم من ارتفاع فوق الأرض فهو لعدم وجود الدولة التي تنشر الخير في ربوع العالم، فتُقصي شرورهم وتهلك بنيانهم.. وإنها لعائدة بإذن الله؛ الخلافة الراشدة، التي تزيلهم كما أزالت أمثالهم من قبل؛ الفرس والروم.. فالأمة الإسلامية أمة حية فاعلة، وهي تتوجه بتسارع إلى سيرتها الأولى التي أخرجها الله لها، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.. ثم إن في الأمة حزباً مخلصاً لله سبحانه، صادقاً مع رسوله ﷺ، يغذ السير، واصلاً ليله بنهاره، حتى يتحقق وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ على يديه، لا يخشى في الله لومة لائم، لا تلين له قناة ولا تضعف له عزيمة بإذن الله، حتى يتحقق وعد الله سبحانه على يديه، وتعود الخلافة الراشدة وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ وتفتح روما بسواعد المسلمين كما فتحت القسطنطينية. أخرج أحمد في مسنده.. عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي فَقَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلاً قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلاً يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ»".
بقلم: الأستاذ حسن حمدان
المصدر: جريدة الراية