- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-07
جريدة الراية:
محنة مسلمي الروهينجا
على لائحة النسيان
إننا إذ نتناول هنا محنة مسلمي بورما الذين يعانون على أيدي حكامها البوذيين، فإننا نتناول معاناتهم لأننا، وإن لم تربطنا بهم لغة أو عرق، مرتبطون بهم بأقوى رابطة على وجه الأرض، وهي رابطة الإسلام. حيث قال النبي ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». وهذا الحديث، الذي يحفظه المسلمون عن ظهر قلب، لا يصف حالهم فقط، بل يوجب عليهم إذا اشتكى أي واحد منهم، أن يهبوا جميعا لنجدته. وبالتالي فإن محنة الروهينجا، كباقي المحن التي تصيب الأمة، يجب أن تتعامل معها الأمة كجرح في جسدها يستدعي إعلان حالة الطوارئ له، والقيام بما تفرضه عليها أحكام الطوارئ.
إن شعب الروهينجا شعب مسلم في غالبيته، وهم من ولاية راخين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم ولاية أراكان، في ميانمار التي كانت تُعرف سابقاً باسم بورما. ويبلغ عدد سكان ميانمار قرابة 60 مليون نسمة، والتقدير الرسمي المتداول لنسبة المسلمين هو نحو 4% من السكان؛ أي ما يقارب 2.4 مليون مسلم إذا طُبّقت النسبة على عدد السكان المذكور. ولكن هذه الإحصائيات غير دقيقة أو خاطئة بسبب السياسات المتبعة في المنطقة عموماً؛ فمثلاً، في الهند لا تتجاوز الأعداد الرسمية للمسلمين 20%، هكذا تقول إحصائياتهم، بينما الحقيقة هي أن النسبة تصل إلى أكثر من 40%، أي ضعف ما يُنشر إعلامياً أو يتم حصره إحصائياً رسمياً في الدوائر الرسمية للدول.
طبعاً ترتبط جماعتهم بالأمة الإسلامية ارتباطاً وثيقاً، حتى إن أصولهم العرقية تشمل المسلمين العرب وحكام المغول في الهند. وكلمة روهينجا تعني سكان روهانغ، وهو الاسم الإسلامي القديم لأراكان. ويتركز سكان الروهينجا في المنطقة التاريخية لأراكان، وهي ولاية ساحلية قديمة تقع على حدود جنوب آسيا وجنوب شرقها. وبفضل موقعها الساحلي على خليج البنغال، كانت أراكان مركزاً مهماً للتجارة البحرية بين بورما والعالم الخارجي. وتاريخياً، حمل التجار المسلمون القادمون من البلاد العربية الدعوة إلى الإسلام في المناطق الساحلية من جنوب شرق البنغال، المحاذية لأراكان، وكان ذلك منذ القرن التاسع الميلادي. وكان المسلمون، على مدى قرون، يدركون أن التجارة لا ينبغي أن تنسيهم اغتنام فرصة الدعوة إلى الإسلام، فأسلم كثير من المشركين البوذيين. لذلك يرجع شعب الروهينجا بأصوله التاريخية إلى تلك الفترة، وقد ظلوا أوفياء للإسلام إلى اليوم.
وأسباب عداء البوذيين للروهينجا هي بريطانيا الخبيثة؛ فشعوب آسيا عموماً تتصف بصفات الهدوء والسلام، وقد حكم الإسلام المنطقة، ومنها شبه القارة الهندية قروناً عديدة، ولم تحصل فيها ثورات أو قلاقل أو نزاعات من أي شكل من أشكال الطائفية أو المذهبية أو الدينية. ولكن لما جاءت بريطانيا الخبيثة مستعمرةً المنطقة، ومنها شبه القارة الهندية قامت وكعادتها بإثارة النعرات القبلية والعرقية والدينية وغيرها. وقامت بتحويل الفلسفات البوذية والهندوسية والسيخية من شعوذات شركية إلى ديانات، حتى تتمكن من ضرب الناس، باختلاف دياناتهم بعضهم بعضاً، فيسهل عليها التجبر والتسلط عليهم، وهي السياسة المفضلة لدى الاستعماريين. لذلك أصبح السبب الآخر للعداء هو العامل العقائدي، وهو يتمثل في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وطبعاً البوذيون من الذين أشركوا، إضافة إلى النصارى الإنجليز، أسِّ البلاء في المنطقة.
بدأت المعاناة الحالية لأهلنا الروهينجا أوائل عام 2012، حيث بدأت الشرطة في تسيير دوريات في ولاية راخين. وشرع الرهبان البوذيون في توزيع مجلات تصف الروهينجا بأنهم إرهابيون، وأنهم سيستولون على الولاية بسبب معدلات مواليدهم "غير المنضبطة". كما وزعوا منشورات تقول "ينبغي لكم أن تقضوا على هؤلاء الناس، وإلا فإنهم سيستولون على أرضكم"، وذلك في بلدة سيتوي المسلمة الرئيسية. وقد أُحرقت منطقة نارزي، التي استهدفت باعتبارها أكبر حي مسلم ومركزاً اقتصادياً في سيتوي، وكانت تضم نحو عشرة آلاف من الروهينجا، حتى سويت بالأرض. أما المنشآت التي بقيت قائمة وسط الأنقاض، فقد جرفت بالجرافات في الأيام التالية.
وتجدد الاضطهاد في تشرين الأول/أكتوبر 2012، بعدما خطط له مسؤولون محليون ورهبان بوذيون وأشعلوه. ووقفت قوات الأمن تتفرج على الهجمات أو شاركت فيها، كما فتحت الشرطة النار على الروهينجا الفارين. وهكذا ترسخت عملية التطهير العرقي التي مارستها السلطات في ولاية راخين. ففي مدينة سيتوي، حيث كان يعيش نحو 75 ألفاً من الروهينجا قبل عام 2012، لم يبق منهم سوى أربعة آلاف. ومع إنشاء مخيمات راخين الوسطى في عامي 2012 و2013، بدأت السلطات بفرض أنظمة متداخلة لتقييد حركة الروهينجا، شملت نقاط التفتيش، ونصب الأسلاك الشائكة، وحظر التجول، وإجراءات الحصول على التصاريح بالغة القسوة، ومرافقة الشرطة، والمضايقات والتهديدات والابتزاز اليومي، ودفع الرشاوى.
واستمرت عملية التطهير العرقي مروراً بأحداث آب/أغسطس 2017، حيث دمرت قوات الأمن في ميانمار مئات القرى التي يسكنها الروهينجا، وقتلت النساء والرجال والأطفال في أنحاء شمال ولاية راخين، ما أجبر ما لا يقل عن 700 ألف شخص على الفرار إلى بنغلادش. وأعدم الجيش البورمي بصورة فورية عشرات المسلمين الروهينجا في قرية مونغ نو بولاية راخين.
وفي الآونة الأخيرة، تجددت الأعمال العدائية بين قوات المجلس العسكري في ميانمار وجيش أراكان في ولاية راخين في تشرين الثاني/نوفمبر 2023. وكان كلا الطرفين مسؤولاً عن انتهاكات خطيرة، شملت الهجمات المتعمدة على المدنيين، وإحراق الممتلكات، والتجنيد غير القانوني. ويتعرض نحو 600 ألف من الروهينجا الذين ما زالوا في ولاية راخين للاضطهاد والعنف، ويحصرون في مخيمات وقرى دون حرية للحركة، كما يحرمون من الوصول الكافي إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم وسبل كسب العيش.
وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، لكن لا يوجد اليوم أمثال المعتصم ومحمد بن القاسم وأورنكزيب يستجيبون لنداءات الروهينجا؛ ولذلك واجهوا عقوداً من التمييز والقمع تحت حكم حكام متعاقبين من المشركين البوذيين. وهذه النصرة لن تأتي من الحكام الحاليين للمسلمين، كما يتضح من تقاعسهم عن نصرة المسلمين الذين يعانون في فلسطين وكشمير المحتلة والهند وتركستان الشرقية. والأسوأ من ذلك أن حكام المسلمين، وخصوصاً حكام بنغلادش وماليزيا، يزيدون من معاناتهم، إذ يجعلونهم يعيشون في ظروف لا تليق حتى بالحيوانات، ثم يطردونهم ليواجهوا مضطهديهم في بورما من جديد. مع أن أساطيل بنغلادش وباكستان وإندونيسيا وماليزيا قادرة بسهولة على هزيمة حكام بورما المشركين البوذيين، كما فعل القادة الأبطال في عهد أورنكزيب. ولا شك في أن الأمة الإسلامية وجيوشها يجب أن تزيل هؤلاء الحكام، أعداء الأمة الحقيقيين، وأن تعيد الدرع الحامي لنظام الحكم الإسلامي.
إن قضايا الأمة متشابهة ومتشابكة، وكذلك معاناتها تصل إلى حد التطابق؛ فما يحصل في أراكان متطابق إلى حد كبير مع ما يحصل في غزة، وقل مثل ذلك في كشمير وتركستان الشرقية، وما حصل في الشيشان والبوسنة والهرسك. والحل لكل هذه المصائب واحد لا يتعدد، وهو الحل الجذري لمشاكل الأمة. ومشكلة الأمة هي حكام المسلمين وأنظمة حكمهم القابعة على رقابها، الذين تجب الإطاحة بهم وتنصيب الخليفة الذي ينتصر للإسلام والمسلمين في شتى بقاع المعمورة.
بقلم: الأستاذ بلال المهاجر – ولاية باكستان
المصدر: جريدة الراية