- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
2026-10-14
جريدة الراية: هدف الحوار السوداني
تكريس الاستعمار
خلال مؤتمر صحفي بالخرطوم يوم الثلاثاء 2026/9/29 كشف عضو لجنة الحوار السوداني نبيل أديب أن أجندة الحوار ستتضمن قضايا أساسية، في مقدمتها النظام الديمقراطي، وشكل الحكم والهوية السودانية ووحدة السودان، والانتخابات، وفي حديثه عن نظام الحكم قال أديب إن السودان مر بتجارب أظهرت، وفقا لرؤية اللجنة أن الحكم المركزي لا يخدم قضية البلاد وربطه بتفاقم التمردات والحروب الأهلية، وتفتيت الدولة. وقال إن السودان في ظل تنوعه لا يمكن أن يحكم إلا في إطار ديمقراطي.
هذه هي موجهات الحوار السوداني السوداني.
وقبل الخوض في تفاصيل هذه الموجهات نحب أن نؤكد على معلومة مهمة وهي أننا اعتدنا من هذه الأنظمة ولجانها على التضليل، وعمل نقيض ما يقال، فمثلا اتفاقية فصل جنوب السودان سميت باتفاقية السلام، والآن قيل إن الحوار سوداني سوداني. وقبل أن يبدأ الحوار يتم بحث الحل عند غير أهل السودان، بل عند أعداء السودان؛ فقد حملت الأنباء أن لجنة تهيئة الحوار السوداني عقدت الخميس 2026/10/01 اجتماعا مع مجموعة من سفراء دول الاتحاد الأوروبي بالقاهرة، وتناول الاجتماع تفاصيل مهام اللجنة ومشاوراتها الواسعة مع القوى السياسية والمجتمعية.
والسؤال الذي يطرح بقوة هو ما دخل سفراء الاتحاد الأوروبي بالحوار السوداني؟ أم أن هؤلاء السفراء سودانيون ونحن لا نعلم؟!
أما موجهات أو أجندة الحوار كما سمتها اللجنة، فسنتناول بالتفصيل أهمها، وهي: النظام الديمقراطي وشكل الحكم، والهوية السودانية، والحكم اللامركزي.
أولا: الديمقراطية وشكل الحكم
تجعل اللجنة من الديمقراطية أساس الحكم، عندما تقول إن السودان في ظل تنوعه لا يمكن أن يحكم إلا في إطار ديمقراطي. يقولون ذلك وكأننا طوال سبعة عقود نحكم بنظام غيره! فمنذ خروج المستعمر الإنجليزي بجيوشه ترك خلفه رجالاً صنعهم على عين بصيرة ليرثوا النظام الديمقراطي نفسه، الذي كان يطبقه في بلادنا، وظل هذا الأمر إلى يومنا هذا مهما تغيرت الأشكال والأزياء، لأن الأساس في النظام الديمقراطي هو أن المشرع هم الحكام سواء أكانوا مدنيين يلبسون جلابيب وعمائم، أم يلبسون بدلات، وسواء أكانوا عسكريين يلبسون البزة العسكرية، فلا فرق، فجميعهم حكموا البلاد بأنظمة الكافر المستعمر، وظلوا تابعين له سياسيا واقتصاديا وعسكريا...الخ، فقط تتغير العمالة من بريطانية إلى أمريكية ثم بريطانية ثم أمريكية وهكذا... والنتيجة أننا ما زلنا مستعمَرين تابعين، لأن الدولة المستقلة هي الدولة التي تملك قرارها وزمام أمرها، وتتصرف بإرادتها، لذلك ظل السودان طوال هذه العقود متخلفا عن ركب الدول المتقدمة. ونحن نرى دولا كانت مستعمرة ولكنها اليوم دول كبرى وعظمى، لأنها انعتقت تماما من ربقة الاستعمار، وصار قرارها بيدها وتتصرف بإرادتها، فمثلاً أمريكا كانت مستعمرة من إنجلترا وعندما تحررت منها لم تصبح دولة تابعة، بل أصبحت دولة مستقلة وسارت حتى أصبحت الدولة الأولى في العالم اليوم.
ومثال آخر الصين، كانت مستعمرة من اليابان فلم تصبح بعد استقلالها دولة تابعة بل أصبحت دولة مستقلة، وهي اليوم ضمن الدول الخمس التي تملك حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي.
إن الديمقراطية في حقيقتها فكرة متناقضة في جوهرها، مستحيلة التحقق عمليا، فتقول السيادة للشعب، وأنه هو الذي يحكم نفسه بنفسه، وهذا خداع وكذب، فمستحيل أن يجتمع ملايين الناس ليشرعوا القوانين، وكان التحايل أن يُنتخب ممثلون عن الشعب يقومون بالتشريع. ثم إن الشعب لا يحكم بمجموعه، ولا يدير شؤون الدولة بل الذي يحكم فعليا هم نخبة معينة تتداول السلطة فيما بينها، عبر آليات انتخابية مضبوطة سلفا بالقوانين والتمويل والتأثير الإعلامي، أما إرادة الشعب فتبقى شعارا يستدعى عند الحاجة ويهمل عند التعارض مع مصالح الأقوياء. والواقع يشهد في أكثر البلاد ديمقراطية عند الرأسماليين أنهم هم المتحكمون، وقد شهد بذلك الفيلسوف الأمريكي المعاصر نعوم تشومسكي الذي يرى أن الديمقراطية في الغرب خاصة في أمريكا محكومة بنظام تصنيع الموافقة حيث تقوم وسائل الإعلام والشركات الكبرى بتوجيه عقول الناخبين، وصياغة آرائهم لخدمة النخب الحاكمة ما يجعل التصويت شكليا.
هذه هي الديمقراطية التي تريد لجنة تهيئة الحوار السوداني أن تجعلها أساسا للحكم بالرغم من أنها تم تجريبها في بلادنا عقودا من الزمان، وأثبتت فشلها، فلماذا يريدون منا أن نجرب المجرب والمثل العربي يقول (تجريب المجرب ندامة)، والمثل الشعبي يقول: (إلي بيجرب المجرب عقله مخرب)؟! هذا من ناحية واقعية، أما من الناحية الشرعية فهي نظام كفر، تتناقض مع عقيدتنا في الأساس والفروع، فبدل إخراجنا من هذا الواقع يريدون تثبيته خدمة لأسيادهم الكفار المستعمرين.
ثانيا: الهوية وما هو المقصود بالهوية؟
دون الدخول في المصطلحات فإن الهوية تعني من نحن؟ ونحن في السودان هويتنا محسومة منذ مئات السنين؛ فنحن مسلمون سواء أكنا عرباً أم أفارقة، سودا أم بيضاً، فهذه الأوصاف لا دخل لها في الهوية، والغريب في الأمر أنهم يريدون بحث الهوية بالرغم من أنهم بحثوها في حوار الوثبة عام 2014 وقالوا إنهم حسموها بأنها الهوية القُطرية أو الهوية السودانية! وهم يعلمون أن هذا الكلام هراء وتضليل حتى يطمسوا هويتنا الحقيقية التي هي الإسلام، فالإسلام هو البوتقة التي انصهرت فيها كل الأعراق والأجناس، ليس في السودان فحسب، بل في كل مكان دخله الإسلام، فإن القصد من التشكيك في هويتنا والحديث عن بحثها في الحوار السوداني، هو إبعاد الإسلام من أنظمة الحكم والسياسة وغيرهما وهؤلاء الذين يشككون في هويتنا إنما يخدمون سياسة أسيادهم.
ثالثا: الحكم اللامركزي
قالت لجنة الحوار إن الحكم المركزي لا يخدم قضية البلاد، وربطته بالتمردات والحروب الأهلية وتفتيت الدولة، وهنا أيضا تضليل آخر، فلا علاقة للحكم المركزي بالتمردات أو الحروب الأهلية، فالتمرد مرتبط بأهداف الصراع الدولي على السودان، فالذي صنع أول تمرد في السودان هم الإنجليز، الذين حكموا السودان، وعملوا على سياسة المناطق المقفولة في جنوبه بقصد فصله، ثم إن التمرد في الجنوب انطلق عام 1955م، أي قبل خروج بريطانيا، ما يعني أنها هي التي صنعته من أجل فصل الجنوب، ثم تولت أمريكا كبر هذا الأمر من بعد عندما آلت أمور الحكم لعملائها، وسارت في مخطط بريطانيا نفسه حتى نجحت عام 2011 بفصل جنوب السودان. أما حركات التمرد في دارفور فهي حركات في غالبها بريطانية قامت ضد عملاء أمريكا في حكم السودان.
ثم إن الحكم اللامركزي أيا كان، فيدراليا أو كونفدرالياً الأصل أنه يطبق على دويلات تريد الاتحاد، وليس في دولة موحدة أصلا!! فتطبيق مثل هذه الأنظمة في بلادنا القصد منه التمزيق والتفتيت ليس إلا، فهي سياسة استعمارية قديمة (فرق تسد).
أما في الإسلام فنظام الحكم نظام وحدة، ولكن الإدارة لا مركزية، وهناك فرق بين الحكم والإدارة.
فكما يعمل هؤلاء لتكريس سياسة الكافر المستعمر في بلادنا، فإن هناك رجالاً يصلون ليلهم بنهارهم لتحقيق وعد الله سبحانه وبشرى نبيه ﷺ بإعادتها خلافة راشدة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ إبراهيم عثمان (أبو خليل)
الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان.
المصدر: جريدة الراية