Logo
طباعة
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
جريدة الراية: فرنسا وأزمة الدولة الحديثة حين يصل الاحتجاج إلى أبواب المدارس

بسم الله الرحمن الرحيم

Al Raya sahafa

 

2026-10-14

 

جريدة الراية: فرنسا وأزمة الدولة الحديثة

حين يصل الاحتجاج إلى أبواب المدارس

 

 

لم تكن فرنسا تحتاج إلى احتجاج جديد كي تثبت أنها تعيش أزمة حضارية عميقة، لكنها كانت تحتاج ربما إلى علامة أكثر دلالة من أي احتجاج سابق: أن يصل الغضب إلى أبواب المدارس، وأن يخرج التلاميذ أنفسهم إلى الشوارع احتجاجاً على مدارس لم تعد قادرة على أن تمنحهم ما يفترض أن يكون أبسط وعود الدولة الحديثة: مُدرّساً حاضراً، وفصلاً صالحاً للتعلم، ومبنى لائقاً، ومستقبلاً يمكن الوثوق به.

 

منذ أواخر أيلول/سبتمبر 2026 بدأت موجة الاحتجاجات في مدارس باريس، بعدما فجّرت مشكلة نقص المدرسين شرارة الغضب، ثم انتشرت خلال أيام إلى مئات المدارس في أنحاء فرنسا. حيث طالب التلاميذ بإنهاء نقص المدرسين، والحد من اكتظاظ الفصول الذي يصل في بعض الحالات إلى نحو 35 تلميذاً، وإصلاح المباني والتجهيزات المتدهورة، وتخفيف الضغط الدراسي والقلق الذي يرافق الانتقال إلى الجامعة عبر نظام Parcoursup. وقد مست الاحتجاجات نحو 30% من المدارس الثانوية الفرنسية بحسب تقديرات نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية.

 

لم يكن لهذه التحركات المتصاعدة أن تمر دون إشعال فتيل أزمة جديدة، لأن الدولة تتعامل معها فوق أرضية اجتماعية وسياسية شديدة الاشتعال، طمعا في منع التجمهر وإخماد حراك طلابي قد يهدد مسار الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو ما جعل بعض التظاهرات تتحول إلى مواجهات وأعمال تخريب، فردت الشرطة بسكب الزيت على النار، إذ لم يقتصر الأمر على القمع واستعمال العنف، بل بلغ عدد المعتقلين أكثر من خمسة آلاف شخص، كان 87% منهم قاصرين وفق أرقام وزارة العدل في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، فيما أحيل أكثر من 1800 شخص إلى الملاحقة القضائية. بل لقد بلغت الإصابات مستوى بالغ الخطورة حين فقد تلميذ في الخامسة عشرة يده بعد انفجار قنبلة خلال تدخل للشرطة، فيما فتحت هيئة التفتيش العام للشرطة عشرة تحقيقات في وقائع تتعلق بإصابات أو استخدام للقوة. وفي المقابل أعلنت السلطات إصابة مئات من أفراد الشرطة ووقوع اعتداءات وتخريب وإحراق في عدد من المواقع.

 

إلا أن أهمية هذه الأحداث لا تكمن في حجم الفوضى المصاحبة لها، بل في وصول أزمة فرنسا إلى جيل جديد أصبح هو الآخر مناهضا للسياسات الرسمية للدولة. فقد سبقتها السترات الصفراء، واحتجاجات إصلاح التقاعد، واحتجاجات المزارعين، وموجات الإضراب والاحتقان المرتبطة بغلاء المعيشة وسياسات التقشف. وما يجمع هذه الحركات، على اختلاف أصحابها ومطالبها، هو شعور متزايد بأن الدولة تطلب من المجتمع المزيد من التضحية بينما تتراجع قدرتها على تقديم ما كان يُعد من ثوابت النموذج الفرنسي: مدرسة قوية، وصحة عامة فعالة، وحماية مجتمعية واسعة، وفرص اقتصادية صاعدة.

 

وهنا يظهر ماكرون بوصفه واجهة لأزمة أقدم منه، لا باعتباره عاملا من عوامل تكريسها وتعميقها. فقد ارتفع دين فرنسا العام من مستويات تقارب 60% من الناتج في مطلع القرن الحالي إلى 119% في الربع الثاني من عام 2026، عندما بلغ نحو 3.596 تريليون يورو. وتدخل فرنسا هذه المرحلة بعجز مرتفع وبكلفة متزايدة لخدمة الدين، بينما تحاول الحكومة في ميزانية عام 2027 تحقيق وفورات ضخمة في مواجهة برلمان شديد الانقسام ومجتمع لم يعد يتقبل بسهولة وصفات التقشف.

 

وفي الجهة الأخرى من المعادلة تقف فرنسا وهي تحاول استعادة قوة عسكرية تناسب طموحها الجيوسياسي المتنامي أمام التهديدات المتزايدة التي تواجهها أوروبا. حيث تضاعفت تقريباً ميزانية الجيوش بين عامي 2017 و2027، فبلغت مخصصات الدفاع، باستثناء المعاشات، 57.1 مليار يورو عام 2026، بزيادة 6.7 مليارات في عام واحد، وتخطط الدولة لبلوغ 76.3 ملياراً عام 2030. كما أضيفت إلى قانون البرمجة العسكرية 36 مليار يورو إضافية للفترة ما بين عامي 2026-2030، فوق 413 ملياراً كانت مقررة أصلاً للفترة بين عامي 2024-2030، مع توجيه متزايد نحو الذخائر، والطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي، والفضاء، والقدرات اللازمة لحرب عالية الكثافة.

 

هذا الإنفاق لا يمكن اختزاله في شراء الأسلحة. إنه محاولة لإعادة بناء قاعدة القوة الفرنسية: تحديث الردع النووي، تطوير الطائرات والغواصات والسفن والصواريخ، وتوسيع القدرة الصناعية والعسكرية على خوض حرب طويلة. وقد فرضت الحرب في أوكرانيا على أوروبا كلها إدراكاً قاسياً بأن عقود ما بعد الحرب الباردة التي جرى خلالها تقليص الجيوش والاستفادة من "عائد السلام" قد انتهت. ولذلك فإن إعادة تسليح فرنسا ليست اختراعاً لماكرون، وإن كانت قد تسارعت بصورة كبيرة في عهده.

 

وهنا تكمن المفارقة التي تمنح أزمة فرنسا بعدها التاريخي وعمقها الحضاري وجذورها المبدئية المرتبطة بعقيدة فصل الدين عن الحياة. فالدولة تريد أن تبقى قوة نووية عالمية، وأن تمتلك جيشاً قادراً على العمل مستقلاً، وأن تؤدي دوراً قيادياً في أوروبا، وأن تناور في قضايا أوكرانيا والشرق الأوسط والهجرة، وأن تحافظ في الوقت نفسه على دولة رفاه واسعة ومدرسة عامة قوية وخدمات مجتمعية مكلفة. لكن هذه الطموحات تجتمع فوق اقتصاد يعاني منذ سنوات من تباطؤ الإنتاجية وتراكم الدين والعجز.

 

وهكذا اتسعت الفجوة بين الصورة التي تريد فرنسا أن تكون عليها في العالم وبين ما تستطيع مؤسساتها أن توفره لأبنائها في الداخل، ما أنتج فرنسا بصورتها الحالية المهتزة.

 

لهذا تبدو صورة التلميذ الفرنسي أمام مدرسته المتداعية أكثر تعبيراً عن الأزمة من كثير من الخطب السياسية. ففرنسا التي تريد أن تكون قوة استراتيجية مستقلة في عالم مضطرب تواجه جيلاً يسألها عن مدرس لم يحضر، وفصل مكتظ، ومبنى متهالك، وعن مستقبل لا يراه مضموناً. وفي الخلفية ينخر السوس مبدأها الفاسد، حيث تتراكم أزمة الهوية والهجرة واللائكية، ويتعمق الاستقطاب السياسي، وتتوالى الحكومات الهشة، ويتغذى اليمين المتطرف من مستنقع الرداءة السياسية، فيما يزداد المجتمع اقتناعاً بأن النخب السياسية لم تعد قادرة على إنتاج تسوية مقنعة بين ما تعد به الدولة وما تستطيع دفع ثمنه.

 

من هنا يتأكد وجود أزمة حضارية بنيوية تهز أركان فرنسا. صحيح أنها دولة ذات قوة نووية، وصناعة متقدمة، ومؤسسات راسخة، وموقع مركزي في أوروبا. لكن الحضارات لا تقاس فقط بحجم جيوشها أو بقدرتها على إنتاج السلاح، بل تقاس أيضاً بقدرتها على تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وعلى إقناع الجيل الجديد بأن المستقبل الذي تطلب منه الدفاع عنه يستحق أن يؤمن به.

 

وهنا تبلغ أزمة فرنسا أعمق طبقاتها حين تعجز عن إيجاد القاعدة الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل طموحها قابلاً للحياة، بل حين تضعف قدرة مبدئها الرأسمالي عن إنتاج حلول أزمات من صنعه. لأن الدولة الرأسمالية المتداعية تستطيع تمويل أحدث الصواريخ والطائرات، لكنها تعجز عن إقناع تلميذ بأن مدرسته ومستقبله يستحقان الاستثمار، وهذا يضرب جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الحاضر والمستقبل، وبين الصورة الوهمية التي تريد فرنسا أن ترسمها لنفسها والحقيقة التي يراها أبناؤها من داخل مدارسهم وشوارعهم.

 

هكذا تتخبط فرنسا في ظلام الرأسمالية، ولن ينقذها من هذا الجحيم والظلمات المتراكمة سوى دولة الخلافة الراشدة القائمة قريبا بإذن الله. قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

 

بقلم: المهندس وسام الأطرش

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.