Logo
طباعة
  •   الموافق  
  • كٌن أول من يعلق!
جريدة الراية: بعد شمسها التي لا تغيب بريطانيا نحو الغروب الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

Al Raya sahafa

 

2026-10-14

 

جريدة الراية: بعد شمسها التي لا تغيب

بريطانيا نحو الغروب الكبير

 

 

زلزال سياسي يضرب المملكة المتحدة في الصميم، كانت ذروة تداعياته في اجتماع القمة لثلاثة من رؤساء وزراء أقاليمها، الذين يجمعهم هدفٌ واحد وهو الانفصال عن لندن، هذا الاجتماع وصفه كثير من المراقبين بأنه اجتماع تاريخي وغير مسبوق منذ بدء نظام تفويض الصلاحيات.

 

حضر الاجتماع جون سويني، رئيس وزراء اسكتلندا وزعيم الحزب القومي الاسكتلندي، ورون آپ يورويرث، رئيس وزراء ويلز وزعيم حزب پلايد كمري القومي الويلزي، وميشيل أونيل، الوزيرة الأولى لأيرلندا الشمالية عن حزب شين فين. وانضمت إليهم ماري لو مكدونالد، رئيسة حزب شين فين.

 

وخلص الاجتماع إلى توقيع مذكرة تفاهم تلزم الأطراف بالعمل المشترك من أجل تعزيز حق تقرير المصير للأقاليم، والمطالبة بحق إجراء استفتاءات دون أن يكون لحكومة لندن الحق في تعطيلها، ولم يكن هذا اللقاء اجتماعاً بروتوكولياً دورياً لتنسيق الخدمات المحلية، بل جاء بناء على دعوة مشتركة لبحث ما أسموه "إعادة هيكلة العقد الاتحادي المتهالك".

 

وكان من أبرز التصريحات التي صدرت عن المجتمعين ما قاله جون سويني بأن رئيس وزراء بريطانيا آندي بيرنهام قد يكون آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة.

 

هذه الهزة تزامنت مع حجر ثقيل ألقاه ترامب في مياه بريطانيا العكرة وتلقفته وسائل الإعلام حين أعلن دعمه الصريح لفكرة أيرلندا الموحّدة، قائلاً إن ذلك "سيكون أمراً رائعاً"، وإنه "يودّ أن يراها موحّدة"، ما اعتبر تحريضا سافرا على تفكيك بريطانيا، وطعنة في ظهر من يعتبر حليفا تاريخيا لأمريكا، ورغم الانتقادات التي وجهت له لم يتراجع ترامب، بل عاد ليؤكد موقفه مجدداً، مشيراً إلى أنه "لم يتحدث عن اسكتلندا بعد"؛ في تلميح فهم منه أن ملف تفكك المملكة المتحدة مطروح بالكامل على طاولته.

 

وقد ألمح أيضاً إلى أنه قد لا يدعم بريطانيا إذا أقدمت الأرجنتين على غزو جزر فوكلاند، وهو موقف يقلب رأساً على عقب عقوداً من التزام أمريكا بأمن بريطانيا.

 

وترافق كذلك مع سقوط مدو لهيبة بريطانيا السياسية خاصة مع الجحود والتنكر الذي أبداه مؤخرا طفلها المدلل العاق كيان يهود، فعلى خلفية التوترات الدبلوماسية بسبب قضية العقوبات البريطانية على بعض النشاطات الاستيطانية، خرج مسؤولون من الكيان منهم وزير ما يسمى الأمن القومي بن غفير بتصريحات هاجموا فيها بريطانيا بشدة حيث وصف بن غفير الوجود البريطاني في جزر فوكلاند (المعروفة بـالملافيناس) بأنه "احتلال بريطاني غير شرعي لأراض أرجنتينية" وسرقة لثروات الشعوب، داعياً إلى فرض عقوبات على لندن والاعتراف بسيادة الأرجنتين عليها، ومما يزيد المشهد سخرية الكشف عن ملفات سرية أظهرت أن الكيان نفسه زود الأرجنتين سراً بالسلاح خلال حرب فوكلاند عام 1982، أي أنهم كانوا في صف من قاتلوا الجنود البريطانيين.

 

إن الهبوط السريع لإمبراطورية كانت توصف بأنها لا تغيب عنها الشمس لتصل إلى درك تهدد فيه وحدة أراضيها الأصلية، ويطعنها حلفاؤها المقربون، كل ذلك يمثل عبرة لمن ظن أن الدائرة لا تدور عليه، ففي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانت بريطانيا الدولة الأولى في العالم بلا منازع، حيث امتد نفوذها على نحو ربع مساحة اليابسة وربع سكان الأرض، ولم تكن هذه الهيمنة مجرد سيطرة عسكرية، بل منظومة متكاملة من القوة البحرية التي جعلت من الأسطول الملكي سيد المحيطات، والقوة الاقتصادية التي جعلت لندن العاصمة المالية للعالم، والجنيه الإسترليني عملة التجارة الدولية، والقوة الناعمة التي نشرت اللغة الإنجليزية والقانون العام والنظام البرلماني في القارات الخمس، فقد كانت بريطانيا تصنع القواعد وتفرضها، وترسم حدود الدول وتعيد ترسيمها، وتصنع ملوكاً وتخلع آخرين.

 

واليوم تؤكد الشواهد السياسية أن بريطانيا تقف على أعتاب مرحلة تاريخية حاسمة، وأن التفكك لم يعد مجرد سيناريو خيالي، بل بات مسارا قريبا تدفع إليه عوامل عدة منها: ضغوط في الداخل حيث تتشكل جبهة موحدة بين الأقاليم المطالبة بالحكم الذاتي وتقرير المصير، وتحريض وتآمر الخارج من تشجيع أمريكي مستجد للانفصال، وتشكيك حلفاء سابقين مثل كيان يهود بمشروعية الجزر والسيادة البريطانية العابرة للبحار، إضافة إلى العجز الهيكلي الذاتي حيث التزايد المستمر في انحسار القدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية للمركز.

 

ثم إن الدولة الاستعمارية التي سنت منهاج "فرق تسد" باتت تتجرع سمه اليوم وتذوق مرارته في ذهول، والإمبراطورية التي رسمت خرائط العالم بالأمس باتت هي نفسها موضوعاً لإعادة رسم خريطتها من جديد.

 

لقد كانت الشمس لا تغيب عن الإمبراطورية البريطانية؛ أما اليوم فإن السؤال الذي يطرح بجدية هو هل ستغيب الشمس عن المملكة المتحدة نفسها، لتترك إنجلترا وحيدة في حدودها الجزرية، وربما أقل من ذلك؟ فلقد سن الله في خلقه سنة لا تتبدل، إذ وعد عباده المؤمنين بالتمكين والعزة في الدنيا والفوز العظيم في الآخرة قائلا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً...﴾. وفي المقابل توعد الطغاة والظالمين بالهلاك والأفول في الدنيا وسوء المصير في الآخرة فقال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾، وقال: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾.

 

لقد سبقت بريطانيا الاتحاد السوفيتي في الانحسار والسقوط، وها هي اليوم على أعتاب تفكك ذاتي قريب إن شاء الله، وإن مصير أمريكا ليس ببعيد عن سابقيها، ولكن سنة الله في الدنيا هي التدافع، وعلى الأمة الإسلامية ألا تنتظر زوال أعدائها وهي في سبات، بل عليها أن تحسم أمرها وتزيل عن كاهلها عملاء أعدائها الذين يكبلونها ويذلونها، وتتقدم من جديد لتقتعد مقاما لا يليق إلا بخير أمة أخرجت للناس، فتقود البشرية إلى شط النجاة، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

 

 

بقلم: الشيخ عدنان مزيان

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

 

المصدر: جريدة الراية

 

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.