الأحد، 07 ذو الحجة 1447هـ| 2026/05/24م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

مع الحديث الشريف العبد المؤمن بين الخوف والرجاء

  • نشر في من السّنة الشريفة
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1233 مرات

 

نُحَيِّيكُمْ جَمِيعًا أيها الأَحِبَّةُ الكِرَامَ فِي كُلِّ مَكَانٍ, نَلتَقِي بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بَرنَامَجِكُم "مَعَ الحَدِيثِ النَّبوِيِّ الشَّرِيفِ" وَنَبدَأ بِخَيرِ تَحِيَّةٍ وَأزكَى سَلامٍ, فَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ:


رَوَى التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟»، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ». وَرَوَى التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ, إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى, يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى, يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِى لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».


وَوَرَدَ فِي الدُّعَاءِ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي بَابِ القَولِ فِي قُنُوتِ الوِتْرِ: «اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ, وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ, وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ, وَنَخْشِي عَذَابَكَ الْجِدَّ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ». وَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّه وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ؛ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ). (فاطر 30) وَقَالَ تَعَالَى: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ). (الزمر 9) وَقَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّه وَاللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ). (البقرة 218)


الخَوفُ وَالرَّجَاءُ لِلمُؤمِنِ كَالجَنَاحَينِ لِلطَّائِرِ! لا يَستَطِيعُ أنْ يَطِيرَ, وَلا أنْ يَرتَفِعَ إِلَى السَّمَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا, إِلاَّ أنْ يَكُونَا مُقتَرِنَينِ مَعًا, عِندَئِذٍ لا يَستَطِيعُ أنْ يَطِيرَ فَحَسْبُ, بَلْ ويُحَلِّقَ عَالِيًا فِي الفَضَاءِ! وَالخَوفُ مَعلُومٌ لَدَى جَمِيعِ الناس. بَقِيَ أنْ نَعلَمَ مَعنَى الرَّجَاءِ. الرَّجَاءُ لُغَةً مَصدَرُ قَولِهِمْ: "رَجَوتُ فُلانًا أرْجُوهُ" وَهُوَ مَأخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ "رَ, جَ, وَ" الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الأَمَلِ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ اليَأسِ، الفِعْلُ المَاضِي"رَجَا" يَنتَهِي بِألِفٍ مَمدُودَةٍ. يُقَالُ: رَجَوتُ فُلانًا رَجْوًا وَرَجَاءً وَرَجَاوَةً. وَيُقَالُ: مَا أتَيتُكَ إلاَّ رَجَاوَةَ الخَيرِ، وَتَرَجَّيتُهُ تَرجِيَةً بِمَعنَى رَجَوتُهُ. هَذَا, وَلِلرَّجَاءِ اصطِلاحًا مَعنَيَانِ شَرعِيَّانِ:


الأوَّلُ: رَجَاءُ عَفْوِ اللهِ وَمَغفِرَتِهِ لِلإِنسَانِ، فَالإِنسَانُ يَنبَغِي أنْ يَكُونَ دَائِمًا فِي حَالِ بَينَ الرَجَاءِ للهِ تَعَالَى وَالخَوفِ مِنهُ سُبحَانَهُ: يَرْجُو أنْ يَغفِرَ لَهُ مَا يَحصُلُ مِنهُ مِنْ آثامٍ وَذُنُوبٍ، وَيَخَافُ أنْ يُعَذِّبَهُ عَذَابًا شَدِيدًا عَلَيهَا. وَهُوَ بِهَذِهِ المُوَازَنَةِ بَينَ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ يَنشَطُ لِلْعَمَلِ وَالطَّاعَةِ, وَلا يُصِيبُهُ اليَأسُ والقُنُوطُ إِذَا أخْطَأ أو وَقَع فِي مَعصِيَةٍ؛ لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ الله تَعَالَى إِذَا تَابَ تَوبَةً صَحِيحَةً، وَأدَّى حُقُوقَ الخَلْقِ عَلَيهِ, فَإِنَّ اللهَ يَغفِرُ لَهُ وَيَرحَمَهُ.


وَالثَانِي: انتِظَارُ الفَرَجِ وَكَشفُ البَلاءِ، وَزَوَالُ المُصِيبَةِ وَالمُشكِلَةِ التِي يُعَانِي مِنهَا الإِنسَانُ، وَتَوَقُّعُ حُصُولِ الأفضَلِ. وَلَكِنَّ هُنَاكَ فَرقًا بَينَ الأَمَلِ وَالرَّجَاءِ، فَالرَّجَاءُ انفِعَالٌ مُتَوَازِنٌ، يَجمَعُ بَينَ الحَذَرِ وَالتَّفَاؤُلِ، وَيجمَعُ بَينَ التَّمَنِّي وَالعَمَلِ. أمَّا الأَمَلُ: فَهُوَ انفِعَالٌ يَغْلِبُ فِيهِ التَّفَاؤُلُ. وَهُنَاكَ فَرقٌ بَينَ الرَّجَاءِ وَالتَّمَنِّي وَهُوَ أنَّ التَّمنِّي يُصَاحِبُهُ الكَسَلُ، أمَّا الرَّجَاءُ فَهُوَ مَعَ البَذْلِ وَالعَمَلِ.


قَالَ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ: "الرَّجَاءُ هُوَ النَّظَرُ إِلَى سَعَةِ رَحمَةِ اللهِ". وَقِيلَ: "هُوَ الاستِبشَارُ بِجُودِ وَفَضلِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى". وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ أيضًا: "الرَّجَاءُ هُو عُبُودِيَّةٌ، وَتَعَلُّقٌ بِاللهِ مِنْ حَيثُ اسمُهُ: البَرُّ المُحسِنُ". وَقَالَ: "لَولا رُوحُ الرَّجَاءِ لَمَا تَحَرَّكَتِ الجَوَارِحُ بِالطَّاعَةِ. وَلَولا رِيحُهُ الطَّيِّبَةُ لَمَا جَرَتْ سُفُنُ الأعمَالِ فِي بَحرِ الإِرَادَاتِ".


وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: "المَقصُودُ مِنَ الرَّجَاءِ أنَّ مَنْ وَقَعَ مِنهُ تَقصِيرٌ فَليُحسِنْ ظَنَّهُ باللهِ, وَيَرجُو أنْ يَمْحُوَ عَنهُ ذَنبَهُ، وَكَذَا مَنْ وَقَعَ مِنهُ طَاعَةٌ يَرجُو قَبُولَهَا، وَأمَّا مَنِ انهَمَكَ عَلَى المَعصِيَةِ رَاجِيًا عَدَمَ المُؤَاخَذَةِ بِغَيرِ نَدَمٍ, وَلا إِقلاعٍ فَهَذَا فِي غُرُورٍ".


وَمَا أحْسَنَ قَولَ أبِي عُثمَانَ الجيزِيِّ: "مِنْ عَلامَةِ السَّعَادَةِ أنْ تُطِيعَ، وَتَخَافَ أنْ لا تُقبَلَ، وَمِنْ عَلامَةِ الشَّقَاءِ أنْ تَعصِيَ، وَتَرجُو أنْ تَنجُو. وَفِي الرِّسَالَةِ القُشَيرِيَّةِ: الرَّجَاءُ تَعلِيقُ القَلْبِ بِمَحبُوبٍ فِي المُستَقبَلِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الرَّجَاءُ ظَنٌّ يَقتَضِي حُصُولَ مَا فِيهِ مَسَرَّةٌ. وَقَالَ المنَاوِيُّ: الرَّجَاءُ تَرَقُّبُ الانتِفَاعِ بِمَا تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبٌ مَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَرَضِ مَوتِهِ:


فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبي جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفوِكَ سُلَّمَا


تَعَاظَمَنِي ذَنْبِـي فَلمَّا قَرَنْـتُهُ بِعَفوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أعْظَمَا


وَقَالَ سُفيَانُ رَحِمَهُ اللهُ: «مَنْ أذنَبَ ذَنبًا فَعَلِمَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ عَلَيهِ، وَرَجَا غُفرَانَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ ذَنبَهُ». وَقَالَ أبُو عِمرَانَ السُّلَمِيُّ مُنشِدًا:


وَإِنّي لآتي الذَّنبَ أعرِفُ قَدْرَهُ وَأعلَمُ أنَّ اللّهَ يَعفُـو وَيَغفِـرُ


لَئِنْ عَظَّمَ النَّاسُ الذُّنُوبَ فِإِنَّها وَإِنْ عَظُمَتْ في رَحمَةِ اللهِ تَصْغُرُ


احبتنا الكرام: نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, وَالسَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

 

 


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الأستاذ محمد أحمد النادي - ولاية الأردن

إقرأ المزيد...

نداءات القرآن الكريم الأمر بالوفاء بالعقود وبيان ما يحل وما يحرم من الذبائح ج2

  • نشر في من القرآن الكريم
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 1746 مرات


(يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود * أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير‌ محلي الصيد وأنتم حر‌م إن الله يحكم ما ير‌يد).



الحمد لله الذي أنزل القرآن رحمة للعالمين، ومنارا للسالكين، ومنهاجا للمؤمنين، وحجة على الخلق أجمعين. والصلاة والسلام على سيد المرسلين, وآله وصحبه الطيبين الطاهرين, والتابعين له بإحسان إلى يوم الدين, واجعلنا اللهم معهم, واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

أيها المؤمنون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: في هذه الحلقة نتابع وإياكم النداء الثامن والعشرين من نداءات الحق جل وعلا للذين آمنوا, نتناول فيه الآية الكريمة الأولى من سورة المائدة التي يقول فيها الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود * أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير‌ محلي الصيد وأنتم حر‌م إن الله يحكم ما ير‌يد). نقول وبالله التوفيق:

 

يسترسل صاحب الظلال سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة فيقول: "وعلى عقد الإيمان بالله، والعبودية لله، تقوم سائر العقود .. سواء ما يختص منها بكل أمر, وكل نهي في شريعة الله، وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع الله فكلها عقود ينادي الله الذين آمنوا، بصفتهم هذه، أن يوفوا بها. إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء، مستحثة لهم كذلك على الوفاء .. ومن ثم كان هذا النداء: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود).. ثم يأخذ في تفصيل بعض هذه العقود: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود .. أحلت لكم بهيمة الأنعام- إلا ما يتلى عليكم- غير محلي الصيد وأنتم حرم. إن الله يحكم ما يريد .. يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله، ولا الشهر الحرام، ولا الهدي، ولا القلائد، ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا. وإذا حللتم فاصطادوا، ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا. وتعاونوا على البر والتقوى. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. واتقوا الله. إن الله شديد العقاب. حرمت عليكم الميتة، والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع- إلا ما ذكيتم- وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام. ذلكم فسق .. اليوم يئس الذين كفروا من دينكم، فلا تخشوهم واخشون .. اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا .. فمن اضطر في مخمصة- غير متجانف لإثم- فإن الله غفور رحيم).. إن هذا التحريم والتحليل في الذبائح، وفي الأنواع، وفي الأماكن، وفي الأوقات .. إن هذا كله من «العقود» .. وهي عقود قائمة على عقد الإيمان ابتداء. فالذين آمنوا يقتضيهم عقد الإيمان أن يتلقوا التحريم والتحليل من الله وحده, ولا يتلقوا في هذا شيئا من غيره .. ومن ثم نودوا هذا النداء، في مطلع هذا البيان .. وأخذ بعده في بيان الحلال والحرام: (أحلت لكم بهيمة الأنعام - إلا ما يتلى عليكم -) .. وبمقتضى هذا الإحلال من الله, وبمقتضى إذنه هذا وشرعه- لا من أي مصدر آخر ولا استمدادا من أي أصل آخر- صار حلالا لكم ومباحا أن تأكلوا من كل ما يدخل تحت مدلول (بهيمة الأنعام) من الذبائح والصيد- إلا ما يتلى عليكم تحريمه منها- وهو الذي سيرد ذكره محرما .. إما حرمة وقتية أو مكانية وإما حرمة مطلقة في أي مكان وفي أي زمان. وبهيمة الأنعام تشمل الإبل والبقر والغنم ويضاف إليها الوحشي منها، كالبقر الوحشي، والحمر الوحشية والظباء.


ثم يأخذ في الاستثناء من هذا العموم .. وأول المستثنيات الصيد في حال الإحرام: «غير محلي الصيد وأنتم حرم» .. والتحريم هنا ينطبق ابتداء على عملية الصيد ذاتها. فالإحرام للحج أو للعمرة تجرد عن أسباب الحياة العادية وأساليبها المألوفة, وتوجه إلى الله في بيته الحرام الذي جعله الله مثابة الأمان .. ومن ثم ينبغي عنده الكف عن بسط الأكف إلى أي حي من الأحياء .. وهي فترة نفيسة ضرورية للنفس البشرية تستشعر فيها صلة الحياة بين جميع الأحياء في واهب الحياة وتأمن فيها, وتؤمن كذلك من كل اعتداء, وتتخفف من ضرورات المعاش التي أحل من أجلها صيد الطير والحيوان وأكله؛ لترتفع في هذه الفترة على مألوف الحياة وأساليبها، وتتطلع إلى هذا الأفق الرفاف الوضيء. وقبل أن يمضي السياق في بيان المستثنيات من حكم الحل العام، يربط هذا العقد بالعقد الأكبر، ويذكر الذين آمنوا بمصدر ذلك الميثاق: (إن الله يحكم ما يريد) .. طليقة مشيئته، حاكمة إرادته، متفردا سبحانه بالحكم وفق ما يريد. ليس هنالك من يريد معه, وليس هنالك من يحكم بعده ولا راد لما يحكم به .. وهذا هو حكمه في حل ما يشاء وحرمة ما يشاء ..


أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: (أوفوا بالعقود) يعني بالعقود ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله لا تغدروا ولا تنكثوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله: (أوفوا بالعقود) أي بعقد الجاهلية, ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقدا في الإسلام». وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: (أوفوا بالعقود) قال: بالعهود وهي عقود الجاهلية الحلف. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عقدة الإيمان, وعقدة النكاح, وعقدة البيع, وعقدة العهد, وعقدة الحلف. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال: العقود خمس: عقدة الإيمان, وعقدة النكاح, وعقدة البيع, وعقدة العهد, وعقدة الحلف. وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة, ويأخذ صدقاتهم, فكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) عهدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أمره بتقوى الله في أمره كله (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (النحل 128) وأمره أن يأخذ الحق كما أمره, وأن يبشر بالخير الناس ويأمرهم به. الحديث بطوله.


وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدوا للحلفاء عقودهم التي عاقدت أيمانكم، قالوا: وما عقدهم يا رسول الله قال: العقل عنهم, والنصر لهم. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا في قوله: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) يقول: أوفوا بالعهود يعني العهد الذي كان عهد إليهم في القرآن فيما أمرهم من طاعته أن يعملوا بها, ونهيه الذي نهاهم عنه, وبالعهد الذي بينهم وبين المشركين, وفيما يكون من العهود بين الناس.

 

أيها المؤمنون:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم ودائما, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, سائلين المولى تبارك وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا, وشفاء صدورنا, ونور أبصارنا, وجلاء أحزاننا, وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ذكرنا منه ما نسينا, وعلمنا منه ما جهلنا, وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار, على الوجه الذي يرضيك عنا, واجعله اللهم حجة لنا لا علينا.. آمين آمين آمين برحمتك يا أرحم الراحمين, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

محمد أحمد النادي

إقرأ المزيد...

وكالة قدس برس للأنباء: حزب التحرير يتهم سلطة رام الله باعتقال عدد من أنصاره في قلقيلية .

  • نشر في مع الإعلام
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 733 مرات

 

 

2014-11-13

 

رام الله (فلسطين) ـ خدمة قدس برس


أفاد المكتب الإعلامي لحزب التحرير في فلسطين، بأن جهاز الأمن الوقائي في قلقيلية، شمال الضفة الغربية المحتلة، لا يزال يعتقل 3 من شباب الحزب منذ تاريخ 7 تشرين ثاني (نوفمبر) الجاري وحتى الآن خلافاً للقوانين، التي تدّعي السلطة تنفيذها، تحت مسمى "على ذمة المحافظ" دون أن يعرضوا على القضاء.


وذكر الحزب في بيان صحفي تلقت "قدس برس" نسخة عنه اليوم الخميس (13|11)، أن اعتقال أعضاء الحزب جاء على خلفية دروس ألقيت في مساجد قلقيلية الجمعة الفائتة استنكرت منع السلطة التعسفي لندوة للحزب في ذكرى الهجرة النبوية ونصرة للأقصى.


واعتبر الحزب أن السلطة بذلك تدوس على قوانينها إذا ما تعلق الأمر بمحاربة الإسلام وحملة دعوته، وأن هذا السلوك سلوك بلطجي يقتفي أثر الطغاة البائدين دون أن يتعظ بما حل بهم من مصير أسود، وأن ذلك يعكس مدى انخراط السلطة في الحملة الأمريكية على الإسلام.


وأكد الحزب بأنه سوف يقوم بكل ما يلزم من أعمال سياسية للتأكيد على حقه وواجبه الشرعي في حمل الدعوة، وأن إجراءات السلطة لن تحول بينه وبين الصدع بالحق ونصرة الأقصى والدعوة لإقامة الخلافة وتحرير بيت المقدس.

 

 

المصادر : وكالة قدس برس / فلسطين أون لاين

 

 

إقرأ المزيد...

الزراعة في دولة الخلافة الراشدة الثانية... بدءا من اليوم الأول

  • نشر في ثقافي
  • قيم الموضوع
    (0 أصوات)
  • قراءة: 2207 مرات

 



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،


ستكون مهمة هذه الدولة هي رعاية شؤون رعاياها في جميع المجالات من خلال تطبيق الإسلام كله في الداخل، والعمل لنشره كاملاً عن طريق الدعوة والجهاد في الخارج. لكن هذه الدولة، بالرغم من أنها ستطبق نظاماً سماوياً جاء من عند الله جل ثناؤه، في الكتاب والسنّة، إلا أنها دولة بشرية، يقيمها البشر، ويقوم على إدارتها البشر، وتقدم خدماتها للبشر، وعلى أيدي بشر؛ وذلك من أجل إسعاد البشر.


وبما أن هذا النظام غاب مدة طويلة من الزمن عن حياة الناس الفعلية، وعاشوا وما زالوا يعيشون في ظل نظام رأسمالي وضعيّ فاسد ومشوَّه، فقد جهله الكثيرون، وصار غريباً عن حياة الناس في الواقع، بل حتى عن تصوّرهم الذهني، إلا من رحم ربي. لكن حياة رعايا الدولة ستستمر، ولا بد لها أن تستمر، ولا نستطيع أن نقول لهم أوقِفوا نشاطات حياتكم وحركتكم في الكون حتى نجد لكم الحلول للمشاكل التي تواجهونها أو ستواجهونها. ولذلك يجب على من يحملون مبدأ الإسلام العظيم (فكرة الإسلام، وطريقة الإسلام لتنفيذ هذه الفكرة، وهي الدولة)، ويسعون لإيجاده مطبقاً في الحياة، يجب عليهم أن يكونوا جاهزين من الآن لتطبيقه في الواقع، وعلى أكمل وجه. وذلك لكي يبدأ المسلمون، أفراداً ومجتمعاً ودولةً، من أول يوم، بل من أولى اللحظات بعد تلاوة البيان رقم (1)، القيام بأعمالهم كلها وفقاً لما أنزل الله، ابتغاء مرضاة ربهم عز وجل. وفي محاولة للمساعدة والمساهمة الفعلية في هذه المسيرة الطاهرة المباركة، جاء هذا البحث.


إن الناس يتلقون خدمات من الأنظمة الحاكمة حالياً، وسيكونون بحاجة إلى جهةٍ تواصل تقديم هذه الخدمات لهم. بل إنهم سيتوقعون تقديمها كلها بصورة أفضل بكثير مما تقدم الآن. ويأتي على رأس هذه الخدمات إشباع الحاجات الأساسية للفرد، كل فرد في الرعية. والحاجات الأساسية للإنسان الفرد هي: المأكل، والملبس، والمسكن. لكن هذه الحاجات أساسية فقط ليبقى الإنسان على قيد الحياة. وهناك حاجات أساسية للأفراد بوصفهم أعضاء في مجتمع، لكي يقوموا بنشاطاتهم التي تخدمهم هم أنفسهم وتخدم مجتمعهم ودولتهم، ويخدمون من خلالها دينهم، في الوقت ذاته. وهذه الحاجات الأساسية للمجتمع هي: الأمن، والتطبيب، والتعليم. هذه هي الحاجات الأساسية للفرد وللمجتمع حسب النصوص الشرعية. وهي التي يجب أن تحظى بالأولوية في اهتمامنا كدولة وكحزب. دولة تعمل، وحزب يردفها ويعينها في عملها بفكره وابتكاره، ويحاسبها على صواب عملها أو عدم صوابه في آنٍ معاً.


وسنتطرق هنا إلى موضوع الحاجة الأساسية الأولى للإنسان، وهي المأكل. فكيف ستعمل دولة الخلافة الراشدة الثانية لإشباع هذه الحاجة إشباعاً كلياً لكل أفراد رعيتها، فرداً فرداً، مسلمين وذمّيين؟


فنقول بما أن الزراعة هي المصدر الأصلي والأساسي لتقديم الغذاء للإنسان، وكذلك للحيوان الذي يعتمد الإنسان اعتماداً كبيراً على منتوجاته، سيكون هذا القطاع الحيوي هو مجال البحث هنا. ولكن قبل أن نلج في تفاصيل موضوع الزراعة، لا بد من التنبيه إلى بعض النقاط التي تعتبر في غاية الأهمية:


أ‌) يجب على الحزب، ومن الآن، إن لم يكن قد فعل، إعدادُ شباب ملمّين بالأفكار الرئيسية التي تتبناها دولة الخلافة الراشدة الثانية وتقوم على أساسها، مثل: الدولة ضامنُ الحاجات الأساسية لكل فرد من أفراد الرعية... الخ. وملمّين كذلك بكيفية إدارة وتسيير الشؤون الحياتية للمجتمع وفق الأحكام الشرعية العامة والتفصيلية، حسبما نص عليها "مشروع" دستور دولة الخلافة، كلٌ في مجاله. وبهذا يكون كل واحد من هؤلاء الشباب جاهزاً ليوضع على رأس إحدى الدوائر فيديرها بالفعل الإدارة السليمة. وذلك بمساعدةٍ من الموظفين المختصين الحاليين في الدوائر، بعد تغيير البنية الفكرية الحالية لديهم، وإعادة شحنها بالأفكار والمفاهيم الجديدة السليمة، أثناء العمل، ومن خلال الممارسة الفعلية لعملهم، حول مهمة الدولة الإسلامية، والمسؤولية، والمحاسبة المباشرة (في الدنيا)، على كل إحسانٍ وإتقانٍ لعملهم، وعلى كل إساءة أو إهمال أو تقصير في تأديتهم لوظائفهم.


ب‌) البدء منذ اللحظة الأولى لقيام الدولة بتوعية الناس جميعاً، ومن خلال كل وسائل الإعلام المتاحة، وعلى رأسها المساجد، التي ستعود سيرتها الأولى: منارات علم وإرشاد وهداية، مشرعةً الأبواب أربعاً وعشرين ساعة. ويتولى التوجيهَ والتعليم فيها أشخاصٌ على دراية بالمهمة العظيمة المنوطة بهم، مخلصين لله في عملهم، يمتازون بحُسن الفهم للأحكام الشرعية المتصلة بالموضوع الذي يتحدثون فيه للناس، ولكيفية تطبيقه في الواقع، على أساس الفهم الصحيح لهذا الواقع كما هو. وكذلك استخدام البث التلفزيوني، والإذاعي، والمحاضرات العامة في الأماكن العامة كالساحات العامة، والمحاضرات الخاصة في المدارس والجامعات والنوادي، وغيرها من وسائل كالنشرات والمطويات والملصقات، في التعليم والتوجيه والإرشاد، والتنبيه إلى العقوبات المترتبة على مخالفة القوانين (سواء أكانت أحكاماً شرعية تبنّاها الخليفة فسنَّها قوانين، أم كانت قوانين لإحسان إدارة الشؤون)، ألا وهي عقوبات من الله عز وجل، في الدنيا والآخرة، وعقوبات في الدنيا من قبل الدولة.


ت‌) تنبيه الناس، وإدامة تنبيههم، إلى أنه لا يمكن حل ومعالجة المشاكل التي تراكمت طوال عشرات السنين، في عهد النظم البائدة، خلال فترة قصيرة. هذا، مع ملاحظة أن الحزب سيبقى موجوداً في ظل الدولة، وسيظل رديفاً لها في السهر على إحسان فهم وتطبيق الإسلام. وستكون عينه على الدولة "كجهاز تنفيذي"، يراقب وينصح ويحاسب، وعينه الأخرى على الأمة، يوعّي ويفهّم ويوضح ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالمعنى العام.


ث‌) الكشف الميداني من قبل المسؤولين على واقع المرافق التي تقدم الخدمة ومستوى الخدمة المقدمة بالفعل. واتخاذ القرارات وفقاً للأحكام الشرعية ذات الصلة، بناءً على الواقع الفعلي للمشكلة. وذلك في أسرع وقت، وبأعلى درجة من الإتقان، ولأطول مدة ممكنة، وبأقل التكاليف.


والآن نبدأ الحديث عن خطة العمل المقترحة في مجال الزراعة. وأضع هذه الخطة بين يدي القرّاء الكرام ليضيفوا إليها، أو يحذفوا منها، أو يفصّلوا فيها، أو يعدّلوا عليها، حسبما يرون، وحسب الواقع الفعلي القائم في البلد الذي ستقوم فيه الدولة، لما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين.


1- السياسة العامة لدولة الخلافة الراشدة الثانية:


تقوم السياسة العامة لدولة الخلافة الراشدة الثانية على أساس تحقيق الاكتفاء الذاتي في كل شيء. وذلك انطلاقاً من قوله تعالى ﴿ولن يجعل اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾. ولذلك يجب أن يوجَّه كل المسؤولين والعاملين والأجهزة والمعدات والموارد المالية، من اللحظة الأولى، لتحقيق هذا الهدف.


2- الهيكل التنظيمي:


أ- يتولى المهام في مجال الزراعة في دولة الخلافة "مصلحة الزراعة" التابعة "للجهاز الإداري (مصالح الناس)". ويدير هذه المصلحة "مدير عام" يعيّنه الخليفة ويكون مسؤولاً مسؤولية عامة كاملة عن عمل هذه المصلحة أمام الخليفة. ويعين هذا المدير العام مدراء لدوائر الزراعة في الولايات، التي ستتولى شؤون الزراعة في ولاياتها.


ب- تساعد مصلحةَ الزراعة في عملها "مصلحةُ الأراضي" التابعة "لديوان الفيء والخراج" في "قسم الواردات" في "بيت المال". (راجع أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة، ص 128- ص 130. وكذلك مشروع دستور دولة الخلافة، ص 44 وما بعدها).


3- خطوط عامة:


أ- الامتناع عن تحصيل أية رسوم أو ضرائب أو جمارك من أفراد الرعية لقاء تقديم الخدمات التي كلف الشرع الدولة بتقديمها لرعيتها. وهو الأمر الذي سيطلق يد الرعية، أفراداً وشركات، طبيعياً، فيسارعون إلى العمل بكل طاقاتهم، مستغلين إمكاناتهم الذاتية.


ب- تنفيذ حملات توعية شاملة، عبر كل الوسائل المتاحة، باستخدام كافة الأساليب والأدوات الممكنة، لترويج وتشجيع وإقناع الناس بتطبيق مفهوم الحديث الشريف «نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع».


ج- إشراك ذوي الاختصاص (الصحة والتغذية) لوضع وتحديد مكوّنات "الوجبة الغذائية النموذجية" للإنسان، ببدائلها وخياراتها العديدة، حسب العوامل المختلفة المؤثرة في هذا المجال. وإطلاق حملات توعية لترويج وتشجيع تناول هذه الوجبة الغذائية بصورة أساسية.


د- العمل في هذا المجال، بل في كل المجالات، آخذين في الاعتبار أن الحدود السياسية القائمة ليست هي الحدود النهائية ولا الدائمة لدولة الخلافة. بمعنى أن "مشروع" هذه الخطة وغيرها من الخطط ستكون لا محالة عرضة للتغيير أو التعديل أو التوسيع في ضوء انضمام و/أو ضم بلدان جديدة من بلاد المسلمين، وكذلك من البلدان الأخرى، إلى دولة الخلافة. ففي كل من هذه البلدان موارده الطبيعية المختلفة والمتفاوتة ومشاكله الخاصة به.


هـ- حصر جميع الأراضي في الدولة، من قبل مصلحة الأراضي ببيت المال. وذلك لغايات تصنيفها كأراضٍ خراجية أو عشرية... الخ.


و- حصر الأراضي الزراعية والأراضي الصالحة للزراعة في الدولة كلها، وذلك من قبل المختصين في مصلحة الأراضي (التي يلحق بها ما يسمى الآن دائرة الأراضي والمساحة) وفي مصلحة الزراعة. وحظر استخدام أي من هذه الأراضي لأي غرض غير الزراعة مطلقاً.


ز- حصر جميع الأراضي التي استولى المتنفذون في النظام السابق عليها بغير وجه حق (غصبوها)، وردّها إلى مالكيها الأصليين، سواء أكان الدولة أم كان رعايا أفرادا.


ح- إشراك ذوي الاختصاص (المهندسين الزراعيين/إنتاج نباتي + إنتاج حيواني والخبراء الآخرين) لاختيار أفضل أصناف المحاصيل والأشجار والنباتات الغذائية الأخرى، وأفضل السلالات الحيوانية، التي تلائم الظروف والأوضاع المحلية، من حيث كمية هطول الأمطار ونسبة الرطوبة الجوية على مدار السنة، وجودة الغلّة وكميتها، والقدرة على مقاومة الآفات والأمراض والجفاف. وذلك من أجل زراعتها وتربيتها حصراً.


ط- التقليل ما أمكن من استخدام المواد الكيماوية في الزراعة: أسمدة، مبيدات، أدوية، لقاحات وغيرها.


4- الإجراءات العملية:


1) حصر جميع الأراضي "الموات" الصالحة للزراعة من أراضي الدولة، وذلك من قبل مصلحة الزراعة ومصلحة الأراضي، بالتعاون والتنسيق والتكاتف مع الجهات الأخرى ذات العلاقة.


2) تحصر أراضي الغابات الحالية الصالحة لزراعة المحاصيل والبساتين المثمرة، وذلك من قبل مصلحة الأراضي ومصلحة الزراعة، مستعينة بالخبراء في هذا المجال.


3) تفتح الدولة المجال أمام مَن لا أرض لهم ويرغبون بالعمل في الزراعة "لإحياء الأرض الموات" بزراعتها. وتصدر القوانين اللازمة لتنظيم هذه العملية، بما فيها تسجيل هذه الأراضي بأسمائهم، مترافقة مع حملة توعية توضح كل جوانب هذه العملية.


4) تفتح الدولة مجال "التحجير" في الأراضي الموات الصالحة للزراعة في أراضي الدولة، وذلك بهدف الزراعة. ويتم إصدار القوانين التي تنظم هذه العملية، بما فيها تسجيل هذه الأراضي بأسماء المحتجرين، مع إطلاق حملة توعية شاملة توضح هذا الأمر من كل جوانبه.


5) توزع الدولة الأراضي الزراعية والصالحة للزراعة غير المستغلة على الراغبين في العمل بالزراعة (الإقطاع). وتصدر القوانين اللازمة بهذا الشأن.


6) تحصر الدولة الأراضي الخاصة، الزراعية منها والصالحة للزراعة، لكنها لا تزرع بالفعل من قبل مالكيها. وتمهلهم المدة التي تراها مناسبة، حسب الواقع الموجود، لزراعتها. وإن لم يقوموا بزراعتها على الوجه الصحيح، تقوم بسحبها منهم وإعطائها لمن يزرعها.


7) تنبّه الدولة جميع الزرّاع القدامى والجدُد إلى أنه لا يجوز بأي بحال تعطيل الأرض من الزراعة فوق ثلاث سنين. وأنه إن حصل ذلك، تُسحب الأرض منهم، وتعطى لمن يزرعها.


8) توجه الدولة منذ البداية جميع الزرّاع في البلاد إلى زراعة مواد القوت (كالقمح، والأرز، والكسافا والكينوا... الخ)، والمواد الغذائية الأساسية الأخرى، من أجل كفاية الاستهلاك المحلي.


9) يمنع تصدير المواد الغذائية إلى الخارج منعاً باتاً. ويتم حفظ الفائض من هذه المواد باستخدام أساليب الحفظ التقليدية كالتجفيف وغيره.


10) يعطي بيت المال قروضاً حسنة لمن يحتاجون إليها كي يزرعوا أراضيهم.


11) تشجع الدولة الإنتاج الزراعي المتكامل (نباتي + حيواني) إلى أكبر قدر مستطاع.


12) تتعاون المصالح المختصة المختلفة في الدولة على رسم خطة ريّ كاملة شاملة ومنصفة للريّ في مناطق الزراعة المروية، بحيث تنسجم وتتناغم هذه الخطة، ولا تتعارض بأي شكل، مع الاستعمالات الأخرى للمياه في الدولة، خصوصاً مياه الشرب (وذلك في إطار السياسة العامة الجديدة للمياه في الدولة وخطتها التنفيذية). وذلك استناداً لأحدث البحوث والدراسات العملية الميدانية. ويتم تغيير أو تصويب أو تعديل الأوضاع التي كانت قائمة في ظل النظام البائد. وذلك إلى جانب الإضافة على شبكات الريّ أو إلغائها، حسبما يلزم على الأرض في ظل السياسة الجديدة.


13) تقوم الدوائر المختصة، بصورة منسقة، بشق أو فتح أو تعبيد الطرق اللازمة لخدمة جميع هذه الأراضي. وذلك بأسرع وقت، وأقل تكلفة، وأفضل مواصفات، وبحيث تخدم الغرض منها أطول مدة ممكنة.


14) تنشئ الدولة المخازن والمرافق الأخرى اللازمة لحفظ المنتوجات الزراعية، بطرق وأساليب التخزين والحفظ المناسبة، في الأماكن اللازمة، بما في ذلك معامل التجهيز والتصنيع.


15) تؤسس الدولة الأسواق والمرافق اللازمة لبيع وشراء ومقايضة المنتجات الزراعية، وتزودها بالموظفين والمعدات والتجهيزات اللازمة للحد من الهدر الغذائي وتقليل فواقد الأغذية إلى أقصى حد ممكن.


16) تقيم الدولة مراكز بحوث وتطوير ودراسات عملية على أحدث الطرز، وتمدّها بأكفأ العاملين والخبراء والعلماء، وبأفضل وأحدث المعدات والتجهيزات. وتكلفها بتدريب خبراء وعلماء جُدد. وذلك في كافة المجالات الزراعية (نباتية كانت أو حيوانية)، بغية التحسين المتواصل لجودة المنتوجات وزيادة كمياتها، جنباً إلى جنب مع إبقاء استدامة الإنتاج نصب الأعين على الصعد كافة.


17) تنشئ الدولة مراكز تدريب، مركزية وميدانية، لإطلاع المزارعين وتدريبهم على استخدام أحدث العمليات والمعدات والتجهيزات في عالم الزراعة.


18) تبني الدولة السدود وتنشئ المرافق الأخرى اللازمة للاستفادة من مياه الأمطار وذوبان الثلوج إلى أكبر قدر ممكن في الاستخدامات المختلفة للمياه من شرب وسقاية للمواشي وريّ... الخ.


19) تؤسس الدولة المراكز والعيادات البيطرية (الثابتة والمتنقلة)، وتزودها بالأطباء والفنيين والموظفين الأكفاء الآخرين، وبالمستلزمات والأجهزة والمعدات، حسبما يلزم لرعاية الثروة الحيوانية في الدولة، ولمعالجة الأمراض والإصابات التي تقع في هذا القطاع المهم.


20) تقدم الدولة الرعاية اللازمة لقطاع الأسماك، لتطويره وتحسين إنتاجيته وإنتاجه وتنويعه، وكذلك قطاع تربية الأحياء المائية إن وجد، أو تؤسس المرافق اللازمة لاستحداثه.


21) تولي الدولةُ البيئةَ الطبيعية ما تستحقه من عناية فائقة، وذلك في كل نشاط أو عمل، سواء أكان في القطاع العام أو القطاع الخاص. وذلك من أجل عدم إفسادها، وصونها والمحافظة على استدامتها.


22) تولي الدولة مرافق المراعي الطبيعية العناية اللازمة، وتضيف إليها مراعي مستدامة، بما يكفي ويزيد عن حاجة الثروة الحيوانية في البلاد.


23) إنشاء مصانع أسمدة ومبيدات ولقاحات وعقاقير بأعلى المواصفات، وأكثرها أماناً للإنسان والنبات والحيوان والبيئة.


24) زراعة الأشجار المثمرة المناسبة مكان الأشجار الحرجية وأشجار ونباتات الزينة، في الغابات والشوارع والحدائق العامة والمتنزهات، حيثما كان ذلك مجدياً وممكنا.


25) ترويج وتشجيع إنشاء واستغلال الحدائق المنزلية في الريف والمدن على حدٍ سواء، وذلك من أجل المساعدة في الاكتفاء الغذائي الذاتي للأُسَر ما أمكن.


26) تأسيس وحدة في مصلحة الزراعة، وإمدادها بالموظفين المختصين، وتجهيزها بالمعدات والأدوات والأجهزة اللازمة، لرصد ومتابعة آخر المستجدات في مجالات العلوم والتكنولوجيا المتصلة بالزراعة في العالم، مما يقع تحت تصنيف "المدنية" فلا يخالف عقيدتنا أو أحكام ديننا. والتوصية باستيراد ما يلزم منها على شرط عدم تقييدنا بما يسمونه "حقوق الملكية الفكرية" و"براءات الاختراع" وما شابهها وتفرّع عنها. أو ربما استيراد مصنع الآلات والمعدات ذاته، واستئجار المهندسين والخبراء، حسب شروطنا، لتشغيله وتدريب موظفينا على التعامل معه، ثم تأسيس مصانع أخرى استنساخاً عنه.


27) توجيه ومراقبة تقيد الموظفين المهنيين والفنيين لدى الدولة بمواصلة تنمية قدراتهم ومهاراتهم الذاتية، ليكونوا دوماً على أرفع مستوى ممكن. ما يساعدهم، فيساعد الدولة، على تقديم الخدمات للرعية على أفضل صورة. إذ إن هذا الأمر واحدٌ من أوجه عظمة هذا الدين، وصور خيرية هذه الأمة، وتميُّز دولتها. وواحد من أساليب الدعوة للدخول في دين الله جل وعلا.


28) ضرورة تخصيص برامج، وفقرات، بل ولربما وسائل إعلام كاملة، مكرّسة لمعالجة الموضوعات الزراعية بصفة متواصلة وعلى نحو دائم.


29) ولا يفوتني، ولا ينبغي أن يغيب عن ذهن أي مسلم، أن نتوّج عملنا في مجال الزراعة، بل وفي كل المجالات، بطلب العون والتوفيق من الله عز وجل ومن إيماننا بصدقية قوله تبارك وتعالى ﴿ولو أَنَّ أَهلَ القُرى آمنوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض﴾.


ونلفت هنا إلى أن أصحاب الاختصاص، في المجالات الزراعية، وغير الزراعية الفنية، هم أعلم وأدرى بالتفاصيل والكيفيات الدقيقة اللازمة. وعندنا في بلاد المسلمين الكثير الكثير منهم، والحمد لله.


كما ونذكّر بأن دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة ستكون نقطة جذب محورية للعقول، خصوصاً المسلمة منها، في العالم. وذلك من خلال تطبيق الأحكام الشرعية في المجالات كافة. وما أكثر العقول المسلمة الهاربة بدينها والمهاجرة والتائهة حالياً في مغارب الأرض ومشارقها.


ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كل مسلم، وليس دولة الخلافة بكل أجهزتها فحسب، مسؤولٌ عن إنجاح الدولة، وإدامة هذا النجاح، بل وانتقالها من عَليٍّ إلى أعلى بإذن الله. وذلك من خلال القيام بكل ما يجب من أعمال، وإتقان هذه الأعمال، على اعتبار أنها عبادة. ما يعني أنه يجب علينا استحضار النيّة، والإخلاص، في أعمالنا جميعها، جنباً إلى جنب مع حسن الأخذ بالأسباب والسنن الكونية. على أن يكون ذلك كله في إطار العمل من أجل "الحُكم بما أنزل الله" سبحانه وتعالى. ويا له من عمل جليل وغاية سامية!


ما يعني أن دولة الخلافة ستكون، ويتعين عليها أن تكون، وذلك على الوجوب، خليّة نحل مباركة، تعمل وتعمل، وتُنتج، وتقدّم العسل الذي فيه "الشفاء" للناس، إلا مَن أبى. واللهُ معنا، ولن يتِرَنا أعمالنا. فقد قال سبحانه، وهو أصدق القائلين ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. هذا في الحياة الدنيا. ومعه في الآخرة: جناتٌ عرضها السماوات والأرض، وفوق ذلك كله، رضوانٌ من الله أكبر.


آملاً من الأخوة أن لا يبخلوا في تقديم رؤاهم وتصوراتهم واقتراحاتهم، كي تعمّ الفائدة، ونكون على بصيرة مما سيكون عليه الحال في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. واللهَ عز وجل نسأل أن يعجّل في قيامها، وأن يُنعم علينا بشرف المساهمة في تطبيق شرعه الحنيف. فنعيد البشرية للسير على طريق الهدى والنور من جديد.


وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو سعد / ولاية الأردن

 

 

 

إقرأ المزيد...
الاشتراك في هذه خدمة RSS

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع