- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سقوطُ مبدأ، وليس امبراطورية فقط
(مترجم)
الخبر:
في 3 كانون الثاني/يناير 2026، ألقت أمريكا القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية في كاراكاس. وأعلن ترامب أنّ أمريكا ستديرُ البلاد، وصرّح سفيره لدى الأمم المتحدة، مايكل والتز، قائلاً: "لا يمكن الاستمرار في امتلاك أكبر احتياطيات الطّاقة في العالم تحت سيطرة خصوم الولايات المتحدة". وبعد ذلك بوقت قصير، جدّد البيت الأبيض رغبته في استعادة غرينلاند من الدّنمارك، وأكدّ أنّ جميع الخيارات مطروحة، بما في ذلك استخدام القوة.
التعليق:
إنّ أحداث الأسبوع الماضي ليست بأيّ حال من الأحوال خروجاً عن أسلوب عمل الولايات المتحدة الاستعمارية أو الغرب عموماً. ومع ذلك، فهي ليست مجرّد فصل جديد في سلسلة طويلة من العدوان الأمريكي، بل هي تصعيد يائس لاستخدام القوّة لفرض الهيمنة الأمريكية، هذه المرة في نصف الكرة الغربي، وللمرّة الأولى، دون أي لبس أو مبرّرات زائفة.
لم تعد أمريكا ترى أي داع للاختباء وراء ذرائع زائفة كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي. يصعد الإمبراطور إلى المسرح عارياً تماماً، معلناً، حتى لحلفائه والدول الموالية في أوروبا أن "القوة هي الحق". عندما تصبحُ القوة مبرراً في حدّ ذاتها، يصبحُ كل مكسب حقاً مكتسباً إذا أمكن انتزاعه بالقوة المباشرة أو غير المباشرة، سواء أكان ذلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم في فنزويلا، أم غرينلاند أكبر جزيرة في العالم. وهنا يكمنُ الجانب اليائس لهذا التصعيد؛ إذا لم يكن لديك ما تقدّمُه للعالم سوى القوة الغاشمة، فماذا يتبقى لك سوى التّصعيد المستمر؟
بينما اتّسمت ردود فعل الدول الغربية تجاه فنزويلا بنوع من القلق الخافت، كانت ردود الفعل تجاه غرينلاند أشدّ حدة، لا سيما من الحكومة الدنماركية.
الدنمارك، التي ساهمت، لعقود طويلة بإخلاص، في الغزو الأمريكي ونهب واحتلال الدول، وخاصةً في البلاد الإسلامية، وأرسلت أبناءها إلى حتفهم من أجل أمريكا في العراق وأفغانستان، تُنادي الآن بالنظام الدولي والأخلاق!
في غضون ذلك، تذهبُ الولايات المتحدة في عهد ترامب إلى أبعد من ذلك لاختبار حدود التماسك الغربي عبر الأطلسي.
لكن في كثير من الأحيان، يُحلَّلُ الوضع بناءً على شخصية ترامب، متجاهلةً أنّ النظام والمجتمع في أمريكا نفسها، شأنه شأن النظام الغربي الدولي، قد تآكل بفعل التناقضات الداخلية واستقطبته صراعات ونزاعات داخلية مريرة على السلطة، ولم يتبقَّ سوى هيكل فارغ بلا أي توجه مبدئي يُقدمه للعالم.
إضافةً إلى هذا الانقسام الداخلي الغربي، وانعدام الثقة غير المسبوق في الأنظمة السياسية لدى شعوب الغرب، والواقع المرير للنظام العالمي الغربي الذي تقودُه أمريكا - والذي تجلّى بوضوح في الإبادة الجماعية في فلسطين، لشعوب العالم أجمع - فقد أفلست الرأسمالية، ونشهدُ سقوطها بأعيننا.
أما بالنسبة للأمة الإسلامية التي ينبغي أن تتحلى بنظرة عالمية وتشعر بالمسؤولية تجاه البشرية جمعاء، فقد حان الوقت لتتقدم مجدداً إلى الساحة الدولية وتقود البشرية نحو مسار جديد من العدل والرحمة الحقيقيين، استناداً إلى هدي الله.
إنّ ما نشهدُه اليوم من استبداد وخيانة وانقسام واضطراب هو تتويج لمائة وخمس سنوات من غياب دولة الخلافة التي تمثلُ الإسلام والمسلمين، والتي تُخرج الناس من الظلمات إلى النور. لن تستطيع ملء الفراغ الحضاري الواضح إلا الخلافة الراشدة، كما بشر بها النبي ﷺ، لترسيخ الكرامة ليس بالقوة فحسب، بل بالقيم الحقيقية، ومشروع حضاري عالمي للبشرية جمعاء، وأنظمة سياسية راسخة لا تخدُم نخبةً رأسماليةً جشعة عديمة الإنسانية.
عندما تتخذ الأمةُ الإسلاميةُ هذا النهج رسالةً لها في الحياة، ومساراً ثابتاً نحو التحرّر، يكون التاريخ قد بدأ بالفعل مساراً جديداً بعون الله.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إلياس لمرابط