- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
دبلوماسية الدول التركية في ظل توترات الشرق الأوسط
الخبر:
في 7 آذار/مارس 2026، عُقد اجتماع غير رسمي لمجلس وزراء خارجية منظمة الدول التركية في مدينة إسطنبول. وعلى هامش هذا الاجتماع، أجرى وزير خارجية أوزبيكستان، بخيتار سعيدوف، محادثات ثنائية مع كل من وزير الخارجية التركي، حقان فيدان، ووزير الخارجية أذربيجان، جيهون بايراموف.
التعليق:
وفقاً للبيانات الرسمية، ركزت المحادثات على الوضع الراهن في الشرق الأوسط وتداعياته على الأمن الإقليمي، مع التأكيد على ضرورة خفض التصعيد وحل النزاعات حصراً عبر القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي. كما جددت الأطراف التزامها الراسخ بتعزيز السلام والاستقرار.
تأتي هذه اللقاءات في وقت يشهد فيه المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط تحولات دراماتيكية. فمنذ منتصف عام 2025، أدت العمليات العسكرية التي شنتها أمريكا وكيان يهود ضد إيران إلى زعزعة التوازن الإقليمي بشكل خطير. ولعل الحدث الأبرز تمثل في الهجمات التي وقعت في أواخر شباط/فبراير 2026، والتي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.
وقد وصف رئيس أمريكا ترامب هذه التحركات بأنها جزء من سياسة تغيير النظام. وزعمت التصريحات الرسمية أن هذه العمليات تهدف إلى تقويض البرنامج النووي الإيراني، والحد من قدرات الصواريخ الباليستية، وقطع الأواصر مع القوى الوكيلة. ومع ذلك، يبدو أن هذا المسار يتجاوز حدود الشرق الأوسط، كونه يندرج ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لفرض نظام جيوسياسي جديد على مستوى أوراسيا بالكامل.
في هذا السياق، تكتسب الدعوات الصادرة عن منظمة الدول التركية بشأن خفض التصعيد وضمان الاستقرار أبعاداً سياسية خاصة. فإيران تمثل حلقة وصل جغرافية حيوية تربط بين الشرق الأوسط وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وتلعب دوراً محورياً في حوض الخليج وبحر قزوين وممرات النقل الدولية. لذا، فإن أي إضعاف لإيران أو تعرضها لعدم استقرار داخلي سينعكس مباشرة على توازن المنطقة الكبرى.
وتستغل تركيا هذا الوضع لتوسيع نفوذها بنشاط تماشياً مع مخطط أمريكا، حيث تسعى لتعزيز مكانتها كلاعب استراتيجي ليس فقط في الشرق الأوسط، بل وأيضاً في حوض قزوين والقوقاز وآسيا الوسطى. ويتجلى ذلك في انخراطها الفاعل في سوريا، وتعزيز التعاون العابر لبحر قزوين عبر أذربيجان وأوزبيكستان. ونتيجة لذلك، أضحى الشرق الأوسط ساحة للتنافس المحموم الذي يخدم مصالح أمريكا وحلفائها.
أما بالنسبة لدول آسيا الوسطى، ولا سيما أوزبيكستان، فإن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط يحمل تداعيات خطيرة على الصعيدين الاقتصادي والأمني. فمن جهة، تؤدي تقلبات أسواق الطاقة والارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية، ومن جهة أخرى، يؤدي تصاعد النزاعات العسكرية إلى زيادة تدفقات الهجرة وتنامي التهديدات الأمنية.
إن لقاءات إسطنبول، رغم تصويرها كجهود دبلوماسية لتعزيز التنسيق السياسي في بيئة جيوسياسية معقدة، إلا أن القراءات التحليلية تشير إلى أن أمريكا تنفذ جزءاً جوهرياً من استراتيجيتها عبر البوابة التركية. إذ يتم توظيف الدبلوماسية النشطة تحت شعار التعاون التركي كآلية جيوسياسية تخدم مصالح واشنطن، بحيث تُقدم الواقعية السياسية الجديدة لدول آسيا الوسطى تحت قناع التضامن التركي.
ومع استمرار حالة الغموض والتعقيد في الشرق الأوسط، تزداد مخاطر تعرض الأنظمة في آسيا الوسطى للضغوط الخارجية والمناورات الجيوسياسية. وتؤكد هذه العملية مرة أخرى أن المصير السياسي لبلاد المسلمين لا يزال يُصاغ ضمن دائرة التنافس بين القوى الدولية.
وفي الختام، تضع هذه الأحداث الشعوب المسلمة أمام تساؤل مصيري: هل سيستمرون في كونهم ضحايا لخدمة مصالح القوى الخارجية، أم سيتحركون بفاعلية نحو استعادة زمام القيادة في معترك الحياة عبر العمل للقضية المصيرية؛ وهي إقامة دولة الخلافة الراشدة؟ وتتجلى الإجابة على هذا التساؤل في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إسلام أبو خليل – أوزبيكستان