- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
"نادي المُطّلعين": لماذا تُعدّ أحدث فضيحة سياسية في المملكة المتحدة جزءاً من مشكلة أكبر بكثير؟
(مترجم)
الخبر:
بعد شهادة السير أولي روبنز أمام أعضاء البرلمان في 21 نيسان/أبريل 2026، تُتّهم الحكومة بجعل كبار موظفي الخدمة المدنية كبش فداء للتغطية على ضغوط داونينج ستريت المباشرة لتجاهل بروتوكولات الأمن القومي. وبكشفه عن التضحية بمسؤولين فعلياً لمحاولتهم إدارة طلب رئيس الوزراء بتعيين مسؤولين، فضح روبنز ثقافة تُعاقب بقسوة المهنيين لحماية "نادي المُطّلعين".
التعليق:
كشفت الفضيحة المستمرة التي تورط فيها السياسي البارز بيتر ماندلسون، ولو لفترة وجيزة، عن خبايا السلطة في المملكة المتحدة. وقد صُدم الكثيرون من هذا الخبر؛ إذ تجاهل مكتب رئيس الوزراء (داونينج ستريت) تحذيرات أمنية بالغة الخطورة من وزير مجلس الوزراء السابق، سيمون كيس، وضغط على أولي روبنز، كبير موظفي وزارة الخارجية، لتجاوز إجراءات التحقق الأمني المعتادة والموافقة على تعيين ماندلسون، الذي كان قد عُيّن بالفعل سفيراً للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة.
مع ذلك، بالنسبة للمتابعين عن كثب للسياسة البريطانية، لا يُعدُّ هذا خطأً عابراً، بل هو مثال واضح على تحوّل النظام السياسي البريطاني إلى نادٍ يخدم مصالح فئات معينة. فهذه المجموعة من المقربين، المؤلفة من سياسيين ومليارديرات ومالكي وسائل إعلام، تُركز على خدمة مصالحها الخاصة أكثر من خدمة الشعب البريطاني. وتُعدّ قضية ماندلسون خير مثال على ثقافة المقربين هذه. فاللورد ماندلسون شخصية نافذة في حزب العمال، لكن تاريخه مثير للجدل، بما في ذلك علاقاته السابقة بالمجرم الجنسي جيفري إبستين. لهذا السبب، حذّر خبراء الأمن رئيس الوزراء من أن تعيينه في منصب دبلوماسي رفيع يُشكّل مخاطرة، ومع ذلك، أصرّ على تعيينه. يُظهر هذا عقلية خطيرة؛ إذ يعتقد قادة الحكومة أنّ قواعد الأمن والنزاهة لا تنطبق على أصدقائهم.
لكن هذه المشكلة تتجاوز شخصاً واحداً. فقد استولت جهات مانحة ثرية وشركات كبرى على النظام السياسي البريطاني بأكمله. في بريطانيا، يحدث هذا بغضّ النظر عن الحزب الحاكم، والنفاق واضح للعيان. فعلى سبيل المثال، خفّضت حكومة حزب العمال الحالية مؤخراً المساعدات المالية التي تُساعد كبار السّن على دفع تكاليف التدفئة في الشتاء، مُدّعيةً أن البلاد لا تستطيع تحمّلها. وفي الوقت نفسه، تم ضبط سياسيين بارزين وهم يقبلون هدايا مجانية بمئات الآلاف من الجنيهات الإسترلينية، مثل الملابس الفاخرة والنظارات الباهظة الثمن، من رجال أعمال أثرياء. في مقابل هذه الهدايا، غالباً ما يحصل هؤلاء المانحون على امتيازات خاصة في قلب الحكومة، وهذا يخلق نظاماً يُباع فيه النفوذ.
يستخدم هذا النادي المُغلق أيضاً تكتيكاً يُعرف باسم الباب الدوّار. يحدث هذا عندما يترك سياسي مسؤول عن تنظيم قطاع معين كالرعاية الصحية أو الطاقة، منصبه الحكومي ويلتحق فوراً بوظيفة استشارية براتب عالٍ في شركة خاصة تعمل في القطاع نفسه. يستغل هؤلاء السياسيون معلوماتهم الحكومية وعلاقاتهم لمساعدة الشركات الخاصة على تحقيق المزيد من الأرباح.
كما نرى هذا الجشع في كيفية تمويل المباني العامة كالمستشفيات، فمن خلال نظام يُعرف بمبادرة التمويل الخاص، تقترض الحكومة أموالاً من البنوك الخاصة للاستثمار في المستشفيات. إلا أنّ العقود تُصاغ بشكل رديء للغاية، ما يجعل دافعي الضرائب يدفعون في النهاية ستة أو سبعة أضعاف التكلفة الأصلية. وهذا يُحوّل مليارات الجنيهات من أموال دافعي الضرائب إلى جيوب المستثمرين في الحيّ المالي بلندن، تاركاً المستشفيات تعاني من الديون وتقدم خدمات أقل جودة من ذي قبل.
حتى خلال جائحة كوفيد-19، تجلّت ثقافة المحسوبية هذه بوضوح. فقد مُنحت مليارات الجنيهات الإسترلينية من عقود حكومية لتوريد المعدات الطبية لأصدقاء ومقربين من السياسيين المحافظين الحاكمين آنذاك، عبر قوائم الأولوية، حتى وإن لم يكن لديهم أي خبرة في هذا المجال.
يحمي النظام نفسه من خلال ضمان إقصاء أي شخص يرغب حقاً في تغيير النظام. وقد رأينا ذلك جلياً في الجهود المنسقة لإسقاط زعيم حزب العمال السابق، جيريمي كوربين، الذي هددت سياساته أرباح وسلطة النادي. ولأنه أراد فرض ضرائب على أغنى 5% من السكان، وسحب الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء من القطاع الخاص، انقلب النظام بأكمله ضده فيما بدا وكأنه انقلاب ناعم.
لم يكن هذا مجرد خلاف سياسي، بل كان هجوماً متعدد الجبهات شمل الجيش والإعلام، وحتى مساعديه. فقد لجأ جنرال رفيع المستوى إلى الصحافة الوطنية مهدداً بتمرد إذا فاز كوربين في أي انتخابات، وهو ما يُعد خيانة عظمى. في الخفاء، شنّ مقر حزبه حملة سرية، أُطلق عليها اسم عملية آيسبك، لتخريب جهودهم الانتخابية، لأنهم فضّلوا الخسارة على نجاح شخص من خارج المؤسسة. في الوقت نفسه، غمرت وسائل الإعلام وأجهزة الاستخبارات الأخبار بتقارير تزعم أنه يُشكّل خطراً على الأمن القومي، بينما اعترفت الحكومة الأمريكية علناً بأنها ستبذل قصارى جهدها لمنعه من تولي منصب رئيس الوزراء. يُظهر هذا أن النادي لا يكتفي بحماية أصدقائه، بل يستهدف بلا رحمة أي شخص يحاول تمثيل مصالح عامة الشعب على حساب مصالح المليارديرات. تعمل وسائل الإعلام والجيش والبيروقراطية الحكومية معاً كحراس بوابة، لضمان عدم السماح إلا للمطلعين المُدقق عليهم الذين يتعهدون بعدم تغيير النظام بتولي السلطة الحقيقية. لهذه التكتيكات تاريخ طويل، وتُذكّرنا بسبعينات القرن الماضي عندما ناقش أعضاء في الجيش وأجهزة الاستخبارات انقلاباً لزعزعة استقرار رئيس الوزراء هارولد ويلسون والإطاحة به، والذي اعتبروه تهديداً للمؤسسة الحاكمة.
إن فضيحة ماندلسون قضية خطيرة، لكن لا ينبغي أن نركّز عليه وحده. فهو ليس سوى عرض من أعراض خلل أعمق. تكمن الفضيحة الحقيقية في نظام يدين فيه المسؤولون بالولاء لأصدقائهم وداعميهم الأثرياء على حساب الناس الذين يدّعون تمثيلهم. وطالما لم يُغلق هذا الباب الدوار ويُزال نفوذ المال من السياسة، ستستمر هذه الفضائح، ولأنّ المشكلة متأصلة في بنية الديمقراطية البريطانية والغربية، فلن يُغلق هذا الباب إلا بعد بزوغ فجر جديد من الأمل والعدالة من خلال عودة نظام الحكم الإسلامي إلى العالم.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. عبد الله روبين