Logo
طباعة
الحج: وحدة في العبادة، انقسام في الأمة!

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحج: وحدة في العبادة، انقسام في الأمة!

(مترجم)

 

 

الخبر:

 

يتوافد ملايين المسلمين من شتى أنحاء العالم إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج السنوية. يقف الحجاج من مختلف الأعراق والثقافات واللغات كتفا إلى كتف، مرتدين ثياباً بيضاء موحدة، يؤدون المناسك نفسها طاعةً لله تعالى. ويُجسّد هذا التجمع السنوي مجدداً الوحدة الروحية للأمة الإسلامية، متجاوزاً الفوارق المجتمعية والجنسية والعرقية.

 

التعليق:

 

لا يزالُ الحج أحد أعظم مظاهر الوحدة بين المسلمين. ففي كل عام، تجتمع الأمة الإسلامية في مكان واحد، وتتجه نحو قبلة واحدة، وتعبد إلهاً واحداً، وتؤدي الشعائر نفسها التي علمها النبي محمد ﷺ. إلا أنّ وراء هذا المظهر الاستثنائي للأخوة الروحية حقيقة مؤلمة: فبلاد المسلمين لا تزال تعاني من التشرذم السياسي والانقسام العميق.

 

فعلى الرغم من اشتراكهم في الدين نفسه، إلا أن المسلمين اليوم تفصل بينهم الحدود والقومية والأنظمة السياسية التي صنعها الاستعمار. وقد أدت هذه الانقسامات تدريجياً إلى إضعاف وعي الأمة الإسلامية، واستبدال الولاء للعرق والجنسية ومصالح الدولة بالأخوة الإسلامية. ونتيجةً لذلك، غالباً ما يستجيب المسلمون للأزمات العالمية لا كأمة واحدة موحدة، بل كدول منفصلة ذات أولويات متضاربة.

 

ويتجلى هذا الوضع بوضوح في استجابة البلاد الإسلامية للقضايا التي تؤثرُ على المسلمين في جميع أنحاء العالم. فمن المعاناة المستمرة في غزة إلى اضّطهاد مسلمي الروهينجا والصراعات في السودان، تمتلك الأمة الإسلامية أعداداً هائلة وموارد ضخمة، ومع ذلك لا تزال عاجزة عن العمل الجماعي بقوة سياسية حقيقية. توجد مشاعر التعاطف، والمساعدات الإنسانية متوفرة، والمظاهرات العامة تعمّ العديد من البلدان، لكن العمل الموحد الحقيقي لا يزال غائباً.

 

تكمن المأساة في أن الحج نفسه يملك القدرة على إحياء وعي أوسع بين المسلمين. فهو يجمع ملايين المؤمنين من شتى أنحاء العالم في مكان مقدس واحد، ما يتيح لهم أن يشهدوا عن كثب حال الأمة الإسلامية خارج حدود بلدانهم. إلا أن الحج اليوم اختُزل إلى حد كبير إلى مجرد شعيرة روحية، منفصلة عن الواقع السياسي والحضاري الأوسع الذي يواجه المسلمين في جميع أنحاء العالم.

 

وقد زاد صعود النزعة القومية والفكر الطائفي من تعميق هذا التشرذم. فالمسلمون ينظرون إلى أنفسهم بشكل متزايد من منظور المواطنة والانتماء العرقي بدلاً من منظور رابطة الإسلام. وتتناقض هذه المواقف مع أوامر رسول الله ﷺ، الذي وصف المؤمنين بأنهم جسد واحد يشعر الكل بألم أجزائه.

 

وقد أظهر التاريخ أن تجمع المسلمين خلال الحج كان يُثير مخاوف القوى الاستعمارية في الماضي لقدرته على توليد الوعي السياسي والوحدة بين الأمة. لم يكن تقسيم البلاد الإسلامية إلى دول قومية منفصلة مجرد تقسيم جغرافي، بل كان أيضاً تقسيماً فكرياً، ما أدى تدريجياً إلى تشكيل المسلمين إلى جماعات معزولة تهتم في المقام الأول بالمصالح المحلية والوطنية.

 

لذا، تواجه الأمة الإسلامية اليوم تحدياً بالغ الأهمية: تحويل الوحدة الروحية إلى وحدة سياسية جماعية حقيقية (الخلافة). لا ينبغي أن يقتصر دور الحج على تذكير المسلمين بعلاقتهم الفردية بالله سبحانه وتعالى، بل يجب أن يُذكّرهم أيضاً بمسؤوليتهم تجاه حال الأمة ككل. فبدون تجاوز الانقسامات التي أوجدتها القومية والطائفية والتشرذم السياسي، ستبقى الوحدة التي نشهدها خلال الحج رمزية لا مُغيّرة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. محمد – ماليزيا

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.