- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
لو كان الإمام البخاري حياً، هل كان سيسكت على فسادكم؟!
الخبر:
في إطار المنتدى الدولي للحضارة الإسلامية المنعقد في مدن طشقند وسمرقند وترمذ في الفترة من 7 إلى 11 تموز/يوليو 2026، عُقد مؤتمر دولي في 9 تموز/يوليو في مجمع الإمام البخاري التذكاري في سمرقند تحت عنوان "كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري - كتاب الأمة". وقد ألقى فيه خطاباتٍ علماءُ من أكثر من 50 دولة، ورئيس إدارة مسلمي أوزبيكستان المفتي نور الدين خالق نظر، وكذلك إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد، والمدير العام لمنظمة إيسيسكو سالم المالك، والعديد من الشخصيات البارزة الأخرى.
التعليق:
إن الإمام البخاري ليس مجرد شخصية تاريخية في نظر المسلمين، بل هو أحد علماء الإسلام الذين حفظوا سنة رسول الله ﷺ بأكثر الطرق موثوقية. كما نشأ في أراضي أوزبكستان الحالية مئات العلماء العظام. ومن بينهم الإمام الترمذي الشهير في علم الحديث، والزمخشري عالم التفسير، والخوارزمي مؤسس علم الجبر، والإمام الماتريدي مؤسس المدرسة الماتريدية في العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وبرهان الدين المرغيناني، والعديد من العلماء البارزين الآخرين.
ما هي المهمة الأساسية لمثل هذه المنتديات؟ هل هي حقاً تطوير المعرفة والوعي الإسلامي ونشر العلم؟ أم تعزيز الصورة الثقافية الدولية لأوزبيكستان؟ ربما كلاهما معاً. لِنُلقِ نظرة على هذه الأفكار.
في السنوات الأخيرة، غلب استخدام مصطلحات مثل "الإسلام المعتدل، والتسامح، والإسلام المستنير" في السياسة الدينية الرسمية لأوزبيكستان. ولهذا السبب، يتعمد بعض المتحدثين في خطاباتهم نشر مفاهيم مثل الوسطية أو ما شابه ذلك من الأفكار الدخيلة على الإسلام بين الناس. ولكن الفجوة كبيرة جداً بين اللقاءات الاحتفالية بالتراث الديني والواقع المعاش في المجتمع.
إذا كان كتاب "الجامع الصحيح" للإمام البخاري يُعترف به ككتاب الأمة، فلماذا لا تكاد أفكاره الأخلاقية والقانونية تُذكر عند مناقشة سياسة الدولة؟ ولماذا يُقدَّم تراثه أساساً كأثر تاريخي وثقافي، بينما لا تُطرح المشاكل الاجتماعية بعدالة؟ وإذا كان احترام تراثهم حقيقياً، ألا ينبغي أن يظهر هذا الاحترام في واقع حياة الناس وتطبيق قوانين المجتمع، وليس في أغلفة الكتب وفخامة المباني؟! فالإسلام ليس لمجرد القراءة في الكتب أو الثناء عليه في المنتديات، بل هو دين أنزله رب العالمين لينظم حياة الناس.
جدير بالذكر أن التعليم الديني للقاصرين محظور في أوزبيكستان، التي يشكل المسلمون 95% من سكانها. وبحسب ما صرح به رئيس دائرة الشؤون الدينية والتوعوية في الإدارة الرئاسية، مظفر كاميلوف، فإن مسألة توسيع فرص التعليم الديني لمن هم دون سن 18 عاماً في أوزبيكستان ما زالت قيد الدراسة حالياً. ووفقاً لقوله، يجري حالياً تحليل أسباب القيود القائمة وتقييم مدى الحاجة إلى إجراء تعديلات على التشريعات. وفي الوقت نفسه، تم التأكيد على أن أي قرار سيُتخذ تدريجياً، مع مراعاة مدى جاهزية المجتمع والأسر.
وفي شهري حزيران/يونيو وتموز/يوليو من هذا العام، نُظمت مهرجانات للبيرة وغيرها من الفعاليات الترفيهية. وتوسعت مجالات القمار الموجهة للشباب، وانتشرت منصات مختلفة، واشتدت الدعاية للخدمات المالية الربوية والقروض. ومثل هذه المفاسد يتم تنظيمها في المجتمع عمداً منذ سنوات كثيرة. والأمر المفرح هو أن كل واحدة من هذه الأمور أثارت جدلاً واسعاً بين المسلمين. ولكن لم يُلاحظ أي انتقاد علني وحاد من القيادات الدينية الرسمية في هذا الصدد!
وهنا يطرح سؤال طبيعي: ما سبب صمت العلماء؟ هل سبب صمت العلماء الرسميين في أوزبيكستان تجاه انتشار الفساد في المجتمع هو الحذر؟ أم التكيف مع سياسة الدولة؟ أم خوف موظفي الإدارة الدينية الشخصي من السلطة؟ وما هو السبب الرئيسي للصمت المطبق منذ قرابة ثلاث سنوات تجاه المجازر التي يتعرض لها أهل غزة على يد كيان يهود المفسد، وعدم إظهار وقوف مسلمي أوزبيكستان مع الأمة؟ أيعقل أن يكون منظمو تلك المنتديات قد نسوا أن العلم أمانة؟ ألا يعلم هؤلاء أن كتمان العلم، أو تبديله من أجل المنفعة، أو عدم قول الحق خوفاً، هو مسؤولية جسيمة؟!
فعندما تظهر الرذائل التي تهدد أخلاق المجتمع، يصبح بيان الحق والدعوة إلى الخير واجباً على جميع المسلمين. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد توصية عادية، بل هو أحد الركائز التي تحفظ حياة الأمة. ويجب على العلماء أنفسهم أن يكونوا في طليعة من ينهى المجتمع عن الفساد.
في العهد السوفيتي، فُرضت قيود صارمة على التعليم الديني، حيث أُغلقت العديد من المدارس الدينية، وصودرت الكتب الإسلامية، واضطُهد العلماء أو قُيِّد نشاطهم بشكل حاد. وقد تفاقم هذا الوضع بشدة في عهد الرئيس السابق كريموف، حيث زج نظامه القمعي بعشرات الآلاف من المسلمين المخلصين في السجون، وحكم عليهم بأحكام جائرة، وقضى الآلاف منهم نحبهم تحت التعذيب. وبعضهم ما زال يقبع في زنازين الظالمين منذ قرابة ربع قرن. ألم يحن الوقت لإطلاق سراحهم؟!
لقد كانت عداوة كريموف للإسلام شديدة جداً، فقد أغلق آلاف المساجد وحوّل بعضها إلى أماكن ترفيهية، بينما جعل بعضها الآخر مساكن أو أماكن عمل للسكان. ومعظمها ما زال مغلقاً وفي حالة خراب حتى يومنا هذا. وكل هذا بالطبع معلوم لدى الإدارة الدينية التي تنظم المنتديات الفخمة وتبني المباني الشاهقة! قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا﴾.
لماذا لا ينشأ في هذه البلاد مجدداً محدثون بمستوى الإمام البخاري، أو فقهاء مثل الإمام الماتريدي أو المرغيناني؟ إذا كانت الحكومة الأوزبيكية تريد حقاً تطور الإسلام ونشوء علماء بارزين، فلا ينبغي لها أن تكتفي بمجرد تمجيد أسمائهم، بل يتعين عليها تغيير النظام التعليمي بالكامل، وإفساح المجال للعاملين على إعادة الإسلام الحقيقي إلى واقع الحياة.
إننا في حزب التحرير نبين بوضوح، لشعب أوزبيكستان ولمسلمي آسيا الوسطى، طريق الخروج من ظلمات الديمقراطية إلى نور الإسلام، ونقتصر في نشاطنا على الصراع الفكري والسياسي فقط! وإن اتهام النظام الأوزبيكي لنا بـ"الإرهاب أو التطرف" واتخاذنا عدواً له هو خطأ سياسي فادح. بل على العكس، إذا كف النظام عن عرقلة الإسلام ودراسته، والنشاط السياسي الإسلامي على وجه الخصوص، فإنه بذلك سيفتح بلا شك الطريق لنهضة شعب أوزبيكستان وارتقائه الفكري. فأساس أي تقدم هو الارتقاء الفكري.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إسلام أبو خليل – أوزبيكستان