- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
تخوفات أوروبا الاستراتيجية
أزمة طاقة وغذاء عالمية أم تداعيات لعبث لأمريكا؟
الخبر:
أوروبا تترقب والناتو يتأهب.. تصعيد روسي محتمل يقلق القارة العجوز. (إرم نيوز).
التعليق:
تحركات أوروبية ودعوات استعداد لحالة طوارئ قد تصيب القارة العجوز والعالم. فهل هذه الاستعدادات تخص حرباً محتملة مع روسيا، أم أن نطاق الحرب الأمريكية الإيرانية في طريقه للتوسع؟
في الواقع، إن الحديث عن خوف أوروبا من اجتياح روسي مباشر يبدو غير دقيق ولا يعقل؛ فموسكو متورطة حتى النخاع في حرب أوكرانيا التي لا تجد لها حلاً أو مخرجاً، وهي عاجزة أساساً عن مواجهة حلف الناتو (دعك من التهديد بالردع النووي). فروسيا تلقّت ضربات موجعة بأكثر من 2600 مسيّرة استهدفت عمقها ومنشآت حيوية كمصافي النفط ومصانع الطائرات، وقبل ذلك تم تدمير طائراتها الاستراتيجية العملاقة (فخر الصناعة الروسية!).
هذا الواقع دليل قاطع على ضعف روسيا وهوانها، وخوفها من نتائج حرب أنهكتها وأرهقت اقتصاد أوروبا، وأخافت بكين في الوقت ذاته من تقديم يد العون لها خشية عقوبات أمريكا الصارمة. فمن الواضح أن روسيا وأوروبا والصين تعلم أن مفاتيح هذه القضية بيد أمريكا وحدها، فمتى رأيت أمريكا سحبت جيشها من حلف الناتو وأوروبا، فحينها يمكن الحديث عن حرب ضروس على الساحة الأوروبية؛ أما خلاف ذلك فليست روسيا مؤهلة لأكثر من محاولة الصمود قبل الانكسار، خصوصاً مع الدعم الضخم المقدم لأوكرانيا، ولجوء روسيا نفسها لطلب المدد من إيران وكوريا الشمالية.
إذن، ما الذي تخشاه أوروبا حقاً؟ إن الخوف الأكبر والأعظم للقارة العجوز يكمن في ضعف اقتصادها، واقتراب فصل الشتاء، وانقطاع إمدادات الطاقة من الخليج وإيران وروسيا، ما فاقم الأزمات وتسبب بخسائر لا حصر لها؛ فقد أُغلق نحو 1,094,000 مصنع وشركة ومشروع في ألمانيا وحدها، ما ألقى بعشرات الآلاف من العمال في الشوارع، بينما يُغلق يومياً 634 مصنعاً في مختلف أنحاء أوروبا. يضاف إلى ذلك انقطاع الأسمدة الموردة من السعودية والمنطقة الخليجية، والذي سيكون له أثر بالغ الخطورة على الموسم الزراعي.
كل هذه التحركات وهذه الأزمات تعود إلى جذور حرب أمريكا على إيران، والتي لم تحقق لها أهدافها، وعلى رأسها إعادة صياغة الشرق الأوسط وجعله حديقةً خالصة لها دون دول العالم. وفي حقيقتها، لم تكن هذه الحرب موجهة ضد إيران بالذات؛ فتاريخياً لم تتخلف إيران عن خدمة مصالح أمريكا والسير في ركابها، فقد ساعدتها في أفغانستان والعراق، وفتحت دول الخليج أمامها لتلوذ بعباءتها وتبني القواعد العسكرية وتحكم قبضتها على مفاصل الاقتصاد وطاقة المنطقة. ومن خلال ذلك، تتحكم بموارد الطاقة وطرق إمداداتها التي تغذي الدول الصناعية والتجارية المنافسة لها، مثل روسيا والصين وأوروبا.
أما أوروبا، التي بدأت تطلق صرخات التحذير وتستعد لأزمة غذاء وطاقة وتطالب شعوبها بـ"شد الأحزمة"، فيتضح من خلال ذلك مدى هشاشتها وضعفها وعجزها عن اتخاذ القرار الصائب بالانفكاك عن التبعية لأمريكا والخروج من عباءتها، رغم اعتراف قادتها بأن أمريكا هي المتسببة بالأساس في هذه الأزمات المفتعلة. لذلك، فإن إعلان الاستنفار ومطالبة الشعوب بتخزين الماء والطعام هو استعداد حقيقي لنتائج نقص الموارد وتوقف سلاسل التوريد.
إن ما يعانيه العالم جراء هذه الحرب - من انقطاع إمدادات الطاقة وارتفاع أسعارها واختفاء السماد - ينذر بأزمة غذاء وتسونامي اقتصادي سيهز العالم، ولن يسلم منه أحد، حتى أمريكا نفسها. فأمريكا باتت تعجز عن إيجاد مخرج سوى بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة على أرض إيران، وهو خيار يحذر منه كبار القادة العسكريين؛ حيث لوح رئيس هيئة الأركان الأمريكية بالاستقالة إن اتخذ ترامب قرار الحرب البرية، مؤكداً أنه سينزل إلى الشوارع لكشف خطورة مثل هذه الخطوة وتداعياتها الكارثية. فأمريكا تعاني كبقية الدول من تذمر شعبي عارم قد يعصف بالحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
سالم أبو سبيتان