- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
إشارة جديدة على تعفّن الحضارة الرأسمالية
الخبر:
منذ ١٧ أيلول/سبتمبر الماضي تشهد فرنسا احتجاجات للطلّاب الثانويين والجامعيين، بلغت حدّ الشغب والمواجهات العنيفة مع الشرطة. انطلقت شرارتها الأولى من المدارس الثانوية في الضواحي المحرومة في باريس قبل أن تتّسع لتشمل مئات المدارس والجامعات في مختلف أنحاء البلاد. وتتلخّص الأسباب الرئيسة وراء هذا الحراك الطلابي الحاشد في:
النقص الحاد في المعلمين، ما أدّى إلى إلغاء العديد من الحصص والمناهج الدراسية، وتأخّر الطلاب في تحصيل موادّهم لأسابيع.
تداعي البنية التحتية وإهمال الصيانة، مثل مشكلات التدفئة، وتسرّبات المياه، وانتشار الجرذان وسوء النظافة.
اكتظاظ الفصول الدراسية، حيث تكدّست أعداد كبيرة من الطلاب داخل الفصول، تصل إلى ٣٥ طالباً في الفصل الواحد.
الفوارق الجغرافية والطبقية، إذ يشعر الطلّاب في المناطق الأقلّ دخلاً بوجود فجوة تمويلية واضحة وتمييز في الإمكانيات مقارنة بمدارس الأحياء الثريّة.
التعليق:
مثل هذا المشهد اعتاد المتابعون لأخبار العالم أن يشهدوه فيما يعرف بدول العالم الثالث التي لطالما عانت من عجز ميزانياتها العامّة، جرّاء تردّي أحوالها الاقتصادية، لأسباب كثيرة لا يسع المقام ذكرها، ولكنّ أهمّها هو خضوع هذه الدول للهيمنة الاستعمارية التي تنهب ثرواتها وتشجّع الفساد المالي فيها. ولكن، ليس من المعتاد أن نشهد مشهدا كهذا في الدول الاستعمارية الناهبة لثروات الشعوب. إذ لطالما نعمت هذه الدول بالأموال التي تنهبها، وانعكست رخاءً ولو نسبيا على شعوبها التي تريد لها أن تبدو نموذجا للرخاء الاقتصادي والتقدّم المدني. والأعجب في المشهد أن نراه في دولة لطالما قدمّت نفسها مثالا يحتذى في مجال الثقافة والتعليم، وصوّرت نفسها صاحبة الرسالة الثقافية الرائدة منذ الثورة الفرنسية الكبرى، فإذا بطلّابها يرفعون الصرخة احتجاجا على تردّي مدارسهم.
أين ذهبت المليارات التي تجنيها فرنسا من استعمارها العريق لعدد من أثرى الأراضي في أفريقيا؟! أين ذهبت أموال استثماراتها الضخمة في أنحاء العالم؟! بل أين ذهبت ثروات أرضها نفسها التي لو أُحسنت إدارتها وتوزيعها لكفت أكثر من حاجات شعبها؟!
سيقول قائل إنّ الوضع الاقتصادي اختلّ في فرنسا وسائر أوروبا منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية ومعها نشوء أزمة نقص الغاز وارتفاع أسعاره، ثمّ تفاقمت مع ارتفاع أسعار النفط في العالم بسبب أزمة مضيق هرمز. والحقيقة أنّ هذه ليست سوى الأسباب المباشرة للأزمة المالية في فرنسا وسائر الدول الرأسمالية. فدولة من أثرى دول العالم، مثل فرنسا، ينبغي أن تتجاوز أزمة ارتفاع أسعار الطاقة بسهولة بما تملك من فائض الثروة. ولكنّ مشكلة هذه الدول الكأداء هي في نظامها الاقتصادي الفاسد، الذي يعرف كيف يضخّم الثروة وينهبها من بلاد الآخرين من طريق الاستعمار، ولكنه لا يلتفت إلى حسن إدارتها وعدالة توزيعها، لأنّها بكلّ بساطة ليست لعموم الناس، وإنّما هي ثروة حيتان المال الذين لا يقف جشعهم عند حدّ، ولا ينظرون إلى سائر الشعب داخل حضارتهم ودولهم نفسها إلّا بصفتهم أعدادا من المستهلكين والموظّفين والعمّال الذين يشكّلون جزءا من منظومتهم المالية والاستثمارية، لا بوصفهم شركاء حقيقيين في ثروات البلاد. ولندع بعض الأرقام تتكلّم، من خلال الإحصاءات الرسمية الفرنسية نفسها:
تشير مسوح المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء إلى أنّ النصف الأفقر من الشعب الفرنسي (أو ٥٠٪ من الأسر الأقلّ ثروة) لا يمتلك سوى حوالي ٥٪ فقط إجمالاً من ثروة البلاد.
شريحة أثرى ١٠٪ من الأسر تستحوذ وحدها على النسبة الكبرى من إجمالي الثروة الصافية في فرنسا (تتراوح التقديرات الرسمية والدولية بين ٥٤٪ إلى ٥٦٪ من إجمالي ثروات البلاد).
شريحة كبار الأثرياء جداً أعلى ١٪ تمتلك وحدها حوالي ربع إجمالي الثروة الوطنية.
هذه الأرقام دليل دامغ على أن تقشّف الدولة في الإنفاق على أهمّ ضرورياتها ليس ناجما من قلّة الموارد المالية، ولكن من نهب حيتان الرأسمالية لهذه الموارد، ووحشية النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يلتفت إلى تضخيم ثروات البلاد، لا إلى حسن إداراتها وتوزيعها على الشعب، إلى درجة أنّ وبال هذا النظام بات لا يقتصر على شعوب البلاد المستعمَرة، ولكنّه شمل بوحشيته شعوب الدول المستعمِرة نفسها.
مشكلة العالم كلّه اليوم أنّه - من حيث يدري أو لا يدري - ينتظر النظام الاقتصادي العادل الذي يحسن توزيع الثروات وينقذها من وحشية الرأسمالية، ولكنّه لا يدري أنّ هذا النظام كامن في الشريعة الإسلامية، وأنّ تطبيق هذه الشريعة ينتظر أن يقيم المسلمون دولتها لترفع شأنهم، ومن ثمّ شأن كلّ من يشملهم نظام الإسلام بعدله. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أحمد القصص
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير