- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
الأمم المتحدة أداة من أدوات الصراع الدولي وبسط النفوذ
الخبر:
اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم 2830 لعام 2026، يوم الخميس 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026، لتمديد نظام العقوبات المفروض على السودان بموجب القرار رقم 1591، لمدة شهرين إضافيين، حتى 11 كانون الأول/ديسمبر 2026.
ومن أبرز بنود القرار:
تمديد حظر الأسلحة: الإبقاء على حظر توريد الأسلحة وتدابير العقوبات المستهدفة، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر السفر، مقتصرةً جغرافياً على إقليم دارفور، دون توسيع نطاقها ليشمل كامل الأراضي السودانية.
رفض المقترح الأمريكي: جاء القرار بعد فشل تمرير مسودة تقدمت بها أمريكا، كانت تهدف إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء السودان، إلى جانب معالجة استخدام الطائرات المسيّرة.
معارضة مقترح التوسيع: عارضت المقترح دولٌ من بينها روسيا والصين وباكستان، إضافةً إلى الدول الأفريقية غير دائمة العضوية في المجلس.
لجنة الخبراء: نص القرار على تمديد ولاية فريق الخبراء المعني بمراقبة تنفيذ العقوبات حتى 11 كانون الثاني/يناير 2027.
التعليق:
تُعدّ هيئة الأمم المتحدة، منذ تأسيسها عام 1945، ساحةً رئيسية لإدارة الصراعات الدولية وأداةً توظفها القوى الكبرى لتحقيق مصالحها الجيوسياسية، أكثر من كونها سلطةً مستقلة لفض النزاعات. كما أن هيكلها وآليات اتخاذ القرار فيها جعلاها مرآةً تعكس موازين القوى الدولية.
أما مجلس الأمن الدولي، فهو القناة الأبرز للصراع والتنافس بين الدول؛ إذ تستخدم الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو) لتعطيل أي قرار يتعارض مع مصالحها أو مصالح حلفائها، الأمر الذي يحوّل المجلس أحياناً إلى أداة للشلل السياسي بدل أن يكون وسيلةً لحل الأزمات.
كذلك تُستخدم الجمعية العامة للأمم المتحدة لحشد التأييد العالمي وبناء جبهات سياسية ضد أطراف معينة، حيث يظهر الاستقطاب الدولي بوضوح في مواقف الدول وتصويتها على القرارات.
وتسعى القوى الكبرى أيضاً إلى استصدار قرارات من الأمم المتحدة لإضفاء صبغة "الشرعية الدولية" على سياساتها الخارجية، أو توظيف منصاتها لإدانة الخصوم وعزلهم دبلوماسياً، وفرض العقوبات الاقتصادية عليهم.
وهذا هو عين ما يجري في السودان اليوم؛ فمنذ الأسبوع الثاني لاندلاع الحرب في السودان، أعلنت أمريكا أن هذه الحرب لا يمكن حسمها عسكرياً. وها هي الحرب تدخل عامها الرابع، وما زالت أمريكا متمسكة بموقفها الداعي إلى فرض هدنة.
ويأتي ذلك في سياق تحركات سياسية متزامنة مع نشوء كيان سياسي موازٍ في دارفور، وهو ما قد يساعد في تنفيذ مخطط فصل الإقليم، الذي تعثّر بعد انكشافه أمام أهل السودان، ورفضهم له. وقد دفع ذلك، الولايات المتحدة إلى ممارسة مزيد من الضغوط على السودان لتغيير موقفه.
فمنذ حصار مدينة الأبيض، أخذت الضغوط الاقتصادية والمالية تتزايد، وصولاً إلى منع البرهان من دخول أمريكا، وأخيراً وليس آخراً، جاءت هذه التطورات في أعقاب نجاح الجيش في التقدم غرباً والاقتراب من دارفور.
وفي هذا السياق، دفعت أمريكا باتجاه مشروع لتوسيع حظر الأسلحة ليشمل السودان كله، مع طرح مسألة الطائرات المسيّرة، في خطوة نرى أن هدفها تقييد حركة تقدم الجيش، وفرض الهدنة التي تُقدَّم زوراً، باعتبارها هدنة إنسانية، بينما يُراد لها أن تؤسس للاعتراف بالكيان السياسي الموازي، وأن تكون خطوةً متقدمة في مخطط تقسيم السودان.
إن مخطط تقسيم بلاد المسلمين ليس بجديد، فاتفاقية سايكس بيكو أسهمت في رسم حدود التقسيم، التي بدأت سرية، ثم جاءت عصبة الأمم لتمنح نظام الانتداب غطاءً قانونياً، استناداً إلى المادة 22 من ميثاقها، وما أُقرّ في مؤتمر سان ريمو عام 1920، بما أسهم في تكريس واقع التجزئة وإضفاء طابع قانوني عليه.
وما إن جاءت منظمة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم، حتى غدت تلك الحدود، التي رُسمت في سياقات استعمارية، واقعاً سياسياً راسخاً، تُصان بموجبه الحدود القائمة، بينما يدفع المسلمون أثماناً باهظة من دمائهم وأمنهم واستقرارهم في صراعات تغذيها الانقسامات والتدخلات الخارجية.
وها هي أمريكا، تتبنى اليوم سياسات تؤدي إلى تقسيم المقسَّم، بما يجعل السيطرة على أجزاء البلاد الإسلامية ونهب ثرواتها أكثر سهولةً وأقل كلفة.
إن هذا التمزيق للأمة الإسلامية، التي أرادها الله أمة واحدة، كان من أسباب ضعفها وتراجع مكانتها بين الأمم، حتى غدت في ذيلها، بعد أن كانت جديرةً بالريادة والشهادة على الناس.
إن عالم السياسة والنظام الدولي لا يمنحان الضعفاء مكانةً لمجرد استحقاقهم لها؛ فالقوة هي التي تفرض الحضور وتحمي المصالح. ولا سبيل إلى استعادة القوة إلا بأن نكون أمةً موحّدة، ولا تقوم للأمة قائمةٌ إلا بكيان سياسي يجمع شملها، ويوحّد قرارها، ويحفظ مصالحها.
فهلّا حزمنا أمرنا، وعملنا على استعادة وحدتنا ومكانتنا، وحققنا وعد ربنا وبشارة نبينا محمد ﷺ.
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس حسب الله النور – ولاية السودان