- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
التكنولوجيا: بين ما تفعله بنا وما نفعله بها
مقدمة
لم يعد من السهل على الإنسان اليوم إتمام قراءة كتاب، بل لم يعد قادراً على الجلوس مع نفسه دقائق معدودة دون أن تمتد يده إلى هاتفه. لم يعد التركيز حالة طبيعية، بل جهداً استثنائياً، فلم يعد السؤال اليوم: ماذا نفعل بالتكنولوجيا؟ بل أصبح، على نحو أكثر إلحاحاً وخطورة: ماذا فعلت بنا التكنولوجيا حتى جعلتنا نعيش هذا التحول الغريب في علاقتنا بمن حولنا بل وبأنفسنا؟
وإذا كان هذا التحول يبدو في ظاهره متعلقاً بالفرد وسلوكه اليومي، فإن امتداداته الحقيقية تتجلى بوضوح فيما يشهده العالم من صراعات متسارعة. فالحروب اليوم لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل بالمعلومات، عبر الصور والفيديوهات، وعبر الخوارزميات التي تقرر ما يُرى وما يُخفى، وما يُضخَّم وما يُهمَّش.
ففي زمنٍ لم يعد فيه التفوق العسكري وحده أداة الهيمنة، ولا الاقتصاد وحده معيار القوة، يتشكل نمط جديد من السيطرة، أكثر هدوءاً وأعمق أثراً. اجتياح للعقول واستمالة للغريزة، وسيطرة لا تُفرض بالقوة، بل تتسلل عبر الشاشات؛ لا تُدرك في لحظتها، بل تتراكم حتى تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، فكرا وميلا وسلوكا. نحن لا نعيش إذن في عالم رقمي محايد، بل داخل نظام مُحكم، صُمّم بعناية لإعادة تشكيل انتباهنا وسلوكنا وهويتنا ونمط عيشنا ونظم حياتنا.
في هذا السياق، لا تكون المنصات مجرد وسائل نقل للخبر، بل أدوات لإعادة ترتيب سلم القيم وتحديد المقاييس وضبط المفاهيم (وفي مقدمتها مفاهيم العقيدة)، وهي كذلك أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه الرأي العام، وصياغة السرديات الكبرى التي تحدد من هو الضحية ومن هو المعتدي، ومن يستحق التعاطف ومن يُدفع إلى الهامش، ومن الجدير بالنصر ومن يُفضي إلى الهزيمة. وهكذا، يصبح التحكم في تدفق المعلومات جزءاً لا يتجزأ من موازين القوة، لا يقل أهمية عن التفوق العسكري أو الاقتصادي. هنا تفتق ذهن الغرب عن سلاح جديد يريد من خلاله أن يكتب لنا التاريخ ويرسم لنا الجغرافيا.
الذكاء الاصطناعي وتوجيه السلوك
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح عنصراً فاعلاً في معركة الوعي، بفضل قدرته على تحليل البيانات والتنبؤ بالسلوك. فهو لا يقرأ النوايا بقدر ما يقرأ الأنماط، ويعيد تركيب الاحتمالات بناءً على البيانات السابقة، ما يجعل الإنسان يتحول إلى "بصمة رقمية" قابلة للتوقع.
وعلى هذا السلاح تراهن القوى الكبرى في صراعها الحضاري لإنتاج وعي مزيف من خلال دراسة وتحليل الاتجاه السلوكي الجماعي للشعوب عبر هذه الأدوات، ثم إخراج الأمور عن وضعها الحقيقي والطبيعي لتزداد غموضا فيتعطل بذلك التفكير أو يصبح غير منتج. وضمن هذه المراهنة يُستهدف كل تفكير يُفضي إلى التغيير.
وتظهر هذه العملية بوضوح في أنظمة التوصية التي تقترح المحتوى وفق ميول كل مستخدم، بحيث تبدو الخيارات حرة، بينما هي في الحقيقة محكومة ببيئة رقمية صُممت لتوجيه الانتباه وتعزيز أنماط سلوكية معينة. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"الإنسان القابل للتنبؤ"، أي الإنسان الذي يُوجَّه دون إكراه مباشر، عبر خوارزميات تحدد سقف الممكن وتعيد تشكيل شروط الحرية نفسها.
وتُعد فضيحة "فيسبوك-كامبريدج أناليتيكا" مثالاً بارزاً على ذلك، حين استُخدمت البيانات الشخصية لملايين المستخدمين في الدعاية السياسية دون موافقتهم، ما كشف حجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه شركات التكنولوجيا على الرأي العام.
وفي السياق نفسه، عززت المنصات الرقمية ما يسميه آلان دونو "نظام التفاهة"، حيث أصبحت قيمة الأفكار تُقاس بسرعة انتشارها وعدد التفاعلات، لا بعمقها الفكري. وهكذا تحوّل "اقتصاد المعرفة" إلى "اقتصاد الانتباه"، وغلبت الإثارة والغريزة وإشاعة الفاحشة على الفكر والمعنى وصناعة الوعي.
الفضاء الرقمي ومعركة الوعي
أصبحت السيطرة على الفضاء الرقمي مسألة وجودية بالنسبة إلى المجتمعات. فكل أمة لا تمتلك أدواتها الرقمية ولا تتحكم في فضائها المعلوماتي تجد نفسها داخل سردية يكتبها غيرها، فتُختزل قضاياها وتُعاد صياغة هويتها وفق مرشحات لا تملكها.
فما كشفته أحداث غزة على سبيل المثال ليس فقط اختلال موازين القوة، بل اختلال في بنية الوعي ذاته، حيث يغدو الإنسان محاطاً بكل شيء، فاقداً للاتجاه، حاضراً في المشهد، غائباً عن الفعل، فيتحول مع الحضور الرقمي المكثف من فاعل محتمل إلى مشاهد دائم، تتراكم لديه المعلومات يوميا دون أن تتحول إلى فكر وإدراك موجّه، فيفقد الاتجاه رغم وفرة الإشارات، وينفصل الفكر عن الشعور ويعيش حالة من التيه الرمزي الذي يعكس فقدان البوصلة الجماعية.
ولذلك لم تعد المعركة على الحدود والموارد فقط، بل على الرواية وتعريف الحقيقة نفسها. فكل منصة تحمل ضمنياً رؤية للعالم، وتنحاز - بشكل مباشر أو غير مباشر - إلى النموذج الغربي الرأسمالي. ومن هنا ظهرت أدوات مثل الإعلان الممول، والاستهداف الدقيق، والفلترة، والحجب، وتقليل الانتشار، بما يسمح بعزل أفكار معينة وتضخيم أخرى.
ويفسر غوستاف لوبون، في "سيكولوجية الجماهير"، كيف تُستخدم العاطفة والتكرار لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، غير أن هذه الآليات أصبحت اليوم أكثر قوة بفضل الخوارزميات القادرة على تخصيص التأثير وتضخيمه، ما يحول الشعوب المستهلكة إلى جمهور يُعاد تشكيله إدراكياً داخل فضاء رقمي مصمم بعناية.
صيحة فزع من الغرب لاسترجاع "الانتباه" المسلوب
حذّر عدد من المفكرين الغربيين من خطورة هذا التحول وأطلقوا صيحة فزع تجاهه لا يمكن اختزالها هنا. ففي كتابه "تجار الانتباه"، يشرح القاضي الأمريكي تيم وو، كيف أصبحت الشركات لا تبيع السلع بقدر ما تشتري انتباه البشر وتبيعه للمعلنين. فالإنسان لم يعد مجرد مستهلك، بل أصبح مورداً اقتصادياً، وكلما طال بقاؤه داخل المنصات زادت قيمته.
أما الكاتب البريطاني يوهان هاري، في كتابه "الانتباه المسلوب"، فيرى أن الإنسان لم يفقد تركيزه بإرادته، بل سُرق انتباهه داخل بيئة رقمية تُجزّئ وعيه باستمرار. وهكذا يتشكل عقل سريع ومتفاعل، لكنه مشتت وعاجز عن التعمق، يرى أكثر لكنه يفهم أقل.
كما أظهرت أبحاث سوني ليمان المنشورة سنة 2019 في مجلة Nature Communications أن "الانتباه الجماعي" أصبح أقصر من السابق، حيث ينتقل الرأي العام بسرعة من حدث إلى آخر، بما يعكس تراجع القدرة الفردية والجماعية على التركيز وسط التدفق المتسارع للمعلومات.
وفي كتابها "عصر رأسمالية المراقبة"، تشرح شوشانا زوبوف كيف تحولت البيانات إلى مادة خام للتنبؤ بالسلوك البشري وتوجيهه. فشركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google وMeta لم تعد مجرد وسطاء معلومات، بل بنى خفية تعيد تنظيم الانتباه والسلوك، بحيث يصبح الزمن الذي نقضيه داخل المنصات هو مصدر الربح الحقيقي.
الفضاء الإلكتروني كفاعل جيوسياسي
لا تظهر خطورة هذه التحولات في الفرد فقط، بل في مصير المجتمعات. فحين يُعاد تشكيل الذوق العام ويُختزل التفكير في ردود فعل سريعة، يفقد الإنسان قدرته على الفعل، لأن الفعل يحتاج إلى وعي متماسك وزمن للتفكير والربط.
وهكذا تتحول التكنولوجيا إلى أداة لإنتاج "ذاكرة قصيرة" للشعوب، تُبرمج ما تتذكره وما تنساه، حتى تذوب الهويات داخل سرديات العولمة الرأسمالية. وفي هذا السياق أصبحت المنصات الرقمية فاعلين جيوسياسيين حقيقيين، وساحة المعركة هنا هي عقولنا. ويتضح ذلك في الجدل العالمي حول منصة "تيك توك"، حيث لم يعد السؤال تقنياً بل سيادياً: من يملك المنصة يملك القدرة على تشكيل الرأي العام.
كما كشفت قضية "واتساب" ضد شركة NSO هشاشة الفضاء الرقمي، بعدما استُخدمت ثغرات تقنية لاختراق هواتف صحفيين ونشطاء ومسؤولين في عشرات الدول، ما أبرز أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على البيانات والوعي والسرديات.
هنا، يحضرنا تصريح القائدة السابقة في استخبارات كيان يهود إيلا كينان حين أكدت في مؤتمر يهودي أنها تدير عملية تأثير من تل أبيب تعمل مع "أكثر من 60 ألف شخص حول العالم لجعل محتواهم ينتشر بشكل واسع ليصل إلى نحو 3 مليارات مشاهدة"، وأضافت أنها هي من ابتكرت شعار "حماس هي داعش" بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتم الترويج له إلى حد أنه "وصل حتى إلى بايدن".
خطر فقدان الذاكرة الجماعية عند المسلمين
إن الحالة الانسيابية التي صنعها الإسهال الإعلامي الرأسمالي، تجعل القدرة على التمييز تتراجع بين المهم والثانوي، وبين المعنى والضجيج، فيتحول الوعي الجماعي إلى حالة من السيولة المعرفية، حيث كل شيء حاضر في اللحظة، لكنه قليل الثبات في الذاكرة، وبدل الوعي العام بالإسلام عقيدة ونظاما وبقضاياه المصيرية، نجد أنفسنا أمام حالة من فقدان الذاكرة الجماعية أمام هذا الضخ الإعلامي الرهيب الذي ينسينا من نحن كأمة، وهذا هو عين ما حذر منه المولى سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي أن نسيان الله يؤدي إلى فقدان الإنسان لبصيرته بذاته ومعنى وجوده، وهذا هو أخطر أمر يمكن أن يقع فيه الإنسان، لأنه سيظل في غفلة دون قاعدة فكرية يبني عليها تصوراته الجزئية في الحياة. قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مّعْرِضُونَ﴾.
ومن ثم، فإن أخطر ما يهدد المجتمعات اليوم ليس التكنولوجيا في ذاتها، بل فقدان القدرة على التفكير المنتج، وعلى النظر إلى الأحداث من خلال رؤية فكرية واضحة. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة أدوات، بل معركة وعي وهوية ومعنى.
هذه الحالة من الغفلة ومن فقدان الذاكرة الجماعية تجعلنا غير قادرين على التفكير المنتج الذي هو أساس النهضة، فتجدنا نفكر في الإسلام ولا نفكر به، بل لا نملك أن ننظر من خلاله إلى الأحداث أي لا ننظر إلى العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها على أنها فكر سياسي، وهذا يبعد عنا سرعة الإدراك وسرعة الحكم على الوقائع حكما صحيحا.
ولذلك جاء في كتاب سرعة البديهة لمجدد هذا العصر العبقري والعالم الجليل تقي الدين النبهاني رحمه الله قوله: "المشكلة الآن ليست كيف نوجد التفكير؟ فإن التفكير موجود عند الناس بشكل طبيعي. بل المشكلة كلها هي الاستعمار الغربي. ذلك أن الغرب وقد عرف من دراسته ووعيه أن التفكير موجود، فصار همه كيف يعطله، أو كيف يجعله غير منتج أو معطلا عن العمل، وبالتالي كيف يجعله ضارا إن لم يستطع تعطيله".
تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دولة الخلافة الراشدة
لقد نشأ هذا القطاع (قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات) وترعرع وبنيت أسسه وأحكمت أصوله ومبانيه على يد الغرب الكافر وعلى أساس وجهة نظره في الحياة، وجعله سلاحا من أسلحته الاستعمارية لنهب الثروات وبسط النفوذ والتلاعب بالعقول وصناعة العملاء وإفساد شتى مناحي الحياة، وفرض نمطه المعيشي والسلوكي والأخلاقي، فكان له أثر أمضى من أثر الأسلحة العسكرية وأشد فتكا.
فلحاجة دولة الخلافة لهذا القطاع بكل فروعه التي تغلغلت في شتى شؤون الحياة، كان لا بد من وضع سياسة عامة في دولة الخلافة تنبثق عن العقيدة الإسلامية، وإعادة بناء هذا القطاع من جذوره بحيث يكون مبنيا على وجهة نظر الإسلام في الحياة، وهذا عين ما قام به حزب التحرير بناء على جهود ثلة نيّرة من شبابه، حيث أصدر مؤخرا كتابه كاملا تحت عنوان "دائرة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دولة الخلافة الراشدة"، وهي دائرة مهمة لها تأثير مباشر على سير أعمال الدولة وعلاقاتها، كما لها ارتباط وثيق بباقي الدوائر في الدولة، وخاصة دائرة الحربية ودائرة الصناعة ودائرة الأمن الداخلي ودائرة الخارجية.
ولذلك حري بمن يستعمل هذه الأدوات بصفة عامة وبحملة الدعوة ورجال الدولة بصفة خاصة ممن يتهيؤون لاستقبال المولود الحضاري القادم قريبا بإذن الله متمثلا بدولة الخلافة الراشدة، أن يسارعوا بقراءته وفهمه ونشر الوعي على تفاصيله والأحكام المتعلقة بهذا المجال بين الناس حتى يتيسر لنا عمليا تحقيق السيادة الرقمية كرافد من روافد الأمن القومي والخروج من كل أشكال الارتهان التكنولوجي الذي أوجده الكافر المستعمر، فنتحكم بالمعلومة ومصدرها ومجالات استخدامها، وبالبرمجيات وتطبيقاتها، وبالتكنولوجيا واستعمالاتها، وبالإلكترونيات وموادها ومعادنها وسلاسل إمدادها، وحتى بالأقمار الصناعية ومداراتها، فلا تبقى حكرا على رأسمالية مقيتة تستعبد الناس وتتعامل معهم كمجرد أرقام في معادلات ربحها المادي، وإنما نسعى لأن تعيد التكنولوجيا للإنسان كرامته وإنسانيته، ونحن أصحاب الرسالة المؤتمنون على مصير البشرية بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس وسام الأطرش