Logo
طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حين تتباكى الإمبراطوريات على المتظاهرين!

 

 

كلما اهتزّ نظامٌ خارج دائرة النفوذ الأمريكي، ارتفعت فجأة نبرة القلق العميق في واشنطن، ليتحوّل قمع المتظاهرين إلى جريمة كونية تستدعي التهديد والوعيد، وربما التلويح بالقوة العسكرية! والسؤال الذي يفرض نفسه بوقاحة الواقع: من فوّض أمريكا لتكون قاضياً وجلاداً في آنٍ واحد؟

 

إن الحديث عن توجيه ضربة عسكرية لدولةٍ معترفٍ بها في هيئة الأمم المتحدة بذريعة قمع احتجاجات داخلية، ليس فقط خروجاً على الأعراف الدولية، بل هو نفاقٌ سياسيٌّ فجّ. فلو كان دم المتظاهرين معياراً للتدخل، لكانت واشنطن أولى الدول التي تُدان وتُحاصَر وتُحاكَم؛ فتاريخها الحديث مكتوبٌ بجماجم الشعوب، لا بمواثيق حقوق الإنسان كما تدّعي.

 

أيّ وقاحةٍ هذه حين يتحدث من سوّى مدناً كاملةً بالأرض عن حماية المدنيين؟ وأيّ صفاقةٍ سياسية حين يُرفع شعار الحرية على فوهات المدافع التي لم تجلب يوماً سوى الفوضى والخراب، من العراق إلى أفغانستان، إلى غزة المنكوبة، إلى سوريا، إلى اليمن؟!

 

ومن دعم الانقلابات إلى رعاية الطغاة، كانت أمريكا دائماً في الصف الأول حين يُنتهك الإنسان، ما دام ذلك يخدم مصالحها. إن ورقة المتظاهرين ليست سوى ذريعةٍ رخيصة تُستخدم للضغط والتشويه وفرض العقوبات، لا أكثر. فالقرار العسكري لا يُتخذ بدافعٍ أخلاقي، بل حين تتعرض المصالح الكبرى للتهديد: النفط، النفوذ، أمن الحلفاء، وهيمنة القوة. أما دماء الشعوب، فلا وزن لها إلا بقدر ما يُستثمر سياسيّاً.

 

وهنا تتجلّى العنجهية في أقبح صورها: عنجهية القوة التي ترى نفسها فوق القانون، وتتعامل مع العالم بوصفه ساحة اختبار لإرادتها. من يملك القنابل يكتب الرواية، ومن يملك الإعلام يمنحها صفة الشرعية، حتى لو كانت مغموسةً بالدم!

 

إن المأساة الحقيقية ليست في كذب الخطاب الأمريكي فحسب، بل في استمرار بعض العقول في تصديقه. فالحروب لا تُشن دفاعاً عن المتظاهرين، ولا تُخاض من أجل كرامة الإنسان، بل تُدار لتثبيت الهيمنة وكسر الخصوم. وكل ما عدا ذلك خطابٌ تضليليّ يُعاد تدويره كلما اقتضت الحاجة. فحين تتباكى الإمبراطوريات على المتظاهرين، فاعلم أن الهدف ليس إنقاذهم، بل استخدامهم. أما العدالة التي تتحدث عنها واشنطن، فتبقى آخر ما يخطر ببال من جعل من الدم سياسة، ومن الدمار استراتيجية.

 

على الشعوب أن تدرك، بلا أوهام ولا سذاجة، أن أمريكا لا تبكي على الضحايا إلا حين تحتاج إلى دموعهم وقوداً لمشاريعها. فكل خطاب أمريكي عن الحرية ليس عهداً بالخلاص، بل إنذارٌ بالتدخل، وكل وعدٍ بالدعم ليس نجدةً، بل فاتورةٌ مؤجلة تُدفع سيادةً ودماً واستقراراً.

 

لقد علّمنا التاريخ أن من يفتح أبوابه للإمبراطوريات لا يستقبل الحرية، بل يستقبل الوصاية، ثم الفوضى، ثم الخراب. وأن الشعوب التي تراهن على الخارج لإنصافها، تُسلّم رقابها لمن لا يرى فيها سوى أدوات ضغط وبيادق صراع.

 

إن أخطر ما في الخداع الأمريكي ليس القنابل ولا العقوبات، بل تزييف الوعي؛ ليتحوّل القاتل إلى مُخلِّص، والهيمنة إلى دعم، والاحتلال إلى شراكة. لذلك، فإن الوعي هو خط الدفاع الأول، وفضح النفاق هو بداية التحرر. فأمريكا لا تحارب من أجل الشعوب، بل من أجل نفسها. ومن لم يفهم هذه الحقيقة مبكراً، سيفهمها متأخراً على أنقاض بلده وامتهان كرامته.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

 

 

وسائط

Template Design © Joomla Templates | GavickPro. All rights reserved.