- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
من ذاكرة الفتوحات إلى مشروع الخلافة
كيف يتحول التاريخ إلى وعيٍ سياسي يُغيّر الواقع؟
التاريخ في وعي الأمة ليس حكايات بطولات تُروى، ولا أمجاداً يُتغنّى بها في الخطب، بل هو سجلّ عمل سياسي حقيقي، يُبيّن كيف قامت دولة الإسلام، ولماذا سادت، وكيف دبّ إليها الضعف حين اختلّ الأساس. إن قراءة التاريخ بعينٍ مبدئية تكشف أن العامل الحاسم في نهوض الأمة لم يكن كثرة العدد ولا وفرة العتاد، بل وضوح الفكرة السياسية المنبثقة من العقيدة.
في معركة اليرموك، لم يكن المسلمون يواجهون جيشاً عادياً، بل قوة عظمى تمثل إمبراطورية مترامية الأطراف. ومع ذلك، ثبتوا لأنهم لم يكونوا جيشاً قومياً يسعى لتوسيع نفوذ أرضي، بل كانوا حملة رسالة. العقيدة عندهم لم تكن عاطفة، بل أساس دولة ونظام حياة. كانوا يدركون أن القتال ليس غاية، بل طريقة لإزالة الحواجز التي تمنع الناس من سماع دعوة الإسلام. هذا الوعي هو الذي حوّل القلة إلى قوة مؤثرة في مجرى التاريخ.
وفي صلح الحديبية، بدا لكثير من الصحابة أن الشروط قاسية، لكن القيادة النبوية نظرت بمنظار الدولة لا بمنظار اللحظة. لم تكن السياسة ردّ فعل عاطفي، بل تخطيطاً استراتيجياً منضبطاً بالوحي. بعد سنوات قليلة، تحقق فتح مكة، وتبين أن ما ظنه البعض تنازلاً كان خطوة في مشروع متكامل. هكذا تُدار الدولة حين تكون العقيدة أساس الرؤية، لا الانفعال ولا ضغط الشارع.
ثم جاء فتح مكة ليجسد مفهوماً آخر. لم يتحول النصر إلى انتقام، بل إلى تثبيت لمبدأ سياسي. القيادة هنا لم تكن تبحث عن تصفية حسابات، بل عن تأسيس استقرار دائم يقوم على احتواء الناس داخل إطار الدولة الإسلامية.
وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تجسدت قيمة المحاسبة. لم يكن العدل شعاراً أخلاقياً، بل نظاماً عملياً. الوالي يُحاسَب، والمال العام يُصان، والرعية قادرة على الشكوى. الدولة كانت ترعى شؤون الناس بأحكام الشرع، لا بمزاج الحاكم. وهذا هو معنى أن يكون السلطان للأمة، وأن تكون السيادة للشرع.
هذه النماذج تكشف قاعدة ثابتة حين تكون العقيدة أساس الحكم، وحين تكون الدولة حاملةً لمشروع عالمي، تنهض الأمة. أما حين يتراجع هذا الأساس، ويبدأ الحكم يتحول في بعض مراحله إلى ملك يُورث، وتضعف آلية المحاسبة، وتتقدم العصبيات على المبدأ، فإن البناء يبدأ يفقد صلابته، ولو بقي قائماً ظاهرياً.
ومع مرور الزمن، تراكمت مظاهر الضعف، حتى جاءت اللحظة المفصلية في العصر الحديث بهدم الخلافة العثمانية سنة 1924م. هنا لم يتغير حاكم فحسب، بل أُزيل الكيان السياسي الجامع للأمة، واستُبدل به مفهوم الدولة القُطرية الوطنية. تحولت الأمة الواحدة إلى كيانات مجزأة، يحكمها عميل وكيل للغرب ينفذ سياساته فيها، ولكل منها علم ونشيد وحدود، لكنها فقدت رابطتها السياسية الجامعة.
هذا التحول لم يكن إدارياً فقط، بل فكرياً عميقاً. فبدل أن تكون السيادة للشرع، أصبحت للدستور الوضعي. وبدل أن يكون التشريع منبثقاً من الكتاب والسنة، صار من إرادة البشر. وبدل أن تكون السياسة الخارجية قائمة على حمل الدعوة، أصبحت قائمة على التوازنات الدولية والارتهان للقوى الكبرى.
النتيجة التي نراها اليوم من تجزئة سياسية، وتبعية اقتصادية، وصراعات حدودية، وارتهان للمؤسسات الدولية ليست حوادث منفصلة، بل ثمار طبيعية لبنية لم تُبنَ على أساس العقيدة. المشكلة إذن ليست في فساد شخص أو تقصير مسؤول، بل في طبيعة النظام نفسه، وكونه بيئة خصبة حاضنة لكل أنواع الفساد.
الرؤية السياسية المبدئية الحقيقية التي تصلح لنهضة دائمة، تنطلق من أن الإسلام مبدأ كامل، يتضمن نظام حكم محدد المعالم، يقوم على أن السيادة للشرع، والسلطان للأمة، والخليفة يُبايَع على تطبيق الإسلام، ويُحاسَب إن خالف. هذه ليست شعارات عاطفية، بل أحكام شرعية مستنبطة من الأدلة، وتجربة تاريخية طبقتها الأمة قروناً.
هنا يصبح التاريخ خريطة طريق لا مرثية أطلال. اليرموك تعني أن وضوح العقيدة السياسية يصنع قوة حقيقية. الحديبية تعني أن الدولة تحتاج رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فتح مكة يعني أن القيادة تضبط الانتصار ولا تنجر إلى الانتقام. وعدل عمر يعني أن الاستقرار لا يقوم إلا على محاسبة حقيقية وعدل شامل.
وفي المقابل، لحظات الضعف في التاريخ تعني أن الداخل إذا اختلّ، فلن تحميه التحالفات الخارجية. وأن التفكك يبدأ حين تُفصل السياسة عن العقيدة، وحين يُختزل الإسلام في الجانب الروحي، ويُستبعد عن الحكم والاقتصاد والعلاقات الدولية.
إننا في مقام الرائد والناصح الذي يذكّر الأمة بأن هذا الكتاب أنزل ليُحكم به. العبادة تضبط الشهوة، لكنها ينبغي أن توقظ الوعي. فكما يجاهد المسلم نفسه ليلتزم بالعبادات والطاعات ويترك بعض المباحات طاعة لله، ينبغي أن يجاهد فكره ليعيد النظر في واقع سياسي لا ينطلق من عقيدته. إن استئناف الحياة الإسلامية ليس حنيناً للماضي، بل استجابة لأمر شرعي، وضرورة عملية لتحرير القرار السياسي وتوحيد الأمة.
إن الخطوة الأولى في مشروع النهوض ليست عسكرية ولا اقتصادية، بل فكرية سياسية تشمل إعادة تعريف معنى الدولة في وعي الأمة. وأن تدرك أن وحدتها السياسية فرض، وأن نظام الحكم في الإسلام محدد، وأن التغيير لا يكون بترقيع الأنظمة القائمة، بل بإقامة كيان سياسي جامع؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.
التاريخ لا يتحول إلى قوة إلا إذا تحول إلى وعي. والوعي لا يصبح فاعلاً إلا إذا تُرجم إلى عمل سياسي مبدئي منظم، يصارع المفاهيم الدخيلة، ويكشف زيفها، ويقدم البديل المتكامل. بين ذاكرة الأمة ومستقبلها خيط واحد: الفكرة الصحيحة. فإذا عادت البوصلة إلى موضعها، وعادت السيادة للشرع، عادت للأمة مكانتها وريادتها.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود الليثي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر